تابعنا على

دفءُ نار

ما لا نجرؤ على قوله… ونقولُهُ

نشرت

في

هناك جملة من التوضيحات لا بد منها قبل التوغّل في هذه الورقة غير التقليدية لأنها محفوفة ببعض مخاطر سوء التأويل واعوجاج الفهم. أوّلا لا بد من التأكيد على أن القصد الأساسي ليس التشويه الممنهج كما تفعل عدة قوى سياسيّة أو الإساءة لأشخاص بعينهم وثانيا لأن اقتناعي شديد في نفس الوقت بأن التجرّؤ على إثارة مثل هذه المسائل على قساوتها هو أكثر من ضروري لأننا لا نستطيع التقدم باتجاه محاربة عديد التشوّهات وضمان عدم تكررها ما لم نواجهها بشجاعة ورباطة جأش.

منصف الخميري Moncef Khemiri
<strong>منصف الخميري<strong>

____مثلا، نحن بصفة عامة (من هم محسوبون على إعلاء علاقتهم بتونس إلى درجة الأمومة المقدّسة) لا نَقْدِرُ على الإقرار بأن مؤسّساتنا العمومية كانت قبل الثورة على ملك السّلطة الحاكمة تفعل فيها ما تشاء وتوظفها كما تشاء وتسعى دوما إلى إلحاقها بمشاريعها وبرامجها السياسية، وتُقتسم فيها الكعكة غالبا بين الشعبة الدستورية والنقابة الأساسية في إجراء النُّقل وتوزيع الامتيازات وتقاسم التعيينات. أما بعد الثورة، فقد افتكّت النقابات (باسم قلعة حشاد وأحبك يا شعب والتصدي للتفويت ومقاومة الاستغلال الوحشي…) صلاحية الإشراف على هذه المؤسسات وراحت تمارس نفس ما كانت تمارسه السلطة قبل 2011. وبلغ استقواء النقابات حدّ الحلول محل سلطة الاشراف واتخاذ قرارات ليست من صلاحياتها مثل غلق المؤسسات التربوية وإقرار العطل في غير فصلها ورفض تعيينات ومُباركة أخرى…خاصة أن كل الذين حكموا بعد 2011 لا تُزعجهم كثيرا حالة الفوضى العامّة وتراجع أداء الدولة وسيادة منطق “ذراعك يا علاّف”.

____كذلك نحن لا نستطيع الاعتراف بأن القدرة على افتكاك مواقع نقابية انتخابيا (كما في نتائج الانتخابات عموما) لا يرتبط بمستوى الكفاءة ولا بالصدق في الدفاع عن مصالح المنخرطين بقدر ما يرتبط بمهارات أخرى مُنبنية على اعتبارات عروشية أحيانا وإتقان فنون الطريزة والخياطة أحيانا أخرى ويصل الأمر في بعض المواقع إلى البلطجة وشتى أنواع الممارسات الخسيسة.

____وأيضا لا تتوفر لدينا الجرأة الكافية في كثير من الأحيان على القول بضرورة إجراء فرز حقيقي يصنف التحركات الاحتجاجية إلى محورين متناقضين تماما : محور التحركات الأكثر من مشروعة التي تسعى إلى استرداد حقوق مسلوبة وفرض تلبية الحاجيات الأساسية للمواطنين والتصدي للتلاعب بالمال العام ومقاومة محاولات ضرب السيادة الوطنية من ناحية، ومحور ثان تمثله التحركات التي يقودها قطاع الطرق والصعاليك وقاطعو الأرزاق والزّعران بأصنافهم من ناحية ثانية.

