تابعنا على

دفءُ نار

منصف الخميري: لوْ كنتُ رئيسًا …

نشرت

في

<em>بيت الفنانة النونسية الأسطورة حبيبة مسيكة<em>

“قد لا يكون الموت بتوقف النبض فقط، فالانتظار موت، و الملل موت، و اليأس موت، و ظلمة المستقبل المجهول موت.” الأديب الشهيد غسان كنفاني

منصف الخميري Moncef Khemiri
<strong>منصف الخميري<strong>

لو كنت رئيسا لتونس في هذه الظروف – و رغم محدودية الصلاحيات المخوّلة لي دستوريا- و متمتعا بكل هذا الرصيد من التأييد الشّعبي الواسع و نصاعة المسيرة الشخصيّة، و بلادي على ما هي عليه من تخبط و هرج و مرج و يأس و إحباط و شعور وطني عام بأن الانحدار لن يتوقف إلا بموتنا جميعا… لو كنت رئيسًا لوظّفت كل طاقتي و طاقة جميع العاملين معي في سبيل تحقيق 8 مشاريع كبرى لن تحلّ مشاكل تونس بالتأكيد و لكن تُساهم في إعادة الأمل و الإيمان بتونس أخرى مُتاحة و إحراج كل من يتحمل مسؤولية أولى في هذا البلد ليُنجز شيئا يُذكر في التاريخ و أمام العالم.

لوْ كنتُ رئيسًا… لأمهلت نفسي 5 سنوات و جُبتُ العالم الذي مازال لتونس فيه بعض الأصدقاء و أشعلتُ كل القوادح الداخلية و شغّلت جميع المنصّات الحاملة لفيروس حب تونس من أجل :

أولا : إطلاق مشروع وطني أطلق عليه « Ecole 3 C » في إشارة للتدفئة و التكييف و النظافة. و يتمثل هذا المشروع – بالتعاون مع الألمان أو اليابانيين أو الصينيين المتقدمين جدا في مجالات الطاقات المتجددة-  في تدفئة كل المؤسّسات التربوية التونسية شتاءً و تكييفها صيفا بالاعتماد على الطاقة الشمسية إلى جانب تركيز دورات مياه لائقة، و هو أمر يسير نسبيّا نظرا لعدد هذه المؤسّسات (حوالي 6000 مؤسسة) مقارنة بالصين على سبيل المثال التي تؤوي 832000 مدرسة واليابان حوالي 50000 ! و نظرا من ناحية أخرى إلى كون تونس تُعدُّ من أكثر البلدان المُشمِسة ( حوالي 12 ساعة شمس خلال الصيف و 7 أو 8 ساعات خلال الشتاء ).

يُتيح هذا المشروع في اعتقادي تحقيق هدفين عملاقين :  توفير ظروف دراسة آدمية لملايين التلاميذ التونسيين خلال فترات البرد الثلجي خاصة في المناطق الغربية من ناحية، و مقاومة الهدر المدرسي المتمثل في هجرة التلاميذ لمقاعد الدراسة منذ شهر أفريل أو ماي تحت وطأة لهيب الشمس المستعرة خاصة في مناطق الجنوب.

ثانيا : بعث وسام شرفي أطلق عليه “وسام قرطاج” يكون له صيت عالمي و قيمة رمزية عالية و يُمنح مرة في السنة من طرف رئيس الجمهورية على رُكح مسرح قرطاج وفق تقاليد احتفالية تليق بهيبة الحدث و قداسته. و يُسند وسام قرطاج للتونسيين أو العرب أو الأجانب الذين قدموا لتونس خدمات جليلة بيّنة و غير مسبوقة في مجالات محددة مثل الثقافة و الآداب و العلوم و البيئة.

ثالثا : وضع برنامج فلاحي تحت اسم “شجرة لكل تونسي”  يتم بموجبه زرع 12 مليون شجرة على حسب عدد التونسيين مع التركيز على الأشجار التي تستمد نُسغها من البيئة التونسية مثل الزيتون و النخيل و البرتقال و الفستق و التفاح… ضمن مقاسم تُحدّد مساحتها من قِبل الأخصائيين و تُقتطع من الأراضي الاشتراكية الشّاسعة و يُمكَّنُ منها الشباب العاطل و خاصة الجامعي منه على أن تظل خاضعة لنظام خاص يُتيح الاستغلال للفائدة الخاصة و التوريث و يمنع البيع و الكراء و التفويت.

