تابعنا على

جور نار

ورقات يتيم … الورقة رقم 19

نشرت

في

وجاءت الرابعة آداب او كما يلقبها سي احمد الزغل مدير “معهد الحيّ” الرابعة عذاب، لانّنا اتعبنا العديد من الاساتذة والقيّمين … وربّما ما كان يشفع لنا انه بقدر عفرتتنا بقدر تميّزنا …

عبد الكريم قطاطة
عبد الكريم قطاطة

توجّهي الى شعبة الآداب كان اختيارا وامنية نعم بالنسبة لي… ولكنّه كان ايضا الامكانية الوحيدة، فانا كنت في تعلّمي “كرارطي” … عبارة كم اجدها جميلة ومعبرة اي نكركر والقسم على الله من الكرّيطة في المعدل العام تكركير … فمعدلاتي في المواد العلمية وخاصة الرياضيات لا تتجاوز الخمسة على عشرين .. ومعدلاتي في المواد (متاع التمحريث) التاريخ والجغرافيا والتربية الدينية والمدنية، فوق المتوسط بقليل ..اما في الفرنسية “ما قال حد لحد” منذ داودي مسيو دوميناتي عام السيزيام ..ماذا بقي ..؟؟ العربية وكنت متميزا فيها كذلك الانكليزية ومواد الترفيه …الرياضة والموسيقى … و حتى الرسم وكما تعرفون كنت “شلاكة” ومن النوع البلاستيكي … اذن اين المفر ..؟؟

شعبة الرياضيات امامكم وشعبة العلوم وراءكم وحتى شعبة ترشيح المعلمين اعتبرها نوعا من “المحقرانية” وانا الطموح الى هيمالايا في احلامي .. ثم جانب الولع بالادب والشعر والاغنية والمسرح والموسيقى والجنون والهبال لا مكان له خارج شعبة الاداب … كنّا نحن تلاميذ شعبة الاداب نسخر جدا من جماعة شعبة الرياضيات خاصة وننعت شعبتهم بـ “علوم البهائم” … وكنا نتفنن في التهكم على اختياراتهم ونكتب لهم معارضات شعرية من نوع “قل لمن يدّعي في المات فلسفة وجدت ايكسا وغابت عنك ايغراكو… { x y …المات هي الرياضيات } كنّا نعتبر انفسنا اسياد القوم دون منازع …البقية كانوا في جلّهم “محارث خدمة” بينما نحن الفن والوعي والجمال …وهذا يعني في سنّنا تلك وفي الحقيقة الهرج والمرج والعفرتة ..كنا اكثر التلاميذ شيطنة قرابة الاربعين تلميذا لا يمكن وصفهم الا _مقطّرين ……من …….الكلاب …(خاطيني ذلك هو ما يقال عنا)…

انذاك بمعهد الحي كان لكل شعبة قسم واحد يجمع تلاميذها اذن لا وجود لاداب واحد واداب 2 وكذلك بالنسبة للشعب الاخرى … وشعبة الاداب انذاك هي طليعة الشعب في عديد الانشطة المدرسية، وحتى في النشاطات غير المدرسية بتاتا … في بداية تلك السنة تغيّرت كثيرا نوعية الاساتذة ..ومنذ تلك السنة بدأنا نحن تلاميذ الاداب خاصة ندخل نقلة نوعية في فكرنا وسلوكنا ووعينا ..فعلاوة على اهمية المحاور التي ندرسها في كل المواد والتي ستعدّنا للسنة المقبلة لتجاوز الجزء الاول من البكالوريا… حيث كانت الباكالوريا في ذلك الزمن نمتحن فيها على جزأين جزء اول سنة خامسة والجزء الثاني سنة سادسة … علاوة على ذلك كنّا محظوظين جدّا جدا جدّا …. لا مقارنة بالشعب الاخرى في معهد الحيّ فقط بل مقارنة بكل المعاهد الاخرى بصفاقس وهي اربعة: الحي ّ الليسيه، هادي شاكر، التكنيك 9 افريل و”ليسيه دي جون في” معهد الفتيات المحاذي للبلدية الكبرى الان…

كنّا نتميّز بظاهرة كانت موجودة فقط في الحيّ: الاساتذة المسيّسين جدا، ومن فصائل مختلفة ..الدستوري وهل يخفى الخروع ؟؟ مع احترامي للشرفاء منهم ولكن اعني بالخروع “القوّادة” القذرون، لان القوّادة العاديين موجودون في كل الاحزاب منذ معركة الاحزاب …بل ووجودهم طبيعي ويجب ان يكون لانه لم يخلق لحد الان نظام دون شرطة رسمية وشرطة سريّة ..والقوّادة القذرون هم من يبيعوا الاب ..الام ..الاخ ..الشرف ..من اجل حفنة من المال او من الجاه …وهؤلاء ايضا موجودون وتزايد عددهم بعد نكسة 14 جانفي …

