كنت ولم أزل وسأبقى أرفض ثقافة “الأقربون أولى بالمعروف”، لأنني اؤمن بأن المحتاجين، بمن فيهم من أساء إليك، هم أولى بمعروفك!
<strong>وفاء سلطان<strong>
العامل الوحيد الذي يحدد لمن تمنح معروفك هو حاجة الآخر، نوعيتها وكميتها ومدى خطورتها على حياته.أما ثقافة “الأقربون أولى بالمعروف” فهي مبنية على العصبية القبلية والعنصريّة الدينية، كافرازات لتعاليم بدوية رعوية ابتلينا بها، والتي تطالبك أن تنصر أخاك ظالما أو مظلوما.
هي أيضا وراء الفساد الذي ابتليت به مجتمعاتنا، فكل من اقتنص فرصة، كأن يستلم منصبا، لهف الدجاجة وبيضها ومصعها، وجرّ إلى القن كل الثعالب والذئاب حسب درجة قرابتها به، معتمدا على مبدأ “الأقربون أولى بالمعروف”، و متجاهلا حق الآخر فيما غنم!
ليس هذا وحسب، بل أن العطاء للأقارب (حصرا) هو الأسوأ مردودا لكلا الطرفين!
مع ملاحظة هامة جدا: إن ما أعنيه بالقرابة هنا هو أي اعتبار يقرّبك من غيرك دون سواه،سواء كانت قرابة دموية أو عرقية أو دينية أو طائفية أو ما شابه ذلك.
في تلك الحالة، الآخذ ينتابه إحساس بأنه أولى وأحق بما أخذ، إذ أن من واجب قريبه أن يعطيه، ولذلك لا يشعر يوما بالامتنان، فثقافتنا البدوية نفسها بُنيت على أساس “لا شكر على واجب”!
وعندما يغيب الشكر والامتنان تغيب معه النعمة وتشحّ الحياة!
هذا من ناحية الآخذ، أما من ناحية الذي يعطي فيتوهم أنه قام بواجبه، لأنه ـ بناء على العرف السائد ـ قد نصر أخاه أو قريبه،ذ لك الوهم الذي يقتل لاحقا انسانيته، وينصب جدار اسمنتيا بينه وبين ضميره!
اعطِ قريبك المحتاج لأنه محتاج، وليس لأنه قريبك،فالمعروف يُعطى للمحتاجين بما فيهم الأقرباء!
أهل الحاجة هم الأهم، والحاجة هي وحدها التي تحدد لمن تعطي، وبدون أي اعتبار آخر.
من ناحية أخرى، جميل أن تشكر وتمتن لمن أعطاك، لكنك لست ملزما بأن ترد الجميل،وليس من حق الذي يعطي أن ينتظر شيئا بالمقابل، و إلا فالعطاء ديْن أو صفقة، وليس كرما أو لسد حاجة!
………………
كم مليون مرة رددنا في مراحل حياتنا بيت المتنبي:
إن أنت أكرمت الكريم ملكته….وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا
وكم انتشينا فرحا من “الحكمة” في هذا البيت من الشعر، حتى صار جزءا لا يتجزأ من ثقافتنا القاحلة.
هذا البيت يبرهن على أن من حق الذي أعطى أن يستعبد من أعطاه، نعم أن يستعبد، فأنت عندما تملك شخصا تستعبده!
الإنسانية تقتضي أن لا يملك أحد أحدا، وأبشع أنواع العبودية أن تملك شخصا من خلال عطائك له.
ويلغي أيضا حق الآخذ في أن يتمرد، فالعطاء الذي تلقاه قيّده إلى الأبد من رجليه ويديه!
عندما تتوقع من الشخص الذي تعطيه أن يكون عبدا لك، ويحني رأسه أمامك،فلا منة لك في عطائك!
كذلك، عندما تفرز الناس بين كريم ولئيم بناء على ردهم لجميلك، فأنت لم تصنع جميلا، والكريم في تلك الحالة هو الذليل الذي باع حريته مقابل عطائك!
اعطِ و انْسَ من أعطيت وماذا أعطيت، هذا هو الكرم، وهذا هو العطاء الحقيقي الخارج من القلب.
………………
في الفلوكلور الهندوسي تقول قصة: إن ملكا كان يغادر قصره ليتفقد أوضاع الرعية,فلمح فقيرا يلبس ثيابا رثة ويرتجف من البرد.خلع الملك معطفه وناوله للفقير.
بعد اسبوع خرج الملك مرة ثانية، وإذ به يلمح نفس الفقير يرتجف من شدة البرد بلا معطف.
