الباكالوريا مفتاح أوّلي مهم يجعل صاحبه يبتعد نهائيا عن “ساحة الخيارات المُظلمة” ويلجُ ساحات أخرى هي أقرب إلى الخلاص واكتساب المناعة والمرور إلى الضفة الأخرى.
منصف الخميري
كانت جدّتي رحمها الله منتبهة حدّ الهوْس إلى خطر أن نصل أنا وأخي الأكبر متأخرين إلى المدرسة البعيدة وخاصة في فصل الشتاء الذي كان عبوسا وضروسا أكثر من اليوم، فكانت تُلحّ في استعجال خروجنا حتى لا تدركنا السحب والأمطار في الطريق قائلة “أوصلو للمدرسة حصّلو المْنع” أي كونوا هناك وتحصّنوا بقاعات المدرسة وملاذاتها على نُدرتها…. في وعي فطري بأن البقاء “هنا” لا يُسمنُ ولا يُغني من جهل وتخلّف وأن المدرسة بُقعة ضوء يتعيّن مطاردتها.
فبعد الباكالوريا يجد الطالب الجديد نفسه أمام ساحات أوسع مما كان فيه وتعوّد عليه تتطلب هي الأخرى مفاتيح جديدة لمعالجة أقفالها. لكن القاسم المشترك بينها هي أنها مُتاحة لمن يتمتّع بحدّ مقبول من القدرة على “بذل الجهد المُضني” والتعرف على ميولاته وحسن إدارة التفاوض مع “قصار الطرق” إذا تعذّر مُغالبة الأمواج العاتية.
باكالوريا 2022 لم تشذّ عن القاعدة وأعادت لنا صورتنا المشوّهة التي نخجل من مواجهتها وذكّرتنا خاصة بأن لنا دولة تعشق تهشيم المحرار حتى لا تفوح رائحة تقرّحاتها وتبدع في تحييد المرايا حتى لا ترى صورتها القبيحة.
وقد برز منذ الإعلان عن نتائج الباكالوريا اتجاهان كبيران لدى الرأي العام في التعاطي مع هُزال النتائج هنا وبدانتها هناك يمكن تلخيصهما على النحو التالي :
اتجاه يُحيل حدّة الاستقطاب في النتائج (أي وجود أقطاب فشل واسعة تشمل الولايات الداخلية بصورة عامة مقابل جيوب نجاح تقليدية تقترب فيها نسب النجاح من المعدلات المأمولة) إلى الموروث الاجتماعي والاقتصادي ولا شيء سواه وفق ثنائية الفقر يقابله الفشل المدرسي والرفاه الاجتماعي يمنح نجاحا بالضرورة.
ومنزع يحاول إرجاع انخرام المشهد التربوي إلى اعتبارات الجدارة والاستحقاق والبذل والمثابرة ولا شيء سواها، (وهو استنساخ لا واع لتيّار إيديولوجي يجد صدى كبيرا له لدى الأمريكان بصورة خاصة الذين يُنظّرون لكون “التميّز المدرسي هو مُستحقّ وليس موروثا” mérité et non hérité وأنه في الحياة بصورة عامة “لكل واحد حسب جدارته“.
وفي تونس، قرأت تعليقات تبريريّة تقترب ـ لولا بعض الحياء ـ من المنطق الاستعماري الذي يقسّم شعوب الأرض إلى شعوب متخلفة تقع على “هامش مظاهر الحضارة وتفتقر إلى أبسط أشكال العيش الكريم” وأخرى متقدّمة كُتب عليها أن تضطلع بمهمة شبه ربّانية تتمثل في إنقاذ هذه الشعوب وإلحاقها بركب الحضارة. أي أن الولايات التي تتدنّى فيها نسب النجاح في الباكالوريا تستحق فشلها بالنظر إلى كسلها وضعف عقلية الجهد لدى أبنائها وأن الولايات التي ترتفع بها نسبيا مؤشرات النجاح لا يمكن أن تكون إلا كذلك لقدرة شبه جينية متأصلة فيها.