اعود لفصائل اساتذتنا انذاك حيث كان فيهم اليوسفيون ..القوميون ..الناصريون ..البعثيون ..جل اساتذة المواد الرئيسية (عربية تاريخ جفرافيا فلسفة في مرحلة لاحقة) هم خريجو دراسات جامعية بسوريا والعراق خاصة …لذلك كانوا ومنذ السنة الرابعة آداب يبثون فينا الوعي بواقعنا التونسي وبالواقع العربي عموما …وتخيلوا (كريّم واترابه) ينصتون الى هذه النغمات الجديدة في دراستنا وهم مزبهلّون بمعارف سياسية جديدة … تخيّلوا الان ونحن نلتقي في ساحة المدرسة وفي استراحة العاشرة صباحا او الرابعة ظهرا كيف ننظر الى رعاع القوم في الشعب الاخرى ..كان الواحد منا يلبس جلباب عبد الناصر (روح الامة العربية) كما تقول احدى الاغاني المصرية … فيتصدّر الحلقات وبالكاد يحفظ بعض المقولات للريّس وبعض المواقف ليبرز عضلاته …

منذ السنة الرابعة آداب بدأنا عملية التماهي مع كل من هو نجم في ميدانه ..ففي الفن مثلا كنت كثيرا ما اقف امام المرآة لاردد اغاني العندليب خاصة.. وفي المسرح كنت اتماهى مع حسين رياض رغم فارق السن بيننا… وفي العشق والغرام كنت اتماهى مع ابطال احسان عبدالقدوس خاصة ….فكنت اكتب قصصا وهمية لحكايات غرام لم اعشها ابدا ..وكنت اتفنن في تصوير كريّم العاشق الولهان، ولكن المعذّب دوما .. ولست ادري لماذا اقرن كل قصصي بالنهايات غير السعيدة على عكس الافلام المصرية … وحتى تلك الافلام المصرية لم تعد تقنعني ربما لاني اكتشفت سذاجتها وتشابه قصصها ..بداية حب ..صدّ من الحبيب ..ثم نهاية سعيدة …لذلك بدأت اتحوّل الى باحث عن الوان سينمائية اخرى …انذاك اكتشفت افلام القوة والبطولة الجسدية (هركيل وماسيست)…

هل هو تعويض للجانب الجسدي (اللي على قدّو) في عبدالكريم ؟؟ هل هو التماهي مع البطل الذي لا يهزم ؟؟ هل هو بحث عن اثراء العالم السمعي البصري ..؟؟؟ ربما هي تلك الاسباب مجتمعة مع بعضها البعض..وكنا انذاك نتفنن في تغيير اسماء الممثلين النجوم فنقول عن “ستيف ريفز” سطا فريفش… ونقول عن “ايدي كونستاتين” هادي قسمطيني… ونقول عن “جيوليانو جيمّا” جيلاني بوجمعة ….تقولون سخافات ..؟؟ ومن قال اننا لم نكن سخيفين ايضا …؟؟؟

في بداية السنة الرابعة آداب بدأت اولى مصائبي مع الاداب العربية ..كان انذاك مدرّسنا الاستاذ محسن الحبيّب في اول سنة له بمعهد الحيّ ..استاذ شاب ومتميّز جدا وندين له جميعا بأنه واحد ممن اثروا فينا ايما تاثير في المرحلة الثانية من التعليم الثانوي ..كان على درجة كبيرة من الكفاءة من جهة وكان صديقنا جميعا اي “بحبوح” بالحاء وليس بالجيم …وكان الفرض الاول لاختبارنا جميعا وجاء يوم اعادة الفروض بعد اصلاحها … وصل الى اسمي وقال… 6 على عشرين …ولانه كان شديد الملاحظة انتبه الى اترابي بالقسم وهم ينظرون اليّ بدهشة … عبدالكريم ….6 على عشرين ..؟؟؟ كانت الصدمة انذاك بالنسبة لي موجعة … انا 6 على عشرين ؟؟ هذا تخربيش كرامة … وغبت تماما عن بقية الدرس …اصبت يومها بصمم لا مثيل له … تماما كذلك الذي ينزل فجأة في اعماق بئر من الغيبوبة فلا يسمع شيئا على الاطلاق …الاصوات تتحوّل الى ازيز …

