في نهاية الحرب العالمية الثانية، قدّرت ألمانيا خسائرها البشرية بنحو ما بين 7 و 9 ملايين قتيل بين مدنيّين وعسكريّين ودُمّر فيها أكثر من نصف أرضيّة النّقل وظل 20 مليون ألماني بدون مأوى ونزلت على مدينة هامبورغ لوحدها 650 ألف قنبلة حارقة مُخلّفة نصف مليون قتيل...
<strong>منصف الخميري<strong>
قبل أن تصبح ألمانيا خلال بعض العشريات فقط رائدة في طاقة الهيدروجين والطاقات المتجددة وصناعة السيارات والقدرة على التجديد وصناعة الدواء وتنقية الهواء وتأهيل التعليم ونسب البطالة الأدنى ومؤشرات احترام القانون العالية جدا أوروبيا وعالميا… وهذه مُفارقة مُستحسَنة.
أما حالة تونس فتمثل مفارقة مُستهجَنة…لأنها من صنف المجتمعات التي لها كل المُقوّمات حتى تكون في أعلى سلّم الأمم والشعوب المتقدمة لكنها تفعل كل شيء من أجل تدمير هذه المقومات وتبديد ما وهبتها الطبيعة من مُقدّرات وتبجيل التخلف بدلا من التقدم وتخريب ما لديها من مكتسبات وإنجازات قابلة للتطوير والتثمين.
ومن المفارقات الصّارخة في تونس :
____أنّ شعبا يبْدو سويّا يُدمّر عن وعي وبسابق إصرار وإضمار دولة قائمة بالرغم من الإخلالات التي ترزح تحت نيرها ولكنها قائمة وتنتظر نصيبها من استبدال الدولاب وإصلاح الأعطاب، ليحل محلها الخراب واللاّدولة وسيادة اللامعنى وارتفاع أصوات الحُثالة حدّ الثُمالة بل وإفراز نخبة مثقفة ومناضلة تُنظّر بأنه ليس للفقراء والمُهمّشين ما يخسرونه جرّاء “تبريك” الدولة نهائيا ثم التباكي على أنقاضها أو التغنّي بلذّة انتظار قيام دولة الكاحين التي لن تأتي.
____أن ثورة تَبيضُ دستورا يَعُجّ بأسمى المبادئ والقيم الانسانيّة ولكن يستمر المجتمع في التصرف بطمأنينة عكس هذه المبادئ تماما … كأن يكون شعار الجمهورية الحرية والكرامة والعدالة والنظام بينما تتصدر أخبار الثامنة نبأ اعتقال شابة عبرت عما يعتبره البوليس اعتداء على الأخلاق الحميدة، ونبأ قبول الدولة لهديّة مسمومة من الإمارات ليقول الإماراتيّون “فرحة شعبية عارمة في تونس بوصول اللقاحات الاماراتية” في اعتداء فاحش على كرامة التونسيين وسيادة دولتهم.
أو أن نُقرّ بأن جميع المواطنين متساوُون في الحقوق والواجبات ويُمنع الترشح لرئاسة الجمهورية لغير المسلم (وكأن الانتماء الديني من الممكن أن تبرهن عليه بطريقة شكلية رسمية).
ونفس الشيء بالنسبة إلى الحق في الماء والغذاء والدواء وحرية الضمير والضريبة العادلة وحرمة الأجساد وكرامة العِباد.
____أنّ بلادا في أمسّ الحاجة إلى العقل والكفاءة والاقتدار والرّوح الوطنيّة لأنها تعيش أكثر الأزمات حدّة في تاريخها، تُرتّب أوضاعها بشكل يُقصي أكثر الأسماء كفاءة في الاقتصاد والإدارة والاستشراف والأمن والتصرف في الأزمات والتجارة والتسيير … ويُزيح كل من لا يقبل الصّندقة وفق معايير اللحظة الموغلة في النفعية والتحيّنيّة والروح الغنائمية. فنجد أنفسنا أمام مشاريع على الرّفوف وكفاءات على الرفوف ودراسات كَلّفت الدّولة مليارات على الرّفوف… أمّا الجماعة فرياضتهم الوطنيّة المُفضّلة هي ضرب الدّفوف وإمالة الخطّ المعكوف.