____أمّا عبارة “المُعطّلون عن العمل” فيُقصد بها غالبا الذين رُفضت ترشحاتهم في الوظيفة العمومية تحديدا وليس من حالت طبيعة النسيج الاقتصادي ومناويل تطوير مؤسساتنا دون تمكينهم من تفعيل مهاراتهم وتثمين تكوينهم. وبالتالي فإن النسبة الحقيقية للبطالة في تونس أقل بكثير من النسبة المُعلنة لأن عددا كبيرا من الشباب في سن الشغل يرفض العمل في غير ما تكوّن فيه من اختصاصات… رأيت في الآونة الأخيرة رعاة فرنسيين وألمانا فخورين جدا بمواشيهم وأراضيهم وأجبانهم وديكتهم وإدامة تراث الأجداد، بينما شبابنا مازال يخجل من إعلان انتمائه إلى ريف قادر على تحدي عزوف الدولة عن إحيائه.

____كما لا نجرؤ على القول إن استنكار رداءة الواقع العام لا يُعفي من الوقوف على بؤس العقلية السائدة لدى شريحة واسعة من المواطنين المساهمين بفعالية قصوى في دفن قيمة العمل وتلويث البيئة ونشر ثقافة الرشوة والإثراء السريع وتدبير الراس وإهانة الفقير وتبخيس العلم وتبجيل المشعوذين وتقدير الخونة والمتعالين وبيع الضمائر واحتقار الذات …

____وأعتقد أيضا أنه علينا الإقرار بأن الاختلاف مع الخصوم ومع الناس عموما لا يُشرّع استدعاء كل ذلك القاموس من النّعوت البشعة من قبيل الجرذان والزواحف والخنازير والصراصير والضباع والديدان… مقابل أسود ولبؤات وكواسر وبلابل وسنونوات تُنشد الوطن والحرية.

____ولم لا نجرؤ على القول بأن الموظف (خاصة بعد الثورة مع ضرورة استثناء نسبة مهمّة من الموظفين المحترمين والنزهاء والذين يشفعون لبؤس المشهد الإداري بأكمله) أصبح يعتبر كرسيّه “ملك السيّد الوالد” يستغلّه بوحشية وجشع لابتزاز المواطنين وتصيّد الجميلات والتعويض على عاهات نفسية دفينة تغلغلت فيه لأنه لم يعالجها في الإبان بواسطة عُمق الثقافة والسّفر ومقارنة أدائه بأنداده في بلاد العالم ومعاقرة روائع السينما والأدب والتحليق خارج دائرة “وْحَيْدة شيشة بالجيراك ما يعطيهالك كان الخالق.” ؟

____من ناحية أخرى يتّفق كلّنا مع كلّنا أن الأمهات جديرات بكل آيات الحب ولكنّهن لسْن دائما على كل تلك الدرجة من القداسة والتأليه لأن العائدات من إدلب ومصراتة بكتيبة من الأطفال “الشرعيين” هن أمهات، ومروّجات الزطلة والأقراص أمام مؤسساتنا التربوية هن أمّهات، واللواتي تربّين أجيالا من الحاقدين والقنابل الموقوتة …هن أمهات. فجرعة من العقلانية والتّنسيب في “تخميرة” الاحتفال بعيد الأمّ لا بدّ منها.

____ نجرؤ كل يوم على إدانة رداءة المشهد الاعلامي ولكننا مواظبون على متابعة منشطين رصيدهم الوحيد القدرة على الاستثمار في الابتذال بالنسبة للذكور ومنشطات ليس لهنّ من رصيد غير ما وهبته إيّاهنّ الطبيعة … نُدين ونستنكر كل يوم ونحزن ولكننا لا نقرأ أكثر من ليلى والذئب، بل نكره الكتاب ولا نُدرك أننا نُربّي أبناءنا على ذلك من حيث لا نشعر.

____نمتنع أيضا عن الاعتراف (لأننا نخجل من صورتنا في المرآة) بأن التديّن لا يمنع من التّجاوز بشتى أنواعه بل روح المواطنة الحقّة هي التي تمنع، وأن الحجّ لا يغسل الذنوب بل الضمير، وأن التشبّه بالغرب فيما هو نيّر وإيجابي ومحفّز ليس جريمة بل أمرا محمودا وخاصة… أن كل هؤلاء الذين لا يشبهونك في تديّنك لم يطلبوا منك أن تتدخل لفائدتهم يوم القيامة.

