تابعنا على

دفءُ نار

منصف الخميري: عَشرُ مُفارقات تونسيّة

نشرت

في

في نهاية الحرب العالمية الثانية، قدّرت ألمانيا خسائرها البشرية بنحو ما بين 7 و 9 ملايين قتيل بين مدنيّين وعسكريّين ودُمّر فيها أكثر من نصف أرضيّة النّقل وظل 20 مليون ألماني بدون مأوى ونزلت على مدينة هامبورغ لوحدها 650 ألف قنبلة حارقة مُخلّفة نصف مليون قتيل...

منصف الخميري Moncef Khemiri
<strong>منصف الخميري<strong>

قبل أن تصبح ألمانيا خلال بعض العشريات فقط رائدة في طاقة الهيدروجين والطاقات المتجددة وصناعة السيارات والقدرة على التجديد وصناعة الدواء وتنقية الهواء وتأهيل التعليم ونسب البطالة الأدنى ومؤشرات احترام القانون العالية جدا أوروبيا وعالميا… وهذه مُفارقة مُستحسَنة.

أما حالة تونس فتمثل مفارقة مُستهجَنة…لأنها من صنف المجتمعات التي لها كل المُقوّمات حتى تكون في أعلى سلّم الأمم والشعوب المتقدمة لكنها تفعل كل شيء من أجل تدمير هذه المقومات وتبديد ما وهبتها الطبيعة من مُقدّرات وتبجيل التخلف بدلا من التقدم وتخريب ما لديها من مكتسبات وإنجازات قابلة للتطوير والتثمين.

ومن المفارقات الصّارخة في تونس :

____أنّ شعبا يبْدو سويّا يُدمّر عن وعي وبسابق إصرار وإضمار دولة قائمة بالرغم من الإخلالات التي ترزح تحت نيرها ولكنها قائمة وتنتظر نصيبها من استبدال الدولاب وإصلاح الأعطاب، ليحل محلها الخراب واللاّدولة وسيادة اللامعنى وارتفاع أصوات الحُثالة حدّ الثُمالة بل وإفراز نخبة مثقفة ومناضلة تُنظّر بأنه ليس للفقراء والمُهمّشين ما يخسرونه جرّاء “تبريك” الدولة نهائيا ثم التباكي على أنقاضها أو التغنّي بلذّة انتظار قيام دولة الكاحين التي لن تأتي.

____أن ثورة تَبيضُ دستورا يَعُجّ بأسمى المبادئ والقيم الانسانيّة ولكن يستمر المجتمع في التصرف بطمأنينة عكس هذه المبادئ تماما … كأن يكون شعار الجمهورية الحرية والكرامة والعدالة والنظام بينما تتصدر أخبار الثامنة نبأ اعتقال شابة عبرت عما يعتبره البوليس اعتداء على الأخلاق الحميدة، ونبأ قبول الدولة لهديّة مسمومة من الإمارات ليقول الإماراتيّون “فرحة شعبية عارمة في تونس بوصول اللقاحات الاماراتية” في اعتداء فاحش على كرامة التونسيين وسيادة دولتهم.

أو أن نُقرّ بأن جميع المواطنين متساوُون في الحقوق والواجبات ويُمنع الترشح لرئاسة الجمهورية لغير المسلم  (وكأن الانتماء الديني من الممكن أن تبرهن عليه بطريقة شكلية رسمية).

ونفس الشيء بالنسبة إلى الحق في الماء والغذاء والدواء وحرية الضمير والضريبة العادلة وحرمة الأجساد وكرامة العِباد. 

____أنّ بلادا في أمسّ الحاجة إلى العقل والكفاءة والاقتدار والرّوح الوطنيّة لأنها تعيش أكثر الأزمات حدّة في تاريخها، تُرتّب أوضاعها بشكل يُقصي أكثر الأسماء كفاءة في الاقتصاد والإدارة والاستشراف والأمن والتصرف في الأزمات والتجارة والتسيير … ويُزيح كل من لا يقبل الصّندقة وفق معايير اللحظة الموغلة في النفعية والتحيّنيّة والروح الغنائمية. فنجد أنفسنا أمام مشاريع على الرّفوف وكفاءات على الرفوف ودراسات كَلّفت الدّولة مليارات على الرّفوف… أمّا الجماعة فرياضتهم الوطنيّة المُفضّلة هي ضرب الدّفوف وإمالة الخطّ المعكوف.