رابعا : تأسيس “متحف تونس”  لا ينافس متحف باردو بل يُكمّله و يُغنيه بالجانب المُعاصر في تاريخ تونس. يُشرف على هندسته و تصميمه و تأثيثه مؤرخو الجامعة التونسية و علماء اجتماعها و أنثروبولجيوها و باحثوها و دارسوها، و أقترح أن يتكوّن من 24 جناحا يخصص كل واحد منها إلى ولاية بعينها تعرض فيه كل ما يشير الى خصوصياتها و مميزاتها ثقافيا و حضاريا و مطبخيا و لباسيا و زراعيا الخ… كما يتمّ الاعتماد على رُخام شمتو المميّز الذي زيّن عديد المعالم الإيطالية لنحت أيقونة في كل مدخل ترمز إلى أحد عناوين الولاية المعنية كالنخلة في الجريد و السنبلة في الشمال الغربي و سمك السردين في المهدية و البرتقال في الوطن القبلي و الزيتونة في الساحل، الخ…

 خامسا : الدعوة إلى الشروع في تقسيم تونس بشكل آخر و اعتماد “تونس الساحلية و تونس الساحرة”. ينطلق المشروع بوضع حجر الأساس لمسيرة قد تدوم عقودا طويلة تُقسّم فيها تونس إلى شطرين ساحريْن بالطول : شطر ساحلي في الشرق وشطر ساحر  في الغرب. وقد تكون اللبنة الأساسية الأولى على سبيل المثال و بالتعاون مع الأخت الجزائرية بعث مشروعين نموذجيين :

  • وحدة صناعية أو تحويلية أو فلاحية أو خدميّة نموذجية تتسع لآلاف العمال و الموظفين بأجور مُجزية جدا و ظروف عمل مشجعة تحفيزا على الاستقرار و عدم الانجذاب إلى كبريات العواصم.
  • جامعة مغاربية حدودية يؤمّها طلبة من الجهتين و تتخصّص في الرقميّات وفق برامج تكوين و آفاق تشغيل يتمّ الاتفاق بشأنها قبْليّا مع كبرى الشركات العالمية المتخصصة في المجال مثل ميكروسوفت و هواوي و آبل و غوغل الخ…  

سادسا : إطلاق برنامج “ديار أعلامنا” و يُعنى بترميم و تأهيل و إعادة الحياة إلى منازل سكنها و ترعرع فيها أدباء و زعماء و شعراء و أعلام تونسيون و أجانب من شتى الحقول في كل جهات تونس. و إن العناية بهذه البيوت أو الفضاءات أو المواقع أحيانا (مثل صخرة أبي القاسم الشابي بعين دراهم) لا يعني بالضرورة انتزاعها من ساكنيها أو تحويلها إلى معالم سياحية صرفة و إنما إضفاء مسحة فنية راقية على واجهاتها و تثبيت لوحات نحاسية لائقة تُعرّف بالشخصية المعنية في بعض الكلمات…أو التكفل عند الاقتضاء بترميم البيت كليا و تحويله الى فضاء ثقافي مفتوح بالمدينة أو القرية.

سابعا : المبادرة بطرح السؤال لماذا تُصرّ وسائل الإعلام على ترجمة “يوم العلم” الذي تحتفي به رئاسة الجمهورية سنويا بـــ “يوم المعرفة” في اللغة الفرنسية (journée du savoir ¹ science) ؟ و بالتالي الإذن بتحويل يوم العلم إلى يوم للمعرفة و العلم والمهارات.

لقد جرت العادة أن يتم خلال هذا اليوم تكريم المتفوقين في مختلف مراحل الدراسة مع التركيز بصورة رئيسية على نهاية التعليم الثانوي و التعليم الجامعي دون التأكيد بشكل بارز على مجالات البحث و الدراسات بشتى صنوفها و تميّز الشبان التونسيين على المستوى العلمي في العالم و…ضرورة تتويج الطاقات المهارية التي تألّقت خارج المربعات الأكاديمية التقليدية خاصة أنه من الأجدى تحويل نصف التعليم العام على الأقل إلى تعليم مهاري و تكنولوجي بمواصفات عصرية.

