جور نار
ما يُمكن أن يُقال …في مفتتح سنة أخرى للنجاح ومراكمة المعارف
نشرت
قبل سنتينفي
من قبل
منصف الخميري Moncef Khemiri“مساعدة مبالغ فيها يمكن أن تؤدّي إلى الحلول محلّ أبنائكم حتى تجدوا أنفسكم تقومون بالواجبات المدرسية اليومية عِوضًا عنهم، ولكن مساعدة باهتة أو منقوصة أو منعدمة يمكن أن تُبقيهم سجناء صعوباتهم وفاقدين للقدرة على اللّحاق بقطار التعلمات السريع.”
قصّة الطفل لويس مهمّة، لكنها بحاجة إلى التنسيب :
طفل فرنسي يُدعى لويس كان لا يحب المدرسة وتميّز دائما بكونه خجولا وميّالا إلى العزلة ولا يتمتّع بأية سيولة في الكلام وأداء السّلام. كان لا يحب اللغة الفرنسية ولا مادة الرياضيات. عائلته الميسورة اجتماعيا “دخلتها غولة” لأن لويس سيكون في أسفل السلّم العائلي، خاصة أن شقيقه الأكبر زاول تعلمه العالي الهندسي بشكل متميز وأصبح يمثل مفخرة العائلة وحامل لوائها ؟ ظنّت عائلته في البداية أنه ضحية المقارنة بأخيه، لا شيء من هذا لأن لويس لا تعنيه المقارنات والنياشين المدرسية. خيّر في سنّ مبكّرة أن يُهيّئ لنفسه ما يُشبه الورشة الصغيرة في زاوية من منزلهم العائلي يفكّك فيها ويركّب ويتأمّل ويُجرّب… وعوض الذهاب إلى المدرسة اختار لويس أن يكون عاملا متربّصا في معامل سربولي للميكانيك الشهيرة.
هو لويس رينو Louis Renault الذي قدّم أول براءة اختراع وعمره لم يتجاوز 22 سنة وستتلوها 500 براءة أخرى … حتى أصبح على مرّ السنوات على رأس إمبراطورية لصنع السيارات ومحركات الطائرات والمدافع الحربية. لكن اسمه شاع خاصة بفضل سيّارات رينو التي غزت العالم بأسره.
وهو الذي قال سنة 1934 أمام التطوّر الهائل في شركة أندريه سيتروين “أنا سعيد جدا بأن يكون السيد سيتروين منافسا لي، لأنه يدفعك للعمل ويُجبرك على المُصارعة”.
هذا يعني أن لويس كان قادرا على “التعلّم” وبشكل جيّد … في 1908 حين كان العالم خاليا من الكتب والأدلّة المتخصّصة ووسائل الاتصال الحديثة واليوتيوب والهاتف المحمول … كانت طريقا وعرة وشاقّة جدا تنعدم فيها الإنجادات والمساعدات وتتكدّس فيها أطنان من المصاعب والتضييقات، إذ كان عليه أن يتعلم لوحده قوانين علم الميكانيكا ومبادئ التصرف والمحاسبة وإدارة الأعمال وقواعد اللغة الفرنسية وأساليب الرّسم والتصميم الفنّييْن (دون مساعدة الحاسوب كما هو الشأن اليوم).
المدرسة لم تكن بالنسبة الى لويس رينو السياق الأمثل لتعلّم ما كان مهووسا به ومُدركا أن فهمه للنجاح غير فهم المدرسة له وأن الذي كان يشغل ذهنه باستمرار لم يكن مشغل المدرسة التي تردّد عليها لبضع سنوات. كان في حاجة إلى مربّع تعلّمي مختلف لكوْنه كان مختلفا. وكانت قوّته الأساسية تكمن في أنه اكتشف ذلك مُبكّرا وتجنّب بالتالي الوقوع في فخّ ” أعدادي ضعيفة ولم استطع التعلّم وفق انتظارات المدرسة والمدرّسين، إذن أنا سيّء وفاشل”. وهو نمط سلبي للتفكير غالبا ما تعتمده شريحة واسعة من التلاميذ الذين يعانون من صعوبات مدرسية مُعيقة ومهدّدون بالانقطاع في أية لحظة.
