تابعنا على

جور نار

هل أعدّ قيس عُدّته … أم دخل حافي القدمين؟

نشرت

في

ما الذي حدث بالبلاد؟ من انتصر على من؟ ومن كسب رهاناته؟ وهل فكر جميعهم في الوطن؟ كلها أسئلة تراوح مكانها تبحث عمن يشفي غليلها بإجابة عقلانية ومنطقية، فجميع من غاصوا في تحليل مجريات ما حدث يوم 25 جويلية ذهبوا إلى الأمر الذي يسعدهم ويسكرهم، فألغوا من مخيّلتهم كل من يشكّكهم في “عظمة” ما حصل…

محمد الأطرش Mohamed Alatrash
<strong>محمد الأطرش<strong>

 فاليسار الغبي الذي لم يكسب معركة واحدة من معاركه، ولم يجرّب الحكم والسلطة يوما واحدا هرول يبايع ساكن قرطاج، ووجد في ما حصل انتصارا له باستثناء حمّة، الذي وكأنه شعر بقرب عودة البلاد إلى حكم الرجل الواحد والحزب الواحد، وهو الذي كان في حرب معلنة ضدّ دولة الاستقلال ورجالاتها، أما شتات اليسار ممن يردِدُون إلى يومنا هذا مقولات ماركس وخطب لينين و”شلّة الملاعين”، احتفلوا وخرجوا وصرخوا ورفعوا كؤوس الفودكا على نخب ساكن القصر، كيف لا وهم يشاهدون اليوم عدوهم اللدود راشد يتخبّط ومن معه في وضع مهين، لم يألفوه ولم يكونوا ينتظرونه…أما الأحزاب التي أخرجها المشيشي من حزام الحكم والسلطة و”السَلَطة” بفتح السين و اللام فقد شربت على نخب قيس إلى صباح اليوم الموالي، وجعلت منه المنقذ والقائد الفذّ وقد يصبح في قادم العناوين عندها “المجاهد الأكبر” كيف لا وهو من ثأر لها ممن جعلوها على الهامش…

أما عبير ومن يحوم حولها فقد تعاملوا بحذر مع الأمر في بداية الأمر، ففي بعض دواخلهم سعادة وفرحة كبيرة بانكسار أجنحة عدوهم اللدود راشد ورفاقه، لكنهم وبعد مرور أيام من غزوة “أحَدْ”(نسبة إلى يوم الأحد) شعروا وكأنهم أكبر الخاسرين من غزوة الأحد، وكأن قيس استهدفهم بشكل أو بآخر، وأضمر لهم العداء دون أن يظهره علانية، ألم يحرمهم من قوتهم اليومي الوحيد “الحرب على النهضة” فمن سيحاربون غدا للمحافظة على رصيدهم على مقياس الزرقوني، أم سيتحولون على مقياس ريختر يا ترى؟…أما من خرجوا ليصنعوا “الطاولة والكراسي” التي أصبحت مبررا وحجة وخطرا داهما لساكن القصر ليعلن انقلابه على خصومه في المنظومة، (هم في نهاية الأمر من منظومة حكم واحدة جاءت إلى السلطة بعد انتخابات 2019) أعود لأقول أما من قدّموا مبررات “الخطر الداهم” لساكن القصر فهم إلى يومنا هذا سُكارى ولم يستفيقوا من سكرتهم، والخوف أن تتحوّل سكرتهم إلى غيبوبة، يستفيقون منها على وجع كانوا يحلمون بأنه سيذهب مع صاحب الغزوة والمقام، ساكن القصور الثلاثة والمتربّع على عرش الدولة قيس سعيد…

هل أعدّ قيس عُدّته أم دخل حافي القدمين؟

يدّعي جماعة وأقلام الموالاة، في إطار عملية النفخ في غزوة الأحد وصاحبها، وتقرّبا من مولاهم ساكن القصر، أن خُطط مولاهم عصية على الفهم وغير قابلة لإخضاعها لآليات التحاليل التقليدية…يا سلام…وهل خُلق مولاهم من غير ماء وطين؟

هنا وجب على من هرولوا لبيعة سيّدهم، من رجال الإعلام، قراءة الأحداث بشكل واقعي ومنطقي…فلو كانت لمولاهم خُطط كما يدّعون، فلم كل هذا التعطيل في إعادة الروح إلى “ماكينة” الدولة؟ فهل يكفي أن يخرج علينا صانع التغيير الثاني ليقول إن الدولة تعمل بخير ولا خوف عليها حتى نصفّق ونقول “لبيك مولانا لبيك”؟ ما جرى في تونس يوم 25 جويلية أحدث صدمة لم يستفق منها أغلب الفاعلين والناشطين والمتابعين، فلا أحد كان يتصوّر أن الأمور ستصل إلى هذا المنعرج الخطير…فساكن القصر أقدم على أمر دون أن يعدّ له العدّة، ودون أن يقرأ لتبعاته حسابا، وحين جلس إلى من هم حوله يريدون إعداد العدّة صُدِمُوا بصعوبة الأمر، فتسيير شؤون دولة ليس في متناول الجميع وليس بالأمر الهين والبسيط، فالرجل أعلنها عديد المرّات أنه لن يعود إلى الوراء، وهذا يعني أنه على بينة كاملة مما ينتظره، فجميع من هرولوا وراءه يصرخون “عليك الحوت يا قيس” ينتظرون معجزة يقوم بها مولاهم تخرج البلاد مما هي فيه، وتخرجه هو من ورطة لم يكن يعرف حجمها، وتخرجهم هم من حرج قد يجعلهم يختفون عن الأنظار خجلا من احتفالهم دون سبب…ومبايعتهم لمولاهم …

ساكن القصر وصانع التغيير الثاني وضع هو ومن معه كل أوجاع الدولة والبلاد والشعب على طاولتهم، ليضعوا خارطة طريق يخرجون بها على العالم…فاصطدموا بحجم الكارثة…ديون لا يمكن خلاصها قبل عشرين سنة على الأقل…ووضع اقتصادي ينذر بالكارثة…ومؤسسات وقطاعات منتجة لم تعد تنتج…وقرابة المليون عاطل عن العمل يعوّلون على قيس ليجد لهم مورد رزق …وكفاءات لم تعد ترغب في تحمّل مسؤولية هذا الخراب…وفساد ينخر كل تفاصيل الدولة والحكم والبلاد…ووباء ذهب بأكثر من عشرين ألفا من أبناء هذه البلاد ولا يزال …واتحاد شريك في الخراب والدمار أصبح أحد أهم مشكلات الدولة…فمن أين يبدأ صانع التغيير في صناعة مجده وعزّ دولته التي أصبح يحلم بأنها ستطول وستكون في حجم دولة من صنعوا تاريخ البلاد قبل 14 جانفي…