 _____ثامنا : بعث “الرّحبة المغاربيّة” كخطوة رمزية نحو تحقيق وحدة مغاربية غير اندماجية تتوحّد فيها العملة و المصالح و تتكامل بين تجاويفها الانتظارات. بدت لي كلمة “الرّحبة” أدقّ من كلمة “السوق المغاربية” لأن السوق واقع شبه هُلامي يتجسد في تبادل السلع و الخدمات عبر الموانئ و المطارات و المعاملات البنكية بشكل غير مرئي…أما “الرّحبة” فهي واقع ميداني ملموس نختار لها منطقة مواتية في كل بلد من البلدان المغاربيّة الخمسة و يتمّ في ساحاتها و أروقتها تبادل السلع و الخدمات و اقتسام التجارب الأدبية و الثقافية و الإعلامية و تحفيز حركة النشر المغاربي و عقد الصفقات (بالمعنى التجاري السليم) و إبرام اتفاقيات الشراكة بين المؤسسات الصغرى التي يُنشئُها حديثو التخرج من الجامعات الخ…

و أسعى على امتداد الخمس سنوات إلى توفير كل شروط تحقيق أعلى نسبة ممكنة من هذه المشاريع لأنسحب بهدوء بعد ذلك نحو مشاريع فاتنة أخرى تكون أكثر تواضعا مثل المطالعات الشهية و السِّباحات الصباحية المُنعشة.

ترتيب أخير : كان هذا هو مجرّد تمرين ذهني فيه إجهاد للنفس من أجل محاولة التعرف على إمكانات الفعل لدى أشخاص دفعت بهم جملة من الظروف الحافّة و الغامضة إلى أعلى سدّة الحكم و أثقلتهم بكل هذه الرمزيّة في ظل ترتيب دستوري هجين، و أن المسألة لا علاقة لها مُطلقا باحتمال وجود أعراض مرضية لديّ تتعلق بالطموح السياسي الذي استأصلته نهائيا من الوريد إلى الوريد.

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

دفءُ نار

رمضان.. و حالة الطوارئ الغذائيّة…

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبير عميش:

حالة طوارئ لدى العائلات، فمنذ أيام وحتى قبل حلول شهر رمضان بدأ الاكتظاظ والازدحام… حركة المرور تكاد تكون مشلولة… طوابير من السيارات أمام المغازات الكبرى وصفوف أمام محلات صنع المرطبات والحلويات وأمام باعة اللحوم والدواجن والأسماك والخضر والغلال والفواكه والتوابل… وما تسمع كان “آش حضّرت لرمضان؟” وتتواصل هذه اللهفة وهذه المظاهر حتى بعد حلول الشهر.

حالة طوارئ لدى الدولة، وهي تُطمئن الشعب عبر بلاغاتها بأنها تمكنت من تخزين لا أدري كم من مليون بيضة وأنها ضخّت كميات إضافية من الزيت النباتي المدعّم ومن السكر والفارينة، وحالة استنفار لدى المسؤولين الذين يؤكدون على تسعير اللحوم وعلى الصرامة في مراقبة عمليات البيع ويهدّدون المخالفين ويتوعدونهم (لكن في بلادنا ديما الواقع يخالف الكلام والمواد المدعومة ناقصة أو مفقودة وأسعار الحكومة موش هي أسعار الواقع).

حالة طوارئ في الإذاعات والتلفزات ، فلا تجد سوى أحاديث عن قضْية رمضان ومواكبة لواقع الأسواق ولا تسمع إلاّ برامج الطبخ والتصنيف ولا تتابع إلا إعلانات عن الطعام هذا للإفطار وهذا للسهرة وهذا للسحور…

حالة طوارئ في الشوارع والمجالس، فلا ترى إلا اللهفة في العيون ولا تسمع إلا اشنوّة المنيو الليلة؟ وحديثا عن الشوربة والبريك والسلايط والطبق الرئيسي والحلويات ولوازم السهرة.. كل هذا من أجل شهر الصيام الذي يفترض أنّه مجعول للتراحم والاحساس بالفقراء والزهد والاعتدال.. فرمضان في جوهره ليس شهر الإفراط في الطعام، بل شهر التخفف، وضبط النفس، وتغيير العادات الغذائية، وفرصة للتخلص من التخمة والسكريات والوزن الزائد. والصوم هو مدرسة للصبر والتوازن، لا موسما لمضاعفة الاستهلاك…

لكن في بلادنا وفي البلدان العربية خرج رمضان من غايته ومقاصده الأساسية ليصبح شهر الاستهلاك بامتياز إلى درجة أن البعض يستدين أو يقترض لمجاراة نسق الاستهلاك العالي، وصارت المائدة هي الغاية وصرنا نرى القيمة في تعدّد الأطباق، ونسينا أنّ رمضان فرصة لإصلاح علاقتنا مع ذواتنا ومع أجسادنا وأنّه ليس سباقا نحو الموائد… بل عودة نحو القيم… وأنه شهر الرحمة موش شهر اللحمة، وشهر الرأفة موش شهر اللهفة.