____أن بلادا تقول عنها بوّابات البحث الالكتروني أنها كانت “مطمورة روما” عندما كانت تكفي محاصيلها من الحبوب لإعاشة كافة مقاطعات الإمبراطورية الرومانية (بين سدس ونصف سكان العالم تقريبا) …حتى أصبحت تونس اليوم تستورد حوالي 120 الف طن من القمح الليّن 110 الاف طنّ من القمح الصلب و 75 الف طنّ من علف الشعير (ارقام 2014) من الولايات المتحدة و أستراليا وفرنسا وكندا والمانيا وبولندا والارجنتين وأوكرانيا ورومانيا.

____أن بلادا يعتبرها العالم رائدة في تطوير الصناعة النسيجيّة لتكون دعامة من دعائم بناء الدولة الوطنية الحديثة في مسيرة هلالية متفرّدة (نسبة الى قصر هلال). فبُعث المُركّب التونسي للنسيج 5 أشهر فقط بعد إعلان الاستقلال مع بعث مسالك للتكوين الخصوصي في المجال كهندسة النسيج وصناعات الملابس وصناعات التجويد واكسسوارات الموضة…بلد بهذا الملمح لا يخجل مسؤولوه من استيراد الكمّامات القماشية من تركيا بملايين الدولارات ولا “يجعر” مُختطفوه من استيراد جِمال الصناعات التقليدية الوبريّة من الصين الشعبية بالعُملة المُستعصية.

____أن تونس السبّاقة إلى تأسيس كليات الطب وبعث التعليم المدني والتشجيع على المسالك العلمية والتكنولوجية وانتشار أقسام الفلسفة وحلقاتها ونواديها باتت لا تُعرف أحيانا أمام طوابير لا تنتهي تنتظر دورها في قائمة من سيتفل على وجوه أصحابها مشعوذ مغربي وأمام طبيب يُعلّق وَزْغة على سرير نومه ويظل ينتظر موتها حتى تحمل معها عرق الأسى والحسرة الناتج عن فتق غضروفي وآلاف الأرواح الهشّة المتكسّرة على بلّور السَّحَرة والدجّالين بحثا عن الثروة دون عمل أو الزوج المكتمل.

____أن التونسي يعيش حالة إنشطارية في علاقة بالهوية الدينية وما يرتبط بها من أفكار وممارسات فتجده مثلا خارج أسوار وطنه (مثله مثل أغلب العرب والمسلمين) يطالب بتطبيق الشريعة الإسلامية في أوروبا وأستراليا باعتبار أنها تمثل بالنسبة إليه المخرج لتلك المجتمعات من الضلال والانحراف. وهو يتشبث بالبقاء في الغرب الذي يعارض قوانينه ويرفض تقاليده، ولكنه يستميت في رفض العيش تحت الظلال الوارفة لحكومات بلاده المستبدة. يدافع بتشدّد عن حق المسلمين في بناء الجوامع على أرض الكفّار ولكنه يشعر بنوع من الضّيم عند مروره ببقايا كنيسة أو بيْعة في بلده.

____أن التونسي يُظهر ورعه وزُهده وتقواه ويحرص على أداء مناسكه بالكامل ولكنّه يُبدع في التعامل بشكل انتقائي مع النصوص والأحكام المتداولة لتشريع أفعاله وأعماله واختياراته كأن يُحاول تبرير الاعتداء على منابات أخواته البنات في الميراث أو تسويغ العنف الذي يمارسه على زوجته والمرأة عامة أو إيجاد الأعذار لحالات الاغتصاب… وفق منطق “أدّي الفرض وانقب الأرض”.