هذا لا يعني بطبيعة الحال أن المدرسة لا لزوم لها، وإنما ذلك يعني :
___ أن لكلّ واحد طريقته في التعلّم، لكن المدرسة بصورة عامة مازالت متشبثة بفلسفة للتربية تَنشُد عرْضا مُوحّدا ومنهجا موحّدا ونموذج نجاح موحّدا للجميع… فيتأقلم البعض ويتعبُ البعض الآخر حتى يتأقلم، وينسحب جزء آخر عدده غير قليل لأنه استحال عليه التأقلم.
___ أن المدرسة أفضل ما اكتشفته الانسانية إلى حدّ اليوم من أجل “تعليم المبادئ الأساسية للحياة الأخلاقية ونشر العلوم والمعارف” كما يقول المؤسّسون، لكنها في نفس الوقت إذا كانت إطارا جيدا وملائما بالنسبة إلى البعض من الذين نجحوا في التماهي مع متطلبات المدرسة واشتراطاتها، فهي ليست بالضرورة كذلك بالنسبة إلى البعض الآخر من الذين يرتبط القِسم في أذهانهم بالضّجر والملل وإضاعة الوقت.
وعليه، فإن المستقبل لن يكون لتدمير المدرسة وتجاوزها والادّعاء أن “اليوتيوب” أصبح أفضل مدرّس في العالم، وإنما على المدرسة أن تُغيّر فلسفتها للتربية وتُجهِد نفسها بدلا من إجهاد الآخرين وتحاول التكيّف مع خصوصيات الأفراد الذين يؤمّونها بدلا من إجبار المتعلّمين على “تكيّف” هم غير قادرين عليه.
ولها في لويس رينو وريتشارد برونسون (مؤسس شركة فيرجين) وستيف جوبس (مؤسس العملاق آبل) وغيرهم… أمثلة لتلاميذ على قدر استثنائي من الذكاء والنّبوغ استبعدتهم المدرسة بــ “غبائها” وحكمت عليهم بالفشل ومسالك الانحراف المختلفة… لولا بعض الإصرار الذاتي والقدرة الفائقة لديهم ولدى أوليائهم على تحييد أصوات الإحباط وإبطال مفعولها.
ويبقى السؤال جاثما على صدور جميع المهتمّين بمثل هذه المفارقات المدرسية : بأية وتيرة وأي انتظام وأي تواتر تَقدر المجتمعات على إنجاب نوابغ وذكاءات و”فلتات” تستطيع تحدّي المدرسة التقليدية/المعاصرة وانتهاج “السُّبل البِكر” كما يقول محمود المسعدي لإحراز النجاح والتفرّد ؟ وما هو العدد التقريبي لمن يستطيعون النجاح دون شهائد ؟ وما هي نسبة العلماء والمكتشِفين وروّاد الأعمال والرياضيين العالميّين الذين تألّقوا خارج أسوار المدارس والجامعات من مجموع ملايين المتعلّمين ؟
النسبة ضئيلة جدا بكل تأكيد والواقع يؤكّد العكس تماما، أي أن نسبة الذين يرتقون اجتماعيا بفضل المدرسة أكبر بكثير من الذين يرتقون بدونها. زد على ذلك أن أغلب الذين قاطعوا التعليم التقليدي ونجحوا كان لديهم ما يُعوّض بشكل قوي على غياب المدرسة : إمّا ذكاء وقّاد ومهارة استثنائية في مجال مخصوص أو مسالك تكوينيّة غير تقليدية أو عائلة عارفة جيدا كيف تُصقل المواهب وتُنمّى المهارات (عالم الرياضيات والفيزيائي آمبير مُكتشف التليغراف الكهربائي كان والده مصرّا على تعليمه بنفسه، وبيار كوري صاحب جائزة نوبل في الفيزياء كانا والداه ثم صديق للعائلة وراء صعوده…)
