السؤال الذي قد يطرح نفسه…أو قد يطرحه كبار المتابعين للشأن التونسي من تونس وخارجها: هل انتهت منظومة 25 جويلية 2021؟ أم هل أجهضت نفسها دون أن تدري؟ أم هل انكشف أمرها؟ أم هل أجهضها من هم حول صانعها بما يقترحونه عليه وما ينصحون؟ أم هل اصطدم صانعها بواقع لم يكن يعرفه ولا يفقه معانيه، ولا يدرك كيف الخروج منه؟ فالشعب انتظر طويلا ما سيأتي به من وعدهم بدولة عادلة قوية ودولة لا فساد فيها ولا ظلم …دولة حقوق الانسان…ودولة يطيب العيش فيها…دولة لا يضطر بعض أهلها إلى مغادرتها هربا من حاكمها…دولة لا يختار شبابها الموت غرقا على الموت جوعا وقهرا فيها…
محمد الأطرش
هل أنجز حرّ ما وعد…جميعنا نعلم أن ساكن قرطاج رجل نظيف اليد…لم يتورّط سابقا ولا أظنّه لو ابتعد عنه بعض الناصحين سيتورّط لاحقا في ما يسيء إلى ما نعرفه عنه من حسن سيرة ونظافة يد… كما لا أظنّه سينساق وراء ما يمكن أن يخرجه من عقول هذا الشعب…لكن هل كل ذلك يكفي لحكم دولة والخروج بها مما هي فيه من وحل أوصلها إلى حافة الجوع والإفلاس والعطش…؟ علينا ألا نحلم كثيرا…كما علينا أن لا نسيئ الظنّ بجميع من حكموا قبلنا، فحكم بلاد تعاني العراقيل وقطاع الطرق والمطبات ليس بالأمر السهل والهيّن، كما يتصوره البعض…فلا يمكن الجزم اليوم بأن كل من حكموا هم سبب ما تعيشه البلاد، علينا أيضا أن نعيد التشخيص فهناك العديد من الأطراف الأخرى التي كانت لها اليد الطولى والعليا في الخراب الذي تعيشه البلاد منذ 2011…وهؤلاء يحاولون اليوم الحفاظ على مواقعهم كشركاء يفعلون ما يريدون ومتى يريدون بالدولة وبمؤسساتها…ويتمتعون بمرتبة “الشريك” الواحد الأحد…شعارهم في كل ما يفعلونه “شدّ مد يا حمد”…
لا أحد كان على يقين من أن ما أتاه ساكن قرطاج أو صانع التغيير الثاني بعد تغيير الرئيس الوطني الأسبق بن علي رحمه الله، سيحالفه النجاح غير من أتاه…فساكن قرطاج هو الوحيد وبعض البعض من أتباعه كانوا وربما لا يزالون على ايمان بأن النجاح سيكون حليفهم….ولأني على يقين أنهم على خطأ كبير…سأقول إن هؤلاء لم يعيشوا عمق الدولة ولم يجوبوا ثنايا مؤسساتها…ولم يعرفوا يوما مشكلاتها وخفاياها….فالدولة من خارج أسوارها غير مَن خَبرَ ما في أحشائها….فساكن قرطاج وأتباعه وقعوا في نفس الورطة التي تورطت فيها منظومة الترويكا قبل عشر سنوات مضت، فالترويكا استهانت بأمر الحكم وعاشت وتفاخرت بوهم الإصلاح والنجاح، وتحقيق المعجزات ببدائل وهمية رفعتها حين كانت تعارض منظومة بن علي رحمه الله… وكانت تجزم وتمشي الخيلاء في كل ما تعلنه للناس وللشركاء، أنها ستنجح في الخروج بالبلاد إلى أفق أرحب يتعايش فيه ومعه الجميع، لكنها اصطدمت بواقع مغاير عمّا كانت تتصوره…فالحكم ليس شعارات ترفع وبرامج تكتب على عجل، وليس أقوال بعض المنظرين الذي ماتوا وماتت معهم ايديولوجياتهم…الحكم حقيقة يجهلها من لم يتعثّر كثيرا في مسالكها الوعرة والملغومة…الحكم علاقات خارجية….وثقة منظمات ودول مانحة…وشبكة علاقات دولية متينة…وانفتاح على كل المقترحات والحلول سواء كانت داخلية أو خارجية…الحكم هو كيف توفر الغذاء لأكثر من عشرة ملايين نسمة …والحكم هو كيف تحافظ وتضمن التعايش بين كل مكونات المجتمع والمشهد السياسي بلين كثير…وشدّة أحيانا… وبتنازلات موجعة …وأخرى كبيرة …وأخرى تحت الطاولة لا أحد يعلم بها….