تابعنا على

دفءُ نار

منصف الخميري: متفائل جدا … وهذه أسبابي*

نشرت

في

يُقال إن المتفائل هو رجل يزرع ثمرة بلّوط ثمّ يشتري أرجوحة شبكيّة.

منصف الخميري Moncef Khemiri
<strong>منصف الخميري<strong>

يكفي أن تشاهد الشّاشات التونسيّة لمدّة ربع ساعة لتجد نفسك أمام ترسانة من المصطلحات والتعابير من قبيل “الوضع كارثي وبلاد على حافة الإفلاس ولن نخرج من النفق وبلاد لم تعد قابلة للحوكمة وعجز الميزانية والصناديق ودكتاتورية عصابات الفساد والإفساد وبلاد على مشارف الهاوية وتفاقم نسب التسرب المدرسي واستفحال ظواهر الجريمة بأنواعها والهجرة غير النظامية والموت عبر البحار والمحيطات والمأزق الدستوري وتأزيم المؤزّم وتأثيم المؤثّم…”. وهي أنغام أضحت من البهارات الأساسية التي تُضاف إلى مداخلات الإعلاميين والاحتجاجيين والسياسيين وحتى من هم ماسكون بالسلطة أو أمسكوا بتلابيبها ذات يوم وأدّوا واجبهم المقدس في زرع بذور نكد الواقع الراهن للتونسيين.

وأمام “كارثية” الخطاب الكارثي السائد والمُنذر بتصاعد منسوب الشّقاء والشؤم في بلادنا والمُنبّه إلى اقتراب ساعة الفناء الأخير، لا يسعُنا إلا أن نستجمع أكثر ما يمكن من حطب التفاؤل ونوقد به نارًا تقينا لسْع المتشائمين ونكد المتطيّرين و غمّ النّادبين وحزن النّائحين واكتئاب المُغرّدين (بالمعنى الزراعي) وتحمينا من تلويحهم الدائم بحلول ساعة الحتْف.

وهذه فيما يلي بعض الأسباب الميدانية الملموسة وغير المُتخيّلة التي تجعلني شخصيا متفائل جدا بمستقبل هذا البلد الذي سينتصر في النهاية على مواطن الإحباط وعدم الاطمئنان بين ثناياه :