فأي درس يمكن استنتاجه من خلال كل هذا في سياقنا التربوي التونسي ؟
في مجال التربية والتعليم بالذات، لا يمكن الادّعاء ـ دون السّقوط المُدوّي في أتون التنمية البشرية- بأن هنالك وصفات جاهزة للنجاح ومناويل أفضل من أخرى لتأسيس مدرسة خالية من العيوب وقادرة على إنجاح كل مرتاديها… ولكن بعد هذه المسيرة الطويلة لتجربة المدرسة العمومية والإلزامية وفي علاقة بما كنّا بصدده أعلاه، يمكن الاحتفاظ بالفكرة التالية :
غالبا ما يُبالغ المجتمع في مطالبة الأطفال والشباب بالعمل والتصرف والتفكير بشكل ينسجم تماما مع ما تطلبه المدرسة، ولا يُلحّ كثيرا في مطالبة هذه الأخيرة بتغيير أساليبها ومقارباتها حتى تنسجم تماما مع انتظارات وحاجيات كل المتعلّمين باختلافاتهم وتنوّعهم. وانطلاقا من هذا، يمكن القول إنه لا يجب أن تكون المدرسة “فضاءً نموذجيا للمتفوّقين” ولا “مجرد منطقة عبور للناشئة يُحصّلون فيه ما (كْتِبْ من ربّي)” وإنما عليها أن تتحوّل إلى حقل واسع تُزهر في تُربته جميع النباتات ـ كلّ حسب حاجاتها وخصوصيّتها-ـ ولا يُترك فيه أحد على حافّة الطريق.
تصفح أيضا
عبد الكريم قطاطة:
فترة التسعينات كانت حبلى بالاحداث والتغييرات في مسيرتي المهنية منها المنتظر والمبرمج له ومنها غير المنتظر بتاتا …
وانا قلت ومازلت مؤمنا بما قلته… انا راض بأقداري… بحلوها وبمرّها… ولو عادت عجلة الزمن لفعلت كلّ ما فعلته بما في ذلك حماقاتي واخطائي… لانني تعلمت في القليل الذي تعلمته، انّ الانسان من جهة هو ابن بيئته والبيئة ومهما بلغت درجة وعينا تؤثّر على سلوكياتنا… ومن جهة اخرى وحده الذي لا يعمل لا يخطئ… للتذكير… اعيد القول انّه وبعد ما فعله سحر المصدح فيّ واخذني من دنيا العمل التلفزي وهو مجال تكويني الاكاديمي، لم انس يوما انّني لابدّ ان اعود يوما ما الى اختصاصي الاصلي وهو العمل في التلفزيون سواء كمخرج او كمنتج او كلاهما معا… وحددت لذلك انقضاء عشر سنوات اولى مع المصدح ثمّ الانكباب على دنيا التلفزيون بعدها ولمدّة عشر سنوات، ثمّ اختتام ما تبقّى من عمري في ارقى احلامي وهو الاخراج السينمائي…
وعند بلوغ السنة العاشرة من حياتي كمنشط اذاعي حلّت سنة 1990 لتدفعني للولوج عمليا في عشريّة العمل التلفزي… ولانني احد ضحايا سحر المصدح لم استطع القطع مع هذا الكائن الغريب والجميل الذي سكنني بكلّ هوس… الم اقل آلاف المرات انّ للعشق جنونه الجميل ؟؟ ارتايت وقتها ان اترك حبل الوصل مع المصدح قائما ولكن بشكل مختلف تماما عما كنت عليه ..ارتايت ان يكون وجودي امام المصدح بمعدّل مرّة في الاسبوع ..بل وذهبت بنرجسيتي المعهودة الى اختيار توقيت لم اعتد عليه بتاتا ..نعم اخترت الفضاء في سهرة اسبوعية تحمل عنوان (اصدقاء الليل) من التاسعة ليلا الى منتصف الليل …هل فهمتم لماذا وصفت ذلك الاختيار بالنرجسي ؟؟ ها انا افسّر ..