____أن التونسي يتردّد كثيرا على مواقع الإباحة والسباحة في مستنقعات الواب المستراب بل حقّق خلال شهر رمضان 220 ألف زيارة يوميا لمواقع إباحية (حسب الأرقام التي نشرتها وكالة ألكسا في 2016)، لكنه لا يتحمّل وجود فقرة في كتاب فاتن الفازع تتحدث عن لحظة حميمية بين كائنين من جنس مختلف لخّصتها في “…ودخلنا لدنيا أخرى” بالرغم من أن عديد الكتّاب والأدباء الآخرين مثل شكري المبخوت وأمال مختار وأيمن الدبوسي سبقوا إلى إقحام فقرات وصور واستعارات تُحيل على عالم اللذّة والحميميّة دون أن يُحدث ذلك هرجا ومرجا مثل الذي نراه خلال الأيام الأخيرة.

____أن اليسار السياسي تجده بصفة آلية في كل الاحتجاجات والتحركات والإضرابات والاعتصامات التي ينفّذها البائسون والمُعدمون… لكن هؤلاء يوم الاقتراع إما يتغيّبون أو يبيعون “الطُّرْح” مقابل بعض الملاليم والتصويت لفائدة قوى ووجوه لم تساندهم يوما أو تؤيّدهم في مطالبهم بل يعتبرونهم همجا ودهماء وغوغاء في سياق نظرية “الفقر والله ما يظلمش”.

وأترك لكم حرية التفكير بمُفارقات أخرى يكتظّ بها المشهد التونسي.

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

دفءُ نار

رمضان.. و حالة الطوارئ الغذائيّة…

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبير عميش:

حالة طوارئ لدى العائلات، فمنذ أيام وحتى قبل حلول شهر رمضان بدأ الاكتظاظ والازدحام… حركة المرور تكاد تكون مشلولة… طوابير من السيارات أمام المغازات الكبرى وصفوف أمام محلات صنع المرطبات والحلويات وأمام باعة اللحوم والدواجن والأسماك والخضر والغلال والفواكه والتوابل… وما تسمع كان “آش حضّرت لرمضان؟” وتتواصل هذه اللهفة وهذه المظاهر حتى بعد حلول الشهر.

حالة طوارئ لدى الدولة، وهي تُطمئن الشعب عبر بلاغاتها بأنها تمكنت من تخزين لا أدري كم من مليون بيضة وأنها ضخّت كميات إضافية من الزيت النباتي المدعّم ومن السكر والفارينة، وحالة استنفار لدى المسؤولين الذين يؤكدون على تسعير اللحوم وعلى الصرامة في مراقبة عمليات البيع ويهدّدون المخالفين ويتوعدونهم (لكن في بلادنا ديما الواقع يخالف الكلام والمواد المدعومة ناقصة أو مفقودة وأسعار الحكومة موش هي أسعار الواقع).

حالة طوارئ في الإذاعات والتلفزات ، فلا تجد سوى أحاديث عن قضْية رمضان ومواكبة لواقع الأسواق ولا تسمع إلاّ برامج الطبخ والتصنيف ولا تتابع إلا إعلانات عن الطعام هذا للإفطار وهذا للسهرة وهذا للسحور…

حالة طوارئ في الشوارع والمجالس، فلا ترى إلا اللهفة في العيون ولا تسمع إلا اشنوّة المنيو الليلة؟ وحديثا عن الشوربة والبريك والسلايط والطبق الرئيسي والحلويات ولوازم السهرة.. كل هذا من أجل شهر الصيام الذي يفترض أنّه مجعول للتراحم والاحساس بالفقراء والزهد والاعتدال.. فرمضان في جوهره ليس شهر الإفراط في الطعام، بل شهر التخفف، وضبط النفس، وتغيير العادات الغذائية، وفرصة للتخلص من التخمة والسكريات والوزن الزائد. والصوم هو مدرسة للصبر والتوازن، لا موسما لمضاعفة الاستهلاك…

لكن في بلادنا وفي البلدان العربية خرج رمضان من غايته ومقاصده الأساسية ليصبح شهر الاستهلاك بامتياز إلى درجة أن البعض يستدين أو يقترض لمجاراة نسق الاستهلاك العالي، وصارت المائدة هي الغاية وصرنا نرى القيمة في تعدّد الأطباق، ونسينا أنّ رمضان فرصة لإصلاح علاقتنا مع ذواتنا ومع أجسادنا وأنّه ليس سباقا نحو الموائد… بل عودة نحو القيم… وأنه شهر الرحمة موش شهر اللحمة، وشهر الرأفة موش شهر اللهفة.

أكمل القراءة

دفءُ نار

بورِك رمضانكم

نشرت

في

(اللوحة من تصميم الفنان الكبير محمد الأطرش)

Motif étoiles

أكمل القراءة

دفءُ نار

مُراكمة اللّغات بدلاً من تحاذُفها*  

من أجل تعزيز القدرات التواصليّة للتلميذ، عوضا عن تعليم القواعد الحجريّة منذ الطفولة الأولى

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

منصف الخميري:

تفاعلا مع ما يجري من نقاش في الآونة الأخيرة حول واقع تدريس اللغات في بلادنا وتراتبيّتها الهيكلية وتدنّي المستوى العام للتلميذ التونسي، لا فقط في اللغات الأجنبية بل وفي اللغة العربية الأم كذلك، يهمّني أن أدلي ببعض الملاحظات بهدف الوقوف على بعض أوجه هذه “العلّة” الحقيقية التي تُعيق نجاح بناتنا وأبنائنا وتميّزهم وبهدف صياغة بعض المقترحات التي قد تساعد على تجاوز واقع الحال.

ما يُلاحظ أوّلا

أن المستوى العام لتلاميذنا في اللغات وكذلك في الفلسفة باعتبارها مادة مؤثرة وباعثة على التفكير المنطقي على طول مسار التلميذ حتى في التعليم العالي وفي المسارات العلمية والهندسية (أنظروا في هذا الصدد الاثار الفلسفية والفكرية المُبرمجة سنويا في الاقسام التحضيرية العلمية للمدراس الهندسية الفرنسية الكبرى) كما تعبّر عنه المعدلات المُحرزة في الباكالوريا، هو مستوى متدنّ للغاية لا يُساعد في كل الأحوال على مباشرة دراسات جامعية تتطلب مهارات لغوية وتواصلية كبيرة مهما كان حقل الاختصاص. إذ أن :

  • 54.41 % من المُحرزين على الباكالوريا تحصلوا على 10 أو أقل من عشرة في مادة العربية في كل الباكالوريات مجتمعة (76180 ناجح سنة 2025).
  • 39.37%  تحصلوا على عشرة أو أقل في مادة الفرنسية
  • 32.64 %  تحصلوا على عشرة أو أقل في مادة الانكليزية
  • 60.12 %  تحصلوا على عشرة أو أقل  في مادة الفلسفة

وهذا يعني أن ضعف مستوى ناشئتنا في لغتهم الأم يُثير مخاوف أكبر من تلك التي يُثيرها ضعف المستوى في اللغات الأجنبية، بالرغم من “اليُسر العام” في اختبارات امتحان العربية في الباكالوريا التي تُضاهي مستوى امتحان التاسعة أساسي كما يُقرّ بذلك السادة المتفقدون. وقد يعود هذا “الجفاء” إزاء الفُصحى إلى وعي تلميذ اليوم بأن اللغة العربية لن تعترض سبيله في جميع المسارات الجامعية إلا إذا اختار شعبة اللغة والآداب العربية من ناحية، ومن جهة أخرى إلى عدم سعي الدولة منذ عقود – رغم براعتها في تصريف اللغة- إلى تفعيل العربية لتكون لغة ناقلة للعلوم والتكنولوجيا والمعارف المختلفة، كما هو الحال بالنسبة إلى الصينية أو اليابانية أو الفارسية أو التركية عندما تمّ تحطيم الأسطورة القائلة بأن “العلوم تلينُ –طبيعيا- للّغات الأوروبية”. مع الاعتراف كذلك بأن الانزياح القائم اليوم بين العامّيّة والفصحى la diglossie في لغتنا يزيد الأمر تعقيدا إضافيا لا تعاني منه بلدان أخرى مثل روسيا أو الصين أو كوريا الجنوبية.

ثانيا : تدنّي مستوى تلاميذنا في اللغات هو عابر لجميع الباكالوريات، لكنه أكثر فداحة في شعب مدرسية بعينها : الاداب، والاقتصاد والتصرف، والإعلامية أساسا.

إن نسبة التلاميذ الذين لا يحصلون على المعدّل في العربية تساوي 70% في الباكالوريا آداب و69 % في الباكالوريا اقتصاد وتصرف و 65.38 %  في علوم الاعلامية (هل تشابه النسب الثلاثة هو مجرد صدفة ؟ لا أعتقد شخصيا ذلك) . بينما لا تتجاوز هذه النسبة الـ 14.11%  في باكالوريا رياضيات ! ومن المفارقات  أيضا أن نسبة الحاصلين على أكثر من عشرة في مادة العربية تصل إلى 65.71 % في باكالوريا علوم تجريبية بينما لا تتجاوز 25.89 % في باكالوريا آداب على سبيل المثال.

ولتدعيم هذه الحقائق، فإن :

من تحصلوا على عشرة أو أكثر في الفرنسية باكالوريا آداب، تساوي نسبتهم  30.30 %  مقابل 81.58 % في باكالوريا رياضيات.

أما من تحصّلوا على أكثر من عشرة في مادة الانكليزية فنسبتهم تساوي 36.27 % في باكالوريا آداب في حين تبلغ 86.68 % في الرياضيات و 47.47 % في العلوم التقنية و 58.14 % في العلوم التجريبية.

وفي مادة الفلسفة، كانت معدلات الشعب العلمية أفضل من باكالوريا آداب، حيث بلغت على سبيل المثال نسبة المتحصلين على عشرة فما أكثر  46.19 %   في الاداب مقابل 54.17 %  في الرياضيات.

ذلك يعني – في ما يعنيه- أن ما تكسبه منظومتنا التربوية من جودة على مستوى تملّك اللغات بفضل جيوب التميّز في الباكالوريات العلمية بصورة خاصة، سرعان ما يتلاشى على مستوى المعدلات العامة جرّاء تدهور مستوى الملتحقين بشكل جُزافي يفرضه غياب البدائل الأخرى نحو شعب الآداب والاقتصاد والتصرف وعلوم الاعلامية بصورة خاصة.

وبناءً على ذلك، يصحّ القول بأن أزمة اللغات في مدرستنا التونسية هي أزمة مُركّبة تتداخل فيها طبيعة البيداغوجيا المُعتمدة في تدريس “التكلّم الصّرف المُنهمر دون كلفة أو وجل”  قبل “كيف نتكلّم ووفق أي قواعد نتكلّم” ومستوى تكوين المُدرّسين وغياب التوجهات الوطنية الواضحة (غير الشعاراتية) للدولة وهيكلة التعليم وما يُعرض من شعب ومسالك إلى جانب ما يغيب من معابر ومختصرات.  

ثالثا : النحو الداخلي بواسطة الشفاهي والتواصل في وضعيات ذات معنى بالنسبة إلى التلميذ بدلا من قصفه منذ بدايات ابتهاجه بمفاتن اللغة، بما اختلفت فيه البصرة والكوفة والتمييز بين المفاعيل عندما يبدأ التأويل.

يبدو أن تلميذنا التونسي لا يُقبل على درس اللغة – مهما كانت هذه اللغة- بشكل فيه فرحة التعلّم وبهجة التعبير عن مشاعره والدّفع بما يعتقده صحيحا أو خاطئا…خوفا من الاصطدام بقواعد اللغة الصمّاء والاشتباك غير محمود العواقب مع شرطة العدد والمعدود والممنوع من الصرف وخشية التّيه في متاهات اللغو والوقوع في شراك حِباله التي كلما صعدت درجة وإلا وزاد طولها ورعونتها. من الأمثلة الناجحة اليوم ـأكثر من غيرها- في إقدار الأطفال على تعلّم اللغات (الوطنية والأجنبية على قدم المساواة) هي اللوكسمبورغ وسنغافورة، حيث تُمارس ما يُسمّى بالمقاربات الانغماسية في تدريس اللغات (يعجبني شخصيا أكثر تعبير تعلّم اللغات بواسطة المعايشة أو بواسطة الغَمر، كما في تقنية السّقي الزراعي) بحيث لا تكون اللغات “مواد مستقلة بذاتها تُدرّس بشكل قواعدي صرف” بل تكون بمثابة  قنوات للريّ اللغوي غَمرا أحيانا وقطرة قطرة أحيانا أخرى، من خلال وضعيات لعبيّة مرحة وألعاب أدوار تواصليّة مُحفّزة … خاصة في المراحل التعليمية الأولى. فلا يتمّ بالنتيجة تبجيل البعد الهيكلي (النحو) على البعد الاستعمالي الحيّ (الحياة) حتى لا يُكبّل اللسان قبل أن ينطق بعدُ.  