وأقول في الأخير إننا لا نريد مواجهة رفضنا اللاواعي لحقيقة أنه بعد رحيلنا سيذكرون في نوع من الرياء الاجتماعي الموروث والمتأصل أننا كنا “ذوي دماثة أخلاق لا توصف” ولكن سيتذكّرون في سرّهم وفي الدوائر المغلقة كل بشاعاتنا وسيئاتنا وكل ما فعلناه في حقّ هذا الوطن والشعب.

أكمل القراءة
تعليق واحد

تعليق واحد

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

دفءُ نار

رمضان.. و حالة الطوارئ الغذائيّة…

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبير عميش:

حالة طوارئ لدى العائلات، فمنذ أيام وحتى قبل حلول شهر رمضان بدأ الاكتظاظ والازدحام… حركة المرور تكاد تكون مشلولة… طوابير من السيارات أمام المغازات الكبرى وصفوف أمام محلات صنع المرطبات والحلويات وأمام باعة اللحوم والدواجن والأسماك والخضر والغلال والفواكه والتوابل… وما تسمع كان “آش حضّرت لرمضان؟” وتتواصل هذه اللهفة وهذه المظاهر حتى بعد حلول الشهر.

حالة طوارئ لدى الدولة، وهي تُطمئن الشعب عبر بلاغاتها بأنها تمكنت من تخزين لا أدري كم من مليون بيضة وأنها ضخّت كميات إضافية من الزيت النباتي المدعّم ومن السكر والفارينة، وحالة استنفار لدى المسؤولين الذين يؤكدون على تسعير اللحوم وعلى الصرامة في مراقبة عمليات البيع ويهدّدون المخالفين ويتوعدونهم (لكن في بلادنا ديما الواقع يخالف الكلام والمواد المدعومة ناقصة أو مفقودة وأسعار الحكومة موش هي أسعار الواقع).

حالة طوارئ في الإذاعات والتلفزات ، فلا تجد سوى أحاديث عن قضْية رمضان ومواكبة لواقع الأسواق ولا تسمع إلاّ برامج الطبخ والتصنيف ولا تتابع إلا إعلانات عن الطعام هذا للإفطار وهذا للسهرة وهذا للسحور…

حالة طوارئ في الشوارع والمجالس، فلا ترى إلا اللهفة في العيون ولا تسمع إلا اشنوّة المنيو الليلة؟ وحديثا عن الشوربة والبريك والسلايط والطبق الرئيسي والحلويات ولوازم السهرة.. كل هذا من أجل شهر الصيام الذي يفترض أنّه مجعول للتراحم والاحساس بالفقراء والزهد والاعتدال.. فرمضان في جوهره ليس شهر الإفراط في الطعام، بل شهر التخفف، وضبط النفس، وتغيير العادات الغذائية، وفرصة للتخلص من التخمة والسكريات والوزن الزائد. والصوم هو مدرسة للصبر والتوازن، لا موسما لمضاعفة الاستهلاك…

لكن في بلادنا وفي البلدان العربية خرج رمضان من غايته ومقاصده الأساسية ليصبح شهر الاستهلاك بامتياز إلى درجة أن البعض يستدين أو يقترض لمجاراة نسق الاستهلاك العالي، وصارت المائدة هي الغاية وصرنا نرى القيمة في تعدّد الأطباق، ونسينا أنّ رمضان فرصة لإصلاح علاقتنا مع ذواتنا ومع أجسادنا وأنّه ليس سباقا نحو الموائد… بل عودة نحو القيم… وأنه شهر الرحمة موش شهر اللحمة، وشهر الرأفة موش شهر اللهفة.

