تابعنا على

دفءُ نار

منصف الخميري: شكري … يا وجع الرّوح

نشرت

في

“يحمل السكّين شيخ ملتحٍ جزّار

ففي تونس أيضا …

هناك من يصلي الكفر…

و تسجد خلفه ثلّة الكفار…

شكري بلعيد لم يكن كافرا…

بل كان أوّل الثوار…

كان عربيّا…و تونسيّا… و علمانيّا…و دمشقيّ المنار”

منصف الخميري Moncef Khemiri
<strong>منصف الخميري<strong>

الشاعر السّوري بحر لاواديسا. وهو يحمل هذا الاسم تيمّناً بكلمة “لاواديسا” التي تعني “اللاذقيّة” باللغة الإغريقية : مدينة أدونيس وسعد الله ونّوس ونديم محمد وبدوي الجبل وحنّا مينه.

لن أتحدّث طيّ هذه الورقة عن المشروع السياسي والاجتماعي للشهيد شكري بلعيد ولا عن مسيرته الشخصية والطلابية الثرية أو كلّ ما يُحسب له في علاقة بفكرة إنجاز المشروع التاريخي الدقيق والمتمثل في بناء صرح التنظيم الوطني الذي يتّسع لجميع العائلات التقدمية المنتسبة لتونس الأخرى (بصرف النظر عن مآلاتها اليوم)، لتونس الجديدة، لتونس المنحازة لأبنائها المنحازين لها…

سأتحدث عن شكري بلعيد الإنسان والصديق، شكري غير المتداول في الإعلام وفي ما يُكتب عنه هنا وهناك.

كان شكري رجلا شعبيا لا يتكلّف الانحياز  لعامّة الناس، هو دائما كما هو، مع من قرأ صموئيل هانتنغتون ومع من توقّفت به عجلة القراءة في الأرملة المُرضع و كسّار الحصى ومع من لا يحالفه الحظ في ولوج معابد الدراسة ومقاعدها. كنت أقول لأصدقائي دائما إنّ شكري (على عكس كل الرموز الكبيرة الأخرى) من اليسير جدا أن تُمسك به و أن تُهاتفه وأن تتواعد معه وأن تدعوه إلى الحضور من أجل تأييد شخص أو تحرك أو احتجاج ما، بالرغم من كمّ الالتزامات والواجبات التي كانت مُحمّلة بها حقيبته اليدويّة السميكة. وإذا صادف أن يكون مُرافعا مُجلجلا في تلك اللحظة التي يطلبونه فيها لا ينسى أبدا أن يُعيد الاتصال بجميع من اتصلوا به حالما ينتهي. سهلُ المنال أيضا لأنّ فطور غدائه في أنهج العاصمة وأزقّتها كان شبه حفلة يومية تضمّ لفيفا متنوّعا من المحامين والمبدعين و الإعلاميين والنقابيين …للحديث بشأن مُجريات الأحداث ونتائج رصد حصيلة الأضرار المسجّلة بعد مرور الغربان وجحافل الجراد والقُطعان. أمّا زعماء النومنكلاتورا بمختلف انتماءاتهم فكان السّلوك الارستقراطي إليهم أقرب وأعذب ويقيهم شرّ الاختلاط بالعامة وخطر إنفاق ورقة نقدية إضافية.

وكان شكري طيّبا خلوقا معطاء، يبحث دائما عن أعذار للمُسيئين والسيّئين، لا يأبه كثيرا للمُهاترات السامّة وما تلوكه ألسن “المُجدّفين بلا عنوان” كما كان يحلو له أن يُسمّيهم. يقتسم مع رفاقه وأصدقائه ثمن حليب نيروز وندى لأنّه حييّ وذو نبل لا يُدركه من لم يتعرف إليه عن قرب. لم يكن خطابه صادما أو ردود فعله كابحة حتى مع الذين يستهدفونه، لا يقول “أنت جاهل” بل “ثمة عديد الكتب الأخرى التي لم تقرأها بعدُ”، ولا يقول “أنت كاذب” بل “لم تقل كل الحقيقة” …إلا عندما يتعلّق الأمر بـ “شيخ الكذّابين” الذي لم يترك كذبة واحدة إلا وأطلق عنانها، وكان آخرها كذبة الــ 590 ألف موطن شغل ستوفّرها حركة النهضة للتونسيات والتونسيين حسب دراسات علمية صلبة أعدّها 180 خبيرا في الاقتصاد ǃ