  • في 2011، كان لدينا نظام هشّ بَنَى مشروعيّة استمراره بصورة أساسيّة على مقاربة الأمن الكلّي والكلّ الأمني، انهار فجأة  تاركا شعبًا أعزل تتناهشه الضّباع وأكلة لحم الخيول الميّتة وتتصارع أعضاءَهُ مخابرات العالم ومختبراته… ولم نتهاو تماما، بل صمدنا وقاومنا وتعالينا على جراحنا وذُدنا عن مكتسباتنا وواجهنا بتعصّب شديد كل محاولات التدجين واستباحة هويّتنا وكل ما يجعل التونسي تونسيا.  تذكّروا فقط طبيعة مناخ التجييش وإشهار سيوف الذبح في 2012 و 2013 لتُدركوا هوْل ما كان يتهدّدنا وحجم المذبحة التي كانوا يُعدّونها.
  • تحتل تونس المرتبة الثانية عالميا في نسبة النساء المتخرجات من شُعب التعليم العالي ذات المنحى العلمي (علوم وتكنولوجيا وهندسة ورياضيات) بــــ 58 بالمائة، متقدمة على فرنسا وايطاليا وسويسرا حسب التصنيف العالمي الذي نشره البنك العالمي خلال شهر ماي 2019 والذي شمل 114 بلدا وذلك في الفترة المتراوحة بين 2015 و 2017، بما يؤشّر على جودة التحصيل العلمي والتكنولوجي لأبناء تونس (وخاصة الفتيات) وتألّقهم في كبرى الشركات العالمية الذي يُعدُّ من مفاخر شعب تونس ومصدرا لاعتزازه ونخوته. والذي يزيدني أنفة شخصيا في هذا المجال هو مساهمة هذه الحقائق في الإطاحة ولو بصورة نسبية بمقولات الحتميّات الاجتماعية  وإسقاط شعار الإفلاس النهائي لمدرستنا العمومية من ناحية أخرى. دون أن نتغافل عن قيمة المرتبة الثالثة التي تحتلّها بلادنا إفريقيا في تمدرس الفتيات بين 6 و 15 سنة بنسبة 91.4 .
  • في منتصف القرن الماضي، طحَانا المحتلّ الفرنسي ودمَّرَنا وحمل معه كل مقدراتنا وكفاءاته ووجدنا أنفسنا بلا مدرسة ولا مستشفى ولا نقل ولا غطاء ولا حساء ولا كساء… ولكن استطعنا أن نبني دولة من صفر تقريبا، دولة بعَلَمها وأعلامها وجيشها وأمنها وجامعاتها ومدارسها وإذاعاتها ومصالح رصد جوّها، وذلك بفضل نُخب تونسية نافذة البصيرة وجمهور واسع تصرّف إلى حدّ ما كما تصرّف الألمان بعد دمار الحرب العالمية الثانية. صحيح أننا لم نحقّق ما حققته التّنانين الأسيوية الأربعة (تايوان وسنغافورة وكوريا الجنوبية وهونغ كونغ) لكننا بَنيْنا شيئا ما نستطيع أن نُراكم عليه في المستقبل.
  • تواجد التونسيين على امتداد كل بلدان العالم تقريبا بعدد يُقارب المليون ونصف مُوزّعين على 180 دولة، (من الفيجي وزيلاندا الجديدة والسّيشيل إلى رواندا والرأس الأخضر و بورندي)، هذا الشتات يمكن أن نقرأه على أنه مؤشر لسرعة الاندماج والقدرة على تعلّم اللغات واكتساب المهارات اليدوية التي تقتضيها المهن التي يزاولها التونسيون المهاجرون وربّما بالقدرة أيضا على الظهور بمظهر المواطن العالمي ذي السلوك السّوي والسّخي وغير المتعصّب والبشوش صاحب المقبولية العالية. وقد نشترك في هذه الخاصية الفريدة مع أشقائنا اللبنانيين الذين يُلبننون الحياة حيثما حلّوا ويكسبون ودّ الجميع.
  • وقوع تونس في مفترق العالم قديما وحديثا والدور التاريخي الذي لعبته قرطاج عاصمة الامبراطورية البونيقية ومؤسستها علّيسة الصّورية (من صُورْ) وكل الأسماء التي اقترنت بالأمجاد والفخامة والعظمة مثل القيروان كأول مدينة أسّسها العرب في شمال افريقيا وشط الجريد الذي كان على ما يبدو مقر إقامة ميدوسا (ثالث الأخوات غورغون) والأبطال حنبعل وماسينيسا والكاهنة (أنظر بهذا الخصوص مقال كريستين دارمانياك “تونس، خارطة الكنوز الأثرية”)… كلها مؤشرات على أن هذا البلد الصغير الكبير ليس مجرّد شُرفة تُطلّ منها إفريقيا على المتوسّط.

وقد ألهم اسم قرطاج الأمّ حوالي 70 مدينة وموقعا عبر العالم في أوروبا و إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية والولايات المتحدة الامريكية التي تبنّت تسمية قرطاج أو قرطاجنة أو كرطاغو الخ…. فحتى قرطاجنة الفيليبينية تستلهم اسمها بشكل صريح من أسطورة قرطاج التونسية وكذلك بلدة قرطاج في صحراء السودان. (أنظر بهذا الخصوص كتاب المؤرّخ رضا التليلي “قرطاجات العالم”).