كانت المشاعر مختلطة ..كنت اتصوّر بعض اترابي القادمين من فصول اخرى يتهامسون سخرية: “موش هذا عبدالكريم اللي ضاربو في روحو وبتباهى بأنو ما كيفوش في العربية ؟؟؟” …كنت اتصوّر الم وخيبة البعض من زملائي ممن عاصرونى في القاعة رقم 6 من الاولى حتى الثالثة ثانوي وعبدالكريم قائدهم في مادة العربية… يشبه تماما ذلك الطاهر بن حسن البطل التونسي في الملاكمة والذي تحلّق حوله التونسيون وطاهر نا يتبارى مع غاني اسمه بوازون (سمّ عافاكم الله) على بطولة افريقيا وما ان بدأت الجولة الاولى في ثوانيها حتى سقط الطاهر بضربة قوية من ايدي بوازون السامة ..والمعلّق التونسي ابراهيم المحواشي رحمه الله يستجدي الطاهر ويقول يا طاهر قوم ..يا طاهر في طولك ..يا طاهر في عرضك ..يا طاهر ما تخليناش ضحكة قدام اللي يسوى واللي ما يسواش ..ولكنها كانت القاضية …

وعشت حالة فقدان الوعي بكل ما يدور حولي انذاك ..رغم اني لم افقد الوعي ..ورنّ جرس الحيّ المزعج جدا وكانه صافرة الدعوة الى الالتجاء في المخابئ بفعل غارة قد تحدث …وهذا الجرس الغبي لم يفهم ان الغارة حدثت وسقطت شهيدا لها بصاروخ جو ارض عيار 6 على عشرين ..رن الجرس اذن معلنا انتهاء ساعة سي محسن الحبيّب وهممت بالخروج وبلعن الساعة التي عرفت فيها محسن الحبيّب ..الا انه فاجأني بقوله ..عبدالكريم ما تخرجش …عندي ما نحكي معاك …انصعت على مضض ولولا طاقة الصّبر التي عمّرتني طوال عمري لكنت “سبّيت قراقر جدّ والدين بو محسن الحبيّب والعربيّة والعالم بكلوّ” { اما ما ياخذكمش الهلس تبقبيق وبرّة …لست سبابا مطلقا وانا لحد الان قضّيت مع زوجتي وابنائي 36 سنة ولم اتفوه يوما بسبّة واحدة او بكلمة بذيئة، وهذه الاخيرة كانت بيني وبين اصدقائي زادنا اليومي في عمر ما .. وفي زمن ما . وبكل تفنّن واتقان}…

انزوى بي سي محسن الحبيّب اطال الله عمره وقال: شوف يا ولدي انا نعرف راهو انك كنت الاول في العربية مانيش راقد على اوذاني شفت نتايجكم الكل في السنة الماضية …اما توة راك في مرحلة جديدة متاع كتابة ..يلزمك تفهم انو كتابتك يلزمها تبعد عن الجانب الوصفي وتولّي كتابة تحليلية نقدية وانا عندي ثقة فيك وناكدلك من هنا لاخر السنة توصل تاخذ 12 على عشرين .. …نعم 12 على عشرين، وهو على فكرة افضل عدد انذاك لتلميذ متميّز عند سي محسن الحبيّب … في حياة الواحد منّا اوسمة لا نعرف مكنونها الا بعد مرور سنوات العمر …ذات يوم وبعد ان انتهيت من عملي امام مصدح حبيبتي اذاعة صفاقس (رغم انف من يحبّ ولا يحبّ) اعلمني زميلي المكلّف بالاستقبال في مدخل الاذاعة ان شخصا ما يريد مقابلتي ..خرجت ….فاذا بي امام جبل الاساتذة في الاداب العربية …سي محسن الحبيّب…

كنت انذاك احمل سيجارتي بين يديّ ودون ادنى شعور منّي رميتها وكأنني اتخلّص من اداة جريمة … احشم يا عبدالكريم تتكيّف قدّام استاذك ؟؟؟ وشكونو؟؟؟ سي محسن بكلّو … رغم انّي لم اشاهد استاذا يدخّن كما سي محسن كمّا ونوعا ..هو يلتهم السيجارة التهاما ويشعلها من اختها .. نظر اليّ سي محسن وقال ..اتكيّف يا ولدي توّة انا ما نعرفكش تتكيّف من وقت الرابعة ثانوي؟ …اما بوك محسن راهو بطّلو ان شاء الله تبطّلو كيفي … قلت له: اه اه ..ما يصيرش..العين ما تعلاش على الحاجب .._ثم وبعناق لم يخل من الطبطبة سلمت عليه بحرارة وقلت …حاجتك بحاجة سي محسن ؟؟؟ اجاب حاجتي بيك ..تفضّل سي محسن على عيني وراسي ….اخرج من محفظته كتابا وقال هذا هديتي اليك ..انت فخر لي .. وللحيّ …