وكان شكري ثابتا ومتماسكا في غير ادّعاء. كان الطّلب على فصاحته ووضوح رؤيته وسعة اطلاعه وجُرأته كبيرا جدا من المنابر الإعلامية المختلفة والحرص من رفاقه على العناية بالشأن التنظيمي والسياسي شديدا، ولكن شكري الذي كانت تسكنه روح معطوب الوناس المطرب الجزائري الملقّب بأسد منطقة القبائل و الذي اغتاله رصاص الإسلام السياسي الجبان في 25 جوان 1998 والمنسوبة إليه المقولة الشهيرة “أنا من جنس المحاربين، يستطيعون قتلي ولكنهم لن يخرسوا صوتي أبدا. أفضّل أن أموت من أجل أفكاري بدلا من الموت ضجرا أو تحت وطأة الشيخوخة“… كان شكري  يُفضّل المعارك الميدانية المباشرة في البطاحي والسّاحات (كملاكم تضيق به حلبات المواجهة المُقنّنة)، لذلك كنت تراه مع إعلاميّي الإذاعة الوطنية في شارع الحرية ومع الفنانين والمبدعين في خصّة باردو  ومع عائلات القضاة الـــ 82 الذين عزلهم نور الدين البحيري جورا ومع فريق قناة نسمة في قصر العدالة و مع الأهالي في منزل بوزيان ومع النقابيين في سليانة وجندوبة ومع العسكريين عندما نبّه إلى خطورة  استراتيجية إنهاكهم الممنهج لفتح ثغرات على الحدود من أجل تسهيل مرور الإرهابيين… تلك هي السّاحات التي كانت الأقرب إلى وجدانه ومُهجته وضميره العميق.

وكان شكري متواضعا وغير دعيّ ومُتقنا بفطرة تلقائية فيه لما يُصطلح عليه بالعادات الجيدة أو فنون الحياة الحسنة.  كنا كثيرا ما نلتقي معه خلال الأشهر التي سبقت تشكيل الجبهة الشعبية من أجل مناقشة موقع المستقلين غير المنتظمين حزبيا داخل هياكل هذا الكيان الائتلافي الجديد. كان يؤمن كثيرا بأن الجبهة عليها ان تتجاوز الأحزاب لتصبح خيمة كبيرة لمن لا خيمة حزبية له. كان يُصغي إلى تحفظات “المستقلين” و تصوراتهم و تذمّرهم من النزعة الانتمائية الضيّقة لمناضلي الأحزاب بكل ودّ (نعم بكل ودّ، هكذا كان يقول لي صديقي أحمد المانسي الذي يُجيد استعمال تعبير “بكل انتباه”) حتى يكاد يتحول الى مناضل مستقل مثلنا و هو الأمين العام لحزب سياسي قائم.

وفي الختام، إليكم كلاما يكاد لا يقال.

معروفون سياسيّا وحتى اسميّا من حرّضوا على الشهيد شكري بلعيد وعملوا على تشويهه وتكفيره وإباحة دمه تمهيدا لإبعاده بقوة رصاص مدفوع الثمن قطريّا وتركيّا… لكن ما نخجل من الاعتراف به هو أن هؤلاء يُشبهون تماما جزءًا مهمّا من الشعب التونسي المُعادي عضويّا (وبصفة عفوية تحت وطأة ثقافة الجهل المقدّس) للموسومين بالإلحاد والحداثة وحتى مجرد عدم التديّن، ودليلي القاطع ما أسرّ لي به “عطّار الحومة” ومفاده أن عديد المواطنين “الأتقياء” يوم 06 فيفري 2013 كانوا يقتنون المستلزمات المختلفة لإعداد المُرطّبات ابتهاجا باغتيال شكري بلعيد.