فكّر صانع التغيير الثاني في أي ملف يفتحه، وأية مشكلة يعالجها من مشكلات البلاد فلم يجد غير النبش في الوثائق التي انتهت مدّة صلاحيتها، فعاد إلى تقرير عبد الفتاح عمر رحمه الله مُمنيا النفس بصيد ثمين يخرجه من مأزقه الاقتصادي، فالضغط على من جاؤوا في قائمة عبد الفتاح عمر ليدفعوا بالتي هي أحسن، قد يصلح بعض الشيء حال خزينة الدولة…فلما بحث في الأمر وسأل من هم أعلم منه بحقيقة ما جاء في التقرير صدم بخيبة قد تطول…فسأل معارفه عن حلّ آخر فقالوا له أليست للبلاد أموال منهوبة؟ فبحث في الأمر وتأكد مرّة أخرى أن لا شيء يؤكّد الحجم الخرافي الذي يروّج له بعض الذين يأكلون بيسارهم ويحقدون على بن علي ومن كانوا معه لتلك الأموال …فماذا سيفعل في ورطة الوضع الاقتصادي يا ترى هل سيعوّل على من وعدوه وهم في وضع لا يسمح لهم بإغراقنا بالهدايا والهبات…فكل العالم تأثر بما خلفته “الكورونا” ولايزال…أم سيُقدم على امضاء قانون الإنعاش الاقتصادي طمعا في بعض الملايين من المهربين وتجار المخدّرات والحال أنه رفع شعار محاربة هؤلاء في كل خطبه العنقودية؟

لم يجد صانع التغيير الثاني شيئا يدفعه على الحساب للسكارى لتتواصل سكرتهم “وهم فيها يعمهون” حتى اشعار آخر، غير النبش في الملفات “الشعبوية” التي تسكر الناس وتذهب بعقولهم…فأن تتحدث عن الفقراء والأغنياء فأنت ستدغدغ الفقراء وهم الأغلبية…وأن تتحدث عن الفقراء الذين لا يجدون وجبة واحدة يوميا فإنك ستُسعد الفقراء، وسيطالبونك بإعلان الحرب على الأغنياء لتثأر لهم…فكل غني في هذه البلاد أصبح اليوم مشبوها وعرضة للمنع من السفر والوضع تحت الإقامة الجبرية والرجم إن أمكن…والمساومة إن استطعنا إليها سبيلا…فلكي تكون مواطنا صالحا ترضى عنك الملائكة وصانع التغيير الثاني وأتباعه وجب عليك أن تكون فقيرا “محتحت” لا شيء في جيبك..

عقيدة الصدمة…وكيف ابتلع بعض الساسة ألسنتهم؟

صانع التغيير وكأنه قرأ لناعومي كلاين كتابها “عقيدة الصدمة” الذي تحدثت فيه عن استغلال الأزمات والكوارث…أو افتعالها والمساهمة فيها لفرض نمط من الحكم والسيطرة على الشعوب…فالتلويح منذ وصول المشيشي إلى حضن الغنوشي بأن الفساد ينخر كل تفاصيل الدولة، كان مقدّمة لما يريد أن يأتيه صانع التغيير الثاني، فالرجل تأثر كثيرا بخيانة “صبيه المشيشي” فهو من أخرجه من غبار ملفات كانت موضوعة في أرشيف الدولة، ليجعل منه مستشارا له ثم وزيرا للداخلية ثم رئيسا للحكومة ولو انتظر قليلا لأخرجه من قرطاج وأجلس في مكانه من يريد…

كل ما جاء وفعله وأتاه صانع التغيير الثاني بعد تولي المشيشي حكومة الإخوة الأعداء وأقصد قلب تونس والنهضة وغلامها الائتلاف كان بحثا عن الانتقام والثأر ليس أكثر…وكان خاتمة مطاف هذا البحث غزوة الأحد….وخروج الأتباع للصراخ “الله واحد”…فالانقلاب على جزء من المنظومة كان أشبه بحلم غير قابل للتحقيق عند البعض، وهو الأمر الذي أطال عمر الصدمة في عقول أغلب المؤثثين للمشهد السياسي…فدخلوا الكهف لا يعرفون ماذا وقع وكيف وقع…فأصابهم الهلع، فالغموض الذي يحيط بصانع التغيير الثاني ورحم الله صانع التغيير الأول غريب وغريب جدا …

لو بحثنا في مكاسب وحصيلة الغزوة لوجدنا أنها صفر…يحاذي صفرا آخر…فالذين كانوا يمنون النفس برؤية راشد الغنوشي في طريقه إلى السجن خفتت أصواتهم قليلا واختنقت “الله واحد الله واحد قيس ما كيفو حدّ” في حناجرهم وأصبحت تكاد تُسْمع…والذين كانوا يمنون النفس بانفراج اقتصادي يوفر لهم مورد رزق وانتعاش مالي أصبحوا وكأنهم من الشيعة يلطمون صدورهم وبعض الأعضاء الأخرى…والذين كانوا ينتظرون موكب النواب السجناء وهو في طريقه إلى “المرناقية” أصبحوا يبحثون عن أرقام هواتف بعض النواب ليجاملوهم خوفا من غد…فأن تسجن التبيني “الزوالي” مقارنة بالحيتان الكبيرة رغم ما أتاه فهذا لا يعتبر نصرا مبينا…وأن تسجن العياري ولو في قضية قديمة فهذا لا يعتبر نصرا وفتحا مبينا…وأن تقرر وضع بعض الأسماء (التي وحسب دراسة ممن هم حولك قد تحرك مشاعر من يكرهونهم، ويصفقون لك للأمر) تحت الإقامة الجبرية فلا أظن أن أمرا كهذا سيزيد من عدد أنصار مولانا…وأن تقرر تعيين صاحب شهادة جامعية وعاطل عن العمل واليا ببنزرت، فذلك لن يحفّز بقية العاطلين للتصفيق لك، ولمؤازرتك، فعدد الولاة في البلاد لا يتجاوز 24 واليا …وحتى وإن فعلت فهل يمكن اعتبار تلك الخطّة انتدابا؟ وأن تذهب لمخزن حديد على ملك بعض الخواص تتوعد المحتكرين وتهددهم بالحديد فذلك لن يوفّر الخبز لملايين الفقراء والمساكين…ولا أظنّ أن الحديد جُعل للأكل مع الحليب…خلاصة كل ما وقع هو أن صانع التغيير أصبح يبحث يوميا عن حدث يُلهي به أتباعه ومن بايعوه عن سؤال “وبعد يا ريس شنوة عملتلنا؟” ويجعلهم يصفقون صباحا مساء ويوم الأحد…

