نبّهني صديقي العزيز سامي الحبيب بعد نشر الورقة السابقة أن “المهن الجديدة” التي حاولتُ رصدها ورسم خصائصها ومرجعيّة مهاراتها المطلوبة على سبيل الاستطلاع المرح لمزاج التونسيين من حولنا،
منصف الخميري
نبّهني إلى أن أغلب أمثلة المهن مُحيلة على أمزجة جانحة وغير سويّة بل ومنحرفة لا يُمارسها إلا الضّالعون في إلحاق الأذى والنّيل من عزائمنا، مثل الوُشاة والأدعياء ومُفسدي الذوق العام وهواة التموقع ومُروّجو حبوب الاكتئاب … باستثناء مهنة مُصنّعي المُهذِّبات والمُرطِّبات : من ترطيب الخطاب وتهذيبه، بما يُحتّم الاهتمام بتخصيص بعض المساحة لطبائع أخرى قد تكون ذات تمثيلية أكبر للتونسيين ومُلهمة أكثر، والحال أنه رغم سحب القتامة والسّآمة التي تُخيّم على سمائنا أحيانا، مازال يحق لنا أن ننشد في حق بلادنا مع الشيخ إمام “سلامتك يامّه يا مُهرة، يـا حبّالة يا ولاّدة، يا سـتّ الكلّ يا طاهرة.”
فوعدته بمحاولة إنجاز ورقة تُقيم التوازن بين الفئتين وتُعيد الاعتبار للأسوياء والأصيلين الذين هم كُثرٌ، يُحَلّون أيامنا ويقاومون التصحّر ويُعطّرون الفضاء بعطائهم وتضحياتهم وعميق اقتناعهم بأن عطر ورودنا التونسية أكثر وأقوى من شوكها الضّاري.
فكانت هذه النماذج :
الحائزون على شهادة الريادة في مقاومة التصحّر
أعرف مواطنا تونسيا (لا يهمّه كثيرا أن يتمّ إشهار اسمه لأنه يُشرف على مشروع عملاق فوق الأسماء ويعانق السماء) توفّرت له كل الإمكانيات ليمنح نفسه حياة باذخة على ساحل المتوسّط، لكنه اختار أن يستوطن في صحاري تطاوين لينصهد بشموسها ويغرس آلاف الأشجار من زيتون ونخل ولوز وتين … يسحب لها مياه الريّ من أعماق الصحراء ومن مجاري مياه الأمطار عندما تُجزل الطبيعة عطاءها. ومثله كثيرون ممّن تمرّدوا على الإرث الثقافي الزراعي للمحتلّ الفرنسي الذي جعل من الصحراء مستودعا نفطيا والجنوب الغربي حوضا منجميا والشمال مطمورة للحبوب والوطن القبلي منبتا للكروم والحمضيات… ولا شيء عدا ذلك…إلى أن أصبحنا بفضل مبادرات الأفراد خاصة نُنتج الرمّان في غار الدماء وتستور والبرتقال والعنب في بوسالم والفستق في سيدي بوزيد والكريمة في وشتاتة والتفاح في سبيبة وحَبّ الملوك في مكثر والخضر بأنواعها في المعمورة، الخ… إضافة إلى كتائب المقاومين للتصحّر الثقافي إن بالقلم أو بالريشة أو بالصوت أو باللحن.
مهندسو أساسيات الادخار الرمزي
أضع شخصيا في هذه الخانة نساءً ورجالا سبقوا عصرهم ووضعوا حجر الأساس لاجتياحات ثقافية تحرّرية عميقة ومبكّرة، أربحتنا مئات السنين مقارنة بمجتمعات أخرى في التعليم والفلاحة والسينما والمسرح والرياضة والعمل النقابي والمدني … (بالرغم كل ما يتهدّد اليوم رصيد الادخار هذا من تراجع وانكماش نتيجة الكُفر بنِعم الأوّلين وعمى المسؤولين). ولا يمكن أن أمر هنا دون استدعاء ما دوّنه أحد الأصدقاء مؤخرا حول أسطورة حنبعل باركا مبدع الاستراتيجيا العسكرية الذي أرهب روما مجتازا جبال الألب منذ 2000 سنة، مُعلقا: “النار تخلّف الرّماد…واليوم ولّينا مجرد حرّاقة”.