أذكّر بهذا من أجل “تحريك السكّين” في أغوار الجرح التونسي والإقرار الموجع بأن روح القتل والتنكيل بالخصوم كامنة عميقا فينا … و لا بدّ من معركة ثقافية طويلة الأمد للقطع نهائيا مع ثقافة قطع رقاب المختلفين.

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

دفءُ نار

رمضان.. و حالة الطوارئ الغذائيّة…

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبير عميش:

حالة طوارئ لدى العائلات، فمنذ أيام وحتى قبل حلول شهر رمضان بدأ الاكتظاظ والازدحام… حركة المرور تكاد تكون مشلولة… طوابير من السيارات أمام المغازات الكبرى وصفوف أمام محلات صنع المرطبات والحلويات وأمام باعة اللحوم والدواجن والأسماك والخضر والغلال والفواكه والتوابل… وما تسمع كان “آش حضّرت لرمضان؟” وتتواصل هذه اللهفة وهذه المظاهر حتى بعد حلول الشهر.

حالة طوارئ لدى الدولة، وهي تُطمئن الشعب عبر بلاغاتها بأنها تمكنت من تخزين لا أدري كم من مليون بيضة وأنها ضخّت كميات إضافية من الزيت النباتي المدعّم ومن السكر والفارينة، وحالة استنفار لدى المسؤولين الذين يؤكدون على تسعير اللحوم وعلى الصرامة في مراقبة عمليات البيع ويهدّدون المخالفين ويتوعدونهم (لكن في بلادنا ديما الواقع يخالف الكلام والمواد المدعومة ناقصة أو مفقودة وأسعار الحكومة موش هي أسعار الواقع).

حالة طوارئ في الإذاعات والتلفزات ، فلا تجد سوى أحاديث عن قضْية رمضان ومواكبة لواقع الأسواق ولا تسمع إلاّ برامج الطبخ والتصنيف ولا تتابع إلا إعلانات عن الطعام هذا للإفطار وهذا للسهرة وهذا للسحور…

حالة طوارئ في الشوارع والمجالس، فلا ترى إلا اللهفة في العيون ولا تسمع إلا اشنوّة المنيو الليلة؟ وحديثا عن الشوربة والبريك والسلايط والطبق الرئيسي والحلويات ولوازم السهرة.. كل هذا من أجل شهر الصيام الذي يفترض أنّه مجعول للتراحم والاحساس بالفقراء والزهد والاعتدال.. فرمضان في جوهره ليس شهر الإفراط في الطعام، بل شهر التخفف، وضبط النفس، وتغيير العادات الغذائية، وفرصة للتخلص من التخمة والسكريات والوزن الزائد. والصوم هو مدرسة للصبر والتوازن، لا موسما لمضاعفة الاستهلاك…

لكن في بلادنا وفي البلدان العربية خرج رمضان من غايته ومقاصده الأساسية ليصبح شهر الاستهلاك بامتياز إلى درجة أن البعض يستدين أو يقترض لمجاراة نسق الاستهلاك العالي، وصارت المائدة هي الغاية وصرنا نرى القيمة في تعدّد الأطباق، ونسينا أنّ رمضان فرصة لإصلاح علاقتنا مع ذواتنا ومع أجسادنا وأنّه ليس سباقا نحو الموائد… بل عودة نحو القيم… وأنه شهر الرحمة موش شهر اللحمة، وشهر الرأفة موش شهر اللهفة.