أكمل القراءة

دفءُ نار

بورِك رمضانكم

نشرت

في

(اللوحة من تصميم الفنان الكبير محمد الأطرش)

Motif étoiles

أكمل القراءة

دفءُ نار

مُراكمة اللّغات بدلاً من تحاذُفها*  

من أجل تعزيز القدرات التواصليّة للتلميذ، عوضا عن تعليم القواعد الحجريّة منذ الطفولة الأولى

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

منصف الخميري:

تفاعلا مع ما يجري من نقاش في الآونة الأخيرة حول واقع تدريس اللغات في بلادنا وتراتبيّتها الهيكلية وتدنّي المستوى العام للتلميذ التونسي، لا فقط في اللغات الأجنبية بل وفي اللغة العربية الأم كذلك، يهمّني أن أدلي ببعض الملاحظات بهدف الوقوف على بعض أوجه هذه “العلّة” الحقيقية التي تُعيق نجاح بناتنا وأبنائنا وتميّزهم وبهدف صياغة بعض المقترحات التي قد تساعد على تجاوز واقع الحال.

ما يُلاحظ أوّلا

أن المستوى العام لتلاميذنا في اللغات وكذلك في الفلسفة باعتبارها مادة مؤثرة وباعثة على التفكير المنطقي على طول مسار التلميذ حتى في التعليم العالي وفي المسارات العلمية والهندسية (أنظروا في هذا الصدد الاثار الفلسفية والفكرية المُبرمجة سنويا في الاقسام التحضيرية العلمية للمدراس الهندسية الفرنسية الكبرى) كما تعبّر عنه المعدلات المُحرزة في الباكالوريا، هو مستوى متدنّ للغاية لا يُساعد في كل الأحوال على مباشرة دراسات جامعية تتطلب مهارات لغوية وتواصلية كبيرة مهما كان حقل الاختصاص. إذ أن :

  • 54.41 % من المُحرزين على الباكالوريا تحصلوا على 10 أو أقل من عشرة في مادة العربية في كل الباكالوريات مجتمعة (76180 ناجح سنة 2025).
  • 39.37%  تحصلوا على عشرة أو أقل في مادة الفرنسية
  • 32.64 %  تحصلوا على عشرة أو أقل في مادة الانكليزية
  • 60.12 %  تحصلوا على عشرة أو أقل  في مادة الفلسفة

وهذا يعني أن ضعف مستوى ناشئتنا في لغتهم الأم يُثير مخاوف أكبر من تلك التي يُثيرها ضعف المستوى في اللغات الأجنبية، بالرغم من “اليُسر العام” في اختبارات امتحان العربية في الباكالوريا التي تُضاهي مستوى امتحان التاسعة أساسي كما يُقرّ بذلك السادة المتفقدون. وقد يعود هذا “الجفاء” إزاء الفُصحى إلى وعي تلميذ اليوم بأن اللغة العربية لن تعترض سبيله في جميع المسارات الجامعية إلا إذا اختار شعبة اللغة والآداب العربية من ناحية، ومن جهة أخرى إلى عدم سعي الدولة منذ عقود – رغم براعتها في تصريف اللغة- إلى تفعيل العربية لتكون لغة ناقلة للعلوم والتكنولوجيا والمعارف المختلفة، كما هو الحال بالنسبة إلى الصينية أو اليابانية أو الفارسية أو التركية عندما تمّ تحطيم الأسطورة القائلة بأن “العلوم تلينُ –طبيعيا- للّغات الأوروبية”. مع الاعتراف كذلك بأن الانزياح القائم اليوم بين العامّيّة والفصحى la diglossie في لغتنا يزيد الأمر تعقيدا إضافيا لا تعاني منه بلدان أخرى مثل روسيا أو الصين أو كوريا الجنوبية.

