تابعنا على

جور نار

ورقات يتيم … الورقة رقم 20

نشرت

في

Homme Debout Lisant Un Livre Vectores, Ilustraciones y Gráficos - 123RF

استاذي محسن الحبيب اطال الله عمره لم يكن في تلك الحقبة الاستاذ الكلاسيكي في تعامله معنا ..لم يكن ذلك الاستاذ الحازم الشديد المهاب والذي لا صلة لنا به الا من خلال ما يقدّمه في الفصل حيث (الذبّانة تسمع حسّها) كابن عمه سي رشيد رحمه الله ..وكجلّ الاساتذة انذاك ..

عبد الكريم قطاطة
<strong>عبد الكريم قطاطة<strong>

سي محسن كان يميل في اسلوبه معنا الى المزج بين الجد والهزل ..وبقدر ما كان حريصا على اثرائنا معرفيا بقدر ما كنّا نجد فيه ذلك الانسان المختلف عندما يقتضي المقام … ربّما سنّه كشاب هو من الاشياء التي جعلته قريبا جدّا منّا .. اتذكّر جيّدا زميلنا مبروك البردعة والذي هو بدوره اصبح استاذا في مادّة العربية اطال الله عمره، رفع اصبعه ذات يوم للمشاركة في الدرس وكان ذلك في بداية السنة الدراسية ..واجتهادا من زميلي مبروك اراد أن يعرّف بنفسه قبل بداية مداخلته فذكر اسمه ولقبه (مبروك البردعة) …فماكان من سي محسن الا ان اجابه: “الله يبارك فيك تفضّل!” … ضجّ الفصل ضحكا وسفّ سي محسن سيجارته سفّة لا يعرف حجمها الا هو وقال: نواصل ..وانتهى الامر ..

سي محسن ايضا كان صديقنا جدّا وهو يشارك معنا في الرحلات المدرسية كمشرف عليها …سي محسن ايضا هو اوّل من فكّر في بعث مجلّة مدرسية يطلق فيها التلاميذ العنان لاقلامهم وسمّاها “الخواطر” وكانت لي اوّل محاولة رسمية للكتابة ضمنها ..سي محسن ايضا كان اذاعيا مساهما في اذاعة صفاقس بالعديد من البرامج الثقافية منذ عاد من بغداد في اواسط الستّينات ..وسي محسن كان مساهما في عديد الجمعيات من المجتمع المدني ..سي محسن هو ايضا مؤلف للعديد من الكتب ومن ضمنها (قال قلمي) وفي اجزاء ثلاثة …وفي سنة 2006 جاء سي محسن كما ذكرت سابقا ليسلّمني نسخة من الجزء الاوّل ..ويقول لي: ابحث عن الصفحة 200 واقرأ … لم يضف شيئا وافترقنا ..في الحقيقة لم نفترق ..ولن نفترق…

قلت كم مرة ان الحياة تهبك احيانا اوسمة لا تقدّر بثمن وها انا استسمحكم في هذه الورقة ان انقل لكم حرفيا واحدا من اغلى الاوسمة في حياتي … انه مقاله الذي كتبه سنة 1999 ولم يكتب لكتابه النشر الا سنة 2005 حول تلميذه عبدالكريم …سي محسن الحبيّب وما ادراك يخصّني بمقال …؟؟؟ هل انتم شاعرون بكمّ السعادة التي تغرقني ولا تميتني .. لن اطيل عليكم لان ما كتبه سي محسن غزير جدّا ومعذرة ان كانت تلك الغزارة ستأخذ من صبركم الكثير ..ولكن ثقتي بأنكم تفهمون ما معنى ان تشاركوني في تذوّق طعم سعادتي والتي اريدها سعادتكم .. قد يغفر لي نشر المقال باكمله (كلّو) … فقط للاشارة هنالك تاريخ اخطأ فيه استاذي ..هو ذكر سنة 1970 والسنة انذاك كانت سنة 1967 …

العنوان “كنت وستظل بما انت .. حاضرا في الذّاكرة”:

“ذاكرة المربّي عادة لا تحتفظ بأسماء وبصفات وبملامح تلاميذه _خاصة مَن لقاؤه بهم محدود، إلاّ الّذين كانوا متميّزين بمواقفهم .. امّا الجادّة النشطة الخصبة او الطائشة الرافضة المشاكسة المتمرّدة العابثة التي تختار التهريج للظهور والتجاوز للريادة ابني الكريم، كنت من بين تلاميذي المتميّزين البارزين ممن تحتفظ بهم وبسلوكهم وبحركاتهم وبمواقفهم الذّاكرة .. والتميّز هذا كان بعيدا عن الشقاوة وسوء السلوك .. ابني كان مرحا تثيره الطرفة الدسمة الجادّة وتستهويه النّادرة الهادفة المثرية .. كان وديعا لطيفا كيّسا بعيدا عن الغلظة والخشونة قولا وفعلا .. وكم يخصب عطاؤه واسهامه في الدرس وفي ملحقاته كلّما كان جوّ القسم خفيفا رائعا مريحا منعشا بعيدا عن التجهّم والفوقية والصدّ والزجر ..