أكمل القراءة

دفءُ نار

بورِك رمضانكم

نشرت

في

(اللوحة من تصميم الفنان الكبير محمد الأطرش)

Motif étoiles

أكمل القراءة

دفءُ نار

مُراكمة اللّغات بدلاً من تحاذُفها*  

من أجل تعزيز القدرات التواصليّة للتلميذ، عوضا عن تعليم القواعد الحجريّة منذ الطفولة الأولى

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

منصف الخميري:

تفاعلا مع ما يجري من نقاش في الآونة الأخيرة حول واقع تدريس اللغات في بلادنا وتراتبيّتها الهيكلية وتدنّي المستوى العام للتلميذ التونسي، لا فقط في اللغات الأجنبية بل وفي اللغة العربية الأم كذلك، يهمّني أن أدلي ببعض الملاحظات بهدف الوقوف على بعض أوجه هذه “العلّة” الحقيقية التي تُعيق نجاح بناتنا وأبنائنا وتميّزهم وبهدف صياغة بعض المقترحات التي قد تساعد على تجاوز واقع الحال.

ما يُلاحظ أوّلا

أن المستوى العام لتلاميذنا في اللغات وكذلك في الفلسفة باعتبارها مادة مؤثرة وباعثة على التفكير المنطقي على طول مسار التلميذ حتى في التعليم العالي وفي المسارات العلمية والهندسية (أنظروا في هذا الصدد الاثار الفلسفية والفكرية المُبرمجة سنويا في الاقسام التحضيرية العلمية للمدراس الهندسية الفرنسية الكبرى) كما تعبّر عنه المعدلات المُحرزة في الباكالوريا، هو مستوى متدنّ للغاية لا يُساعد في كل الأحوال على مباشرة دراسات جامعية تتطلب مهارات لغوية وتواصلية كبيرة مهما كان حقل الاختصاص. إذ أن :

  • 54.41 % من المُحرزين على الباكالوريا تحصلوا على 10 أو أقل من عشرة في مادة العربية في كل الباكالوريات مجتمعة (76180 ناجح سنة 2025).
  • 39.37%  تحصلوا على عشرة أو أقل في مادة الفرنسية
  • 32.64 %  تحصلوا على عشرة أو أقل في مادة الانكليزية
  • 60.12 %  تحصلوا على عشرة أو أقل  في مادة الفلسفة

وهذا يعني أن ضعف مستوى ناشئتنا في لغتهم الأم يُثير مخاوف أكبر من تلك التي يُثيرها ضعف المستوى في اللغات الأجنبية، بالرغم من “اليُسر العام” في اختبارات امتحان العربية في الباكالوريا التي تُضاهي مستوى امتحان التاسعة أساسي كما يُقرّ بذلك السادة المتفقدون. وقد يعود هذا “الجفاء” إزاء الفُصحى إلى وعي تلميذ اليوم بأن اللغة العربية لن تعترض سبيله في جميع المسارات الجامعية إلا إذا اختار شعبة اللغة والآداب العربية من ناحية، ومن جهة أخرى إلى عدم سعي الدولة منذ عقود – رغم براعتها في تصريف اللغة- إلى تفعيل العربية لتكون لغة ناقلة للعلوم والتكنولوجيا والمعارف المختلفة، كما هو الحال بالنسبة إلى الصينية أو اليابانية أو الفارسية أو التركية عندما تمّ تحطيم الأسطورة القائلة بأن “العلوم تلينُ –طبيعيا- للّغات الأوروبية”. مع الاعتراف كذلك بأن الانزياح القائم اليوم بين العامّيّة والفصحى la diglossie في لغتنا يزيد الأمر تعقيدا إضافيا لا تعاني منه بلدان أخرى مثل روسيا أو الصين أو كوريا الجنوبية.

ثانيا : تدنّي مستوى تلاميذنا في اللغات هو عابر لجميع الباكالوريات، لكنه أكثر فداحة في شعب مدرسية بعينها : الاداب، والاقتصاد والتصرف، والإعلامية أساسا.

إن نسبة التلاميذ الذين لا يحصلون على المعدّل في العربية تساوي 70% في الباكالوريا آداب و69 % في الباكالوريا اقتصاد وتصرف و 65.38 %  في علوم الاعلامية (هل تشابه النسب الثلاثة هو مجرد صدفة ؟ لا أعتقد شخصيا ذلك) . بينما لا تتجاوز هذه النسبة الـ 14.11%  في باكالوريا رياضيات ! ومن المفارقات  أيضا أن نسبة الحاصلين على أكثر من عشرة في مادة العربية تصل إلى 65.71 % في باكالوريا علوم تجريبية بينما لا تتجاوز 25.89 % في باكالوريا آداب على سبيل المثال.