لما سأله عن معطفه، رد: لقد تبرعت به لشخص آخر،لأنني شعرت أنه أحوج مني إليه.
استشاط الملك غضبا، وقال: أنا أعطيتك إياه، وكان عليك أن تحتفظ به.
رد الفقير: عندما تعطي شيئا يصبح ملكا للآخر، وليس من حقك أن تتحكم فيه!!
أليس جوابه تمردا على محاولة إهانة واستملاك؟!!!
………………
لا تعطِ بغية أن تستملك، كي لا تخسر نبلك و يفقد العطاء معناه.
تذكر أنه ليس بين المحتاجين كريم ولئيم، بل هناك إنسان يعيش حالة عوز مؤلم، وعطاؤك سيخفف من حدة ألمه!
تخفيف الألم هو الغاية النبيلة الوحيدة من وراء العطاء.
نحن ملزمون أن نعيد صياغة العقلية الرعوية التي شوهت معنى العطاء، وفرّغته من جوهره،والتي ابتلينا بها
… عندها ستصبح الرحمة طريقة حياة، وستزهر الصحراء!!!
هناك ناقدة أمريكية كانت تحب فيلم “ذهب مع الريح” وشاهدته عشرات المرات، فجأة شاهدته عندما تقدمت في العمر.. أثار دهشتها أنها لم تنفعل وبدا لها سخيفًا مفتعلاً، وكتبت تقول: الفيلم تغير .. لم يعد نفس الفيلم الذي كنت أشاهده قديمًا!
هذا هو السؤال الأبدي الذي يطاردك عندما تكون في سني: هل الحياة قد ساءت حقًا أم إنني لم أعد كما كنت؟
في صباي كنت أسمع أبي لا يكف عن استعادة ذكريات صباه.. كانت الدجاجة بحجم الخروف، والخروف بحجم ديناصور، وكانت للأزهار رائحة حقيقية.. زهرة واحدة كانت تغمر بالشذى حيًا كاملا من أحياء دمنهور – حيث ولد- دعك من الفراولة والتفاح.. كان يمكنك أن تعرف أن هناك من ابتاع نصف كيلو تفاح أو فراولة في دمنهور كلها؛ لأن الرائحة تتسرب لكل شيء.. كانت الأغاني أعذب والفتيات أجمل والأفلام أمتع والبشر أنقى..
كنت أستمع – أو أسمع- لهذا الكلام في تأدب، وإن كنت أنقل قدمي مائة مرة في ملل أخفيه… وقد بدا لي خيطًا لا ينتهي من كلام الشيوخ المعتاد: هي الفراخ بتاعتكم دي فراخ؟..
دي عصافير.. كنا بنشتري عربية وفيلا ودستة بيض بنص ريال…. إلخ
حدثني أبي عن أفلام عصره وعن إيرول فلين المذهل وجيمس كاغني العبقري و… و… على الأقل صار بوسعي اليوم أن أرى هذه الأفلام كدليل لا يُدحَض، فلا أرى فيها أي شيء خارق.. التخشب الهوليودي المعتاد والكثير من الافتعال..
نقّبت عن نقاء الناس في ذلك العصر، فقرأت عن ريا وسكينة النقيتين، والبواب النقي الذي اغتصب طفلة في الثالثة من عمرها عام 1933، والفنانة النقية التي ضبطت زوجها النقي مع الخادمة النقية في المطبخ ليلة الدخلة!
وماذا عن الفنان النقي: فلان.. الذي اقتحم مكتب الناقد الذي لم يرُقْ له فيلمه الأخير شاهرًا مسدسه؟ كان هناك حي دعارة شهير جدًا في طنطا اسمه: الخبيزة.. واليوم صار سوقًا شعبيًا محترمًا.. فأين هذا النقاء إذن؟
لكن أبي – رحمه الله- عاش ومات وهو مؤمن بأن الحياة قد صارت سيئة، كأنها صورة صنعت منها نسخة تلو نسخة تلو نسخة حتى بهتت ولم تعد لها قيمة..
اليوم أنظر أنا بدوري إلى الوراء فيبدو لي أن الحياة كانت أفضل في صباي بكثير… قلت لابني إن الأغاني في عصري كانت أعذب والفتيات أجمل والأفلام أمتع والبشر أنقى… أرغمته على مشاهدة بعض أفلام السبعينات على غرار الأب الروحي وقصة حب.. فشاهدها وقال لي بصراحة إنها زي الزفت… أغاني البيتلز والآبّا والبي جيز (خنيقة) جدًا في رأيه.. ولم يحب أية أغنية من أغاني وردة الجزائرية الحارقة في أوائل السبعينات مثل: حكايتي مع الزمان واسمعوني.. طبعًا لم أحاول أن أسمِعه أم كلثوم فأنا لست مجنونًا.. لن يفهمها ولو بعد مائة عام..
قلت له في غيظ إنه بعد عشرين سنة -أعطاه الله العمر- سوف يُسمع ابنه أغاني شاجي وإنريكي إغلسياس وفيرجي ويعرض عليه أفلام: الرجال إكس والفارس الأسود.. لكن الوغد الصغير سيؤكد له أنها زبالة، إلا أن ابني لم يصدق.. يعتقد أن الأخ شاجي خالد للأبد..
نعم كان لرمضان رائحة وحضور في الماضي.. كانت هناك رائحة مميزة للعيد.. تصور أن عيد الثورة كانت له رائحة؟ كان قدوم الربيع يعلن عن نفسه مع ألف هرمون وهرمون يتفتح في مسامك، فتواجه مشكلة لعينة في التركيز في دروسك والامتحانات على الأبواب، بينما الحياة ذاتها قد تحولت إلى فتاة رائعة الحسن تنتظرك..
أذكر يوم شم النسيم وأنا في الصف الثالث الإعدادي، أمشي في شوارع طنطا التي مازالت خالية في ساعة مبكرة، مزهواً بنفسي أوشك على أن أطير في الهواء، وأتمنى لو عببت الكون كله في رئتي.. بينما المحلات تذيع أغنية حفل الربيع التي غناها عبد الحليم حافظ أمس: قارئة الفنجان.. تصور أن الأغنية مازالت طازجة ساخنة خرجت من حنجرة الرجل منذ ساعات لا أكثر… للمرة الأولى أسمع: بحياتِكَ يا ولدي امرأة.. عيناها سُبحانَ المعبود..
أنا شاب.. لقد كبرت.. لن تتغير هذه الحقيقة.. الغد أفضل بمراحل.. الكون كله ينتظرني.. سوف أصير أمين عام الأمم المتحدة وأتزوج راكيل ويلش، وأفوز بجائزة نوبل في الأدب، وفي وقت فراغي سأمارس هوايتي في إجراء جراحات الجهاز العصبي.. هذا قد يضمن لي جائزة نوبل أخرى..
من يدري؟ قد أصير أول رائد فضاء عربي.. بالمرة، ولسوف أصير وسيماً أشقر الشعر أزرق العينين.. لا أدري كيف.. يجب أن تكون في الخامسة عشرة لتفهم..
نعم.. لم يعد شيء في العالم كما كان.. أبتاع الفراولة وألصق ثمارها بأنفي وأشم بعنف.. لا شيء.. لو حشرت ثمرة منها في رئتي فلن أجد لها رائحة… ماذا عن التفاح الذي لا تقتنع بأنه ليس من البلاستيك إلا عندما تقضم منه قطعة؟ عندها تحتاج لفترة أخرى كي تقتنع أنك لم تقضم قطعة من الباذنجان.. أين ذهب جمال الفتيات؟ ولماذا لم أعد أرى إلا المساحيق الكثيفة، حتى تشعر أن كل فتاة رسمت على وجهها وجهًا آخر يروق لها؟
أين ذهبت العواطف الحارقة القديمة عندما كنت تكتب عشرات القصائد من أجل ابتسامة حبيبتك؟ اليوم لو تزوجتها وأنجبت منها عشرين طفلاً فلن تجد في هذا ما يأتي بالإلهام!
الإجابة التي تروق للمسنّين هي: الحياة تغيرت ولم تعد هناك بركة… لكن الإجابة الأقرب للمنطق هي: الحياة لم تتغير.. أنت تغيرت !!
ربما صار شمّي أضعف.. ربما صار بصري أوهن.. ربما صار قلبي أغلظ.. ربما تدهورت هرموناتي.. ربما صرت كهلاً ضيق الخلق عاجزًا عن أن يجد الجمال في شيء.. ربما مازالت الفتيات جميلات، والفراولة عطرة الرائحة وأغاني هذا الجيل جميلة..
نعم هو المنطق ومن النضج أن أعترف بهذا.. لكن من قال لك إنني أريد أن أكون كذلك؟ أفضّل أن أظل شابًا على أن أكون ناضجًا، لهذا أقول لك بكل صراحة:
“الحياة صارت سيئة ولا تطاق فعلاً.. الله يكون في عونكم.. هيّ أيامكم دي أيام؟”
يخجل القلب من نعيك، ويضيق الحرف برثائك، تفيض المشاعر حزناً وصدمة إنّما لا يتّسع الفضاء الالكتروني لترجمتها.. تربّطت أصابعي عن النقر على لوحة الحروف واحترقت دموعي غزارة في المُقل.
غبت أيّها المتمرّد الأوّل يا من نفضت الغبار عن فكرنا لنستنير وبقينا جهالاً!
هذا المقال أوائل البدايات فيالصحافة كتبته في 2018 وكان من أجمل ما كتبت لأجمل من عنه كتبت
تأثّرت بك وانتظرت عودتك لأعاصر شيئاً من فنّك الأسطوري.
كان مقالي حلماً جميلاً لكنّك رحلت دونما وداع كما أعزّ أحبّائي.
ثقُل كأس الموت يا تمّوز، حرقته لاذعة ترفض التروّي فمهلاً على المواجع
شخصٌ بمثابة الحلم تتمنّى إدراك حقيقته و سبر عمق أغواره، إلّا أنّك إن نلت شيئاً عنه تجد أنّك لا زلتَ على البرّ المربِك، الأكثر حيرةً.
لطالما تمنيّتُ أن أفهم من هو؟وكيف يُفكّر؟ ومن أين يأتِ لنا بكلّ تلك الحقائق الصادمة؟ السّاخرة والآخذة.
لِمَ هو بهذا التعقيد وتلك السلاسة في وقتٍ واحد؟!
كلّما صعُبَ عليك فهمه هان، و كلّما هانت كلماته استصعبت.
ذلك السّهلُ الممتنع ممتلئٌ بالشغف وكثير البرود، أستمعُ إلى حواراته القليلة جدّاً فأتمنّى أن أجد لتساؤلاتي أجوبة..
زياد الرّحباني اعترافات مشاكسة عمّا يجول في خاطره، يفاجِئُكَ ببساطة مفرداته وصعوبة تقبّلها في آن، حين يقول ” أنا مائة ألف شخصيّة فايتين ببعض” ويذهلك بحقيقةٍ أمرّ.
مضيفاً “بعد 5 دقائق من ولادتك رح يقرّروا دينك، جنسيتك، مذهبك، طائفتك، ورح تقضّي عمرك عم تدافع بغباء عن إشيا ما اخترتا”!! حتّى أنّه علّق وانتقد تغيير التوقيت حيث قال ساخراً:
” كل سنة بتقدموا السّاعة وبترجعوا لورا 10 سنين”.
هل هو بهذه العبقريّة التي يبدو عليها أم نحن بتنا جهالاً، لكثرة ما خذلتنا المعرفة في هذا الوطن الكئيب.
لماذا لا نرى ما يراه و نفقه ما يقوله، ونفكّر ولو قليلاً بنهجٍ يماثله؟!!
ليس زياد الرّحباني ذلك الموهوب، المؤلّف المسرحيّ أو الكاتب والملّحن الموسيقيّ فقط.
هو مَن لا تفوته فائتة في السياسة والأدب والفن والموسيقى والمجتمع ودائماً ما يُفصّلُ اعتراضات واتّهامات للجميع دون استثناء..
إنّه المشاكس الحذر، الصامت طويلاً ولكن إن حكى، أبكى التخلّف وأحبط مفاعيل الجهل، وصبَّ لينَ الزّيت على أفواه النار.
من هنا فإنّ المسرح اللّبناني في غياب زياد ناقصٌ وعند مستوى خطِّ الفقر!!
إلّا أنّه يغيب فجأةً وينقطع عن محبّيه عمراً. ليمنَّ علينا مؤخراً بعودةٍ خجولة أطلق فيها الوعد بالبقاء.
وها نحن هنا بعد سنوات من القطيعة المجحفة تلك، لا نُريدُ رحبانيّات متفرّقة، بل تتملّكنا رغبةٌ جامحة بلوحةٍ عنوانها فيروز وزياد الرحبّاني يغنيّان معاً، ويكسران كبرياء أفقٍ مثقّلٍ بانحطاط موسيقيّ!
ها هو المجنون العبقريُّ يحطّم صومعته ويُلقي علينا بسحر التراتيل.. بذكاءٍ فطري يضبطُ التوقيت الذي يراه مناسباً. مهما انتظرنا يبدو العناء مستحقّاً أمام جنون العظمة.
حين تدرك أنّ وحدَها النّسور من تغرّد خارج السّرب، وحين تقرّر تعود إلى أحضان فيروزها لتصبح الأغنية صلاة..