وبتوافقات خارجية وداخلية تضمن بها سيرا عاديا لشؤون الحكم والدولة…فالحكم ليس تعنتا إذن…وليس تمسكا برأي خاطئ ومخالف للجميع…والحكم ليس حلما تعيشه ليلا نهارا…وبعض الاسطر من كتب الفلاسفة…والحكم ليس تعاليا على الجميع وكأنك وحيد زمانك والأقدر على معرفة خبايا الأمور…فليس من السهل أن تجعل من بلاد شعبها لم يخرج من بعض الجهل والفقر والخصاصة ومهدّد بالجوع والعطش كل يوم، مدينة فاضلة…
كما أن الحكم وهذا الأهمّ هو كيف يحبك كل الشعب….وكل مكونات المشهد السياسي…وأن تكون من يُجمع عليه كل الناس حتى من كانوا خصومك…فالحكم ليس حقدا ولا رغبة جامحة في الانتقام من كل قديم، ومن كل من يخالفنا الراي ومن كل من نشتم عنهم رائحة لا تعجبنا…وهذا ما نعيشه بكل تفاصيله الكبيرة والصغيرة….فنحن اليوم نعيش مرحلة يغلب على “دستورها الخاص” الانتقام وتصفية الحسابات…والتخلّص بطريقة أو بأخرى من كل الخصوم، لقطع الطريق أمام عودتهم للحكم أو حتى للمشهد السياسي عموما…لغاية الانفراد بالحكم والتأسيس لمنظومة سياسية لم يألفها هذا الشعب سابقا …ولا أظنّه سيقبلها حتى وإن أرادها البعض…فالبعض ليس الكل…ولن يكون…
لنتحدث عن واقعنا وماذا ينتظرنا فعلا بعيدا عن الأوهام والأحلام…فلا شيء مما نستمع إليه ومنذ 25 جويلية سيتحقّق إن واصلنا على هذا النحو، وهذا ليس لأننا لا نريد أن يتحقّق، لكن لأنه لا قدرة لنا على تحقيقه، بالحصار الذي ضربناه على أنفسنا، وعزلتنا التي صنعناها بأيدينا…فعلاقاتنا توترت مع كل من كانوا عونا لنا…وعدد خصومنا تضاعف آلاف المرّات عمّا كان عليه…وتمسكنا بأحادية القرار أوقعنا في مشاكل لسنا في حاجة إليها في هذا الوقت…فنحن اليوم أغلقنا كل أبواب النجاح والخروج بالبلاد مما هي فيه…والأخطر هو أننا نصرّ على أننا على حقّ…والحقّ يقول غير ذلك…
لا…لسنا على حقّ…ولن نكسب شيئا بما نفعله اليوم مع كل من هم حولنا…فهذا الشعب ليس مستعدا بأن يفوّض شأن مصيره لأحد يصرّ على الحكم بمفرده …وليس مستعدا بأن يدخل في استفتاء حول مصيره ومصير أبنائه ومستقبل أجياله القادمة ويضعه بين يدي شخص واحد يفعل به ما يريد… وهذا الشعب لم ولن يصدّق ما يقال عن الشركات الأهلية التي كثر عنها الحديث أخيرا فهذه الشركات لن ترى النور، ولن تخرج البلاد مما هي فيه…فالأموال التي يقال إنها أموال الشعب وسيستردها ممن نهبها منه عبر هذه الشركات، هي في الأصل أموال رجال أعمال اقترضوها من البنوك للاستثمار وسيعيدونها للدولة حسب ما هو متعامل به في مثل تلك المعاملات البنكية والمالية…
بعد كل هذا هل يمكن القول بأن منظومة 25 جويلية تعيش آخر ايامها وأنها إلى زوال إن عاجلا أو آجلا…وقد تفشل وتذهب ريحها في قادم الاسابيع، فالامتحان الحقيقي قادم، وهذا الشعب أصبح يخشى على قوته مما يراه وما عاشه ويعيشه منذ إعلان التغيير الثاني من صانع التغيير الثاني …فالشعب لن يشبع بقرار تغيير يوم الاحتفال بثورته المزعومة ولن يهتمّ للأمر أصلا غير من قاموا بالأمر…ولن يعيش في بحبوحة من العيش يوم الإعلان عن حلّ مجلس الشعب…ولن ينتفخ مرتبه يوم التخلّص من كل أحزاب الخصوم…ولن يصبح سعيدا حين يُسجن أحدهم بشبهة الفساد…كما لن يفرح حين يقال أحد الولاة أو أحد المسؤولين القدامى دون ذنب ودون خطأ…فهذا الشعب أو لنقل الكثير منه خرج سعيدا يوم أعلن ساكن قرطاج عن حلّ حكومة المشيشي وكنت منهم، في حدود الفرح، لا الخروج صارخا، فشخصيا كنت أكبر الناقدين والمطالبين بإبعاد المشيشي، كما أن الكثير من هذا الشعب سعد كثيرا بتجميد نشاط مجلس النواب لكنه لم يخرج ليبايع ساكن قرطاج ملكا…وليجعله الحاكم الوحيد بأمره وأمر البلاد…ولا ليقول نعم على انتخابي على المقاس ونظام سياسي أقرب إلى الإمارة…