ولتدعيم هذه الحقائق، فإن :

من تحصلوا على عشرة أو أكثر في الفرنسية باكالوريا آداب، تساوي نسبتهم  30.30 %  مقابل 81.58 % في باكالوريا رياضيات.

أما من تحصّلوا على أكثر من عشرة في مادة الانكليزية فنسبتهم تساوي 36.27 % في باكالوريا آداب في حين تبلغ 86.68 % في الرياضيات و 47.47 % في العلوم التقنية و 58.14 % في العلوم التجريبية.

وفي مادة الفلسفة، كانت معدلات الشعب العلمية أفضل من باكالوريا آداب، حيث بلغت على سبيل المثال نسبة المتحصلين على عشرة فما أكثر  46.19 %   في الاداب مقابل 54.17 %  في الرياضيات.

ذلك يعني – في ما يعنيه- أن ما تكسبه منظومتنا التربوية من جودة على مستوى تملّك اللغات بفضل جيوب التميّز في الباكالوريات العلمية بصورة خاصة، سرعان ما يتلاشى على مستوى المعدلات العامة جرّاء تدهور مستوى الملتحقين بشكل جُزافي يفرضه غياب البدائل الأخرى نحو شعب الآداب والاقتصاد والتصرف وعلوم الاعلامية بصورة خاصة.

وبناءً على ذلك، يصحّ القول بأن أزمة اللغات في مدرستنا التونسية هي أزمة مُركّبة تتداخل فيها طبيعة البيداغوجيا المُعتمدة في تدريس “التكلّم الصّرف المُنهمر دون كلفة أو وجل”  قبل “كيف نتكلّم ووفق أي قواعد نتكلّم” ومستوى تكوين المُدرّسين وغياب التوجهات الوطنية الواضحة (غير الشعاراتية) للدولة وهيكلة التعليم وما يُعرض من شعب ومسالك إلى جانب ما يغيب من معابر ومختصرات.  

ثالثا : النحو الداخلي بواسطة الشفاهي والتواصل في وضعيات ذات معنى بالنسبة إلى التلميذ بدلا من قصفه منذ بدايات ابتهاجه بمفاتن اللغة، بما اختلفت فيه البصرة والكوفة والتمييز بين المفاعيل عندما يبدأ التأويل.

يبدو أن تلميذنا التونسي لا يُقبل على درس اللغة – مهما كانت هذه اللغة- بشكل فيه فرحة التعلّم وبهجة التعبير عن مشاعره والدّفع بما يعتقده صحيحا أو خاطئا…خوفا من الاصطدام بقواعد اللغة الصمّاء والاشتباك غير محمود العواقب مع شرطة العدد والمعدود والممنوع من الصرف وخشية التّيه في متاهات اللغو والوقوع في شراك حِباله التي كلما صعدت درجة وإلا وزاد طولها ورعونتها. من الأمثلة الناجحة اليوم ـأكثر من غيرها- في إقدار الأطفال على تعلّم اللغات (الوطنية والأجنبية على قدم المساواة) هي اللوكسمبورغ وسنغافورة، حيث تُمارس ما يُسمّى بالمقاربات الانغماسية في تدريس اللغات (يعجبني شخصيا أكثر تعبير تعلّم اللغات بواسطة المعايشة أو بواسطة الغَمر، كما في تقنية السّقي الزراعي) بحيث لا تكون اللغات “مواد مستقلة بذاتها تُدرّس بشكل قواعدي صرف” بل تكون بمثابة  قنوات للريّ اللغوي غَمرا أحيانا وقطرة قطرة أحيانا أخرى، من خلال وضعيات لعبيّة مرحة وألعاب أدوار تواصليّة مُحفّزة … خاصة في المراحل التعليمية الأولى. فلا يتمّ بالنتيجة تبجيل البعد الهيكلي (النحو) على البعد الاستعمالي الحيّ (الحياة) حتى لا يُكبّل اللسان قبل أن ينطق بعدُ.  