شهادة الكفاءة في تخصيب الطباشير
من الطبيعي حسب رأيي أن نلاحظ في مدرستنا التونسية جُنوح عدد ضئيل من المدرّسين وانجرارهم إلى التكسّب غير اللائق، ومحاولة ردْم الفراغات التي تُسبّبها أجور البؤس من خلال الدروس الخصوصية وهرسلة التلاميذ وممارسة التدريس “قطرة قطرة” وإخفاء بعض مفاتيح النجاح، ليتمكن منها من يقدر على الدفع أكثر دون غيره… بحكم تعدادهم بعشرات الآلاف بين الابتدائي والثانوي والجامعي والخاص وكذلك بحكم عوامل ثقافية ومجتمعية دأبنا عليها كتونسيين، في علاقة بدهس القانون وغياب منطق المنفعة العامة، والأنانية المفرطة.
لكن هذه السلوكات الشّاذة لا يجب بأي حال أن تحجب عنّا المجهودات الاستثنائية التي يبذلها عموم المعلمين والأساتذة في ظروف قاسية أحيانا، من أجل إيصال أوسع طيف ممكن من المتمدرسين إلى أرقى الطوابق الناجية والنأي بهم عن مزالق الانقطاع والانحراف التي تحيط بأسوار المدرسة من الجهات الأربعِ. يكدّون ويجتهدون ويُنفقون من شرايينهم ووقت عائلاتهم لإعطاء أفضل ما لديهم في ظل تعطّل مصعد المدرسة العمومية – كمنظومة – عن أداء وظيفته، واضطرار جميع مستعمليه إلى تسلّق السّلالم الوعرة التي لا تلين إلا لمن يؤمن بأن “الفرص الكبيرة في الحياة تأتينا دائما متنكّرة في ثوب عمل شاق ومُنهك” كما يقول بعضهم.
فحقُّ هؤلاء علينا أن نُنصفهم ونُدرجهم ضمن فئة “حُرّاس المعبد” الذين تقوم على أكتافهم (مثلهم مثل الأمنيين الأنقياء والعسكريين الأشداء والإداريين الشرفاء) مهمة منع “اللؤماء” من خلط الحابل بالنابل والإيهام بأن إعادة القطار إلى السكّة بات أمرا مستحيلا.
مؤهل الخبرة في الإمتاع والإبداع
لا أحد مُطلقا يمكن أن يُلزم مُبدعا بكتابة نصّ جميل تنتشي له النفوس أو يفرض على موسيقيّ أن يُنتج لحنا يُبهج القلوب، أو يُرغم رياضيا على إعلاء رايتنا الوطنية في المناسبات الدولية وإسعاد ملايين التونسيين… ولكن هؤلاء النشطاء التلقائيين لا ينتظرون قرارا سياديا أو عطاءً جزيلا من الدولة لفعل ما يفعلونه إيمانا عميقا منهم بأن مجد الشعوب لا يُصنع في أروقة مؤسسات الدولة فحسب، وإنما أيضا وخاصة في رؤوس فلاسفتها ومُبدعيها وأنامل موسيقييها ومهارات رياضييها وتمرّس باحثيها وطموح دارسيها.
التأهيلية المهنية العليا في ممارسة وظيفة الأمومة
تقديري الشخصي أن الأم التونسية من الأمهات القلائل في العالم التي تتفوّق على المدرسة ببرامجها ومُدرّسيها وميزانيتها ومقارباتها العالِمة في تأهيل الناشئة. فكل قصة نجاح باهر في بلادنا وراءها حتما أمّ حاضنة ومؤطرة ودؤوبة. ولكن ما يصنع مجدها من ناحية أخرى هو قدرتها الخارقة على تحمّل أعباء فيالق عائلية بأكملها طهيا وكيّا وتنظيفا وترتيبا وتلميعا وتدبيرا وتسييرا … والنهوض مع صياح الديك من أجل إعداد “صلصة المقرونة” قبل التوجّه إلى عملها الموازي الذي تُحرز فيه هو الآخر شهائد عليا تهِبُها مقاما اعتباريا مرموقا لا يقل قيمة عمّا ينجزه الرجال بل يفوقه في كثير من الأحيان.