قبل سنة تسعين عملت في فترتين: البداية كانت فترة الظهيرة من العاشرة صباحا حتى منتصف النهار (والتي كانت وفي الاذاعات الثلاث قبل مجيئي فترة خاصة ببرامج الاهداءات الغنائية)… عندما اقتحمت تلك الفترة كنت مدركا انيّ مقدم على حقل ترابه خصب ولكنّ محصوله بائس ومتخلّف ..لذلك اقدمت على الزرع فيه … وكان الحصاد غير متوقع تماما ..وتبعتني الاذاعة الوطنية واذاعة المنستير وقامت بتغييرات جذرية هي ايضا في برامجها في فترة الضحى .. بل واصبح التنافس عليها شديدا بين المنشطين ..كيف لا وقد اصبحت فترة الضحى فترة ذروة في الاستماع … بعد تلك الفترة عملت ايضا لمدة في فترة المساء ضمن برنامج مساء السبت … ولم يفقد انتاجي توهجه ..وعادت نفس اغنية البعض والتي قالوا فيها (طبيعي برنامجو ينجح تي حتى هو واخذ اعزّ فترة متاع بثّ) …
لذلك وعندما فكّرت في توجيه اهتمامي لدنيا التلفزيون فكرت في اختيار فترة السهرة لضرب عصفورين بحجر واحد… الاول الاهتمام بما ساحاول انتاجه تلفزيا كامل ايام الاسبوع وان اخصص يوما واحدا لسحر المصدح ..ومن جهة اخرى وبشيء مرة اخرى من النرجسية والتحدّي، اردت ان اثبت للمناوئين انّ المنشّط هو من يقدر على خلق الفترة وليست الفترة هي القادرة على خلق المنشط ..وانطلقت في تجربتي مع هذا البرنامج الاسبوعي الليلي وجاءت استفتاءات (البيان) في خاتمة 1990 لتبوئه و منشطه المكانة الاولى في برامج اذاعة صفاقس .. انا اؤكّد اني هنا اوثّق وليس افتخارا …
وفي نفس السياق تقريبا وعندما احدثت مؤسسة الاذاعة برنامج (فجر حتى مطلع الفجر) وهو الذي ينطلق يوميا من منتصف الليل حتى الخامسة صباحا، و يتداول عليه منشطون من الاذاعات الثلاث… طبعا بقسمة غير عادلة بينها يوم لاذاعة صفاقس ويوم لاذاعة المنستير وبقية الايام لمنشطي الاذاعة الوطنية (اي نعم العدل يمشي على كرعيه) لا علينا … سررت باختياري كمنشط ليوم صفاقس ..اولا لانّي ساقارع العديد من الزملاء دون خوف بل بكلّ ثقة ونرجسية وغرور… وثانيا للتاكيد مرة اخرى انّ المنشط هو من يصنع الفترة ..والحمد لله ربحت الرهان وبشهادة اقلام بعض الزملاء في الصحافة المكتوبة (لطفي العماري في جريدة الاعلان كان واحدا منهم لكنّ الشهادة الاهمّ هي التي جاءتني من الزميل الكبير سي الحبيب اللمسي رحمه الله الزميل الذي يعمل في غرفة الهاتف بمؤسسة الاذاعة والتلفزة) …
سي الحبيب كان يكلمني هاتفيا بعد كل حصة انشطها ليقول لي ما معناه (انا نعرفك مركّب افلام باهي وقت كنت تخدم في التلفزة اما ما عرفتك منشط باهي كان في فجر حتى مطلع الفجر .. اما راك اتعبتني بالتليفونات متاع المستمعين متاعك، اما مايسالش تعرفني نحبك توة زدت حبيتك ربي يعينك يا ولد) … في بداية التسعينات ايضا وبعد انهاء اشرافي على “اذاعة الشباب” باذاعة صفاقس وكما كان متفقا عليه، فكرت ايضا في اختيار بعض العناصر الشابة من اذاعة الشباب لاوليها مزيدا من العناية والتاطير حتى تاخذ المشعل يوما ما… اطلقت عليها اسم مجموعة شمس، واوليت عناصرها عناية خاصة والحمد لله انّ جلّهم نجحوا فيما بعد في هذا الاختصاص واصبحوا منشطين متميّزين… بل تالّق البعض منهم وطنيا ليتقلّد عديد المناصب الاعلامية الهامة… احد هؤلاء زميلي واخي الاصغر عماد قطاطة (رغم انه لا قرابة عائلية بيننا)…