يقول أصحاب هذا التوجّه بأنه لا يجب أن نُعطي الطفل دروسا تشريحية حول مهمة العضلات والأنسجة والأوتار من أجل تعليمه كيف يمشي، لأن الانسان يتعلم المشي من خلال فقدان التوازن والمحاولة والخطأ والغريزة… فإذا كان النحو هو التركيبة البنيوية للغة فالكلام هو حركتها.

رابعا وأخيرا : لا نُواجه ظاهرة ضعف تلاميذنا في اللغات، بالعقاب والمنطق المردود بعد الباكالوريا !

بعد حصولها على معدّلات الباكالوريا للتلاميذ وأعدادهم في كل المواد التي تمّ اجتياز الامتحان فيها، تعمد وزارة التعليم العالي إلى احتساب ما تُسمّيه بمجموع النقاط لترتيب التلاميذ وتوزيعهم على مختلف مسالك التكوين لديها (اعتماد الحساب مع الاستئناس باختيارات كل مترشح للتوجيه الجامعي وكيفية ترتيبها).

هنالك إجراءان لافتان للانتباه في هذا الخصوص وجب التوقّف عندهما :

– يتكوّن هذا المجموع من عنصرين أساسيين هما المعدل العام للتلميذ في الباكالوريا ضارب 4 يُضاف إليه 6 ضوارب خصوصية أخرى موزّعة على المواد الأساسية في كل شعبة من شعب الباكالوريا (مثلا بالنسبة إلى الرياضيات يُضاف الى المعدل العام ضاربان للرياضيات وضارب ونصف للعلوم الفيزيائية ونصف ضارب لعلوم الحياة والأرض وضاربان للفرنسية والانكليزية …). بمعنى أن معدلات التلميذ في الباكالوريا، المتدنية بصورة عامة  تُحتسب مرتين في هذه الحالة : مرة في المعدل العام ومرة ثانية في الضوارب الخصوصية…بما يجعل منه إجراءً عقابيا لا موجب له، يُعيق التلميذ في الحصول على ما يرغب فيه بدلا من تحييد هذه الهِنات وتذليل تبعاتها.

– إضافة أعداد الفرنسية والانكليزية إلى مجموع النقاط (المُحتسبة بعدُ في المعدل العام) برّرته وزارة التعليم العالي حين إقراره بـ “ضرورة تحفيز تلميذ الباكالوريا على تحسين مستواه في اللغات الأجنبية” وهذا ضرب من الديماغوجيا الصرفة لأن التلاميذ لا يهمّهم الاطلاع على كل هذه التفاصيل الفنية إلا بعد نجاحهم النّاجز ومواجهة استحقاقات ما بعد الباكالوريا.

ونقول في النهاية بدون أي تحفّظ إن:

إيجاد روافد إسناد لغوي خارجي في العائلة والمحيط ووسائل الاعلام (لا وجود لأي برنامج إذاعي أو تلفزي جادّ أو ترفيهي حاليا في تونس يُعنى باللغة أو الثقافة) وحسم ازدواجية تدريس العلوم باللغة العربية ثم اللغة الفرنسية بشكل جريء وبعيد عن الهوويات الكريهة والتمسك بـ “فرنسية” لم نخترها على حدّ سواء، ومراجعة الطرائق التي نُدرّس بها اللغات، وإيجاد الحوافز المُجزية لمدرّسي اللغات خاصة في المناطق المنسيّة حتى ننهض بمستواهم .. وغيرها قد تشكّل حزمة من الاختيارات التي تُساعد على إطلاق ألسنة ناشئتنا بما يُصلّب عودهم دراسيا وشغليّا، ويُخرجهم من مُربّع اليُتم الحضاري وفقدان السّند اللغوي المطلوب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* التحاذف، كلمة فرضها سياقها في علاقة بدعوة البعض إلى قلب الهرميّة المعتمدة وجعل لغات معينة تحذف أخرى.

أكمل القراءة

صن نار