شخصيا ومنذ انقلاب 25 جويلية لم أقتنع تماما بأن الهدف الرئيسي لصانع التغيير الثاني كان الانقلاب الشامل على منظومته، فالرجل وحسب رأيي المتواضع كان يبحث عن استرجاع عهدة الحكم والتصرّف في شؤون السلطة التنفيذية ممن أخذوها منه غدرا، لينجز بعض وعوده لأتباعه، طمعا في ولاية ثانية قد ينجح خلالها في تنفيذ مشروعه السياسي صحبة رفيقه ” فلاديمير ألييتش أوليانوف المكّي” شهر رضا لينين…فالمشيشي ولأنه أظهر الكثير من الغباء في تصرفه وتسييره لشؤون الدولة ارتمى خوفا من السقوط في مجلس النواب في حضن الشيخ الغنوشي ومن معه، والواضح أنهم هم من أوهموه بأنهم سيسقطونه برلمانيا إن نفّذ تعليمات ساكن قرطاج وأبقى على وزرائه ضمن التشكيل الحكومي “المشيشاوي”، فأصابه الهلع فارتمى في حضن الغنوشي قائلا” ماني وليدك يا شيخنا نحب نجرب كرسي القصبة”…

أعود لأقول إن مولانا صانع التغيير الثاني لم يكن يبحث عن الانقلاب، بل كان همّه استرجاع ما له وسرق منه، وتنظيف المكان بعض الشيء ليكون في مأمن من بعض الخروج عن النص من لدن خصومه…فكان أن انتجت الصدمة وضعا غريبا، ورعبا في صفوف كل مكونات المشهد، جعلهم يبتلعون السنتهم إلى يومنا هذا…فقال كلمته الشهيرة “لا رجوع إلى الوراء”…فعن أي وراء يتحدث مولانا صانع التغيير يا ترى؟ فهو في وضع غريب لا يمكن من خلاله العودة إلى الوراء، ولا يمكنه كذلك التقدّم إلى الأمام…فعن أي وراء يتحدّث؟ فهل سيُسْعِدُ خصوم النهضة ويجرّ قياداتها إلى التحقيق؟ لا لن يفعل…فذلك يتطلب ملفا قضائيا ثقيلا ومقنعا قضائيا يسمح بذلك، ويتطلب قبل كل شيء عزيمة على تحمّل تبعات معاداة حزب عقائدي قد يختار التصعيد الشعبي لحماية مكاسبه وهذا لم يفعله غير بورقيبة وبن علي…ولا أظنّ أن مولانا يملك مثل هذه الملفات، فلو كان يملكها لما انتظر مرور الشهر الأول دون حراك…وهل سينقذ البلاد من ثورة قادمة لا محالة؟ لا لن يقدر…لأنه لن ينجح في تحقيق أي وعد من وعوده، فمشكلة البلاد أكبر وأعظم من خطاب حماسي، وشعارات جوفاء لا إنجاز بعدها…ولا أظنّ أن هذا الشعب سيصبر أكثر مما صبره مع خصومه…

خلاصة غنائم غزوة الأحد…الخاسر الأكبر هو صانع التغيير الثاني فهو من سيتحمّل تبعات كل ما يقع وسيقع بعد يوم 25 جويلية…وستطالبه جموع الشعب بما ينسيهم من سبقوه في الحكم، ولا أظنّه قادرا على تحقيق ولو واحد بالمائة مما يمكن أن يُرْضي أتباعه وأنصاره ومن بايعوه…أما النهضة ففي ظاهرها تعيش غضبا وانقساما…لكن في داخلها تعيش وضعا عاديا ومريحا قد يساهم في انقاذها من التآكل كليا، أو التشظّي سياسيا في قادم الأشهر والسنوات…فهي لن تتحمّل تبعات ما بعد 25 جويلية، ولن تدخل قياداتها السجون…وحتى وإن وصل الأمر إلى حلّها فإنها اطمأنت على مستقبل أتباعها وقد تأمرهم بإعادة الانتشار حزبيا حتى اشعار آخر…

خلاصة ما نحن فيه …

سيواصل صانع التغيير البحث عن وسائل إلهاء أتباعه وتحويل وجهتهم، ليبعدهم عن الحديث عن المكاسب، وعن برنامجه خلال قادم الأشهر والسنوات، وعن مطالبته بالنتائج والإنجازات…وسيبحث مولانا عن كل ما من شأنه إرضاء أتباعه ومواصلة تصفيقهم …وقد يأتي ببعض من أوصلوه إلى قرطاج في خطط وظيفية سامية فنصف عدد الولاة سيكون لأتباعه…ونصف عدد المعتمدين سيكون لأنصاره…ونصف الحكومة سيكون لرجالاته…ونصف كل شيء سيكون له ولمن ساندوه…فصانع التغيير الثاني اصبح مهووسا بالحكم منفردا…وأصبح يخاف الخيانات…فكم مرّة زار مقرّ وزارة الداخلية…وكم مرّة التقى فيها عناصر من المؤسسة العسكرية…رغم أنه على بينة أن مؤسستنا الأمنية لم ولن تحيد عن عقيدتها التي تربّت عليها في الدفاع عن البلاد وضمان أمنها…كما أنه على بينة من أن المؤسسة العسكرية تربّت على الانضباط والحفاظ على مكاسب الدولة وحماية حدودها…فهل سيواصل صانع التغيير الثاني طريقه إلى الأمام ويعلن الحرب على الجميع بعد أن صُدم بواقع لم يخطر على باله يوما؟ وهل سيكفي إعلانه الحرب على الجميع بإرضاء أتباعه؟ فالفقير يريد أن يعلن فكّ ارتباطه مع الفقر… والعاطل يريد أن يحتضن عملا يغنيه عن السؤال…والمظلوم يبحث عمن يرفع عنه مظلمته…والمريض يبحث عمن يداويه…وهؤلاء جميعا لن تعنيهم حرب صانع التغيير الثاني للفوز بولاية ثانية، والاستحواذ على كل مفاصل الدولة والحكم…فقط لا يريدون أن يجوعوا…فهل سيبقى صانع التغيير الأول على سُلّم الزرقوني…أم يصبح الأول على سُلم ريختر…وهل يواصل أتباعه السهر على أنغام “هل رأى الشعب سكارى مثلنا؟”…أم سيغني أتباعه “تكويت وما قلت أحيت هزيت الجمرة بايديَ”…؟؟

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

ورقات يتيم… الورقة 113

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد الكريم قطاطة:

من طباعي منذ كنت شابا انّ الله وهبني نعمة الصبر على كل شيء… وكان العديد من اصدقائي يغبطونني على (دمي البارد)… وعندما هرعت الى الله تعمّقت في داخلي القدرة على تحمّل كلّ المشاكل ومخلّفاتها… قد اكون واحدا من سلالة ايّوب، ولكن… واذا فاض كأس الصبر كما غنّى شكري بوزيان… واذا علا صوت ام كلثوم بـ (ما تصبرنيش ما خلاص انا فاض بيّ وملّيت)… وتختمها بـ(للصبر حدود يا حبيبي)… اردّ كأيّ بشر الفعل، لكنني كنت آخذ قراراتي ودائما باعصاب هادئة في ردّ الفعل…

عبد الكريم قطاطة

عندما اسرّت لي زميلتاي باذاعة الشباب بالحوار الذي دار بينهما وبين مديري سي عبدالقادر الله يرحمو… وفهمت انّ حدسي كان في محلّه بالشكّ في نواياه بعد الجلسة الصلحية مع زميلي الصادق بوعبان… تكسّر كأس الصبر… والكأس اذا تكسّر يستحيل لمّ شتاته…. ايقنت ان لا فائدة تُرجى من ايّ صلح بل وقررت ان تكون الحرب معه… اكاهو… وعليّ ان استعدّ لاوزارها… وليضحك كثيرا من يضحك اخيرا… انتهت السهرة الخاصة بتكريمي مع زميلتيّ وكانتا سعيدتين بها شكلا ومضمونا وعدت الى بيتي لاخطّط لحرب فعلية مع مديري…

وفي الصباح الباكر ذهبت لمكتبه… سلّمت عليه وسألته هل استمع الى حصّة التكريم البارحة… اجابني بالايجاب بل وشكرني على كلّ ما قلته في تلك السهرة… سالته باستعباط هل صدر منّي كلام او تعليق في غير محلّه لايّ كان؟.. اجابني: (ابدا ابدا، يخخي انت جديد عليّ نعرفك معلّم) … كنت جالسا فنهضت واقفا امامه واضعا كفّي يديّ على طاولة مكتبه وكأنّي تحوّلت من لاعب وسط ميدان الى مهاجم صريح وقلت له: (انا طول عمري كنت راجل معاك رغم كل الاختلافات والخلافات… ولم اقل في ظهرك كلمة سوء لكن وللاسف الذي حدث امس بينك وبين زميلتيّ في اذاعة الشباب ونُصحك اياهما بتغييري كضيف لهما اكّد بالدليل القاطع انّو بقدر ما انا كنت راجل معاك انت ما كنتش…..)

نعم هي كلمة وقحة ولكنّي قلتها لانّو فاض كاس الصبر… اندهش مديري منّي وانا اتلفّظ لاوّل مرّة بكلمة لا تليق به وقال لي: انت غلطت في حقّي راك.. قلت له: اعرف ذلك وانا جئت اليوم لاثبت لك اني ساعلن الحرب عليك ..ودون هوادة .. وصحّة ليك كان ربحتها وخرجتني قبل التقاعد مثلما قلت ذلك مرات عديدة، اما صحّة ليّ انا زادة كان خرجتك قبل التقاعد… وباش تعرف رجوليتي معاك ثمشي واحد يعلن الحرب على الاخر ويجي ويعلمو بيها ..؟؟ اذن اعتبرني من اليوم عدوّا لك ولكن ثق انّ الحرب بقدر ما ستكون شرسة بقدر ما ستكون من جانبي شريفة بمعنى ـ وربّي شاهد عليّ ـ لن الفّق لك ايّة تهمة لكن سافضح كلّ اعمالك)…

ولم انتظر اجابة منه… غادرت مكتبه وعزمت على التنفيذ… اتّصلت بالعديد من الزملاء الذين تضرروا من تصرفات مديري وسالتهم هل هم مستعدون للادلاء بشهادتهم كتابيا؟؟.. ولبّى العديد منهم طلبي… دون نسياني كتابة تقرير ل بكلّ ما حدث منذ قدومه على رأس اذاعة صفاقس… وللشفافية، كان هنالك ايضا تقرير على غاية من الاهمية وفي ثلاث ورقات كتبته احدى سكريتيراته وبتفاصيل مرعبة بعد ان ذاقت منه الويل… واعتقد انّ ذلك التقرير لعب دورا هاما في قرار اصحاب القرار…

اذن اصبح عندي ملفّ جاهز يحتوي على 30 ورقة ولم افكّر بتاتا في ارساله لا الى رئيس المؤسسة ولا الى ايّ كان… كان هدفي ان ارسله رأسا الى رئيس الدولة دون المرور عبر الرجل النافذ في الاعلام انذاك السيّد عبدالوهاب عبدالله الذي اعلم انه يكنّ لمديري ودّا خاصّا… وهذا يعني اذا يطيح بيه يبعثو لمؤانسة اهل الكهف (وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد)… وكم هو عدد الكلاب في حاشية الحكّام… لكن كيف يمكن لي ارسال الملفّ على الفاكس الشخصي للرئيس بن علي؟ ووجدت الحلّ (عليّ وعلى هاكة الناقوبة)… الناقوبة هي كنية لزميل يعمل في الصحافة المكتوبة وماشاء الله عليه في اجندا العلاقات… نعم مع الولاة مع الوزراء مع عدد لا يُحصى… تذكّرت وانا ابحث عمن يوصلني الى الفاكس الشخصي لرئيس الدولة…

تذكرت ذلك الناقوبة وتذكرت خاصة يوم زفافه… كنت يومها ممن حضروا حفل زفافه، خاصة انّ علاقتي به كانت من نوع علاقة الاستاذ بتلميذه… اذ هو ومنذ كان طالبا كان من مستمعيّ وعندما بدأ يخربش اولى محاولاته في الكتابة الصحفية مددت له يدي وشجعته … ولكن في اجندا العلاقات تفوّق الناقوبة التلميذ على استاذه… وللامانة حمدت الله على انّ اجندة العلاقات في حياتي سواء العامة او المهنية خلت من مثل اولئك الكبارات، هكذا يسمّونهم… ولكن وحسب ما عشته، قليل منهم من يستحق لقب الكبير…

يوم زفاف ذلك الناقوبة اشار اليّ من بعيد وهو بجانب عروسه كي اتوجّه اليه… توجهت لمنصة العروسين واقتربت منه فهمس في اذني (ماشي نوريك ورقة اقراها ورجعهالي) .. ومدّ اليّ تلغراف تهنئة لزفافه وبامضاء من؟… بامضاء زين العابدين بن علي… رئيس الجمهورية… الم اقل لكم انه باش ناقوبة ..؟؟ اذن عليّ به ليصل الملفّ الى الفاكس الشخصي للرئيس بن علي… بسطت له الفكرة وبكلّ برودة دم ووثوق اجابني: هات الملفّ وغدوة يوصل للرئيس وفي فاكسه الشخصي…

كان ذلك وسط شهر جوان ..ولم يمض يومان حتى هاتفني المرحوم كمال عمران المدير العام للقنوات الاذاعية ليقول لي: (يا سي عبدالكريم الملفّ الذي ارسلته للرئيس بن علي احاله لي شخصيا وكلفني بالقيام بابحاث مدققة مع جميع الاطراف وانت واحد منهم… ما يعزش بيك هذا امر رئاسي وعليّ تنفيذه)… اجبت على الفور: (وعلاش يعزّ بيّ؟.. ونزيد نقلك اكثر ما نسامحكش قدام ربّي اذا تقول فيّ كلمة سمحة ما نستاهلهاش)… وانتهت المكالمة وقام السيد كمال عمران رحمه الله بدوره كما ينبغي مع الجميع وللامانة ليست لي ايّة فكرة عن تقرير السيّد كمال عمران الذي ارسله للرئيس بن علي…

وما ان حلّ الاسبوع الاوّل من شهر جويلية حتى صدر القرار…ق رار رئيس الدولة باقالة السيّد عبدالقادر عقير من مهامه على راس اذاعة صفاقس وتعيين السيد رمضان العليمي خلفا له… يوم صدور القرار ذهبت الى مكتب سي عبدالقادر واقسم بالله دون شعور واحد بالمائة من خبث الشماتة… استقبلتني سكرتيرته زميلتي فاطمة العلوي ورجوتها ان تعلن للسيد عبدالقادر عن قدومي لمقابلته… خرج اليّ مديري الى مكتب السكرتيرة… سلّم عليّ ولم اتركه للضياع وقلت له : (انا ما اتيتك شامتا ولكن اتيتك لاقول لك انّ قرار اقالتك انا عملت عليه وانا الذي ارسلت الى الرئيس ملفا كاملا حول تصرفاتك ويشهد الله اني لم افترِ عليك بتاتا… الآن جئت لاودّعك ولأتمنى لك الصحة ولاقول لك انا مسامحك دنيا وآخرة…

عانقني سي عبدالقادر والدموع في عينيه وقال لي: (انت هو الراجل وانا هو اللي ما كنتش راجل معاك وربي يهلك اصحاب الشرّ)… غادرت المكان وتلك كانت الحلقة الاخيرة مع السيد عبدالقادر عقير رحمه الله وغفر له… سامح الله ايضا الشلّة التي عبثت بالمدير وبمصلحة اذاعة صفاقس وبالعديد من الزملاء… وهذه الفئة ذكرها الله في القرآن بقوله عنها (الملأ) ووُجدت في كل الانظمة عبر التاريخ وستوجد حتى يوم البعث… انها شلّة الهمّازين واللمازين والحاقدين والاشرار وخاصة ذوي القدرات المحدودة فيعوّضون عن ضعفهم وسذاجة تفكيرهم بنصب الفخاخ للاخرين وبكلّ انواع الفخاخ…

انهم احفاد قابيل…

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة

جور نار

ورقات يتيم… الورقة 112

نشرت

في

عبد الكريم قطاطة:

في علاقتي بالاشخاص عموما كنت ومازلت اعطي اهمّية قصوى لنظرة العيون… لا ادّعي فراسة كبيرة في ذلك لكن ربما هو بعض مما جاء في اغنية الكبير محمد عبدالوهاب (حكيم عيون افهم في العين وافهم كمان في رموش العين)… طبعا مع بعض الاحتراز على كلمة حكيم…

عبد الكريم قطاطة

فقط نظرة العيون في مراحل عديدة من حياتي وفي علاقاتي كانت النافذة الاولى للتعرّف احساسا على ما تحمله تلك العيون من صدق او نفاق او من مواقف باهتة لا روح فيها… يوم التقيت مع زميلي وصديقي الصادق بوعبان ونظرت الى عينيه احسست بامرين… الاول انّ الصادق كان صادقا في إقدامه على محاولة الصلح بيني وبين مديري… والامر الثاني وهذا ما حدث بعد ذلك في اللقاء، انه اراد ان يكون محتوى لقائنا بعيدا عن التصعيد منّا نحن الاثنين… وقبل ان نجتمع رجاني (بالكشخي) قائلا: خويا عبدالكريم رجاء ما تصعّدش، وساقول نفس الشيء لسي عبدالقادر … اجبته: داكوردو اما بشرط انّو سي عبدالقادر يتحدّث عنّي باحترام ولا يفتري عليّ… طمأنني سي الصادق وذهب لمقابلة مديري في مكتبه قبل اللقاء الثلاثي…

بعد ربع ساعة تقريبا هاتفتني كاتبته في تلك الفترة (الزميلة فاطمة العلوي) بالقول: سي عبدالقادر يحبّ عليك في بيروه… فاطمة هي السكرتيرة الرابعة للمدير بعد ان قام بطرد ثلاث قبلها… وميزة فاطمة انها كانت تعمل مع رئيسها بكلّ انضباط واخلاص… وانا احترم هذه النوعية من السكرتيرات، وللامانة كذلك كانت سكرتيرتي وزميلتي سامية عروس بمصلحة البرمجة وزميلتي وسكرتيرتي نعيمة المخلوفي رحمها الله بمصلحة الانتاج التلفزي، كانتا في منتهى الوفاء والاخلاص لي رغم كلّ الاغراءات التي سلّطت عليهما ليكونا (صبابّة) لاعوان المدير …

دخلت مكتب المدير، صافحته بادب واحترام وبدا زميلي الصادق بخطابه متوجها لنا الاثنين… خطابه كان منذ البداية واضح المعالم ومبنيّا على عنصرين مفصليّين اولهما الاشادة بمحاسن كل واحد فينا وحاجة اذاعة صفاقس لكلينا… والعنصر الثاني تحاشي الجدال في كلّ ما وقع بيننا اذ لا طائل من ورائه… وكانت اخر كلماته وهو يتوجه لنا هل انتما مستعدان لطيّ ملفّ الماضي وفتح صفحة جديدة من اجل مصلحة الاذاعة لا غير؟.. وطلب مباشرة موقف مديري من رجائه كوسيط بيننا… سي عبدالقادر ودون تردّد كانت اجابته كالتالي: والقرآن الشريف ومنذ هذه اللحظة انا طويت صفحة الماضي وفتحت صفحة جديدة مع سي عبدالكريم… استبشر خويا الصادق بهذا الامر وقال لي: اشنوة رايك خويا عبدالكريم؟ صمتُّ للحظات وقلت: ارجو ذلك ان شاء الله…

لماذا كان ردّي مختصرا للغاية وفيه نوعا ما من الشكّ في ما قاله مديري ؟ اجيبكم… هل تتذكّرون ما قلته لكم في بداية الورقة حول نظرة العيون ؟؟ نعم كنت طوال الجلسة الثلاثية انظر واتفحّص جدا عينيْ مديري… نعم انّ بعض الظنّ اثم … ولكنّ نظراته لم تكن مُريحة وهو اقلّ ما يُقال عنها… تصافحنا جميعا وتمنّى لنا زميلي الصادق بوعبان تكليل محاولته الصلحية بالنجاح… وغادرت معه مكتب المدير وما ان ابتعدنا عن مكتبه حتى قال لي الصادق: علاش نحسّ بيك شاكك في نوايا سي عبدالقادر ؟ قلت له حدسي لم يرتح له وارجو ان يكون حدسي كاذبا…

ودّعت الصادق وذهبت الى مكتبي بوحدة الانتاج التلفزي… لم البث اكثر من ربع ساعة حتى اعلمتني سكرتيرتي نعيمة رحمها الله انّ منشطتين من اذاعة الشباب جاءتا لمقابلتي… استقبلتهما بكلّ حفاوة ويا للمفاجأة… اتضح أنهما مستمعتان ومراسلتان لعبدالكريم في برامجه منذ اكثر من 15 سنة… واليوم اصبحتا زميلتين في اذاعة الشباب… عبرت لهما عن سعادتي وفخري بهما وطفقتا تطنبان في فضلي عليهما حتى في اختيارهما لمعهد الصحافة وعلوم الاخبار بعد الباكالوريا تاثّرا بي وبرسالتي الاعلامية… وبلّغتاني تحيات بعض اساتذتهما لي وتقديرهم لمسيرتي المهنية (عبدالقادر رحيم، منصف العياري ، رشيد القرقوري، الصادق الحمامي…) وبعد يجي واحد مڨربع مللي قال فيهم المتنبي وهو يهجو ذلك الكافور المخصي (وقدره وهو بالفلسين مردود) ويقلك اشكونو هو عبدالكريم واش يحسايب روحو ؟؟ اي نعم هذا ما تبوّع به البعض عنّي… واقسم بالله اقول مثل هذا الكلام واخجل منكم جميعا لانّي لا احبّ والله ايضا لا يحبّ كلّ مختال فخور…

انا لم ادّع يوما انّي فارس زمانه الذي لا يُشقّ له غبار… لكن على الاقلّ اجتهدت وعملت ليلا نهارا وتعبت وكان ذلك في فترات طويلة على حساب زوجتي وعائلتي وارجو منهما ان يغفرا لي… وما قمت به في اذاعة صفاقس كان واجبي ولا انتظر عليه لا جزاء ولا شكورا… اما توجع وقت تجيك من انسان مديتلو اليد واحطت بيه ووقفت معاه وعلى مستويات عديدة وهو اصلا لم يصل الى مرتبة خُمُس منشط او هي لم تصل ثُمُن منشّطة، ويتجرّا يقول تي اشكونو هو عبدالكريم واعيد القول انا اوثّق للتاريخ لكن انا مسامحهم دنيا واخرة …

اعود للزميلتين من اذاعة الشباب طلبتُ منهما كيف استطيع خدمتكما في ما جئتما من اجله… ابتسمتا وقالتا جئنا من اجلك يا استاذنا… ولغة اعيُنهما كشفت لي عن حديث او احاديث لهما رايتها بقلبي قادمة في الطريق… ولم تخذلني مرة اخرى لغة العيون اذ عبّرتا عن سعادتهما بانّ ادارة اذاعة الشباب وافقت على سهرة خاصة من استوديوهات اذاعة صفاقس يقع فيها تكريم الاعلامي عبدالكريم قطاطة وموعد السهرة هو الليلة من العاشرة ليلا الى منتصف الليل… شكرت لهما حركتهما النبيلة معبّرا عن سعادتي وشرفي بنزولي ضيفا على مستمعتيّ… زميلتاي شكرتاني على كلّ شيء واستأذنتا الذهاب لمديري لشكره على منحهما استوديو وفنّيا لاتمام المهمة وودّعتاني على امل اللقاء في الموعد في الاستوديو… اي العاشرة ليلا لذلك اليوم …

الساعة انذاك كانت تشير الى منتصف النهار… كدت اغادر المكتب للعودة الى منزلي (واللي فيه طبّة عمرها ما تتخبّى، وين المشكل مادامني معروف عند مديري بعدم الانضباط في القدوم الى الاذاعة و في مغادرتها ؟؟ خاصة ونحن اليوم ومنذ سويعة ونصف بدأنا صفحة جديدة في علاقتنا… وبالقرآن الشريف زادة… لكن كان هنالك حبل سرّي خفيّ شدّني الى مقعدي في مكتبي… احسست بنوع من الانقباض لم ادر مأتاه… استعذت من الشيطان دون ان اغادر مكتبي… وماهي الا عشر دقائق حتى عادتا اليّ زميلتا اذاعة الشباب وعيونهما توحيان بامر ما قد حدث… كانتا واجمتين وصمتهما كان ثقيلا ايضا ولكنّه كان يحمل اشياء وسترون كم هي ثقيلة ايضا…

تقدّمت احداهما وهي ماسكة شجاعتها بيديها كما يقول المثل الفرنسي وسالتني… يخخي ما زلت متعارك مع سي عبدالقادر عقير مديرك ؟؟ قلت بهدوء وبكثير من الرصانة: لا في بالي توضحت الامور منذ هذا الصباح وطوينا صفحة الماضي ..وسالتهما: يخخي صارت حاجة بينكم وبينو توة وقت شفتوه ؟؟ نتبادلتا النظر وكأنّ كلّ واحدة تقول للاخرى (ايّا قللو اشنوة اللي وقع.. تي اتكلّم يا سخطة انا والله لتو لفهمت شيء)…تكلمت احداهما وقالت (شوف يا سي عبدالكريم انت عزيز علينا ومكانتك ما ياخذهاش لا سي عبدالقادر ولا غيرو… احنا طول عمرنا يستحيل ننساو فضلك علينا ولهذا نحكيلك شنوة اللي وقع بالضبط مع سي عبدالقادر… هو استقبلنا بكل حفاوة وترحاب وعندما اعلمناه بما نحن عازمتان عليه لتكريمك تغيّرت ملامح وجهه وسالنا يخخي لازم ضيفكم يكون سي عبدالكريم ؟ انا مستعد نوفرلكم اي منشط او منشطة عوضا عنه وانا راهو نحكي في مصلحتكم ومصلحة برنامجكم… انتوما تعرفو سي عبدالكريم من عيوبو انو سليط اللسان واشكون يعرف يقولشي حاجة او بوحاجة.. ويخليكم في ورطة… انا نعاود نقوللكم راني حريص انو برنامجكم يتعدّى من غير مشاكل…. فردّت عليه احداهما: احنا راهو جايين خصوصي لبرنامج الهدف منو تكريم استاذنا الاعلامي الكبير سي عبدالكريم اللي علّمنا فيما علّمنا تحمّل مسؤولية افعالنا وقراراتنا…

انذاك وحسب ما اضافته الزميلتان احسّ السيّد عبدالقادر عقير بخطورة ما قاله وكاّنه يقول اش عملت اش عملت… وفي رواية اخرى جمرة وطاحت في الماء، ولسان حاله يتساءل زعمة جيت نطبّها عميتها؟؟… ورجانا (تواصل الزميلة الشابة) ان لا نذكر لك ما حدث… تذكرتوها هاكي الخاتمة متاعو في لقائنا الصباحي وفي نفس يوم قدوم زميلتيّ من اذاعة الشباب مع الزميل الصادق بوعبان (والقرآن الشريف صفحة جديدة بداية من اليوم مع سي عبدالكريم)؟؟؟… ربي يسامحك ويغفرلك خويا عبدالقادر …

ومع مطلع جانفي 2025 اي غدا* ستكون الحلقة الاخيرة في الورقة 113 من حكاياتي مع مديري سي عبدالقادر . رحمه الله وغفر له كلّ شيء… و كتهنئة بحلول سنة 2025 ادعو للجميع بهذه الدعوة (الامن والامان لتونس العزيزة لفلسطين المحتلة وهي في قلب محنتها مع اعدائها من الداخل والخارج … لكلّ الشعوب الشقيقة والصديقة ولكلّ انسان لم يمُت في داخله الانسان ..الله لا يحرمكم من السلام الروحي في هذه السنة الجديدة… صدقوني انها من اعظم نعم الله)…

ـ يتبع ـ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*المقال منشور لأول مرة في 31 ديسمبر 2024

أكمل القراءة

جور نار

ورقات يتيم… الورقة 111

نشرت

في

عبد الكريم قطاطة:

في مارس 2003 وكما ذكرت في الورقات السابقة انغمست انغماسا كلّيا في التعرّف على ديني… وبعد اشهر فهمت قول خالقي (وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُون)…

عبد الكريم قطاطة

نعم فهمت انّ خالقي اراد ان يعوّضني في تلك الفترة عن ما عشته من تجاذبات ومشاكل لا حصر لها مع مديري انذاك سامحه الله وغفر له… ورغم انّي غادرت مصلحة البرمجة كرئيس لها وغادرت قبلها المصدح رغم عشقي الكبير له ووقعت تسميتي على رأس مصلحة الانتاج التلفزي، لكنّ كلّ ذلك حزّ في نفسي وبكلّ ألم… الاذاعة والمصدح كانا بالنسبة لي عشقا لا يوصف… لكنّ الله اجابني وانا اطّلع على قرآنه العظيم بالقول (وعسى ان تكرهوا شيئا وهو خير لكم) اذ انّ نقلتي مكنتني اوّلا من الاقتراب من خالقي ومكنتني كما ذكرت من سلام روحيّ داخلي عوّض عليّ كلّ ما اعتبرته خسارات…

وبقيت منذ مارس 2003 حتى يوم 23 اكتوبر من نفس السنة في قطيعة تكاد تكون كلّيا مع مديري… هو على حالو وانا على حالي لا واحد يجي على ساحة لوخر… يوم 23 اكتوبر 2003 مدّتني سكرتيرتي بظرف يحمل شيئا من مديري… فتحته فوجدت فيه السيد عبدالقادر عقير يستجوبني عن الاسباب التي جعلت من وحدة الانتاج التلفزي لا تنتج… في البداية اعتبرت انّ تساؤله مشروع جدا واجبت مفسّرا ذلك يثلاثة اسباب… السبب الاول انّ الوحدة لا تملك ضمن العاملين بها فريق اخراج اي على الاقلّ مخرجا وكاتبة مخرج… والانتاج طبعا يتطلب حتمية وجود هذين الاختصاصين… السبب الثاني انّ وحدة الانتاح غير مدرجة ماليا في ميزانية اذاعة صفاقس فكيف يمكن لها ان تؤمّن حتى الحدّ الادنى من نفقات الانتاج؟… والسبب الثالث انّي توجهت الى رئاسة المؤسسة بتقرير كامل عن وضعية وحدة الانتاج منذ الاسبوع الاول من مباشرة مهامي على رئاسة مصلحة الانتاج بها، لكن لا حياة لمن تنادي… و لتلك الاسباب اقتصرت اعمال الوحدة على بعض الريبورتاجات الاخبارية او نقل بعض المباريات الرياضية…

وتصورت انّي بردّي هذا اغلقت الملفّ… لكن ما ان حلّت سنة 2004 وبالتحديد في 3 فيفري حتّى مدّني الزميل الشاذلي الغريبي رئيس مصلحة الشؤون الادارية والمالية بنسخة من مراسلة ادارية وصلته من السيّد المدير مضمونها الآتي حرفيّا: من مدير اذاعة صفاقس الى رئيس مصلحة الشؤون الادارية والمالية …الموضوع حول مواظبة مسؤول… أما نصّ المراسلة فيقول: (وبعد… فانّ بعض المسؤولين يعمدون الى عدم احترام التوقيت الاداري، من ذلك انّ السيّد عبدالكريم قطاطة رئيس مصلحة الانتاج التلفزي يعمد الى الالتحاق بعمله متاخّرا ومغادرته له مبكّرا… ادعوكم الى وضع مواظبته تحت المراقبة وموافاتي اسبوعيا بتقرير مفصّل في الغرض وخصم ما يجب خصمه من رصيده في الاجازات السنوية والسلام)…

اشنوة معناها؟ تقولشي مجرم خطير يجب ان يوضع في غوانتنامو وتحت حراسة مشدّدة زادة… تتذكروا اني في ورقة ما، قلتلكم علاقتو بيّ منذ خلافنا معا يمكن تلخيصها في (قاتلك قاتلك) ؟؟.. هاكي هي … اذن هذا يعني انّ المدة الماضية كانت استراحة محارب فقط… بل والانكى انّ احد الزملاء اسرّ لي بانه توعّدني بالقول (والله اللي ما نخرّجو من الاذاعة قبل التقاعد)… للامانة وقتها لم اردّ الفعل بتاتا الم اقل لكم انّ الايمان العميق يمنحنا السلام الروحي؟… بل عندما اسرّ لي احد الزملاء بقسمه ذاك ضحكت وقلت له بالحرف الواحد: الله وحده هو من يُحيي ويُميت… وقررت وابتعادا عن مزيد من المشاحنات وتعكير الاجواء ان اتقدّم برخصة مرض لمدّة شهر علّني اُريح واستريح… وكان ذلك…

نعم لم اكن مريضا ولكن تعاطف الطبيب الذي هو يوما ما، كان احد مستمعيّ وواكب مسيرتي بهضابها وسهولها، لم يتأخّر لحظة واحدة في مدّي بتلك الرخصة المرضية لمدة شهر كامل… بل وابى بشكل بات ان يأخذ منّي ايّ ملّيم مقابل كشفه… وسلّمت الشهادة الطبية للمصلحة المالية والادارية تجنبا للقاء مديري في تلك الظروف… ولبثت في منزلي لا اغادره الا لشرب قهوة سريعة والعودة اليه… وفي اليوم الثالث من اعتكافي فوجئت بجرس المنزل يدقّ… خرجت لاستطلاع الامر فاذا به رجل محترم يقدّم لي شخصه كطبيب مرسل من ادارة اذاعة صفاقس للقيام بما يسمّى الفحص المضادّ حتى يقوم بعده بكتابة تقريره الطبي لادارة اذاعتي… ضحكت بكلّ هدوء وقلت له تفضّل وقم بعملك… كان صوتي الداخلي يقول (اكتب يا حسين انا متيقن من النتيجة)…

وتوجهت ادارة اذاعة صفاقس بمراسلة لرئاسة المؤسسة مرفوقة بتقرير الفحص المضادّ وكانت النتيجة ان رفضت المؤسسة رخصة مرضي وإن منحتني الحقّ في 13 يوما خُصمت مما تبقى لي من عطلتي السنوية وكذلك خصمت 17 يوما من مرتّبي الشهري… قبلت القرار بصدر رحب وقلت في نفسي وعسى ان تكرهوا شيئا وهو خير ولكم… والحمد لله بفضل صبر عائلتي وتآلف البعض من اهلي واصدقائي لم ابت وعائلتي ليلة واحدة وفي كلّ ازماتي مع مديري الاذاعة، دون عشاء… وصبرت على كلّ المحن… لكنّ مديري رحمه الله وغفر له واصل سلوكه معي ودائما من صنف قاتلك قاتلك… ومما زاد ألمي وحزني انه وعندما انتقلت عيادة الى جوار ربها يوم 30 مارس 2004 هو لم يكتف فقط بعدم زيارته لي لتقديم التعازي بل كلّف البعض بتسجيل اسماء كل من يحضر موكب العزاء… هم كانوا في نظره خونة له وانصارا لعبدالكريم …

ولعيّادة طبعا حضور مؤكّد في ورقتي القادمة… ايماني العميق بالله وبقضائه واقداره وبكل امانة كانت رافدا لصبري في فقدان عيادة رحمها الله… ولكن ألمي بعد فقدانها اوعز لديّ رغبة شديدة في اطلاع رئيس المؤسسة على كلّ ما عانيته… فكان ان قررت ارسال مكتوب لرئيسها انذاك اعلمه فيه بكلّ ما حدث مع مديري منذ توليه ادارة اذاعة صفاقس بحلوها ومرّها… والله يشهد على انّي لم اكذب عليه اطلاقا… واكّدت له انّي رئيس مصلحة الانتاج التلفزي على الورق فقط… وأن كلّ مكاتيب المدير لوحدة الانتاج التلفزي لا تصلني البتّة بل كان يرسلها لرئيس المصلحة التقنية… الاعداد التي يضعها رئيس المصلحة للمنضوين تحت مسؤولياته سواء المتعلقة بمنحة الانتاج او بالاعداد المهنية لم اعد مكلّفا بها… بل الادهى انّ اعدادي المهنية ومنذ كنت اشتغل في المؤسسة الأم في بداية السبعينات ورئيسي المباشر سي ابراهيم الغضاب اطال الله عمره شاهد على ما ساقول… اعدادي لم تنزل يوما عن 100 بالـ 100 .. لكن الآن ومنذ تعكّرت علاقتي بمديري سي عقير، اصبحت اعدادي المهنية من هواة الهبوط ودون باراشوت… الى ان وصلت الى 80 بالـ 100…

المكتوب كان طويلا ومطوّلا ولكن اردت من خلاله ان اقول لرئيس المؤسسة مادمت لا اقوم بايّ عمل في مصلحة الانتاج التلفزي فما الفائدة من وجودي هناك؟ اليس الاجدى تعيين زميل في مكاني حتى تستفيد الوحدة منه؟ واقسم بالله اني كنت صادقا في ذلك… للامانة ليست لي ايّة فكرة عن كيفية تعامل الرئيس المدير العام مع مراسلتي تلك… ولكن فوجئت يوما بالزميل والصديق صادق بوعبان يكلمني هاتفيا ويطلب منّي ان اقبل رجاءه والمتمثل في تدخله بيني وبين مديري كواسطة خير لرأب ما تصدّع… وقال انه مستعدّ للمجيء إلى صفاقس للقيام بهذه المحاولة شريطة ان يتلقّى موافقتي… الزميل الصادق بوعبان عرفته منذ عملنا معا في جريدة الأيام وعرفته كمنشط في اذاعة المنستير وعرفته عندما اشتغل بالمؤسسة الأم مديرا لقناة 21 ثم للتلفزة الوطنية الاولى… ليس بيننا سوى الودّ والاحترام وبيننا ايضا تقاطعات في عديد الافكار والمواقف…

ضحكت ضحكة مختصرة وصمتّ قليلا… فاردف خويا الصادق بالقول: (انا نعرفك ونفهمك اما اشنوة خاسرين كيف نعملو محاولة صلح؟ انت صديقي وسي عبدالقادر صديقي وانا نحبّ نصلّح بيناتكم)… قلت له (خويا الصادق رغم اني مانيش متفائل برشة بالنتيجة متاع القعدة، اما مرحبا بك طلبك غالي)… واتفقنا على اليوم والتوقيت… وجاء ذلك اليوم وشرفني زميلي الصادق بزيارته وكان اللقاء الثلاثي… نعم تمّ ذلك اللقاء ولكن ما تمّ بعده وفي نفس اليوم غيّر مجرى الاحداث تماما ..

يااااااه على اقدار الله ..نعم، قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا (سورة التوبة آية 51) …. لا تقلقوا كثيرا غدا باذن الله تتواصل الحكاية في الورقة 112… قولوا عاد ما نحبكمش ترا…

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة

صن نار