“عندها تراه يجادل ويثابر ويجتهد متحدّيا الصّعاب ومعرقليه ومستفزّيه او هو على الاصحّ يحاول ذلك لانّه يأبى الظلم والاحتقار والتسلّط والاستخفاف … اذكر انه كان شغوفا بالمطالعة وميّالا جدّا للثقافة العامة اضافة الى ما تلزمه به مناهج وبرامج التعلّم من واجبات وفروض ..تراه يسأل عن المعرفة وعن مصادرها… تلقاه توّاقا للطّريف من الجديد تعجبك فيه قوّة الذّاكرة وسرعة الاجابة وحسن التخلّص وعذوبة الاداء ولطف المحاجّة وادب المراء… وينطلق في هذا كلّه من مخزونه الذي كان بالقياس لاترابه خصبا ثريّا متنوّعا… ويستعين في ادائه بطلاقة لسانه وبرقّة نبراته فتستسيغه وتميل اليه وتسايره حتى ولو اشتدّ في مداخلاته واخذه بعض الانفعال وشيء من التحدّي وقليل من المداعبة… ومنذ شبابه الباكر ومنذ عرفته كان يريد ان يلتزم والالتزام في عمره وفي ايّامه غير منتظر ولكنّه كان يختار مسيرة معيّنة ومواقف محدّدة وخيارات مضبوطة حتى تلقاه احيانا صلبا عنودا .. وثباته هذا واعتداده بنفسه قد احرجاه حينا وجلبا له بعض المصاعب وعددا من المواجهين ...

“كان ذلك اثناء تعلّمه وبعده ولكنه كان صبورا جَلِدا ثابتا فتجاوز بذكائه وجدّه ومثابرته وبما وفّر له اطّلاعه، كثيرا من الصعاب … قد كان يمثّل التلميذ الواعي المثقف المتميّز بدقّة ملاحظاته وبقوّة ذاكرته وبالدّفاع عن آرائه .. فيشدّ الآخرين اليه .. فهم امّا معجبون محبّون وامّا حاقدون حاسدون ويسعون للكيد له والتربّص به .. وفي الحالتين وفي كل الحالات بسرعة يجد الجواب الذّكي الطريف فيبهت المشاكس المتربص ويزداد تعلّقا به الصّديق الوفيّ… كان يميل الى الاستطراد وتوليد الافكار فتخاله قد تاه ومال للحشو، ولكنّه لا يتيه انّما يحسن العودة الى المنطلق والى الموصوف فاذا استطراده اثراء وتلوين ولا يستطيعه الا واسع المعرفة ..هذا اذا حاور وجادل واذاع ..واذا كتب وتولّى تحليل القضايا يركب الوصف والخيال وينساب وراءهما فيدعم الاستطراد التحليل واذا بك تقرأ ابداعا وفنّا او شيئا يشبه الابداع والفن …ولا تقرأ تحليلبا جافّا ولا جدلا عقيما ولا شواهد قلقة مبتورة نابية ولا استخلاصا غير سليم .. بل انّك واجد في ما يكتب تسلسلا وتماسكا بعيدين عن الجفاف ..

“عشقه للوصف وللخيال اضرّا به في تحاليله الادبية وفي انشائه عند بداية المرحلة الثانية من التعليم الثانوي (الرابعة آداب سابقا سنة 1970 ، الاصح سنة 1967 ) هذا الكبوة وهذا الفشل لم يقعداه ولم يثنيا عزمه …انّما تخلّص منهما في سنته السادسة لكنه ظلّ يحنّ للوصف للخيال فشدّني تقويم كتاباته ولكنّه صمد وايقن انه الى المبدعين اميل .. فاختار الوصف والتصوير والخيال والتوليد مستفيدا من مطالعاته ومؤهلاته… وفتحت له مجلّة المعهد صدرها فاذا هو يساهم في اعدادها واخراجها مضمونا وشكلا صحبة نخبة من زملائه الاخيار وكان لي شرف رفقتهم والاستعانة بهم…

“هذه الصفات والملامح قد اهّلتك لتضطلع احسن الاضطلاع بادوارك ومكّنتك من افحام مخاصميك بالعمل والجدّ ومن مواجهة مشاكسيك بالصبر والتغافل عنهم ودفعتك لتواصل السّعي والتحدّي وتقديم الافادة والنفع .. وقد دفعت ضريبة النجاح والانتشار والارتقاء سلواك حبّ الصادقين اليك ورضاهم عمّا يصلهم اينما كانوا ممّا يفيض به قلمك وما يصدع به صوتك ..وصمدت وخرجت ناجحا متميّزا كلّما ساهمت او شاركت بالرأي .بالخبر ..بالنادرة .. بالشاهد ..نجاحك لم يرض البعض ولكن ما ذنبك ؟ ارضاء جميع الناس شيء لا يُنال …

“ابني صديقي وزميلي ..مادمت تنثر ما تؤمن به وما تراه مثمرا وسليما فلا تثريب عليك … فالخصب الثّري مهما اخفته الغيوم فانه باد يوما، وما دمت تدرك يقينا صدى مساهماتك ورضى الناس عنها فلا تكترث بمن ناصبوك العداء… وقد حان الوقت ليأخذ قلمك نصيبا هاما مما ينحته فكرك ويبوح به وجدانك وليتك تنصرف الى تدوين بعض تجاربك ببياضها وبسوادها بحلوها وبمرّها فاحسب انّها لصدقها ستكون مفيدة ولست اوّل من علّمته الرّماية فرماك ..وارد ان تعثر وغير مقبول الا ان نقوم اذا عثرنا او عثّرونا ..

“ابني الكريم ..من منطلق حنان الابوّة وصفائه ومن صدق الصّداقة ونبلها وقداستها، اهمس في اذنك قائلا ومناشدا لجسمك عليك حقّ ولحاجة الخلاّن الاوفياء لجسمك السّليم لتظلّ بفكرك النّابض وبادائك البليغ قريبا منهم قائما بينهم واصلا اليهم ..اعتن بصحّتك واعزم هجرة ما يؤذيك مادّيا ومعنويّا واخرج دوما يدك من جيبك بيضاء لا تؤذي المستنشقين …وحتّى القاك او يصلني صداك احيّيك مكبرا ومعتزا بكل الايّام التي عرفتك فيها وبكل ما تضمّنته …وستظلّ في الذاكرة …محسن الحبيّب”

_انتهى المقال.

مرّة اخرى وانا انقل لكم هذا المقال الوسام من استاذي احسّ والله برغبة جامحة في البكاء ..فسّروا كما شئتم هذه الرغبة، فسّروا كما شئتم ماهيّة وروعة البكاء عندي ..ولكن احسّ والله برغبة لا توصف في ان اطبع بوسة لا تشبه اي بوس على جبين الرحمان حبّا وحبّا وحبّا للرحمان …هل اصف لكم بعضا منّي الان …انا كموج المحيطات في صخبه الجميل فاشتهي الابحار في يمّه والغرق في احشائه حتى انتعش وانتشي ايما نشوة… واطفو واطفو واطفو… انا كخطاف الربيع في تجمّعه وتفرّقه في عنان السماء بل كربيع الربيع .. وانا كسرب نمل وهو يوشوش لاسراب النّمل الاخرى و يدعو كلّ العشيرة الى الولوج الى بيوتها حتى لا يحطمنّها سليمان وجنوده وهم لا يشعرون …

بإيجاز انا كسابح سابح سابح في ملكوت الله …استاذي الكبير قد اكون حققت لك ولكلّ من علّمني بعض السّعادة والرّضى عمّا بذرتموه فينا ..ولكن سعادتي اكبر عندما تتأكّدون جميعا انّنا قبس صغير من نوركم وا نّنا حاولنا وما زلنا نحاول (حتى يهلّ علينا هلال اجلنا) تقديم شيء من قبسكم … حتى نسعدكم اكثر ونسعد اصدقاءنا اكثر واكثر ….. انذاك اغنّي لك ولهم: “.والقمر من فرحنا (و قبسكم) حينوّر اكثر ..والنجوم حتبان لينا اجمل واكبر والشجر قبل الربيع حنشوفو اخضر” …

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

جور نار

مؤتمر اتحاد الشغل: لخدمة العمّال… لا لمصلحة زيد أو عمرو

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.

وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان من الضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.

إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.

غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.

واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.

فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.

و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.

لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها

والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.

أكمل القراءة

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

صن نار