  • كان للتونسيين أيضا في تاريخ الانسانية امتياز إلغاء الرق بصفة مبكّرة وإبطال تعدد الزوجات كممارسة بدائية وقروسطيّة تُحقّر المرأة وتدوس كرامتها وإقرار تمدرس الفتيات على نطاق واسع وتدخل الدولة بصفة قوية في فتح المدارس امام الجميع وتزعّم الحركة النقابية العربية والعالمية وتطور حركة الشعر والأدب والمسرح والسينما عبر السنين… إسهامات نوعية مارست عدْواها الإيجابية وأنسنت التونسيين في مواجهة بقية شعوب العالم.
  • تونس مُصنّفة الأولى عربيّا اليوم في حرية الصحافة والأولى من حيث الربط بالانترنت بنسبة 64 % حسب الاتحاد الدولي للاتصالات… وهي مكاسب ستساهم بالتأكيد رغم الصعوبات الحالية والنتائج العكسية في بعض الأحيان في الارتقاء بوعي المواطنين وتحصينهم ضد تغوّل السلطة من ناحية ومسالك الانحراف المختلفة من ناحية أخرى إذا عرفنا كيف نربّي أبناءنا على وسائل الإعلام والاتصال.
  • كما تحتلّ تونس المرتبة الأولى عربيا وافريقيا (المرتبة 43 عالميا) في قدرة الاقتصاد على التجديد حسب تصنيف مجلة “بلومبرغ للتجارة” الأمريكية بمجموع يساوي 49.83 /100. ويقيس مؤشر بلومبرغ تأثير التجديد عبر سبع مقاييس هي البحث والنمو والقيمة التحويلية المضافة والإنتاجية وتركز التكنولوجيا العالية ونجاعة قطاع الخدمات وتمركز الباحثين وعدد براءات الاختراع.
  • وحتى يتدعّم تفاؤلي عربيا، أختم بأسطورة صمود سوريا في وجه أكبر تحالف عالمي عبر تاريخ البشرية وزحف جيوش جرّارة متكونة من أعتى إرهابيي العالم الأجود تدريبا في الشيشان وأفغانستان والبوسنة… يحملون 80 جنسية مختلف (كنا ممثلين ضمنها كتونسيين أحسن تمثيل، لكن هذا الوجه القبيح سيظل أقليّا ومنبوذا ومتآكلا مع مرور الزمن). فحتى الصهاينة فتحوا مستشفياتهم لاستقبال الجرحى وجُنّدت الناقلات التركية لسرقة النفط السوري والمخطوطات والآثار السورية… ولم تسقط سوريا ولم يتم تقسيمها وظلت شامخة وبدأ الشعب السوري يستعيد عافيته تدريجيا مُعلنا نهاية المؤامرة الخارجية وترك حسم المعركة الديمقراطية الداخلية إلى القوى الخيّرة الغيورة فعلا على بلدها ومستقبل شعبه.

أنا لست متشائلا ولا متفائما، أنا متفائل جدا لأنه بدون هذا يكون الانتحار الجماعي لائقا بنا أكثر.

* تمّ إعداد الورقة في جزئها الأكبر قبل نزول مركبة برسيفيرونس واكتشاف أن تونس ساهمت في غزو المريخ من خلال العالم محمد عبيد المهندس بوكالة ناسا.

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

دفءُ نار

رمضان.. و حالة الطوارئ الغذائيّة…

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبير عميش:

حالة طوارئ لدى العائلات، فمنذ أيام وحتى قبل حلول شهر رمضان بدأ الاكتظاظ والازدحام… حركة المرور تكاد تكون مشلولة… طوابير من السيارات أمام المغازات الكبرى وصفوف أمام محلات صنع المرطبات والحلويات وأمام باعة اللحوم والدواجن والأسماك والخضر والغلال والفواكه والتوابل… وما تسمع كان “آش حضّرت لرمضان؟” وتتواصل هذه اللهفة وهذه المظاهر حتى بعد حلول الشهر.

حالة طوارئ لدى الدولة، وهي تُطمئن الشعب عبر بلاغاتها بأنها تمكنت من تخزين لا أدري كم من مليون بيضة وأنها ضخّت كميات إضافية من الزيت النباتي المدعّم ومن السكر والفارينة، وحالة استنفار لدى المسؤولين الذين يؤكدون على تسعير اللحوم وعلى الصرامة في مراقبة عمليات البيع ويهدّدون المخالفين ويتوعدونهم (لكن في بلادنا ديما الواقع يخالف الكلام والمواد المدعومة ناقصة أو مفقودة وأسعار الحكومة موش هي أسعار الواقع).

حالة طوارئ في الإذاعات والتلفزات ، فلا تجد سوى أحاديث عن قضْية رمضان ومواكبة لواقع الأسواق ولا تسمع إلاّ برامج الطبخ والتصنيف ولا تتابع إلا إعلانات عن الطعام هذا للإفطار وهذا للسهرة وهذا للسحور…

حالة طوارئ في الشوارع والمجالس، فلا ترى إلا اللهفة في العيون ولا تسمع إلا اشنوّة المنيو الليلة؟ وحديثا عن الشوربة والبريك والسلايط والطبق الرئيسي والحلويات ولوازم السهرة.. كل هذا من أجل شهر الصيام الذي يفترض أنّه مجعول للتراحم والاحساس بالفقراء والزهد والاعتدال.. فرمضان في جوهره ليس شهر الإفراط في الطعام، بل شهر التخفف، وضبط النفس، وتغيير العادات الغذائية، وفرصة للتخلص من التخمة والسكريات والوزن الزائد. والصوم هو مدرسة للصبر والتوازن، لا موسما لمضاعفة الاستهلاك…