ثانيا : تدنّي مستوى تلاميذنا في اللغات هو عابر لجميع الباكالوريات، لكنه أكثر فداحة في شعب مدرسية بعينها : الاداب، والاقتصاد والتصرف، والإعلامية أساسا.

إن نسبة التلاميذ الذين لا يحصلون على المعدّل في العربية تساوي 70% في الباكالوريا آداب و69 % في الباكالوريا اقتصاد وتصرف و 65.38 %  في علوم الاعلامية (هل تشابه النسب الثلاثة هو مجرد صدفة ؟ لا أعتقد شخصيا ذلك) . بينما لا تتجاوز هذه النسبة الـ 14.11%  في باكالوريا رياضيات ! ومن المفارقات  أيضا أن نسبة الحاصلين على أكثر من عشرة في مادة العربية تصل إلى 65.71 % في باكالوريا علوم تجريبية بينما لا تتجاوز 25.89 % في باكالوريا آداب على سبيل المثال.

ولتدعيم هذه الحقائق، فإن :

من تحصلوا على عشرة أو أكثر في الفرنسية باكالوريا آداب، تساوي نسبتهم  30.30 %  مقابل 81.58 % في باكالوريا رياضيات.

أما من تحصّلوا على أكثر من عشرة في مادة الانكليزية فنسبتهم تساوي 36.27 % في باكالوريا آداب في حين تبلغ 86.68 % في الرياضيات و 47.47 % في العلوم التقنية و 58.14 % في العلوم التجريبية.

وفي مادة الفلسفة، كانت معدلات الشعب العلمية أفضل من باكالوريا آداب، حيث بلغت على سبيل المثال نسبة المتحصلين على عشرة فما أكثر  46.19 %   في الاداب مقابل 54.17 %  في الرياضيات.

ذلك يعني – في ما يعنيه- أن ما تكسبه منظومتنا التربوية من جودة على مستوى تملّك اللغات بفضل جيوب التميّز في الباكالوريات العلمية بصورة خاصة، سرعان ما يتلاشى على مستوى المعدلات العامة جرّاء تدهور مستوى الملتحقين بشكل جُزافي يفرضه غياب البدائل الأخرى نحو شعب الآداب والاقتصاد والتصرف وعلوم الاعلامية بصورة خاصة.

وبناءً على ذلك، يصحّ القول بأن أزمة اللغات في مدرستنا التونسية هي أزمة مُركّبة تتداخل فيها طبيعة البيداغوجيا المُعتمدة في تدريس “التكلّم الصّرف المُنهمر دون كلفة أو وجل”  قبل “كيف نتكلّم ووفق أي قواعد نتكلّم” ومستوى تكوين المُدرّسين وغياب التوجهات الوطنية الواضحة (غير الشعاراتية) للدولة وهيكلة التعليم وما يُعرض من شعب ومسالك إلى جانب ما يغيب من معابر ومختصرات.  

ثالثا : النحو الداخلي بواسطة الشفاهي والتواصل في وضعيات ذات معنى بالنسبة إلى التلميذ بدلا من قصفه منذ بدايات ابتهاجه بمفاتن اللغة، بما اختلفت فيه البصرة والكوفة والتمييز بين المفاعيل عندما يبدأ التأويل.

يبدو أن تلميذنا التونسي لا يُقبل على درس اللغة – مهما كانت هذه اللغة- بشكل فيه فرحة التعلّم وبهجة التعبير عن مشاعره والدّفع بما يعتقده صحيحا أو خاطئا…خوفا من الاصطدام بقواعد اللغة الصمّاء والاشتباك غير محمود العواقب مع شرطة العدد والمعدود والممنوع من الصرف وخشية التّيه في متاهات اللغو والوقوع في شراك حِباله التي كلما صعدت درجة وإلا وزاد طولها ورعونتها. من الأمثلة الناجحة اليوم ـأكثر من غيرها- في إقدار الأطفال على تعلّم اللغات (الوطنية والأجنبية على قدم المساواة) هي اللوكسمبورغ وسنغافورة، حيث تُمارس ما يُسمّى بالمقاربات الانغماسية في تدريس اللغات (يعجبني شخصيا أكثر تعبير تعلّم اللغات بواسطة المعايشة أو بواسطة الغَمر، كما في تقنية السّقي الزراعي) بحيث لا تكون اللغات “مواد مستقلة بذاتها تُدرّس بشكل قواعدي صرف” بل تكون بمثابة  قنوات للريّ اللغوي غَمرا أحيانا وقطرة قطرة أحيانا أخرى، من خلال وضعيات لعبيّة مرحة وألعاب أدوار تواصليّة مُحفّزة … خاصة في المراحل التعليمية الأولى. فلا يتمّ بالنتيجة تبجيل البعد الهيكلي (النحو) على البعد الاستعمالي الحيّ (الحياة) حتى لا يُكبّل اللسان قبل أن ينطق بعدُ.  