أقول منذ البداية إنني أومن جدا بمجهود الفرد وقدرته على قهر الظروف القاهرة وأن الأمل يولد أحيانا من رحِم اليأس وأن العوْز حاجز متغوّل لكن يمكن اختراقه… إلى نهاية السرديّة التي نجد لها مدافعين ومريدين كثر في ساحات التنمية البشرية المُبشّرة بالجنة والناس في الدّرك الأسفل من الجحيم… ولكنني متيقن في ذات الوقت وواثق تماما من أن كارثية النتائج في جهات بعينها (وفي مناطق بعينها في الجهات التي حققت نتائج إيجابية أدعو شخصيا إلى مزيد تطويرها) ليست قدَرا محتّما ولها أسباب عضوية متصلة مباشرة برصيد استثمارات دولة الاستقلال هنا وهناك … وأن الإقرار بهذا يؤكد أن الإصلاح مُمكن والعلاجات مُتاحة ومفاتيح الخروج من النفق المظلم موجودة في الأرض لا في السماء.
لذلك ـ وبالأرقام والإحصائيات ـ كلّما تدنّى مؤشر التنمية، تدنّت النتائج على كل المستويات الدراسية، وكلّما اضمحلّ مستوى العيش اضمحلّ الأداء الدراسي لأبنائنا، وكلّما علا المستوى الدراسي والثقافي العام للوالدين (والمحيط العائلي الأوسع) ازدادت فرص النجاح والقدرة على تخطي العقبات.
المسألة في رأيي بسيطة ومعقّدة في نفس الوقت. معقّدة لأنّ أسبابها متعددة ومنتشرة في كل الروافد المحيطة بالفعل المدرسي والنتائج الراهنة هي المآل المنطقي لمسار طويل جدا من رحي الشعوب وطحن المُعدمين، وبسيطة لأن الإصلاحات الموضعيّة الصغيرة غير المُكلفة وذات النتائج المنظورة على المدى القصير والمتوسط مُمكنة تماما ولا تستدعي خِبرة أو عِلما أو واسع اطلاع على ما يصنع مجد الأنظمة التربوية الرياديّة في العالم.
خُطاف واحد لا يصنع الربيع… ربيع الأقاليم المنسيّة
إن وجود بعض المعدلات المتميّزة جدا في الجهات الداخلية بشكل استثنائي لا يعني أن ذلك قابل للتعميم أو أنه دليل قطعي على “كسل” من لم ينجح أو من نجح بمعدلات متوسطة (وهم الأغلبية)، كما أن هزالة نتائج معاهد منوبة على سبيل المثال لا يعني إسقاط كل جهة تونس الكبرى من أعلى سلّم أفضل النتائج في الباكالوريا. .. بمعنى أن الاستثناءات لا يجب أن تحجب عنّا الطابع العام المُهيمن في كل جهة ولا ينبغي أن تتحوّل إلى شجيرات تغطي الغابة التي هي العنصر الأهم.
وعليه، فإنني أحلم بِدُويْلة تسعى إلى (لا أقول تبني مشروعا مجتمعيّا يليق بعظمة التونسيين ومهجتهم الراقية لأن ذلك يستوجب دولة جديرة باسمها) أو تتبنّي وصفة بسيطة لا تُكلّفها الشيء الكثير وتتمثل في :
أولا : التخلّي عن شبكة المؤسسات التربوية النموذجية الكاذبة وبعث نموذجيات للمتروكين لحالهم ونموذجيات للوافدين من بؤر المهارات الخارقة في الرياضيات أحيانا وفي الرياضة أو الإعلامية أو اللغات والفلسفة أحيانا أخرى.
ثانيا : الشروع فورا في إعادة هيكلة المسالك والشعب في التعليم الثانوي بما ينسجم مع اشتراطات التعليم العالي ويُوقف النزيف الذي تشهده بعض الباكالوريات (الآداب والاقتصاد والإعلامية بصورة خاصة).
ثالثا : إقرار إجبارية امتحان التاسعة أساسي (للقطع مع مهزلة 13 سنة دراسية مسترسلة دون وجود أي محطة تقييمية وسطى) بما يُحفّز تلاميذ الإعدادي على مزيد بذل الجهد لمواجهة هذا الاستحقاق الدراسي وإجراء التعديلات الضرورية التي تُمليها نتائج هذا التقييم المرحلي في السياسة التربوية العامة.
رابعا : خلق المعابر المكثّفة والمغرية والمُثمّنة مباشرة بعد التاسعة أساسي، مع التعليم المهني بالنسبة إلى التلاميذ الذين يمنعهم مستوى مكتسباتهم الأساسية من الانخراط في مسارات طويلة عامة… مع ترك الباب مفتوحا على مصراعيه أمام من تميّز في المسارات المهنية الموازية لاجتياز امتحان الباكالوريا إن رغب في ذلك.
خامسا : تحفيز الأساتذة والمتفقدين في الجهات التي تشكو من ضعف ضارّ في مواد أصبحت تشكل حاجزا حقيقيا لنيل شهادة الباكالوريا (الرياضيات واللغات خاصة) وتمكينهم من دورات تدريبية خاصة في تونس والخارج باتجاه التأثير في مشهد النتائج وتحويله.
سادسا : إجادة توزيع الموارد البشرية وحوكمتها باعتبارها عاملا حاسما في طبيعة النتائج النهائية، ويكفي أن نستحضر كون آلاف التلاميذ التونسيين يصلون إلى مستوى الباكالوريا دون التمتّع بحصة دراسية واحدة يُؤمّنها معلم أو أستاذ “غير نائب”.
هذه بعض الإجراءات البسيطة التي لا تكلّف ميزانية ضخمة ولا تتطلب حوارا وطنيا شاملا ولا تستدعي برلمانا مؤشِّرا أو مُريدا مفسّرا… تنتظر فقط بعض الجرأة والإحساس الوطني الصادق بأن الأذى بلغ “اللحمة الحيّة”.
كما عرضنا في عددنا السابق من جريدة “جلنار” بعض المعطيات المتعلقة بالساحة الوطنية داخليا وخارجيا وكما أشرنا إلى انحرافات خطيرة لبعض وجوه المعارضة عبر نشر الأكاذيب والتظلل بالـ”غرف المظلمة” المعدة لضرب تونس، بالإضافة إلى حمى الدعوات لنشر الفتن وتحريك شعب ليس في حاجة لمعاناة أكثر ويحلم بالأمن والأمان والازدهار وليس بتحقيق أهداف نرجسية أو وصولية أو عميلة لجهات أثبتت سابقا وهاهي ذا تثبت لاحقا فراغ خزانها من أية مشاعر وطنية.
كما شرحنا أيضا الحاجة الماسة لدعم القدرة الشرائية للمواطن التي وصلت إلى حد لا يحسد عليه لأسباب موضوعية وربما أيضا عملية، منها أن السلطة الحالية تجد نفسها أمام إرث ثقيل من ديون الحكومات السابقة، ولعل أكبر دليل تقدمنا به هو دفع الحكومة التونسية لقسط كبير من ديون متراكمة تعود لسنوات 2015 أو قبلها أوبعدها، و الأهم هو أن هذه الديون خلال حكومات الترويكا والنهضة لم توجه إلى أي برنامج تنمية بل على العكس تماما تم تخصيص جزء من موارد البلاد لإسكات الإضرابات و خلق شركات بستنة دون وجود بساتين وضرب سوق الفوسفات مع الهند وغير الهند. وإحقاقا للحق فقد سعت السلطة الحالية إلى إعادة هذه الموارد ولو أنها قابلة لمزيد التطوير.
هذه بعض الإشارات دون أن نتعمق في الكثير من التفاصيل التي أنهكت الموارد الوطنية ليفهم الجميع أن أدنى الشروط والقواعد لأية ثورة تستوجب:
أولا وجود قيادة فرضتها الأحداث والقناعات الشعبية،
ثانيا، طرح برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني لدرء نقاط ضعف أو تجاوز المنظومة القديمة.
ثالثا، توفير المتطلبات من أمن ومعيشة طبيعية على الأقل للمواطنين عبر تحسين الطاقة الشرائية وشغل لا تعيقه نسبة كبيرة من البطالة، ثم فرض تطور مطرد للقطاعات العامة مثل الصحة والتعليم والنقل وضمان الاكتفاء الذاتي.
ودون هذه الشروط لا يمكن علميا أو حتى ديماغوجيا تحقيق تحولات صغرى أو كبرى بالثورة ونتائج جل هذه التحولات على بعض البلدان لم تأت إلا بمزيد من التخلف والانهيار الاقتصادي و الأمني مما أعاد حنين بعض الشعوب إلى ما فات والندم عليه ندامة الكسعي.
المقنترحات العاجلة:
ان الشعب التونسي يستحق الأفضل وهو شعب صعب المراس ولا يخضع لأية تاثيرات غير قناعاته بل إن أية محاولة لتوجيهه تعود بالوبال على الزمر التي قامت بها، لكنه أيضا شعب صبور على الشدائد وشظف العيش من أجل الإخلاص لاختباراته وقناعاته إلى حدود معينة، فلا مجال لتحريك من جهات خبر حكمها جيدا ولفظها ولا مجال لأي مستعين بالخارج، لكن شعبنا يعبر عن معاناته المتمثلة في معيشته وشغله ورفاهه، ولعل إحدى صفاته انه “موقوت فجئي” لا يسمح لأي طرف بتفكيك توقيت انتفاضاته أو غضبه، ذلك أنه إن عدنا قليلا إلى التاريخ نتذكر “ثورة الخبز” وقبلها 26 جانفي وبعدها الحوض المنجمي و17 ديسمبر وغيرها من الانتفاضات التي لم تكن في حسبان أي جهاز وطني أو خارجي.
واليوم لنتدرج إلى أهم المتطلبات الوطنية تالقائمة في أعلى هرم الأولويات:
أولا، لعل الضغط على الأسعار المتعلقة بقوت المواطن تعد أهم ضرورة، فمن المهازل أن يستمر. ارتفاع سعر اللحوم إلى هذا الحد و كذلك أسعار الخضر والغلال وبقية المواد المعيشية، وعلى السلطة أن تحدد وتفرض تطبيق اسعار اللحوم أقل من 25 دينارا للكيلوغرام، وعلى كل من يتأفف من ذلك أن يبحث عن مورد رزق آخر فالشعب لا يستحق التنكيل به إلى هذا الحد.
ثانيا، إن معضلة أفارقة جنوبي الصحراء تكتسي خطورة أمنية تمس حتى من كينونة بلادنا وتركيبة سكانها وتعد قنبلة موقوتة ضد تونس، وعليه فإن الجمع بين الإعادة الطوعية والإجلاء القسري يعد من أهم الضروريات.
ثالثا، ,على المستوى السياسي ورغم انزلاق البعض نحو الاحتماء بالخارج وهذا متوقع ويصنف قانونا كخيانة عظمى، فإن بعض فصائل المعارضة الوطنية تستحق انفتاحا من السلطة وربما تشريكا لصالح ضمان سير أي وطن، لكن على عكس ذلك فإن بعض الوجوه والجهات العدوانية التي تدعو إلى الفتنة والحلم بعودة حكم عرفت فترته الإرهاب والاغتيال والغنيمة والسحل والرش والتغول في كل قطاعات البلاد خدمة للمنظومة وليس للشعب، وجوه السوء هذه لن يكون لها أي دور جديد غير الرغبة الجامحة في دمار البلاد والانتقام من الشعب واختياراته.
رابعا، تنقية الأجواء السياسية وذلك ببعث محكمة دستورية يقودها رجال وطنيون لا يؤمنون الا بالعدل والمصلحة الوطنية.
خامسا، لايعد تدخلا في القضاء متى ما كان هدف العفو عن عدد من المساجين الذين لا علاقة لهم بالارهاب أو المؤامرات او الفساد المالي أو الحق العام. ونظن ان شريحة من المساجين قد تستحق العفو الذي يدخل دستوريا ضمن صلاحيات رئيس الدولة.
خامسا، إننا إذ ننوه بجهود السلطة القائمة في عديد الميادين (النقل، الأمن، مقاومة الفساد، الطرقات، إعادة موارد البلاد مثل الفوسفات الذي تم تجميده طيلة العشرية)، فإن عددا من القطاعات يتطلب مزيدا من العناية مثل القطاع الصحي والقطاع الفلاحي، وبالمناسبة فإنه من غير المقبول أن لا يستجيب هذا القطاع الهام إلى ضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي.
كذلك لابدّ من مراجعة شاملة لقطاع التعليم وإدراج مادة السلوك الحضاري ومفهوم الوطنية وقدسية العمل ضمن برامجه للإسراع بغرس المقومات الاخلاقية والوطنية في أجيال تونس القادمة انطلاقا من رياض الأطفال إلى حدود الجامعات، لخلق مجتمع ناضج وليس فقاقيع من البؤر والكسل والاستقالة من الشأن الوطني.
لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.
فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت علىمسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.
كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها
ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.
إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا
ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…
ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها
المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز
نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.
علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…
ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟
ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…
هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…
خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…
وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…
أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