فهؤلاء الأمهات- المحاضن تساهمن أيضا من مواقعهنّ المختلفة في تقليص نفوذ ما أسميناه بالطبائع الضالّة وجعلنا نثق بأن في حامضنا النووي شيئا ما يسمح لنا بإعادة التشكّل بعد كل تكسّر أو تعكّر.
كما عرضنا في عددنا السابق من جريدة “جلنار” بعض المعطيات المتعلقة بالساحة الوطنية داخليا وخارجيا وكما أشرنا إلى انحرافات خطيرة لبعض وجوه المعارضة عبر نشر الأكاذيب والتظلل بالـ”غرف المظلمة” المعدة لضرب تونس، بالإضافة إلى حمى الدعوات لنشر الفتن وتحريك شعب ليس في حاجة لمعاناة أكثر ويحلم بالأمن والأمان والازدهار وليس بتحقيق أهداف نرجسية أو وصولية أو عميلة لجهات أثبتت سابقا وهاهي ذا تثبت لاحقا فراغ خزانها من أية مشاعر وطنية.
كما شرحنا أيضا الحاجة الماسة لدعم القدرة الشرائية للمواطن التي وصلت إلى حد لا يحسد عليه لأسباب موضوعية وربما أيضا عملية، منها أن السلطة الحالية تجد نفسها أمام إرث ثقيل من ديون الحكومات السابقة، ولعل أكبر دليل تقدمنا به هو دفع الحكومة التونسية لقسط كبير من ديون متراكمة تعود لسنوات 2015 أو قبلها أوبعدها، و الأهم هو أن هذه الديون خلال حكومات الترويكا والنهضة لم توجه إلى أي برنامج تنمية بل على العكس تماما تم تخصيص جزء من موارد البلاد لإسكات الإضرابات و خلق شركات بستنة دون وجود بساتين وضرب سوق الفوسفات مع الهند وغير الهند. وإحقاقا للحق فقد سعت السلطة الحالية إلى إعادة هذه الموارد ولو أنها قابلة لمزيد التطوير.
هذه بعض الإشارات دون أن نتعمق في الكثير من التفاصيل التي أنهكت الموارد الوطنية ليفهم الجميع أن أدنى الشروط والقواعد لأية ثورة تستوجب:
أولا وجود قيادة فرضتها الأحداث والقناعات الشعبية،
ثانيا، طرح برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني لدرء نقاط ضعف أو تجاوز المنظومة القديمة.
ثالثا، توفير المتطلبات من أمن ومعيشة طبيعية على الأقل للمواطنين عبر تحسين الطاقة الشرائية وشغل لا تعيقه نسبة كبيرة من البطالة، ثم فرض تطور مطرد للقطاعات العامة مثل الصحة والتعليم والنقل وضمان الاكتفاء الذاتي.
ودون هذه الشروط لا يمكن علميا أو حتى ديماغوجيا تحقيق تحولات صغرى أو كبرى بالثورة ونتائج جل هذه التحولات على بعض البلدان لم تأت إلا بمزيد من التخلف والانهيار الاقتصادي و الأمني مما أعاد حنين بعض الشعوب إلى ما فات والندم عليه ندامة الكسعي.