أكمل القراءة

دفءُ نار

بورِك رمضانكم

نشرت

في

(اللوحة من تصميم الفنان الكبير محمد الأطرش)

Motif étoiles

أكمل القراءة

دفءُ نار

مُراكمة اللّغات بدلاً من تحاذُفها*  

من أجل تعزيز القدرات التواصليّة للتلميذ، عوضا عن تعليم القواعد الحجريّة منذ الطفولة الأولى

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

منصف الخميري:

تفاعلا مع ما يجري من نقاش في الآونة الأخيرة حول واقع تدريس اللغات في بلادنا وتراتبيّتها الهيكلية وتدنّي المستوى العام للتلميذ التونسي، لا فقط في اللغات الأجنبية بل وفي اللغة العربية الأم كذلك، يهمّني أن أدلي ببعض الملاحظات بهدف الوقوف على بعض أوجه هذه “العلّة” الحقيقية التي تُعيق نجاح بناتنا وأبنائنا وتميّزهم وبهدف صياغة بعض المقترحات التي قد تساعد على تجاوز واقع الحال.

ما يُلاحظ أوّلا

أن المستوى العام لتلاميذنا في اللغات وكذلك في الفلسفة باعتبارها مادة مؤثرة وباعثة على التفكير المنطقي على طول مسار التلميذ حتى في التعليم العالي وفي المسارات العلمية والهندسية (أنظروا في هذا الصدد الاثار الفلسفية والفكرية المُبرمجة سنويا في الاقسام التحضيرية العلمية للمدراس الهندسية الفرنسية الكبرى) كما تعبّر عنه المعدلات المُحرزة في الباكالوريا، هو مستوى متدنّ للغاية لا يُساعد في كل الأحوال على مباشرة دراسات جامعية تتطلب مهارات لغوية وتواصلية كبيرة مهما كان حقل الاختصاص. إذ أن :

  • 54.41 % من المُحرزين على الباكالوريا تحصلوا على 10 أو أقل من عشرة في مادة العربية في كل الباكالوريات مجتمعة (76180 ناجح سنة 2025).
  • 39.37%  تحصلوا على عشرة أو أقل في مادة الفرنسية
  • 32.64 %  تحصلوا على عشرة أو أقل في مادة الانكليزية
  • 60.12 %  تحصلوا على عشرة أو أقل  في مادة الفلسفة

وهذا يعني أن ضعف مستوى ناشئتنا في لغتهم الأم يُثير مخاوف أكبر من تلك التي يُثيرها ضعف المستوى في اللغات الأجنبية، بالرغم من “اليُسر العام” في اختبارات امتحان العربية في الباكالوريا التي تُضاهي مستوى امتحان التاسعة أساسي كما يُقرّ بذلك السادة المتفقدون. وقد يعود هذا “الجفاء” إزاء الفُصحى إلى وعي تلميذ اليوم بأن اللغة العربية لن تعترض سبيله في جميع المسارات الجامعية إلا إذا اختار شعبة اللغة والآداب العربية من ناحية، ومن جهة أخرى إلى عدم سعي الدولة منذ عقود – رغم براعتها في تصريف اللغة- إلى تفعيل العربية لتكون لغة ناقلة للعلوم والتكنولوجيا والمعارف المختلفة، كما هو الحال بالنسبة إلى الصينية أو اليابانية أو الفارسية أو التركية عندما تمّ تحطيم الأسطورة القائلة بأن “العلوم تلينُ –طبيعيا- للّغات الأوروبية”. مع الاعتراف كذلك بأن الانزياح القائم اليوم بين العامّيّة والفصحى la diglossie في لغتنا يزيد الأمر تعقيدا إضافيا لا تعاني منه بلدان أخرى مثل روسيا أو الصين أو كوريا الجنوبية.

ثانيا : تدنّي مستوى تلاميذنا في اللغات هو عابر لجميع الباكالوريات، لكنه أكثر فداحة في شعب مدرسية بعينها : الاداب، والاقتصاد والتصرف، والإعلامية أساسا.

إن نسبة التلاميذ الذين لا يحصلون على المعدّل في العربية تساوي 70% في الباكالوريا آداب و69 % في الباكالوريا اقتصاد وتصرف و 65.38 %  في علوم الاعلامية (هل تشابه النسب الثلاثة هو مجرد صدفة ؟ لا أعتقد شخصيا ذلك) . بينما لا تتجاوز هذه النسبة الـ 14.11%  في باكالوريا رياضيات ! ومن المفارقات  أيضا أن نسبة الحاصلين على أكثر من عشرة في مادة العربية تصل إلى 65.71 % في باكالوريا علوم تجريبية بينما لا تتجاوز 25.89 % في باكالوريا آداب على سبيل المثال.

ولتدعيم هذه الحقائق، فإن :

من تحصلوا على عشرة أو أكثر في الفرنسية باكالوريا آداب، تساوي نسبتهم  30.30 %  مقابل 81.58 % في باكالوريا رياضيات.

أما من تحصّلوا على أكثر من عشرة في مادة الانكليزية فنسبتهم تساوي 36.27 % في باكالوريا آداب في حين تبلغ 86.68 % في الرياضيات و 47.47 % في العلوم التقنية و 58.14 % في العلوم التجريبية.

وفي مادة الفلسفة، كانت معدلات الشعب العلمية أفضل من باكالوريا آداب، حيث بلغت على سبيل المثال نسبة المتحصلين على عشرة فما أكثر  46.19 %   في الاداب مقابل 54.17 %  في الرياضيات.

ذلك يعني – في ما يعنيه- أن ما تكسبه منظومتنا التربوية من جودة على مستوى تملّك اللغات بفضل جيوب التميّز في الباكالوريات العلمية بصورة خاصة، سرعان ما يتلاشى على مستوى المعدلات العامة جرّاء تدهور مستوى الملتحقين بشكل جُزافي يفرضه غياب البدائل الأخرى نحو شعب الآداب والاقتصاد والتصرف وعلوم الاعلامية بصورة خاصة.

وبناءً على ذلك، يصحّ القول بأن أزمة اللغات في مدرستنا التونسية هي أزمة مُركّبة تتداخل فيها طبيعة البيداغوجيا المُعتمدة في تدريس “التكلّم الصّرف المُنهمر دون كلفة أو وجل”  قبل “كيف نتكلّم ووفق أي قواعد نتكلّم” ومستوى تكوين المُدرّسين وغياب التوجهات الوطنية الواضحة (غير الشعاراتية) للدولة وهيكلة التعليم وما يُعرض من شعب ومسالك إلى جانب ما يغيب من معابر ومختصرات.  

ثالثا : النحو الداخلي بواسطة الشفاهي والتواصل في وضعيات ذات معنى بالنسبة إلى التلميذ بدلا من قصفه منذ بدايات ابتهاجه بمفاتن اللغة، بما اختلفت فيه البصرة والكوفة والتمييز بين المفاعيل عندما يبدأ التأويل.

يبدو أن تلميذنا التونسي لا يُقبل على درس اللغة – مهما كانت هذه اللغة- بشكل فيه فرحة التعلّم وبهجة التعبير عن مشاعره والدّفع بما يعتقده صحيحا أو خاطئا…خوفا من الاصطدام بقواعد اللغة الصمّاء والاشتباك غير محمود العواقب مع شرطة العدد والمعدود والممنوع من الصرف وخشية التّيه في متاهات اللغو والوقوع في شراك حِباله التي كلما صعدت درجة وإلا وزاد طولها ورعونتها. من الأمثلة الناجحة اليوم ـأكثر من غيرها- في إقدار الأطفال على تعلّم اللغات (الوطنية والأجنبية على قدم المساواة) هي اللوكسمبورغ وسنغافورة، حيث تُمارس ما يُسمّى بالمقاربات الانغماسية في تدريس اللغات (يعجبني شخصيا أكثر تعبير تعلّم اللغات بواسطة المعايشة أو بواسطة الغَمر، كما في تقنية السّقي الزراعي) بحيث لا تكون اللغات “مواد مستقلة بذاتها تُدرّس بشكل قواعدي صرف” بل تكون بمثابة  قنوات للريّ اللغوي غَمرا أحيانا وقطرة قطرة أحيانا أخرى، من خلال وضعيات لعبيّة مرحة وألعاب أدوار تواصليّة مُحفّزة … خاصة في المراحل التعليمية الأولى. فلا يتمّ بالنتيجة تبجيل البعد الهيكلي (النحو) على البعد الاستعمالي الحيّ (الحياة) حتى لا يُكبّل اللسان قبل أن ينطق بعدُ.  

يقول أصحاب هذا التوجّه بأنه لا يجب أن نُعطي الطفل دروسا تشريحية حول مهمة العضلات والأنسجة والأوتار من أجل تعليمه كيف يمشي، لأن الانسان يتعلم المشي من خلال فقدان التوازن والمحاولة والخطأ والغريزة… فإذا كان النحو هو التركيبة البنيوية للغة فالكلام هو حركتها.

رابعا وأخيرا : لا نُواجه ظاهرة ضعف تلاميذنا في اللغات، بالعقاب والمنطق المردود بعد الباكالوريا !

بعد حصولها على معدّلات الباكالوريا للتلاميذ وأعدادهم في كل المواد التي تمّ اجتياز الامتحان فيها، تعمد وزارة التعليم العالي إلى احتساب ما تُسمّيه بمجموع النقاط لترتيب التلاميذ وتوزيعهم على مختلف مسالك التكوين لديها (اعتماد الحساب مع الاستئناس باختيارات كل مترشح للتوجيه الجامعي وكيفية ترتيبها).

هنالك إجراءان لافتان للانتباه في هذا الخصوص وجب التوقّف عندهما :

– يتكوّن هذا المجموع من عنصرين أساسيين هما المعدل العام للتلميذ في الباكالوريا ضارب 4 يُضاف إليه 6 ضوارب خصوصية أخرى موزّعة على المواد الأساسية في كل شعبة من شعب الباكالوريا (مثلا بالنسبة إلى الرياضيات يُضاف الى المعدل العام ضاربان للرياضيات وضارب ونصف للعلوم الفيزيائية ونصف ضارب لعلوم الحياة والأرض وضاربان للفرنسية والانكليزية …). بمعنى أن معدلات التلميذ في الباكالوريا، المتدنية بصورة عامة  تُحتسب مرتين في هذه الحالة : مرة في المعدل العام ومرة ثانية في الضوارب الخصوصية…بما يجعل منه إجراءً عقابيا لا موجب له، يُعيق التلميذ في الحصول على ما يرغب فيه بدلا من تحييد هذه الهِنات وتذليل تبعاتها.

– إضافة أعداد الفرنسية والانكليزية إلى مجموع النقاط (المُحتسبة بعدُ في المعدل العام) برّرته وزارة التعليم العالي حين إقراره بـ “ضرورة تحفيز تلميذ الباكالوريا على تحسين مستواه في اللغات الأجنبية” وهذا ضرب من الديماغوجيا الصرفة لأن التلاميذ لا يهمّهم الاطلاع على كل هذه التفاصيل الفنية إلا بعد نجاحهم النّاجز ومواجهة استحقاقات ما بعد الباكالوريا.

ونقول في النهاية بدون أي تحفّظ إن:

إيجاد روافد إسناد لغوي خارجي في العائلة والمحيط ووسائل الاعلام (لا وجود لأي برنامج إذاعي أو تلفزي جادّ أو ترفيهي حاليا في تونس يُعنى باللغة أو الثقافة) وحسم ازدواجية تدريس العلوم باللغة العربية ثم اللغة الفرنسية بشكل جريء وبعيد عن الهوويات الكريهة والتمسك بـ “فرنسية” لم نخترها على حدّ سواء، ومراجعة الطرائق التي نُدرّس بها اللغات، وإيجاد الحوافز المُجزية لمدرّسي اللغات خاصة في المناطق المنسيّة حتى ننهض بمستواهم .. وغيرها قد تشكّل حزمة من الاختيارات التي تُساعد على إطلاق ألسنة ناشئتنا بما يُصلّب عودهم دراسيا وشغليّا، ويُخرجهم من مُربّع اليُتم الحضاري وفقدان السّند اللغوي المطلوب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* التحاذف، كلمة فرضها سياقها في علاقة بدعوة البعض إلى قلب الهرميّة المعتمدة وجعل لغات معينة تحذف أخرى.

أكمل القراءة

صن نار