____أن بلادا تقول عنها بوّابات البحث الالكتروني أنها كانت “مطمورة روما” عندما كانت تكفي محاصيلها من الحبوب لإعاشة كافة مقاطعات الإمبراطورية الرومانية (بين سدس ونصف سكان العالم تقريبا) …حتى أصبحت تونس اليوم تستورد حوالي 120 الف طن من القمح الليّن 110 الاف طنّ من القمح الصلب و 75 الف طنّ من علف الشعير (ارقام 2014) من الولايات المتحدة و أستراليا وفرنسا وكندا والمانيا وبولندا والارجنتين وأوكرانيا ورومانيا.
____أن بلادا يعتبرها العالم رائدة في تطوير الصناعة النسيجيّة لتكون دعامة من دعائم بناء الدولة الوطنية الحديثة في مسيرة هلالية متفرّدة (نسبة الى قصر هلال). فبُعث المُركّب التونسي للنسيج 5 أشهر فقط بعد إعلان الاستقلال مع بعث مسالك للتكوين الخصوصي في المجال كهندسة النسيج وصناعات الملابس وصناعات التجويد واكسسوارات الموضة…بلد بهذا الملمح لا يخجل مسؤولوه من استيراد الكمّامات القماشية من تركيا بملايين الدولارات ولا “يجعر” مُختطفوه من استيراد جِمال الصناعات التقليدية الوبريّة من الصين الشعبية بالعُملة المُستعصية.
____أن تونس السبّاقة إلى تأسيس كليات الطب وبعث التعليم المدني والتشجيع على المسالك العلمية والتكنولوجية وانتشار أقسام الفلسفة وحلقاتها ونواديها باتت لا تُعرف أحيانا أمام طوابير لا تنتهي تنتظر دورها في قائمة من سيتفل على وجوه أصحابها مشعوذ مغربي وأمام طبيب يُعلّق وَزْغة على سرير نومه ويظل ينتظر موتها حتى تحمل معها عرق الأسى والحسرة الناتج عن فتق غضروفي وآلاف الأرواح الهشّة المتكسّرة على بلّور السَّحَرة والدجّالين بحثا عن الثروة دون عمل أو الزوج المكتمل.
____أن التونسي يعيش حالة إنشطارية في علاقة بالهوية الدينية وما يرتبط بها من أفكار وممارسات فتجده مثلا خارج أسوار وطنه (مثله مثل أغلب العرب والمسلمين) يطالب بتطبيق الشريعة الإسلامية في أوروبا وأستراليا باعتبار أنها تمثل بالنسبة إليه المخرج لتلك المجتمعات من الضلال والانحراف. وهو يتشبث بالبقاء في الغرب الذي يعارض قوانينه ويرفض تقاليده، ولكنه يستميت في رفض العيش تحت الظلال الوارفة لحكومات بلاده المستبدة. يدافع بتشدّد عن حق المسلمين في بناء الجوامع على أرض الكفّار ولكنه يشعر بنوع من الضّيم عند مروره ببقايا كنيسة أو بيْعة في بلده.
____أن التونسي يُظهر ورعه وزُهده وتقواه ويحرص على أداء مناسكه بالكامل ولكنّه يُبدع في التعامل بشكل انتقائي مع النصوص والأحكام المتداولة لتشريع أفعاله وأعماله واختياراته كأن يُحاول تبرير الاعتداء على منابات أخواته البنات في الميراث أو تسويغ العنف الذي يمارسه على زوجته والمرأة عامة أو إيجاد الأعذار لحالات الاغتصاب… وفق منطق “أدّي الفرض وانقب الأرض”.
____أن التونسي يتردّد كثيرا على مواقع الإباحة والسباحة في مستنقعات الواب المستراب بل حقّق خلال شهر رمضان 220 ألف زيارة يوميا لمواقع إباحية (حسب الأرقام التي نشرتها وكالة ألكسا في 2016)، لكنه لا يتحمّل وجود فقرة في كتاب فاتن الفازع تتحدث عن لحظة حميمية بين كائنين من جنس مختلف لخّصتها في “…ودخلنا لدنيا أخرى” بالرغم من أن عديد الكتّاب والأدباء الآخرين مثل شكري المبخوت وأمال مختار وأيمن الدبوسي سبقوا إلى إقحام فقرات وصور واستعارات تُحيل على عالم اللذّة والحميميّة دون أن يُحدث ذلك هرجا ومرجا مثل الذي نراه خلال الأيام الأخيرة.
____أن اليسار السياسي تجده بصفة آلية في كل الاحتجاجات والتحركات والإضرابات والاعتصامات التي ينفّذها البائسون والمُعدمون… لكن هؤلاء يوم الاقتراع إما يتغيّبون أو يبيعون “الطُّرْح” مقابل بعض الملاليم والتصويت لفائدة قوى ووجوه لم تساندهم يوما أو تؤيّدهم في مطالبهم بل يعتبرونهم همجا ودهماء وغوغاء في سياق نظرية “الفقر والله ما يظلمش”.
وأترك لكم حرية التفكير بمُفارقات أخرى يكتظّ بها المشهد التونسي.
هي فنانة تشكيلية تونسية اختارت أن تنتهج مسارا فنيا يجمع بين روح البحث والمغامرة حيث الفن والابداع وعبر علاقة تجمع بين شغف الفن وعمق الجانب الأكاديمي، وذلك عبر أنشطة متعددة منها البحث العلمي والمعارض منذ موسم سنة 2005 الى حد اليوم لتؤثث معرضا لانتاجاتها بباريس وبفضاء سيدي علي عزوز بنابل ومعرض الربيع لبول كلي بالمركز الثقافي الدولي بالحمامات وبقصر خير الدين بالمدينة العتيقة بتونس ومعرض تكريم الفنان الراحل عبد الرزاق الساحلي بالمركز الثقافي الدولي بالحمامات ومعرض جماعي للمعهد العالي للفنون الجميلة بنابل وورشة عمل الإبداع بالمعهد العالي للفنون والحرف بسليانة والمعرض الجماعي “الإبداع الفني”للأكاديمية العربية للفنون الجميلة والمعرض الجماعي للاتحاد العالمي للفنانين التشكيليين العرب بالعراق والمعرض الشخصي بالمركز الثقافي بئر الأحجار بمدينة تونس العتيقة والمعرض الجماعي للمنتدى الدولي للفنون التركية العربية بتركيا ومعرضها الشخصي “الصمود”تضامنا مع الحق الفلسطيني وغزة بفضاءات المركز الثقافي بئر الأحجار بتونس.
والى جانب خبراتها الفنية تتعدد أنشطة د. ضحى علية كمحاضرة وباحثة في المعهد العالي للعلوم الإنسانية بجندوبة ومدرّسة بالمعهد العالي للفنون والحرف بمدينة سليانة ومكونة ضمن(رسومات الحاسوب) في مركز تكوين “بلا حدود” بمدينة نابل لتتوّج المسيرة بحصولها خلال سنة 2022 على دكتوراه في دراسات السينما والسمعيات البصرية والوساطة الفنية وتقنيات الفنون في تخصص تقنيات الفنون لتخرج بخبرتها الاكاديمية الى العالم المفتوح والعام من خلال تنظيمها ومشاركتها في معرض تكريم الأديب محمد البشروش بالمركز الثقافي دار شعبان بولاية نابل و معرض “الزلباني” بمركز ابن خلدون الثقافي بتونس، كما أدارت نادي الرسم بالمركز الثقافي بنابل.
اما بالنسبة لمنشورات ضحى علية ومحاضراتها، فمنها مشاركتها في أشغال عدة ندوات دولية بتونس والمغرب والجزائر واسبانيا بمحاضرات حول معنى الحقيقة في الفيلم الوثائقي”محبة فنسنت” و”فان غوغ بين الواقع والافتراضي” و”الفيلم الوثائقي:الجماليات والمعنى” و”تحويل الواقع التصويري إلى صورة سينمائية من خلال أعمال فان غوغ”، و”الإبداع في العمل في الأدب المعاصر” و”أهمية المعنى في لوحات فان غوغ في العالم السينمائي والرقمي” و”الحضور الدائم للتراث الإفريقي في الفن المعاصر من خلال التهجينات الذاتية لدى أورلان” و”عوالم أنثروبولوجيا في فنون إفريقيا: خصائص الثقافات المتعددة والشعوب المتجذرة”.
وتعتبر الفنانة الدكتورة ضحى علية ان”الفن التشكيلي مجال ابداع و بحث وفق أسئلة الذات حيث الذهاب الى جواهر الأشياء استكناها و قصّدا للكامن في الذات من نظر وحلم وتأويل تجاه الواقع بما ينطوي عليه من عناصر تطرح خصوصياتها الطبيعية والجمالية الدالة على الأهمية والقيمة قولا بالقراءة و التفحص. انها سيرة الفن في كونه الترجمان و المحيل الى عوالم من دهشة الحال وما يحف بها من ممكنات هي العبارة في تجلياتها و ابداعها بعين فنان. هي عين القلب لا عين الوجه”
والمميّز في أعمال ضحى علية التشكيلية ان التجريب يبرز كعنصر متحرك في ذاتها، يأخذها الى مناطق من التخييل والابتكار مرورا بأطوار باحثة عن بناها المتجددة فسرديات مختلفة ..و في هذا السياق يمكن النفاذ الى تجربة الفنانة الدكتورة التي سعت في تمشيها الجمالي الى الاشتغال على تعبيرية فنية مخصوصة فيها الكثير من الافصاح عن ممكنات العلاقة بين الفن التشكيلي وفن آخر يشترك معه في الجمالية وهو الفن السينمائي حيث الصورة والمشهدية الجمالية.
هذا التميّز هو عصارة تجربة سنوات تقول عنها صاحبتها التي تعددت معارضها الفنية بين جماعية وشخصية منها مشاركتها مؤخرا مع فنانين وفنانات في رواق بباريس وضمن عنوان”اشراقة تونسية” ومشاركاتها العلمية والفكرية عبر مداخلات في اختصاصها الفني ضمن ملتقيات معنية بالفن وجوانبه الابداعية و الأكاديمية. وتقول عنها إنها “تجربة تتميّز بالتفرّد والتنوّع، حيث سعيتُ جاهدة إلى استكشاف مختلف التقنيات الفنية، بدءا من التقنيات التقليدية مثل الرسم والحفر والتصوير الفوتوغرافي، وصولا إلى التقنيات المعاصرة والحديثة، وفي أعمالي الأخيرة، حاولت المزج بين هذه التقنيات المختلفة، إيمانًا مني بأن هذا التداخل يساهم في خلق ثراء بصري وتقني ومفاهيمي أعمق، كما أسعى دائمًا إلى البحث التشكيلي في مجال العلم المرئي، لما ينطوي عليه من غموض ودلالات مفتوحة تتيح إمكانات واسعة للتأويل والتجريب، وتشكل فضاءً خصبًا للتعبير الفني. الى جانب هذا أهتم بموضوع التهجينات والتداخلات الفنية وخاصة تجلياتها في مجال الفنون البصرية والسينما”.
اما عن بحثها الاكاديمي فتضيف” يندرج بحثي ضمن تفكير نظري وجمالي حول الانتقال من الصورة التشكيلية إلى الصورة السينمائية، متخذًا من أعمال فنسنت فان غوغ مرجعًا أساسيًا، باعتبار أن لغته التشكيلية تمثّل مجالا خصبًا للتجريب والتفاعل بين الفنون. وفي إطار أطروحتي اشتغلتُ على التداخلات الفنية بين الرسم والسينما، من خلال تحليل الكيفيات التي يتمّ بها استملاك لغة فان غوغ التشكيلية وتحويلها وتحريفها داخل كتابة سينمائية معاصرة، حيث لا يتعلّق الأمر بمجرد اقتباس أو تمثيل للوحات، بل بعملية ترجمة جمالية عميقة، تتحوّل فيها اللمسة اللونية، والمادة، والإيقاع التشكيلي إلى عناصر بنيوية في السرد السينمائي”.
وقد اعتمدت في هذا السياق على التجربة الفيلمية لكلٍّ من “دوروتا كوبييل” و”هيو ويلشمان” وخاصة فيلم” Loving Vincent”الذي يقترح مقاربة فريدة للوثائقي المتحرّك. اذ من خلال تقنية تقوم على رسم كل لقطة من لقطات الفيلم يدويًا بأسلوب فان غوغ، يقدّم المخرجان شكلا من السينما التشكيلية، حيث تندمج الصورة السينمائية مع اللوحة المتحركة، وهكذا يصبح الفيلم فضاءً للتهجين، تكتسب فيه اللوحة بعدًا زمانيًا وحركيًا خاصًا بالسينما. وقد قمت بتحليل هذه التجربة بوصفها شكلا من التداخل الفني، حيث يدخل نسقان جماليّان مستقلاّن وهما الرسم والسينما، في علاقة تفاعل وتراكب وتحويل متبادل. ذلك ان الفيلم لا يكتفي بتمثيل أعمال فان غوغ، بل يقوم بإعادة تفعيلها ومنحها مادّية جديدة وأفقًا مختلفًا للتلقي، ويمكن النظر إلى هذه العملية بوصفها نوعًا من بعث جديد للعمل الفني ينتقل فيه من الفضاء المتحفي إلى جهاز سينمائي غامر، كما يقودني هذا البحث إلى طرح جملة من الإشكالات النظرية الأساسية، من بينها مسألة تحوّل العمل الفني عبر الاقتباس، وإعادة النظر في مفهوم المؤلف، وتحولات وضعية الصورة بين ثباتها التشكيلي وحركتها السينمائية، إلى جانب دور التقنيات المعاصرة في إعادة تشكيل الممارسات الفنية”.
وأضافت الدكتورة أنه من خلال هذه الدراسة “بيّنت أن التداخلات الفنية لا تقتصر على تقاطعات شكلية فحسب، بل تشكّل فضاءات حقيقية للإبداع وإعادة ابتكار اللغات الفنية، حيث تغدو أعمال فان غوغ في هذا الإطار، مجالا تجريبيًا مميّزًا، يكشف قدرة السينما على استيعاب الذاكرة التشكيلية وتحويلها وإطالة أمد حضورها”.
وبهذا تنحت الدكتورة ضحى علية مسيرتها الفنية والابداعية والعلمية لتواصل التوغل في تجربتها بحثا وإبداعأ في تلازم بين الابداعي و العلمي وفي توق للآفاق الممكنة عبر المغامرة في عالم متغير ومتعدد ومتسارع المستجدات والمستحدثات التقنية والفكرية و الابداعية.
ما يُبهرني شخصيا في رؤية ألبير جاكار لما يسمّى بالموهبة هو جُرأته العلمية وتفرّده برؤى تحليلية تخرج عن المألوف لتترك مجالا واسعا للتّنسيب وموقعا يليق بالأطفال المختلفين وكل أولئك الذين تضعهم التصنيفات العلمية المزعومة (كما يقول هو) على هامش الذّكاء والنّبوغ وتُعطيهم فرصة للتميّز مهما كان ملمحهم ومستوى نتائجهم المدرسية وترتيبهم في المناظرات والاختبارات.
<strong>منصف الخميري<strong>
كثيرة هي الأدبيات التربوية والعلمية التي تحدّثت عن هذا الصنف من الأطفال، فيطلقون عليهم تسمية الأطفال الموهوبين تارة أو الأطفال ذوي الإمكانيات العالية enfants à haut potentiel تارة أخرى أو كذلك الأطفال ذوو الذكاء المُبكّرprécoces . لكن عالم نفس النمو وأستاذ علوم التربية الأمريكي هوارد غاردنر شكّك في نهاية سبعينات القرن الماضي في إمكانية وجود الذكاء الواحد والكوني لأنه لا يعدو كونه “اقتدارا خصوصيا يتمثل في فهم الأشياء” وبالتالي لا مناص من تصريف الذكاء في الجمع في إطار ما أسماه بنظرية الذكاءات المتعدّدة … وذلك في 8 مجالات أساسية متنوّعة (الذكاء اللغوي والذكاء المنطقي الرياضي والذكاء الموسيقي والذكاء البصري الفضائي والذكاء البدني الحركي والذكاء العلائقي والذكاء البيئي والذكاء العاطفي).
وهذا نصّ الحوار الذي أجرته مجلة نوفيل أوبسرفاتور مع ألبير جاكار (أوت 2013).
الأطفال الموهوبون، هل تؤمنون بوجودهم، نعم أم لا ؟
لا طبعا، أنا لا اومن بذلك مُطلقا، وسبق لي أن تصادمت في هذا الخصوص مع عالم السلوكيات ريمي شوفان الذي نشر سنة 1975 مؤلفا أطلق عليه “النوابغ”. لا يمكن حسب نظري أن يوجد نوابغ وذلك لسببين : أولا في كلمة نوابغ surdoués هناك “أعلى” بمعنى متفوق وما يتبع ذلك من تصنيف و تراتبية، لكن النابغة هو أعلى من ماذا أو مِن مَن ؟ عندما نفكر بأن هذه التراتبية هي مبنية على مقياس وحيد وهو قيس حاصل الذكاء QI المزعوم، ندرك سريعا أن الأمر متعلق بفكرة مجنونة. قيس الذكاء ؟ ادعاء تحويل هذا الواقع متعدد الأشكال إلى رقم حزين ؟ هذا غباء. ثم لماذا مثلا لا نؤسس حاصلا للجمال QB ؟ عندما أقترح هذا، الناس يبتسمون هازئين. لكن على الناس الذين يردّون الفعل على هذا النحو أن يهزؤوا بنفس الطريقة من حاصل الذكاء.
والسبب الثاني ؟
آه نعم. في كلمة موهوب أيضا هناك “النبوغ” doué. أي المتمتع بموهبة. من وهبه هذا النبوغ ؟ الطبيعة بالتأكيد. الكنديون ابتدعوا كلمة douance بمعنى القدرة على النبوغ (قليلا أو كثيرا). وبما أن كل ما تمنحنا إياه الطبيعة يكون مسجلا في جيناتنا، فيجب الاعتقاد بأن هناك جينات مسؤولة عن الذكاء (جينات للذكاء). بينما ليس هناك إلا جينات للغباء تدمر العقل. لكن الغباء ليس نقيض الذكاء لأن الغباء مرض. بنفس المنطق هناك قنابل “شريرة” أو كريهة باستطاعتها على سبيل المثال تدمير قصر فرساي ولكن لا وجود لقنابل “طيبة” تكون قادرة على إعادة بنائه بواسطة جينات الذكاء فقط. الجينات ليس لها أي علاقة بترابطية توصيل الخلايا العصبية.
هناك على كل حال – وهذا شيء بارز في المدرسة مثلا- تلاميذ لامعون أكثر من غيرهم ؟
نعم لقد قلتها بنفسك : لامعون. لكن هل يعني ذلك أنهم أذكياء ؟ الذكاء هو مَلَكة الفهم. بينما أن تفهم شيئا ما بشكل حقيقي هو دائما مسار طويل. الذكاء الحقيقي هو أن تفهم كونك لم تفهم. و المثال النموذجي هو إنشتاين عندما كان تلميذا بنتائج مدرسية هزيلة لم يكن بالتأكيد طفلا موهوبا ولكن أتصور أنه لا أحد باستطاعته الادعاء أنه لم يكن ذكيا. لكن أن نفهم كوننا، “لم نفهم بعدُ” هو شيء أكثر ذكاء من الاعتقاد بأننا فهمنا. وهي خاصية الطفل الذي يزعم أنه موهوب. هذا الأخير يتميز خصوصا بالثقة في النفس وبالتعوّد على فرض نفسه أو القدرة على الظهور. هي ببساطة مسألة مغامرة اجتماعية.
حدث ذات مرة أن ألقى عليّ شاب عمره 14 سنة في إعدادية “ذات منسوب عال من المشاكل” بالضواحي الباريسية السؤال التالي “سيدي، هل يستطيع المرء أن يصبح عالم جينات إذا كانت لديه سوابق عدلية ؟“
سؤال أربكني جدا. هذا الشاب لم تكن لديه سوابق عدلية… لكنه كان يدرك أن ذلك آت لا محالة. لم يكن تلميذا متفوقا أو لامعا لكنه توصل إلى فهم العديد من الأشياء. الذكاء هو دائما تتويج لمغامرة فردية، مضمّخة بمؤثرات خارجية، وهو أمر لا علاقة له بعلم الجينات أو علم الوراثة.
لكن كيف نحدد الذكاء وما هي طريقة تشكّله ؟
يمكن أن نربط الذكاء بعدد التشابكات العصبية ؟ أو الترابطات بين الخلايا العصبية ؟ بينما هناك حوالي 100 مليار من الخلايا العصبية مترابطة من خلال حوالي 10 ملايين من مليارات التشابكات العصبية. يتضح إذن للحين أن علم الجينات يعجز تماما عن التدخل في كل هذا. 30 مليونا من التشابكات تنشأ في كل ثانية، فكيف تريدون من البرنامج الجيني أن يراقب ظاهرة على هذا النحو من التعقيد؟ وبالضرورة فإن تشكل هذه التشابكات العصبية محكوم بالمعلومات والمؤثرات المتأتية من الخارج. و بالتالي فإني أعتقد مثلا في هذا الخصوص أن المداعبات المتأتية (أو لا) من الأم تلعب دورا هاما في بناء الذكاء وتشكله.
هل تقصدون أن الأطفال الموهوبين هم الذين تمتعوا بملاطفات من أوليائهم بشكل أكبر أو أفضل من نظرائهم ؟
ذلك مجرد وجه من وجوه المسألة. بشكل أعمق، أعتبر أن الأطفال الذين يتم وسمهم بالموهبة هم أطفال أسرع من الآخرين في علاقة ببعض المواضيع. و لكن السرعة هي مجرد مكون من مكونات ما نسميه بالذكاء. ليس ثمة أي داع للاعتقاد أنها المكون الأكبر. ما الفائدة من فهم شيء ما وتمثّله في سن الـ13 قبل سن الـ 15 أو الـ 18 ؟ المهم هو أن ننتهي إلى الفهم، وبصفة عامة عندما تقول “سريعا” قد يعني ذلك “سطحيا”، الموهوبون هم أناس سطحيون.
للأسف، هنا كما في مناطق أخرى من العالم، نحن نستسلم لهذه الموضة العبثية : تثمين السرعة، المسيطرة على المجتمع الحالي. لنتوقف عن الخلط بين السرعة والتتويج أو المنتهى لأننا نعرف منذ زمن بعيد أنه لا فائدة من الجري… أنا الذي أدرّس علم الجينات لطلبة السنة الأولى طب، أكتشف على سبيل المثال أن الفتيات (في المعدّل) أفضل من الذكور. هل يعني ذلك أن الذكور أقل ذكاء ؟ أعتقد أن هنالك تفسير منطقي أكثر : في هذه السنّ بينما تكون الإناث بصدد التفكير بدراستهن يكون الذكور بصدد التفكير بالفتيات.
*ولد ألبير جاكار في ديسمبر 1925 وتوفي يوم 11 سبتمبر 2013 بباريس.
من مؤلّفاته : الله؟ تربية بدون سلطة ـ صحراء ـ سعيد مثل طفل يرسم ـ أتهم الاقتصاد المنتصر ـ إليك أنت ايها الذي لم تولد بعد ـ محاولات في صفاء الذهن ـ أنا من أين أتيت ؟ أنا والآخرون ـ طوباويتي ـ بعض الفلسفة لغير الفلاسفة ـ في تمجيد الاختلاف…
حطام تمثال الشابي في عين دراهم أو آثار القدم الهمجية
سياسيّا :
“عادة ما يَختزل رجل السياسة حياته ونظرته للحياة في بعض الجمل التبسيطية التي يتكئ عليها ليفهمه العامة ويتعاطفوا معه، بحيث لا يجلب الجمهور بواسطة البراهين بل يُغريه بواسطة المقولات الجاهزة” (الروائي البلجيكي فرانك أندريات)
<strong>منصف الخميري<strong>
أعتقد أننا بحاجة أكثر من ماسّة اليوم إلى الحسم والبتّ نهائيا وبسرعة في كل المُتخلّدات بذمّة العشرية الضالة والآسنة وكل ما اعتراها من شبهات تواطؤ مع أعتى المخابرات وما ضلعت فيه من رصد لأفضل الأسطح لممارسة القنص المهيّج واستيلاء على أراض ومبان واقعة في مناطق الغموض العقاري والتحضير العسكري الجدي لبناء مجتمع جديد يكون فيه الحديث عن “قُصّوا الشوارب واعفوا اللحي” أكثر استراتيجية من “علّموا أطفالكم الثقة بالنفس وقبول الآخرين باختلافاتهم”…وتعقّب كل من ساهم في إلحاق نسيجنا الاقتصادي بالعواصم التي أغدقت عليه ريعا بلا حساب… والمرور بعد ذلك فورا إلى “تطبيع” الحياة السياسية والانطلاق في العمل دون هوادة على كل الجبهات وكأننا خرجنا لتوّنا من حرب مُدمّرة.
ثقافيا :
لدينا في تونس مواقع أثرية وحضارية نادرة جدا على المستوى العالمي تُضاهي أبو سنبل مصر وبيترا الأردن وماتشو بيتشو البيرو … فقرطاج التي تؤثّث كتب التاريخ في أغلب بلدان العالم باستطاعتها أن تكون وجهة الانسانية بأسرها، وينسحب هذا على مسرح الجم وقصور تطاوين وعين الذهب بجبل السرج ومتحف باردو (ثاني أشهر متحف افريقيّا بعد المتحف المصري) … ولكن أضواءها مُطفأة والترويج لها منكدة.
من ناحية أخرى، عندما تشاهد وضع المنازل التي سكنها أو المواقع التي مرّ بها كبار شعرائنا وأدبائنا ومُبدعينا والحالة الرثّة التي باتت عليها تلك البيوت والأماكن المُهملة، ينهال عليك شعور بأنك تعيش في بلد يقتات من أكل أجداده والتنكيل بهم واصطياد بؤر الضوء في تاريخه ليخنقها ويخمدها.
تربويا :
بدلا من التفكير بالأسوإ في منظومتنا التربوية (تفاقم ظاهرة الانقطاع واستشراء ترويج “الأقراص” غير المزيّفة في الوسط المدرسي وتدني المكتسبات المعرفية وتراجع أداء المدرّسين…)، دعونا للحظة نُفكّر بالأنصع والأمتع حيث أن المدرسة التونسية التي أنجبت مهندسين أكفاء يجوبون العالم وأطباء مقتدرين تعترف بمهارتهم مستشفيات الكون والعديد من الأكاديميين المتألّقين في جامعات ومخابر البحث عبر عواصم المعمورة… نفس هذه المدرسة تظل قادرة على الاستمرار في تأدية وظيفتها تلك لو تتوفر نفس الإرادات الفولاذية التي أرست دعائمها عبر التاريخ. هذه جريمة في حدّ ذاتها أن ندع سقف مدرستنا يتهدّم أمام أعيننا خاصة على رؤوس الفقراء ومتوسّطي الحال لأن هنالك آلاف العائلات التي بمقدورها إيواء منظوريها تحت أسقف أخرى.
اجتماعيا :
طفل يبلغ سن السادسة عشر ولا يعرف الفرمبواز والجينواز وشابّة مزهوّة بقدّها لا تفرق بين الدودون والبومبرز والباركا واللاغينغ وشاب لم يفكر يوما باستخراج جواز سفر لأنه لا يحلم بعبور المتوسط إلا حارقا أو محترقا وتونسيون ينامون بنفس الملابس التي اشتغلوا بها نهارا وعاملات فلاحيات تنام الديكة أكثر منهنّ وتلميذ في مدرسة نائية يستخدم كل ذكائه ليفلت من حصة الفحص الطبي الجماعي لكي لا يكشف عن بطنه التي علق بها بعض الحشن لغياب الماء في منزل والديه وتلميذة يُفرض عليها أن تُفتّق لغتها الغضّة حتى تقول “عْملنا soupe في العشاء” وليس حساءً حافيا غير متبوع بأي شيء، و”أبي يجلب السلع من الخارج حتى لا تقول مُهرّب”… كلها عناوين لدولة بغلة ارتقت سياساتها المتتابعة بحفنة من الناس وتركت أغلبيتنا العظمى نسفّ التراب والسراب. (سفّ الدقيق أي تناوله يابسا غير معجون).
ديبلوماسيا :
من المؤكد أن الموقف المؤيّد لوضع العشرية الكبيسة بين مُعقّفين أقرب بكثير إلى الوجاهة من الموقف المنادي بالرجوع إلى حلبة الصياح والنباح والتراشق بالرماح، وبالتالي فإن مهمة إقناع العالم بأن لا أحد أبكاه غلق البرلمان من التونسيين سوى بعض الذين ساءهم “عدم استكمال إجراءات الحصول على رخصة صيد أو ما يعادلها”…لم تعد بالمهمة الصّعبة. يكفي إذن أن تُكلّف نخبة صادقة من الفنانين والرياضيين الدوليين وقدماء الديبلوماسيين وكبار الجامعيين المعروفين عالميا بنقل ما أصبح عليه مزاج التونسيين غداة 25 جويلية وحالة الارتفاع المهول في عدد المترددين على عيادات الطب النفسي في القطاعين الخاص والعام جرّاء مشاهدة فطريّات الديمقراطية وعطن المسار الديمقراطي طوال النهار على امتداد سنوات طويلة…حتى يقتنع العالم بأسره بأننا لا نبحث عن أكثر من استرداد بلدنا الذي خفتت ألوانه واختلّت أوزانه واستقصروا حيطانه خلال العشرية الماضية. (تذكروا في هذا الخصوص ما فعله بورقيبة الإبن وصديقه فرانك سيناترا لفائدة تونس أيام اعتداء حمام الشط أو ما فعله السفير الوسيم الشريف قلال مع عائلة كيندي لفائدة جبهة التحرير الوطني الجزائرية إبان الاستقلال).