المقنترحات العاجلة:
ان الشعب التونسي يستحق الأفضل وهو شعب صعب المراس ولا يخضع لأية تاثيرات غير قناعاته بل إن أية محاولة لتوجيهه تعود بالوبال على الزمر التي قامت بها، لكنه أيضا شعب صبور على الشدائد وشظف العيش من أجل الإخلاص لاختباراته وقناعاته إلى حدود معينة، فلا مجال لتحريك من جهات خبر حكمها جيدا ولفظها ولا مجال لأي مستعين بالخارج، لكن شعبنا يعبر عن معاناته المتمثلة في معيشته وشغله ورفاهه، ولعل إحدى صفاته انه “موقوت فجئي” لا يسمح لأي طرف بتفكيك توقيت انتفاضاته أو غضبه، ذلك أنه إن عدنا قليلا إلى التاريخ نتذكر “ثورة الخبز” وقبلها 26 جانفي وبعدها الحوض المنجمي و17 ديسمبر وغيرها من الانتفاضات التي لم تكن في حسبان أي جهاز وطني أو خارجي.
واليوم لنتدرج إلى أهم المتطلبات الوطنية تالقائمة في أعلى هرم الأولويات:
أولا، لعل الضغط على الأسعار المتعلقة بقوت المواطن تعد أهم ضرورة، فمن المهازل أن يستمر. ارتفاع سعر اللحوم إلى هذا الحد و كذلك أسعار الخضر والغلال وبقية المواد المعيشية، وعلى السلطة أن تحدد وتفرض تطبيق اسعار اللحوم أقل من 25 دينارا للكيلوغرام، وعلى كل من يتأفف من ذلك أن يبحث عن مورد رزق آخر فالشعب لا يستحق التنكيل به إلى هذا الحد.
ثانيا، إن معضلة أفارقة جنوبي الصحراء تكتسي خطورة أمنية تمس حتى من كينونة بلادنا وتركيبة سكانها وتعد قنبلة موقوتة ضد تونس، وعليه فإن الجمع بين الإعادة الطوعية والإجلاء القسري يعد من أهم الضروريات.
ثالثا، ,على المستوى السياسي ورغم انزلاق البعض نحو الاحتماء بالخارج وهذا متوقع ويصنف قانونا كخيانة عظمى، فإن بعض فصائل المعارضة الوطنية تستحق انفتاحا من السلطة وربما تشريكا لصالح ضمان سير أي وطن، لكن على عكس ذلك فإن بعض الوجوه والجهات العدوانية التي تدعو إلى الفتنة والحلم بعودة حكم عرفت فترته الإرهاب والاغتيال والغنيمة والسحل والرش والتغول في كل قطاعات البلاد خدمة للمنظومة وليس للشعب، وجوه السوء هذه لن يكون لها أي دور جديد غير الرغبة الجامحة في دمار البلاد والانتقام من الشعب واختياراته.
رابعا، تنقية الأجواء السياسية وذلك ببعث محكمة دستورية يقودها رجال وطنيون لا يؤمنون الا بالعدل والمصلحة الوطنية.
خامسا، لايعد تدخلا في القضاء متى ما كان هدف العفو عن عدد من المساجين الذين لا علاقة لهم بالارهاب أو المؤامرات او الفساد المالي أو الحق العام. ونظن ان شريحة من المساجين قد تستحق العفو الذي يدخل دستوريا ضمن صلاحيات رئيس الدولة.
خامسا، إننا إذ ننوه بجهود السلطة القائمة في عديد الميادين (النقل، الأمن، مقاومة الفساد، الطرقات، إعادة موارد البلاد مثل الفوسفات الذي تم تجميده طيلة العشرية)، فإن عددا من القطاعات يتطلب مزيدا من العناية مثل القطاع الصحي والقطاع الفلاحي، وبالمناسبة فإنه من غير المقبول أن لا يستجيب هذا القطاع الهام إلى ضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي.
كذلك لابدّ من مراجعة شاملة لقطاع التعليم وإدراج مادة السلوك الحضاري ومفهوم الوطنية وقدسية العمل ضمن برامجه للإسراع بغرس المقومات الاخلاقية والوطنية في أجيال تونس القادمة انطلاقا من رياض الأطفال إلى حدود الجامعات، لخلق مجتمع ناضج وليس فقاقيع من البؤر والكسل والاستقالة من الشأن الوطني.
لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.
فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت علىمسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.
كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها
ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.
إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا
ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…
ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها
المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز
نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.
علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…
ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟
ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…
هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…
خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…
وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…
أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