لكن في بلادنا وفي البلدان العربية خرج رمضان من غايته ومقاصده الأساسية ليصبح شهر الاستهلاك بامتياز إلى درجة أن البعض يستدين أو يقترض لمجاراة نسق الاستهلاك العالي، وصارت المائدة هي الغاية وصرنا نرى القيمة في تعدّد الأطباق، ونسينا أنّ رمضان فرصة لإصلاح علاقتنا مع ذواتنا ومع أجسادنا وأنّه ليس سباقا نحو الموائد… بل عودة نحو القيم… وأنه شهر الرحمة موش شهر اللحمة، وشهر الرأفة موش شهر اللهفة.

أكمل القراءة

دفءُ نار

بورِك رمضانكم

نشرت

في

(اللوحة من تصميم الفنان الكبير محمد الأطرش)

Motif étoiles

أكمل القراءة

دفءُ نار

مُراكمة اللّغات بدلاً من تحاذُفها*  

من أجل تعزيز القدرات التواصليّة للتلميذ، عوضا عن تعليم القواعد الحجريّة منذ الطفولة الأولى

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

منصف الخميري:

تفاعلا مع ما يجري من نقاش في الآونة الأخيرة حول واقع تدريس اللغات في بلادنا وتراتبيّتها الهيكلية وتدنّي المستوى العام للتلميذ التونسي، لا فقط في اللغات الأجنبية بل وفي اللغة العربية الأم كذلك، يهمّني أن أدلي ببعض الملاحظات بهدف الوقوف على بعض أوجه هذه “العلّة” الحقيقية التي تُعيق نجاح بناتنا وأبنائنا وتميّزهم وبهدف صياغة بعض المقترحات التي قد تساعد على تجاوز واقع الحال.

ما يُلاحظ أوّلا

أن المستوى العام لتلاميذنا في اللغات وكذلك في الفلسفة باعتبارها مادة مؤثرة وباعثة على التفكير المنطقي على طول مسار التلميذ حتى في التعليم العالي وفي المسارات العلمية والهندسية (أنظروا في هذا الصدد الاثار الفلسفية والفكرية المُبرمجة سنويا في الاقسام التحضيرية العلمية للمدراس الهندسية الفرنسية الكبرى) كما تعبّر عنه المعدلات المُحرزة في الباكالوريا، هو مستوى متدنّ للغاية لا يُساعد في كل الأحوال على مباشرة دراسات جامعية تتطلب مهارات لغوية وتواصلية كبيرة مهما كان حقل الاختصاص. إذ أن :

  • 54.41 % من المُحرزين على الباكالوريا تحصلوا على 10 أو أقل من عشرة في مادة العربية في كل الباكالوريات مجتمعة (76180 ناجح سنة 2025).
  • 39.37%  تحصلوا على عشرة أو أقل في مادة الفرنسية
  • 32.64 %  تحصلوا على عشرة أو أقل في مادة الانكليزية
  • 60.12 %  تحصلوا على عشرة أو أقل  في مادة الفلسفة

وهذا يعني أن ضعف مستوى ناشئتنا في لغتهم الأم يُثير مخاوف أكبر من تلك التي يُثيرها ضعف المستوى في اللغات الأجنبية، بالرغم من “اليُسر العام” في اختبارات امتحان العربية في الباكالوريا التي تُضاهي مستوى امتحان التاسعة أساسي كما يُقرّ بذلك السادة المتفقدون. وقد يعود هذا “الجفاء” إزاء الفُصحى إلى وعي تلميذ اليوم بأن اللغة العربية لن تعترض سبيله في جميع المسارات الجامعية إلا إذا اختار شعبة اللغة والآداب العربية من ناحية، ومن جهة أخرى إلى عدم سعي الدولة منذ عقود – رغم براعتها في تصريف اللغة- إلى تفعيل العربية لتكون لغة ناقلة للعلوم والتكنولوجيا والمعارف المختلفة، كما هو الحال بالنسبة إلى الصينية أو اليابانية أو الفارسية أو التركية عندما تمّ تحطيم الأسطورة القائلة بأن “العلوم تلينُ –طبيعيا- للّغات الأوروبية”. مع الاعتراف كذلك بأن الانزياح القائم اليوم بين العامّيّة والفصحى la diglossie في لغتنا يزيد الأمر تعقيدا إضافيا لا تعاني منه بلدان أخرى مثل روسيا أو الصين أو كوريا الجنوبية.

ثانيا : تدنّي مستوى تلاميذنا في اللغات هو عابر لجميع الباكالوريات، لكنه أكثر فداحة في شعب مدرسية بعينها : الاداب، والاقتصاد والتصرف، والإعلامية أساسا.

إن نسبة التلاميذ الذين لا يحصلون على المعدّل في العربية تساوي 70% في الباكالوريا آداب و69 % في الباكالوريا اقتصاد وتصرف و 65.38 %  في علوم الاعلامية (هل تشابه النسب الثلاثة هو مجرد صدفة ؟ لا أعتقد شخصيا ذلك) . بينما لا تتجاوز هذه النسبة الـ 14.11%  في باكالوريا رياضيات ! ومن المفارقات  أيضا أن نسبة الحاصلين على أكثر من عشرة في مادة العربية تصل إلى 65.71 % في باكالوريا علوم تجريبية بينما لا تتجاوز 25.89 % في باكالوريا آداب على سبيل المثال.

ولتدعيم هذه الحقائق، فإن :

من تحصلوا على عشرة أو أكثر في الفرنسية باكالوريا آداب، تساوي نسبتهم  30.30 %  مقابل 81.58 % في باكالوريا رياضيات.

أما من تحصّلوا على أكثر من عشرة في مادة الانكليزية فنسبتهم تساوي 36.27 % في باكالوريا آداب في حين تبلغ 86.68 % في الرياضيات و 47.47 % في العلوم التقنية و 58.14 % في العلوم التجريبية.

وفي مادة الفلسفة، كانت معدلات الشعب العلمية أفضل من باكالوريا آداب، حيث بلغت على سبيل المثال نسبة المتحصلين على عشرة فما أكثر  46.19 %   في الاداب مقابل 54.17 %  في الرياضيات.

ذلك يعني – في ما يعنيه- أن ما تكسبه منظومتنا التربوية من جودة على مستوى تملّك اللغات بفضل جيوب التميّز في الباكالوريات العلمية بصورة خاصة، سرعان ما يتلاشى على مستوى المعدلات العامة جرّاء تدهور مستوى الملتحقين بشكل جُزافي يفرضه غياب البدائل الأخرى نحو شعب الآداب والاقتصاد والتصرف وعلوم الاعلامية بصورة خاصة.

وبناءً على ذلك، يصحّ القول بأن أزمة اللغات في مدرستنا التونسية هي أزمة مُركّبة تتداخل فيها طبيعة البيداغوجيا المُعتمدة في تدريس “التكلّم الصّرف المُنهمر دون كلفة أو وجل”  قبل “كيف نتكلّم ووفق أي قواعد نتكلّم” ومستوى تكوين المُدرّسين وغياب التوجهات الوطنية الواضحة (غير الشعاراتية) للدولة وهيكلة التعليم وما يُعرض من شعب ومسالك إلى جانب ما يغيب من معابر ومختصرات.  

ثالثا : النحو الداخلي بواسطة الشفاهي والتواصل في وضعيات ذات معنى بالنسبة إلى التلميذ بدلا من قصفه منذ بدايات ابتهاجه بمفاتن اللغة، بما اختلفت فيه البصرة والكوفة والتمييز بين المفاعيل عندما يبدأ التأويل.

يبدو أن تلميذنا التونسي لا يُقبل على درس اللغة – مهما كانت هذه اللغة- بشكل فيه فرحة التعلّم وبهجة التعبير عن مشاعره والدّفع بما يعتقده صحيحا أو خاطئا…خوفا من الاصطدام بقواعد اللغة الصمّاء والاشتباك غير محمود العواقب مع شرطة العدد والمعدود والممنوع من الصرف وخشية التّيه في متاهات اللغو والوقوع في شراك حِباله التي كلما صعدت درجة وإلا وزاد طولها ورعونتها. من الأمثلة الناجحة اليوم ـأكثر من غيرها- في إقدار الأطفال على تعلّم اللغات (الوطنية والأجنبية على قدم المساواة) هي اللوكسمبورغ وسنغافورة، حيث تُمارس ما يُسمّى بالمقاربات الانغماسية في تدريس اللغات (يعجبني شخصيا أكثر تعبير تعلّم اللغات بواسطة المعايشة أو بواسطة الغَمر، كما في تقنية السّقي الزراعي) بحيث لا تكون اللغات “مواد مستقلة بذاتها تُدرّس بشكل قواعدي صرف” بل تكون بمثابة  قنوات للريّ اللغوي غَمرا أحيانا وقطرة قطرة أحيانا أخرى، من خلال وضعيات لعبيّة مرحة وألعاب أدوار تواصليّة مُحفّزة … خاصة في المراحل التعليمية الأولى. فلا يتمّ بالنتيجة تبجيل البعد الهيكلي (النحو) على البعد الاستعمالي الحيّ (الحياة) حتى لا يُكبّل اللسان قبل أن ينطق بعدُ.  

يقول أصحاب هذا التوجّه بأنه لا يجب أن نُعطي الطفل دروسا تشريحية حول مهمة العضلات والأنسجة والأوتار من أجل تعليمه كيف يمشي، لأن الانسان يتعلم المشي من خلال فقدان التوازن والمحاولة والخطأ والغريزة… فإذا كان النحو هو التركيبة البنيوية للغة فالكلام هو حركتها.

رابعا وأخيرا : لا نُواجه ظاهرة ضعف تلاميذنا في اللغات، بالعقاب والمنطق المردود بعد الباكالوريا !

بعد حصولها على معدّلات الباكالوريا للتلاميذ وأعدادهم في كل المواد التي تمّ اجتياز الامتحان فيها، تعمد وزارة التعليم العالي إلى احتساب ما تُسمّيه بمجموع النقاط لترتيب التلاميذ وتوزيعهم على مختلف مسالك التكوين لديها (اعتماد الحساب مع الاستئناس باختيارات كل مترشح للتوجيه الجامعي وكيفية ترتيبها).

هنالك إجراءان لافتان للانتباه في هذا الخصوص وجب التوقّف عندهما :

– يتكوّن هذا المجموع من عنصرين أساسيين هما المعدل العام للتلميذ في الباكالوريا ضارب 4 يُضاف إليه 6 ضوارب خصوصية أخرى موزّعة على المواد الأساسية في كل شعبة من شعب الباكالوريا (مثلا بالنسبة إلى الرياضيات يُضاف الى المعدل العام ضاربان للرياضيات وضارب ونصف للعلوم الفيزيائية ونصف ضارب لعلوم الحياة والأرض وضاربان للفرنسية والانكليزية …). بمعنى أن معدلات التلميذ في الباكالوريا، المتدنية بصورة عامة  تُحتسب مرتين في هذه الحالة : مرة في المعدل العام ومرة ثانية في الضوارب الخصوصية…بما يجعل منه إجراءً عقابيا لا موجب له، يُعيق التلميذ في الحصول على ما يرغب فيه بدلا من تحييد هذه الهِنات وتذليل تبعاتها.

– إضافة أعداد الفرنسية والانكليزية إلى مجموع النقاط (المُحتسبة بعدُ في المعدل العام) برّرته وزارة التعليم العالي حين إقراره بـ “ضرورة تحفيز تلميذ الباكالوريا على تحسين مستواه في اللغات الأجنبية” وهذا ضرب من الديماغوجيا الصرفة لأن التلاميذ لا يهمّهم الاطلاع على كل هذه التفاصيل الفنية إلا بعد نجاحهم النّاجز ومواجهة استحقاقات ما بعد الباكالوريا.

ونقول في النهاية بدون أي تحفّظ إن:

إيجاد روافد إسناد لغوي خارجي في العائلة والمحيط ووسائل الاعلام (لا وجود لأي برنامج إذاعي أو تلفزي جادّ أو ترفيهي حاليا في تونس يُعنى باللغة أو الثقافة) وحسم ازدواجية تدريس العلوم باللغة العربية ثم اللغة الفرنسية بشكل جريء وبعيد عن الهوويات الكريهة والتمسك بـ “فرنسية” لم نخترها على حدّ سواء، ومراجعة الطرائق التي نُدرّس بها اللغات، وإيجاد الحوافز المُجزية لمدرّسي اللغات خاصة في المناطق المنسيّة حتى ننهض بمستواهم .. وغيرها قد تشكّل حزمة من الاختيارات التي تُساعد على إطلاق ألسنة ناشئتنا بما يُصلّب عودهم دراسيا وشغليّا، ويُخرجهم من مُربّع اليُتم الحضاري وفقدان السّند اللغوي المطلوب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* التحاذف، كلمة فرضها سياقها في علاقة بدعوة البعض إلى قلب الهرميّة المعتمدة وجعل لغات معينة تحذف أخرى.

أكمل القراءة

صن نار