اليوم أصبح هذا الشعب في حيرة من أمره…بعد أن بان له الخيط الأبيض من الخيط الأسود…وعرف أن ما عاشه ليس أكثر من حلم ليلة ذهب مع فجر اليوم الموالي…فأوضاع البلاد زادت سوءا رغم ما يزعمه بعض الأتباع …والحصار أصبح أشدّ على مصالح هذه البلاد…والعزلة أصبحت ظاهرة للعيان …واقتصاد البلاد أصبح عاجزا عن تسديد معلوم حاجياتها…وجميع المؤشرات تشير إلى إمكانية تأزم الأوضاع إلى ما لا نهاية له…فهل هذا حقّا ما كان ينتظره الشعب حين خرج محتفيا بما أتاه ساكن قرطاج؟ فهل دغدغة مشاعر رفض النهضة والحقد على قياداتها وأتباعها ستصلح حال البلاد…وهل إرضاء الرافضين لمجلس نواب الشعب سيكفي الشعب غذاء الأشهر القادمة…وهل ضرب الأحزاب وتعطيل أعمالهم سيحدّ من نسب العجز والتداين الداخلي والخارجي…وهل تعليق العمل جزئيا بما جاء في الدستور سيرضي عنا المنظمات والدول المانحة…وهل إلقاء بعض الوجوه في السجن دون محاكمة نهائية ومؤيدات رسمية سينسي الناس همومهم…وهل …وهل…وهل…كلها أسئلة لن تجد من يجيب عنها…فزمن الشعب يريد ولى…فالشعب اليوم نعم…يعبد ما تعبدون…لكنه لا يريد ما تريدون…ولن يختار ما تختارون…ولن يقول نعم لما له عليه ستستفتون…فلا تسيئوا به الظنون…فهو يبحث فقط عن استقرار…وأمن…وعدل…وأبناء من البطالة يتخلصون…وكرامة وعدل…وقانون…ولا هم يَظلِمُون…ولا يُظلمُون…
عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…
احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…
بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…
المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.
ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة.
فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…
ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.
وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.
“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…
فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.
لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …
دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.
وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان منالضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.
إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.
غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.
واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.
فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.
و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.
لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها
والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.