ياااااااااااااااااااااااااااااااااه في حياتنا قد نمرض قد نعتلّ قد نشقى …قد نفتقد البعض من اكسيجيننا ولكن مجرّد حركة قد تكون كلمة قد تكون صورة، قد تكون عذوبة العذاب تحلّق بنا في عالم سحري فتحولنا بين لحظة واخرى.. بين ساعة واخرى …بين يوم وليلة ….من النقيض الى النقيض من الضياع الى وجود الوجود ….فمابالكم بكتاب يؤلفه سي محسن الحبيّب الاستاذ المميّز فوق العادة بحق (موش بترضيات سياسوية) ويهديه لتلميذه الذي صفعه يوما بستة على عشرين، ليعود به في نهاية السنة الى موقعه الحقيقي 12 على عشرين ثم ماذا لو علمتم بفحوى كتابه يااااااااااااااااااااااااه ازّاي ازّاي اوصف لكم حبّي وسعادتي ازّاي … …

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

الوضع الحالي (ج 2): الساحة الوطنية… مقترحات لدرء الخطر

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

كما عرضنا في عددنا السابق من جريدة “جلنار” بعض المعطيات المتعلقة بالساحة الوطنية داخليا وخارجيا وكما أشرنا إلى انحرافات خطيرة لبعض وجوه المعارضة عبر نشر الأكاذيب والتظلل بالـ”غرف المظلمة” المعدة لضرب تونس، بالإضافة إلى حمى الدعوات لنشر الفتن وتحريك شعب ليس في حاجة لمعاناة أكثر ويحلم بالأمن والأمان والازدهار وليس بتحقيق أهداف نرجسية أو وصولية أو عميلة لجهات أثبتت سابقا وهاهي ذا تثبت لاحقا فراغ خزانها من أية مشاعر وطنية.

كما شرحنا أيضا الحاجة الماسة لدعم القدرة الشرائية للمواطن التي وصلت إلى حد لا يحسد عليه لأسباب موضوعية وربما أيضا عملية، منها أن السلطة الحالية تجد نفسها أمام إرث ثقيل من ديون الحكومات السابقة، ولعل أكبر دليل تقدمنا به هو دفع الحكومة التونسية لقسط كبير من ديون متراكمة تعود لسنوات 2015 أو قبلها أو بعدها، و الأهم هو أن هذه الديون خلال حكومات الترويكا والنهضة لم توجه إلى أي برنامج تنمية بل على العكس تماما تم تخصيص جزء من موارد البلاد لإسكات الإضرابات و خلق شركات بستنة دون وجود بساتين وضرب سوق الفوسفات مع الهند وغير الهند. وإحقاقا للحق فقد سعت السلطة الحالية إلى إعادة هذه الموارد ولو أنها قابلة لمزيد التطوير.

هذه بعض الإشارات دون أن نتعمق في الكثير من التفاصيل التي أنهكت الموارد الوطنية ليفهم الجميع أن أدنى الشروط والقواعد لأية ثورة تستوجب:

أولا وجود قيادة فرضتها الأحداث والقناعات الشعبية،

ثانيا، طرح برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني لدرء نقاط ضعف أو تجاوز المنظومة القديمة.

ثالثا، توفير المتطلبات من أمن ومعيشة طبيعية على الأقل للمواطنين عبر تحسين الطاقة الشرائية وشغل لا تعيقه نسبة كبيرة من البطالة، ثم فرض تطور مطرد للقطاعات العامة مثل الصحة والتعليم والنقل وضمان الاكتفاء الذاتي.

ودون هذه الشروط لا يمكن علميا أو حتى ديماغوجيا تحقيق تحولات صغرى أو كبرى بالثورة ونتائج جل هذه التحولات على بعض البلدان لم تأت إلا بمزيد من التخلف والانهيار الاقتصادي و الأمني مما أعاد حنين بعض الشعوب إلى ما فات والندم عليه ندامة الكسعي.