عماد يوم بعث لي رسالة كمستمع لبرامجي تنسمت فيه من خلال صياغة الرسالة انه يمكن ان يكون منشطا …دعوته الى مكتبي فوجدته شعلة من النشاط والحيوية والروح المرحة ..كان انذاك في سنة الباكالوريا فعرضت عليه ان يقوم بتجربة بعض الريبورتاجات في برامجي .. قبل بفرح طفولي كبير لكن اشترطت عليه انو يولي الاولوية القصوى لدراسته … وعدني بذلك وسالته سؤالا يومها قائلا ماذا تريد ان تدرس بعد الباكالوريا، قال دون تفكير اريد ان ادرس بكلية الاداب مادة العربية وحلمي ان اصبح يوما استاذ عربية ..ضحكت ضحكة خبيثة وقلت له (تي هات انجح وبعد يعمل الله)… وواصلت تاطيره وتكوينه في العمل الاذاعي ونجح في الباكالوريا ويوم ان اختار دراسته العليا جاءني ليقول وبكلّ سعادة …لقد اخترت معهد الصحافة وعلوم الاخبار… اعدت نفس الضحكة الخبيثة وقلت له (حتّى تقللي يخخي؟) واجاب بحضور بديهته: (تقول انت شميتني جايها جايها ؟؟)… هنأته وقلت له انا على ذمتك متى دعتك الحاجة لي ..
وانطلق عماد في دراسته واعنته مع زملائي في الاذاعة الوطنية ليصبح منشطا فيها (طبعا ايمانا منّي بجدراته وكفاءته)… ثم استنجد هو بكلّ ما يملك من طاقات مهنية ليصبح واحدا من ابرز مقدمي شريط الانباء… ثم ليصل على مرتبة رئيس تحرير شريط الانباء بتونس 7 ..ويوما ما عندما فكّر البعض في اذاعة خاصة عُرضت على عماد رئاسة تحريرها وهو من اختار اسمها ..ولانّه لم ينس ماعاشه في مجموعة شمس التي اطرتها واشرفت عليها، لم ينس ان يسمّي هذه الاذاعة شمس اف ام … اي نعم .عماد قطاطة هو من كان وراء اسم شمس اف ام …
ثمة ناس وثمة ناس ..ثمة ناس ذهب وثمة ناس ماجاوش حتى نحاس ..ولانّي عبدالكريم ابن الكريم ..انا عاهدت نفسي ان اغفر للذهب والنحاس وحتى القصدير ..وارجو ايضا ان يغفر لي كل من اسأت اليه ..ولكن وربّ الوجود لم اقصد يوما الاساءة ..انه سوء تقدير فقط …
ـ يتبع ـ
عبد الكريم قطاطة:
المهمة الصحفية الثانية التي كلفتني بها جريدة الاعلان في نهاية الثمانينات تمثّلت في تغطية مشاركة النادي الصفاقسي في البطولة الافريقية للكرة الطائرة بالقاهرة …
وهنا لابدّ من الاشارة انها كانت المرّة الوحيدة التي حضرت فيها تظاهرة رياضية كان فيها السي اس اس طرفا خارج تونس .. نعم وُجّهت اليّ دعوات من الهيئات المديرة للسفر مع النادي وعلى حساب النادي ..لكن موقفي كان دائما الشكر والاعتذار ..واعتذاري لمثل تلك الدعوات سببه مبدئي جدا ..هاجسي انذاك تمثّل في خوفي من (اطعم الفم تستحي العين)… خفت على قلمي ومواقفي ان تدخل تحت خانة الصنصرة الذاتية… اذ عندما تكون ضيفا على احد قد تخجل من الكتابة حول اخطائه وعثراته… لهذا السبب وطيلة حياتي الاعلامية لم اكن ضيفا على ايّة هيئة في تنقلات النادي خارج تونس ..
في رحلتي للقاهرة لتغطية فعاليات مشاركة السي اس اس في تلك المسابقة الافريقية، لم يكن النادي في افضل حالاته… لكن ارتأت ادارة الاعلان ان تكلّفني بمهمّة التغطية حتى اكتب بعدها عن ملاحظاتي وانطباعاتي حول القاهرة في شكل مقالات صحفية… وكان ذلك… وهذه عينات مما شاهدته وسمعته وعشته في القاهرة. وهو ما ساوجزه في هذه الورقة…
اوّل ما استرعى انتباهي في القاهرة انّها مدينة لا تنام… وهي مدينة الضجيج الدائم… وما شدّ انتباهي ودهشتي منذ الساعة الاولى التي نزلت فيها لشوارعها ضجيج منبهات السيارات… نعم هواية سائقي السيارات وحتى الدراجات النارية والهوائية كانت بامتياز استخدام المنبهات… ثاني الملاحظات كانت نسبة التلوّث الكثيف… كنت والزملاء نخرج صباحا بملابس انيقة وتنتهي صلوحية اناقتها ونظافتها في اخر النهار…
اهتماماتي في القاهرة في تلك السفرة لم تكن موجّهة بالاساس لمشاركة السي اس اس في البطولة الافريقية للكرة الطائرة… كنا جميعا ندرك انّ مشاركته في تلك الدورة ستكون عادية… لذلك وجهت اشرعة اهتمامي للجانب الاجتماعي والجانب الفنّي دون نسيان زيارة معالم مصر الكبيرة… اذ كيف لي ان ازور القاهرة دون زيارة خان الخليلي والسيدة زينب وسيدنا الحسين والاهرام… اثناء وجودي بالقاهرة اغتنمت الفرصة لاحاور بعض الفنانين بقديمهم وجديدهم… وكان اوّل اتصال لي بالكبير موسيقار الاجيال محمد عبد الوهاب رحمه الله… هاتفته ورجوت منه امكانية تسجيل حوار معه فاجابني بصوته الخشن والناعم في ذات الوقت معتذرا بسبب حالته الصحية التي ليست على ما يرام…
لكن في مقابل ذلك التقيت بالكبير محمد الموجي بمنزله وقمت بتسجيل حوار معه ..كان الموجي رحمه الله غاية في التواضع والبساطة… لكن ما طُبع في ذهني نظرته العميقة وهو يستمع اليك مدخّنا سيجارته بنهم كبير… نظرة اكاد اصفها بالرهيبة… رهبة الرجل مسكونا بالفنّ كما جاء في اغنية رسالة من تحت الماء التي لحنها للعندليب… نظرة المفتون بالفن من راسه حتى قدميه…
في تلك الفترة من اواخر الثمانينات كانت هنالك مجموعة من الاصوات الشابة التي بدات تشق طريقها في عالم الغناء ..ولم اترك الفرصة تمرّ دون ان انزل ضيفا عليهم واسجّل لهم حوارات… هنا اذكر بانّ كلّ التسجيلات وقع بثها في برامجي باذاعة صفاقس… من ضمن تلك الاصوات الشابة كان لي لقاءات مع محمد فؤاد، حميد الشاعري وعلاء عبدالخالق… المفاجأة السارة كانت مع لطيفة العرفاوي… في البداية وقبل سفرة القاهرة لابدّ من التذكير بانّ لطيفة كانت احدى مستمعاتي… وعند ظهورها قمت بواجبي لتشجيعها وهي تؤدّي انذاك وباناقة اغنية صليحة (يا لايمي عالزين)…
عندما سمعت لطيفة بوجودي في القاهرة تنقلت لحيّ العجوزة حيث اقطن ودعتني مع بعض الزملاء للغداء ببيتها… وكان ذلك… ولم تكتف بذلك بل سالت عن احوالنا المادية ورجتنا ان نتصل بها متى احتجنا لدعم مادي… شكرا يا بنت بلادي على هذه الحركة…
اختم بالقول قل ما شئت عن القاهرة.. لكنها تبقى من اعظم واجمل عواصم الدنيا… القاهرة تختزل عبق تاريخ كلّ الشعوب التي مرّت على اديمها… نعم انها قاهرة المعزّ…
ـ يتبع ـ
محمد الزمزاري:
انطلقت الحملة الوطنية المتعلقة هذه المرة بالتقصي حول الأمراض المزمنة وكان مرض السكري وأيضا مرض ضغط الدم هما المدرجان في هذه الحملة.
يشار إلى أن نسب مرضى السكري و ضغط الدم قد عرفت ارتفاعا ملفتا لدى المواطنين و بالتحديد لدى شريحة كبار السن مما يكسي اهمية لهذه الحملات التي تنظمها وزارة الصحة العمومية بالتعاون المباشر مع هيئة الهلال الأحمر التونسي.. وقد سنحت لنا الفرصة لحضور جزء مهم من الحملة في بهو محطة القطارات الرئيسية بساحة برشلونة، لنقف على تفاعل عديد المواطنين المصطفّين قصد الخضوع لعملية التقصي بكل انضباط وكان جل الوافدين طبعا من كبار السن، كما لوحظ تواجد عدد كبير من ممثلي الهلال الأحمر ومن الأطباء بمكتبين ويساعدهم بعض الممرضين.
الغريب انه لدى تغطيتى العارضة لهذه الحملة المتميزة التي تهدف اساسا إلى توعية المواطنين وحثهم على تقصي الأمراض بكل انواعها بصور مبكرة، بالاعتماد على كافة قنوات الاتصال وأهمها الإعلام الذي لن يكون الا داعما لهذا الهدف الإنساني لكن احد اعوان الهلال الأحمر فتح معي بحثا ان كنت من التلفزة الوطنية ملاحظا ان القناة المذكورة هي الوحيدة المسموح لها بالقيام بالتغطية ولم يكتف بهذا بل أكد ان الأطباء لا يحبون التصوير.
طبيعي اني لم اتفاعل مع هذا الجهل وضحالة المعرفة باهداف الحملة بالإضافة إلى عمليات التقصي الفعلي ..ولما تجاوز في الإلحاح طلبت منه الاستظهار بصفته هل هو منسق الحملة حتى يمكنني أن امر إلى المسؤول عنها بصفتي صحفيا ..وواصلت عملى أمام انكماش هذا العون التابع للهلال الأحمر حسبما يدل عليه زيه.
وبعيدا عن هذا، لا يفوت التنويه بالجهود الكبيرة التي يتحلى بها طاقم الاطباء و الممرضين و متطوعي الهلال الاحمر، الذين يجهدون انفسهم لانجاح هذه الحملة سواء داخل بهو محطة السكك الحديدية او عبر بعض الفرق التي تعمل على التعريف بجدوى التقصي حتى خارج البهو الكبير.
صن نار
- ثقافياقبل 10 ساعات
قريبا وفي تجربة مسرحية جديدة: “الجولة الاخيرة”في دار الثقافة “بشير خريّف”
- جور نارقبل 10 ساعات
ورقات يتيم … الورقة 89
- ثقافياقبل 21 ساعة
زغوان… الأيام الثقافية الطلابية
- جلـ ... منارقبل يوم واحد
الصوت المضيء
- جور نارقبل يومين
ورقات يتيم ..الورقة 88
- ثقافياقبل 3 أيام
نحو آفاق جديدة للسينما التونسية
- صن نارقبل 3 أيام
الولايات المتحدة… إطلاق نار في “نيو أوليانز” وقتلى وإصابات
- صن نارقبل 3 أيام
في المفاوضات الأخيرة… هل يتخلى “حزب الله” عن جنوب لبنان؟