يقول أصحاب هذا التوجّه بأنه لا يجب أن نُعطي الطفل دروسا تشريحية حول مهمة العضلات والأنسجة والأوتار من أجل تعليمه كيف يمشي، لأن الانسان يتعلم المشي من خلال فقدان التوازن والمحاولة والخطأ والغريزة… فإذا كان النحو هو التركيبة البنيوية للغة فالكلام هو حركتها.

رابعا وأخيرا : لا نُواجه ظاهرة ضعف تلاميذنا في اللغات، بالعقاب والمنطق المردود بعد الباكالوريا !

بعد حصولها على معدّلات الباكالوريا للتلاميذ وأعدادهم في كل المواد التي تمّ اجتياز الامتحان فيها، تعمد وزارة التعليم العالي إلى احتساب ما تُسمّيه بمجموع النقاط لترتيب التلاميذ وتوزيعهم على مختلف مسالك التكوين لديها (اعتماد الحساب مع الاستئناس باختيارات كل مترشح للتوجيه الجامعي وكيفية ترتيبها).

هنالك إجراءان لافتان للانتباه في هذا الخصوص وجب التوقّف عندهما :

– يتكوّن هذا المجموع من عنصرين أساسيين هما المعدل العام للتلميذ في الباكالوريا ضارب 4 يُضاف إليه 6 ضوارب خصوصية أخرى موزّعة على المواد الأساسية في كل شعبة من شعب الباكالوريا (مثلا بالنسبة إلى الرياضيات يُضاف الى المعدل العام ضاربان للرياضيات وضارب ونصف للعلوم الفيزيائية ونصف ضارب لعلوم الحياة والأرض وضاربان للفرنسية والانكليزية …). بمعنى أن معدلات التلميذ في الباكالوريا، المتدنية بصورة عامة  تُحتسب مرتين في هذه الحالة : مرة في المعدل العام ومرة ثانية في الضوارب الخصوصية…بما يجعل منه إجراءً عقابيا لا موجب له، يُعيق التلميذ في الحصول على ما يرغب فيه بدلا من تحييد هذه الهِنات وتذليل تبعاتها.

– إضافة أعداد الفرنسية والانكليزية إلى مجموع النقاط (المُحتسبة بعدُ في المعدل العام) برّرته وزارة التعليم العالي حين إقراره بـ “ضرورة تحفيز تلميذ الباكالوريا على تحسين مستواه في اللغات الأجنبية” وهذا ضرب من الديماغوجيا الصرفة لأن التلاميذ لا يهمّهم الاطلاع على كل هذه التفاصيل الفنية إلا بعد نجاحهم النّاجز ومواجهة استحقاقات ما بعد الباكالوريا.

ونقول في النهاية بدون أي تحفّظ إن:

إيجاد روافد إسناد لغوي خارجي في العائلة والمحيط ووسائل الاعلام (لا وجود لأي برنامج إذاعي أو تلفزي جادّ أو ترفيهي حاليا في تونس يُعنى باللغة أو الثقافة) وحسم ازدواجية تدريس العلوم باللغة العربية ثم اللغة الفرنسية بشكل جريء وبعيد عن الهوويات الكريهة والتمسك بـ “فرنسية” لم نخترها على حدّ سواء، ومراجعة الطرائق التي نُدرّس بها اللغات، وإيجاد الحوافز المُجزية لمدرّسي اللغات خاصة في المناطق المنسيّة حتى ننهض بمستواهم .. وغيرها قد تشكّل حزمة من الاختيارات التي تُساعد على إطلاق ألسنة ناشئتنا بما يُصلّب عودهم دراسيا وشغليّا، ويُخرجهم من مُربّع اليُتم الحضاري وفقدان السّند اللغوي المطلوب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* التحاذف، كلمة فرضها سياقها في علاقة بدعوة البعض إلى قلب الهرميّة المعتمدة وجعل لغات معينة تحذف أخرى.

أكمل القراءة

صن نار