المقنترحات العاجلة:

ان الشعب التونسي يستحق الأفضل وهو شعب صعب المراس ولا يخضع لأية تاثيرات غير قناعاته بل إن أية محاولة لتوجيهه تعود بالوبال على الزمر التي قامت بها، لكنه أيضا شعب صبور على الشدائد وشظف العيش من أجل الإخلاص لاختباراته وقناعاته إلى حدود معينة، فلا مجال لتحريك من جهات خبر حكمها جيدا ولفظها ولا مجال لأي مستعين بالخارج، لكن شعبنا يعبر عن معاناته المتمثلة في معيشته وشغله ورفاهه، ولعل إحدى صفاته انه “موقوت فجئي” لا يسمح لأي طرف بتفكيك توقيت انتفاضاته أو غضبه، ذلك أنه إن عدنا قليلا إلى التاريخ نتذكر “ثورة الخبز” وقبلها 26 جانفي وبعدها الحوض المنجمي و17 ديسمبر وغيرها من الانتفاضات التي لم تكن في حسبان أي جهاز وطني أو خارجي.

واليوم لنتدرج إلى أهم المتطلبات الوطنية تالقائمة في أعلى هرم الأولويات:

أولا، لعل الضغط على الأسعار المتعلقة بقوت المواطن تعد أهم ضرورة، فمن المهازل أن يستمر. ارتفاع سعر اللحوم إلى هذا الحد و كذلك أسعار الخضر والغلال وبقية المواد المعيشية، وعلى السلطة أن تحدد وتفرض تطبيق اسعار اللحوم أقل من 25 دينارا للكيلوغرام، وعلى كل من يتأفف من ذلك أن يبحث عن مورد رزق آخر فالشعب لا يستحق التنكيل به إلى هذا الحد.

ثانيا، إن معضلة أفارقة جنوبي الصحراء تكتسي خطورة أمنية تمس حتى من كينونة بلادنا وتركيبة سكانها وتعد قنبلة موقوتة ضد تونس، وعليه فإن الجمع بين الإعادة الطوعية والإجلاء القسري يعد من أهم الضروريات.

ثالثا، ,على المستوى السياسي ورغم انزلاق البعض نحو الاحتماء بالخارج وهذا متوقع ويصنف قانونا كخيانة عظمى، فإن بعض فصائل المعارضة الوطنية تستحق انفتاحا من السلطة وربما تشريكا لصالح ضمان سير أي وطن، لكن على عكس ذلك فإن بعض الوجوه والجهات العدوانية التي تدعو إلى الفتنة والحلم بعودة حكم عرفت فترته الإرهاب والاغتيال والغنيمة والسحل والرش والتغول في كل قطاعات البلاد خدمة للمنظومة وليس للشعب، وجوه السوء هذه لن يكون لها أي دور جديد غير الرغبة الجامحة في دمار البلاد والانتقام من الشعب واختياراته.

رابعا، تنقية الأجواء السياسية وذلك ببعث محكمة دستورية يقودها رجال وطنيون لا يؤمنون الا بالعدل والمصلحة الوطنية.

خامسا، لايعد تدخلا في القضاء متى ما كان هدف العفو عن عدد من المساجين الذين لا علاقة لهم بالارهاب أو المؤامرات او الفساد المالي أو الحق العام. ونظن ان شريحة من المساجين قد تستحق العفو الذي يدخل دستوريا ضمن صلاحيات رئيس الدولة.

خامسا، إننا إذ ننوه بجهود السلطة القائمة في عديد الميادين (النقل، الأمن، مقاومة الفساد، الطرقات، إعادة موارد البلاد مثل الفوسفات الذي تم تجميده طيلة العشرية)، فإن عددا من القطاعات يتطلب مزيدا من العناية مثل القطاع الصحي والقطاع الفلاحي، وبالمناسبة فإنه من غير المقبول أن لا يستجيب هذا القطاع الهام إلى ضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي.

كذلك لابدّ من مراجعة شاملة لقطاع التعليم وإدراج مادة السلوك الحضاري ومفهوم الوطنية وقدسية العمل ضمن برامجه للإسراع بغرس المقومات الاخلاقية والوطنية في أجيال تونس القادمة انطلاقا من رياض الأطفال إلى حدود الجامعات، لخلق مجتمع ناضج وليس فقاقيع من البؤر والكسل والاستقالة من الشأن الوطني.

أكمل القراءة

جور نار

من الشبّاك

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.

فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت على مسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.

كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها

ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.

إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا

ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…

ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها

المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز

نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.

أكمل القراءة

جور نار

وقت مستقطع… للحبّ!

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…

ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟

ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…

هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…

خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…

وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…

أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار