محمد الزمزاري:
لا أدري لماذا قادتني الصدفة أمام الساحة المفضية إلى سوق النحاس بالمدينة العتيقة، وأيضا إلى زنقة الدخلاوي التي تحتضن ثلاثة أبواب وتنتهي بنزل شعبي يغلق مسارها تماما.
لقد سبق لي أن رويت قصة حميمة حول فترة قضيتها في “المدرسة الدغرية” التي جمعت عددا كبيرا من الطلبة القاطنين مجانا جلهم من كلية الشريعة وأصول الدين مع عدد قليل ينتمي إلى جامعات أخرى، بينما كنت في سنتي الأولى بالمدرسة الوطنية للادارة. ودون أن أعود ثانية إلى ما اختزنه القلب والذاكرة من نوستالجيات تلك الفترة، فقد عزمت هذه المرة على عدم الاكتفاء بنظرة إلى الأبواب الزرقاء اللون والولوج إلى ما وراءها واستكشاف ما فعلت بها عشرات السنين الماضية مثلما فعلته في شخصي، وكانت رغبتي جامحة في اكتشاف أثر تلك السنوات في مكان فرض على كينونتي جزءا من تاريخها ووجدانها خلال أولى سنواتي بالعاصمة.
كنت أصغر مقيم بالمدرسة الدغرية وكان معي عدد ممن عرفت فيهم الأخوّة الصادقة وعلى رأسهم المرحوم الواعظ الزيتوني قريبي على الهاني، وكذلك المرحوم الأستاذ مبروك الأسود، والشاعر الراقي المرحوم صديقي الأديب ابراهيم الأسود، إضافة إلى الاستاذ المرحوم الهادي (الصديق الأقرب إلى الوجه السياسي المعروف محمد بن جنات). دفعني فضولي القوي الى نقر باب المدرسة بعد أكثر من نصف قرن، فإذا برجل خمسيني يفتح لي الباب مرحّبا مما أعطى لجسارتي المترددة ارتياحا وشجاعة بعد أن كنت متوجسا مما قد يخفيه المجهول.
كان بالبهو الداخلي شخصان أحدهما رجل مسن مهيب يبدو أنه المسؤول عن هذه البناية التي بقيت على حالها تقريبا مع بعض المتغيرات.فالغرف التي كانت في زمننا تؤوي طالبا أو طالبين، أصبحت اليوم ورشات لحرفيين او مخازن تتكدس أمامها السلع، وقدرت أن المدرسة تحوي أكثر من عشرة حرفيين أو باعة، لكن ربما كان دورهم يقتصر على ترتيب أو إصلاح أو إعداد البضائع قبل عرضها خارج المدرسة في دكاكين نهج القصبة او الحفصية او غيرها، وللحقيقة فقد وجدت من أصحاب هذه المحال قبولا حسنا.
وقفت أمام باب الغرفة التي آوتني مدة طويلة ورميت بصري إلى بعض من غرف الأصدقاء القدامى، وإلى الطابق الأول الذي كان يحوي أيضا عددا من المساكن في حين يقبع مسجد صغير على الجانب الأيمن منه. والواقع أنها ليست المرة الأولى التي دفعني فيها فضولي إلى استقصاء هذا المكان، فلم أنس أيام انتفاضة 2011 وما تلاها من اعتصامات القصبة وما خبّأته من أسرار ضمن التجمعات المختلطة بهذه الساحة، وما احتضنته من مؤامرات ومن خيانات ومن مشبوهين اخترقوا تجمعات شباب وطني ثائر واستغلّوا حماسته ونواياه الطيبة، لإبقائه بالساحة أطول مدة ولأهداف لا علاقة لها بوطن ولا بثورة.
كنت أثناء فترة التقصي عن بدايات الانتفاضة وما دار إثرها، عرفت دور هذه المدرسة التي اتخذتها جماعة معينة وكرا لتوجيه جموع ساحة القصبة و تزويدهم بالأكل وحتى الخمر والجنس، ومدّ المنسقين العاملين بحسن نية أو سوئها بمبالغ مالية عن كل ليلة أو كل يوم، وكانت الأغذية في جلها تستجلب من مكان غير بعيد عن الساحة.
بعد أن رجعت بي الذاكرة إلى أحداث تلك العهود البعيدة والقريبة ودعت شاغلي المكان، غير أن الفضول والجرأة دفعاني إلى طرق الباب المقابل لاستكشاف ما فعلت به الأعوام هو أيضا، وهل بقي فيه شيء من آثار الماضي الجميل. لم يجبني احد وكان الباب غير مغلق ولم أر بدّا من دفعه فدخلت لاجد نفسي أمام ركام من الحيطان المهدمة وفي آخرها بدا لي مسكن يبدو أنه قائم ضد إعصار الحياة. اعترضني شاب في الأربعين تقريبا متحفزا ومتسائلا: هل قمت بالتصوير؟ أجبته بالنفي و عرّفته بصفتي الصحفية فأحسست بأنه تراجع قليلا عن غضبه مردفا: لا فائدة من أخذ صور لاكداس الجدران المنهارة!
اعتذرت و أعلمته أني طرقت الباب مرتين او ثلاثا قبل ولوج المكان ورويت له باختصار بعض ذكرياتي مع المدرسة الدغرية المقابلة ومع جيراني الطيبين. فأدركت أنه لم يتفاعل مع أحداث زمن لم يلد فيه بعد، لذلك دعا شقيقه الأكبر. وهو رجل تخطي الستينات فجاء وكانت مفاجأة سارة له. ذكر لي ما جرى لأصحاب البيت ورحب بي الشقيقان وقتها وقدم لي الأصغر (الذي قابلني في البداية) نفسه على أنه موظف.
وتحول اللقاء إلى استعراض حفيّ لبعض القصص التي عرفتها المدرسة الدغرية و محيط نهج القصبة قبل خمسين سنة مضت. ثم رافقني أحد الرجلين إلى دكان قريب من زنقة الدخلاوي ومدني بتفاصيل عن مصير ساكني المنزل المقابل للمدرسة الدغرية مثل وفاة الوالد والأم وانتقال الشقيقين إلى عنوان آخر.
ـ يتبع ـ