يقول أصحاب هذا التوجّه بأنه لا يجب أن نُعطي الطفل دروسا تشريحية حول مهمة العضلات والأنسجة والأوتار من أجل تعليمه كيف يمشي، لأن الانسان يتعلم المشي من خلال فقدان التوازن والمحاولة والخطأ والغريزة… فإذا كان النحو هو التركيبة البنيوية للغة فالكلام هو حركتها.

رابعا وأخيرا : لا نُواجه ظاهرة ضعف تلاميذنا في اللغات، بالعقاب والمنطق المردود بعد الباكالوريا !

بعد حصولها على معدّلات الباكالوريا للتلاميذ وأعدادهم في كل المواد التي تمّ اجتياز الامتحان فيها، تعمد وزارة التعليم العالي إلى احتساب ما تُسمّيه بمجموع النقاط لترتيب التلاميذ وتوزيعهم على مختلف مسالك التكوين لديها (اعتماد الحساب مع الاستئناس باختيارات كل مترشح للتوجيه الجامعي وكيفية ترتيبها).

هنالك إجراءان لافتان للانتباه في هذا الخصوص وجب التوقّف عندهما :

– يتكوّن هذا المجموع من عنصرين أساسيين هما المعدل العام للتلميذ في الباكالوريا ضارب 4 يُضاف إليه 6 ضوارب خصوصية أخرى موزّعة على المواد الأساسية في كل شعبة من شعب الباكالوريا (مثلا بالنسبة إلى الرياضيات يُضاف الى المعدل العام ضاربان للرياضيات وضارب ونصف للعلوم الفيزيائية ونصف ضارب لعلوم الحياة والأرض وضاربان للفرنسية والانكليزية …). بمعنى أن معدلات التلميذ في الباكالوريا، المتدنية بصورة عامة  تُحتسب مرتين في هذه الحالة : مرة في المعدل العام ومرة ثانية في الضوارب الخصوصية…بما يجعل منه إجراءً عقابيا لا موجب له، يُعيق التلميذ في الحصول على ما يرغب فيه بدلا من تحييد هذه الهِنات وتذليل تبعاتها.

– إضافة أعداد الفرنسية والانكليزية إلى مجموع النقاط (المُحتسبة بعدُ في المعدل العام) برّرته وزارة التعليم العالي حين إقراره بـ “ضرورة تحفيز تلميذ الباكالوريا على تحسين مستواه في اللغات الأجنبية” وهذا ضرب من الديماغوجيا الصرفة لأن التلاميذ لا يهمّهم الاطلاع على كل هذه التفاصيل الفنية إلا بعد نجاحهم النّاجز ومواجهة استحقاقات ما بعد الباكالوريا.

ونقول في النهاية بدون أي تحفّظ إن:

إيجاد روافد إسناد لغوي خارجي في العائلة والمحيط ووسائل الاعلام (لا وجود لأي برنامج إذاعي أو تلفزي جادّ أو ترفيهي حاليا في تونس يُعنى باللغة أو الثقافة) وحسم ازدواجية تدريس العلوم باللغة العربية ثم اللغة الفرنسية بشكل جريء وبعيد عن الهوويات الكريهة والتمسك بـ “فرنسية” لم نخترها على حدّ سواء، ومراجعة الطرائق التي نُدرّس بها اللغات، وإيجاد الحوافز المُجزية لمدرّسي اللغات خاصة في المناطق المنسيّة حتى ننهض بمستواهم .. وغيرها قد تشكّل حزمة من الاختيارات التي تُساعد على إطلاق ألسنة ناشئتنا بما يُصلّب عودهم دراسيا وشغليّا، ويُخرجهم من مُربّع اليُتم الحضاري وفقدان السّند اللغوي المطلوب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* التحاذف، كلمة فرضها سياقها في علاقة بدعوة البعض إلى قلب الهرميّة المعتمدة وجعل لغات معينة تحذف أخرى.

أكمل القراءة

صن نار