تابعنا على

جور نار

ورقات يتيم … الورقة رقم 7

نشرت

في

حياة السيدة علياء ببو / أسرار تروى لأول مرة - YouTube

سن العاشرة في حياتي ـ واتصورها في حياة جل الاطفال ـ سن بداية الادراك لابجدية بعض معاني الحياة وهي ايضا سن التفطن لبعض السلوكيات التي لم نكن نفقه فيها الكثير …

عبد الكريم قطاطة
عبد الكريم قطاطة

في تلك السن مثلا بدأت اكتشاف المذياع من خلال مقدم جيران جدد لنا (عائلة ملاك) عائلة احبتني واحتضنتني بورك فيها ورحم الله امي عويشة والصحة لبقية افراد عائلتها، ثلاثة عزاب وبنت …كنت طفلهم المدلل وكنت وخاصة في العطل المتمتع بتأشيرة اقامة دائمة بحوشهم الاكثر رفاهة من حوشنا …غرفه مأثثة وسط داره مغطى (بمعنى آخر كامل الاوصاف فتني) وفي الحقيقة “وما حب الديار سكنّ قلبي ولكن حب من سكن الديار” وهنا اعني المذياع ولا شيء غيره …ضربة البداية كانت مع دعوتهم لي صبيحة الاحد للاستماع الى برنامج الاطفال (جنة الاطفال للسيدة علياء) ودعوني اوضح امرا هاما في هذه النقطة …

ان كل ما اقوله في هذه المرأة العظيمة لن يفيها حقها …منذ اللحظة الاولى التي استمعت الى ذبذبات صوتها وهي تفتح البرنامج بمقدمتها الشهيرة الدائمة: صباح الخير يا لولاد … ويرد عليها الاطفال بـ: صباح الخير سيدة علياء … احسست بوقع سحري ينفذ الى اعماق اعماق اعماقي … كنت ارى في صوتها نهرا ينساب في كل خلية من جسدي …كنت اشاهد في ضحكاتها احيانا وفي عتابها الجميل لاطفالها، ذلك الملاك الذي يرفرف بجناحه الابيض ليحملني تحت ابطه ويحلق بي في عوالم جميلة … كنت احسد (ولا اقول اغبط) لان مشاعري انذاك كانت بالفعل حسدا لمجموعة الاطفال الذين يشاركون معها في الحصة …

تمنيت ان اكون محمد الامين الغربي، احد اشهر الاطفال في التمثيل في حصتها … او مريم الجربي التي انطلقت كمطربة مع السيدة علياء وهي بنية صغيرة وواصلت الغناء كمطربة شابة لم يكتب لها النجاح … كانت تتغنى بالاغنية البوز انذاك “عاد ابي للدار من عمل النهار” … وكنت خاصة اكره شديد الكراهية “عم راشد” الذي يشاركها في بعض فقرات الحصة … اكرهه لا لشيء الا لانه ياخذ مني صوت السيدة علياء لنزر قليل من الوقت … ولأن الزمان يعيد نفسه (عذرا لاساتذة التاريخ) فانني كم ضحكت وانا اتصفح رسائل المستمعين عند تنشيطي لبعض البرامج بشكل ثنائي مع بعض الزملاء …هؤلاء المستمعون الذين يعبرون عن ضجرهم من الوقت الذي ياخذ فيه زميلي المصدح …. ولا اشك ان عديد الزملاء الاذاعيين يعبر لهم مستمعوهم عن نفس الشعور …

كنت اتسمر كل احد بداية من الساعة الثامنة والنصف امام مذياع الجيران في انتظار جنة الاطفال التي تنطلق مع تمام التاسعة … اتذكر جيدا ان الجنة كانت مسبوقة دوما باغان فكاهية … المورالي والخميسي والسملالي والجراري وغيرهم… وكانت الساعة التي اقضيها في ترشف الجنة جنة بحق …فيها ما لا عين رأت، رغم الخيال المجنح الذي اعيشه فتتحول الكلمة الى صورة بالابيض والاسود (الالوان لم يحل ركبها في ذلك الزمن) ولكن فيها أذن سمعت وسمعت وسمعت …. وهنا لابد من الاشارة الى ان حلمي الذي كان يقتصر على رؤية هذه المرأة العظيمة في تأطير اجيال واجيال من الاطفال لم اكن اطلاقا اتصور انه سيتحقق وبشكل رائع الى حد الثمالة …

في نهاية التسعينات وفي احد اعياد ميلاد اذاعة صفاقس ارتأيت ان يكون عيد الاذاعة عيدين …ارتأيت ان ارد الجميل لعلمين من اعلام الاذاعة، السيدة علياء ومحمد حفظي رحمهما الله … واثثت البرنامج الخاص حولهما باعتبارهما رمزين من رموز الاذاعة … بكل امانة همي الاكبر كان: هل توافق هذه الاستاذة في تلبية الدعوة؟ اعني هي التي كانت تهمني بدرجة اولى وثانية وثالثة واخيرة …_ ولكم ان تتصوروا سعادة تلميذ في الكتّاب وهو يستقبل سيدته علياء في حصة دامت 8 ساعات ….ياااااااااااااااه كنت منذ اللحظة الاولى لانطلاق البرنامج “مزبهلا” بهذه القامة الفارعة اعلاميا وكنت كثيرا ما استرق النظر الى عينيها علني استشف منها بعض الرضى … قلت استرق النظر لاني والله لم اكن قادرا على التحديق في مقلتيها …يا لكاريزمتها ويا لضعفي … يا لجبروتها الجميل الممتع ويا لـ …لست ادري ماذا بالنسبة لي …

هو خليط من الانبهار والفخر والخوف من اية زلة او حرف يخدش سمفونية اللقاء …كنت والله كتلميذ يكتب انشاء وينتظر رد فعل معلمه بكثير من الرهبة والخوف على ما كتب …كانت متقدمة في السن نعم …ولكنها ولأني احبها بشكل خرافي كانت ليلتها عروس البرنامج وكانت الملكة بتاج فكرها وبحنية عواطفها …انها السيدة علياء وما ادراك …ولكم الان ان تتصوروا سعادتي في خاتمة البرنامج وانا اسالها بكل رجاء وخوف ان تختم اللقاء بكلمة حرة …صمتت السيدة علياء بعض الثواني ـ القرون ثم نظرت لي بعين الام الحنون وقالت …يا ابني عبدالكريم اقسم بالله العظيم انني وانا التي دعيت لعديد البرامج الاذاعية والتلفزية لتكريمي، اقسم انني لم احس بالسعادة التي احسست بها الليلة … لن انس هذه الليلة يا ابني العزيز عبدالكريم …

ياااااااااااااااااااااااااه انا ابنها العزيز … وانا الذي كم تمنيت ان ابوس رجلها وامسح لها نعلها …تماما كما كنت افعل مع والدتي رحمهما الله … الاوسمة عند العديد يُفتخر بها عندما تأتيهم من هياكل وطنية او دولية …والاوسمة عندي هي “يرحم اللي ولد وربّى” يقولها المستمع مهما كانت الشريحة التي ينتمي اليها عمريا تعليميا جنسيا اجتماعيا … اعترافا بالجميل … والوسام عندي ان تخرج البعض من ظلمات الامية الى تعلم الكتابة ثم القراءة (ام غسان من مساكن، وحدهم العرف من الرقبة تطاوين، رحمها الله ) والوسام عندي ان تقف الى جانب الفتاة الريفية وانت تستشعر بقدرتها على الكتابة رغم محدودية مستواها التعليمي فتبث فيها الارادة والحب والامل واذا بك تفاجأ بها يوما قصاصة (بنت القرية من وذرف)…

والوسام ان يقف امام مبنى الاذاعة في ثورة الخبز مواطن عادي قبل بداية برنامجي الصباحي (العاشرة صباحا) ويرجوني بكل قوة ان لا امتع لساني في مثل هذا اليوم حتى لا نفقدك نحن احباؤك …و لان تونس في حاجة لك ولامثالك __هكذا قالها ذلك الموطن العادي _بدجين ومريول وعيناه تبرقان خوفا ورجاء وصدقا …. 1996 ثم افاجأ سنة بموظف عال في وزارة الداخلية بعدد من النجوم تحلي لباسه ليقول لي: نعم هو ذاك انا الذي وجدتني امام مبنى الاذاعة يوم ثورة الخبز … ويضيف احباء تونس في كل القطاعات يا سي عبدالكريم … اخيرا وليس آخرا …الوسام ان تقول لي السيدة علياء لن انسى هذه الليلة يا ابني العزيز …كنت اكو ن اقل سعادة لو وصفتني بالمنشط الناجح …افهموها ماذا تعني عندي …انا ابنها العزيز ….

هكذا كانت البداية مع المذياع …ولان سيدي ابن آدم يعطيوه الكرع يمد ايدو للجديق … اصبحت وخاصة في العطل (وهي ثلاثة سنويا …نصف شهر لعطلة الشتاء …نصف شهر لعطلة الربيع … وثلاثة اشهر لعطلة الصيف).. اصبحت مقيما يوميا في دار الجيران كامل اليوم باستثناء وقت الغداء…الوالدة رحمها الله كانت تهددني بغلق سفارتنا مع دار الجيران ان انا تغديت معهم (“عيب كيفاش ناكلو في دار الجيران ..اش يقولو علينا ؟؟”)..ولاني كنت شديد الخوف في طفولتي تجاه والدتي الى درجة انها كانت تقول لي قف والله كان ما تاقفش نقتلك …فاذعن واقف … كنت انفذ تعليماتها دون جدل اوجدال …يااااااااااااااااااااااااااااه كم هي جميلة حتى في دكتاتوريتها التي لم اع عمقها الا في مراحل متقدمة من عمري وساعود لتلك الدكتاتورية في ورقات قادمة …

اقامتي بـ”ريزيدانس” ملاك اصبحت يومية وبدات اكتشف القامات والهامات في الاذاعة الوطنية انذاك …انذاك ونظرا لغياب عالم التنشيط تماما كانت كل البرامج مسجلة تقريبا باستثناء الاخبار والمباريات الرياضية والربط بين البرامج الذي يقوم به مذيعو الربط … في مثل هذه الحالات اذاعيا الصوت هو المحدد لاختيار المذيعين …ويكفي ان اذكر بعض الاسماء : عادل يوسف عبدالعزيز الرياحي نجوى اكرام، وفي تقديم الاخبار محمد المحرزي حامد الدبابي (نشرة الصباح) احمد العموري وخاصة منير شما …الذي انتقل في ما بعد للعمل باذاعة لندن …كانت حنجرات ذهبية ونطقا سليما وهيبة دولة …اعني هيبة اذاعة …هذه الهيبة الاذاعية التي “مرمدوها” في هذا الزمن الرديء وساعود حتما لهذا المحور في ورقات اخرى…

الاذاعة ايضا انذاك كانت في النهار مقتصرة في برامجها اما على الجانب التوعوي او الغنائي ولعل اشهر البرامج الغنائية انذاك قافلة تسير اسبوعيا مع اسماعيل الحطاب (اغان شعبية بدوية) وخاصة برنامج اغنية لكل مستمع وهو برنامج يعتمد على اهداءات الاغاني والمصدر الوحيد انذاك قصاصات مجلة الإذاعة … من الحادية عشرة الى منتصف النهار … كذلك كانت هنالك برامج تمثيلية وهذه كانت تستهويني جدا …كنت منبهرا بصوت الممثل محمد الهادي وبعبد السلام البش وفاطمة البحري وجميلة العرابي رحم الله من مات منهم … وكان لهؤلاء وخاصة محمد الهادي تأثير كبير على حبي للالقاء خاصة ….مما جعلني ابرز فيه في نشاطي المدرسي بالتعليم الثانوي (مسرحا) مع المرحوم عياد السويسي وشاركت انذاك في مسابقة جهوية للالقاء ترأس لجنة تحكيمها العملاق المسرحي حسن الزمرلي وفزت بالجائزة الاولى بقصيدة الزوج القاتل لتيمور (احببتها حب الوليد لامه… ورعيت هذا الحب لا اتبرم ، هذا مطلعها) وتختم ببيت المتنبي (لا يسلم الشرف الرفيع من الاذى … حتى يراق على جوانبه الدم ) …

لست ادري كيف يتعامل المستمع في هذا الزمن مع جهاز المذياع …كنت لا احس به الا وانا احتضن الجهاز وكان الجميع يخافون على “كريّم” من التيار الكهربائي …لم تكن بطاريات انذاك …وكانت امي عويشة رحمها الله تردد (مرحبا بيك في كل وقت اما رد بالك من الكوران… اش يصير فينا يا وليدي وكيفاش نسلمو من عيادة لو كان لا قدر الله يضربك الكوران) وكأن احساسي لا يكتمل ومتعتي لا احس بها الا والمذياع في حضني …تقولون القدر …؟؟؟.. فبحيث لربما… انذاك كانت المحطة الوحيدة التي استمع اليها يوميا الاذاعة الوطنية …لذلك لا اشكال مع الجهاز (راديولا او فيليبس) حيث تتثبت الابرة على موجة الاذاعة الوطنية حتى موعد تقاعدها …

في تلك السن ايضا اكتشفنا السينما ….اي نعم …لقائل ان يقول كيف ذلك وانا الذي لم اقصد يوما المدينة الا عندما حملني ابي للمصور (الزواري بنهج الباي) لاعداد صورة لبطاقة التعريف المدرسية التي نستطيع بها ا ن نجتاز امتحان السيزيام … نعم كانت اول مرة في حياتي اغادر فيها “قبيلة” الساقية لاكتشف صفافس المدينة وكان هنالك مصوران فوتوغرافيان فقط الزواري والفريخة ثم التحق بهما بعد زمن بللعج …الان بين مصور ومصور (وهم في جلهم اشباه مصورين) تجد مصورا …السيد الزواري رحمه الله كان يعمل مع اخيه …اخوه للاستقبال وللاستخلاص وهو يمكيج للحرفاء …والماكياج هنا يقتصر على مشط الشعر وإلباس الحريف من الصغار فيستة وكرافات … ولمعلوماتكم فيستة وكرافات وحيدة …لذلك يسهل على الجميع معرفة هوية المصور من خلال العلامة المميزة والمشفرة والمسجلة في دفترخانة ايزو (الفيستة والكرافات) …

اذن كيف لنا ان نذهب الى السينما ونحن لا نعرف يوما المدينة ..؟؟؟ بسيطة … السينما كان يأتي الينا ….نعم كانت كتابة الدولة للارشاد والثقافة والاعلام تخصص حافلات تنتقل الى عديد القرى لتزيح عنهم كابوس القلق المقرف من جهة، وذلك ببعض الافلام المصرية التي عادة ما تكون اما غنائية (فريد وعبدالحليم خاصة) او افلام الصحيح فيها ما يموتش (فريد شوقي المليجي وتوفيق الذقن) … ولكن ومن جهة اخرى وهذا هدف ايضا من اهداف تلك السيارة ….كانت هذه العروض مسبوقة دوما بنشرة اخبارية لأهم الاحداث في ذلك الشهر، السياسية منها والرياضية وبصوت الكبير احمد العموري .. .وطبعا تبدأ هذه السيارة الحافلة منذ العشية في الترويج لبرنامجها وكان كل ما يهم الاب الشعرواي سماع جملة (اماكن خاصة بالنساء) …انذاك يصدر الاب قراره المعتق للرقاب بكلمة (سيكورو) وهي نفس اللفظة الايطالية والتي تعني الامن، لا خوف على الحريم …شفتو الوالد رحمه الله كم كان متعدد اللغات …

كنا نخرج على بكرة ابينا للحدث …النساء متلحفات بسفاسيرهن وبعضهن بخامة سوداء على نصف وجوههن (النقاب التونسي) والاطفال انصاف حفاة انصاف عراة …والكبار من الشباب يتزينون ويحلقون اللحية محافظين على الشنب رمز الفتوة والرجولة انذاك، طامعين في نظرة عابرة على صبية تتعمد اما رفع صوتها على اخيها الذي يريد ان يتخلص من قيد معصمها وهي تولول (اقعد هوني يعطيك رشقة) … وهي في الحقيقة تريد من بعض الشباب ان يستمعوا الى صوتها العذب والذي هو غالبا ما يكون “يفجع” … ولكن اشكون يعرف … يمشي الجافل ويجي الغافل… او هي تتعمد اطاحة السفساري من على راسها ليظهر نصفها الاعلى وهي ايضا طامعة في ان تعرض بعض محاسنها علها تجد العريس الذي طال انتظاره (وهي في السابعة عشرة من عمرها) …على فكرة، وصول الفتاة في ذلك الزمن الى سن العشرين دون زواج يعني مصيبة لها وللعائلة… خاصة والنساء العجائز في السن يرددن على مسامعها _(يا بنيتي ما تتشرطش خوذ اول واحد يجيك ماهو الا راجل ..اما خير والا تقعد بايرة) …وترد المسكينة واسنانها تعزف نغمة الغضب الشديد: بالله سكر عليا كشختك عزوزة الستوت هذي …احنا لقيناه باش نتشرطو …وترد العجوز ..كلمتني يا بنيتي ..فتردف الصبية لا لا نغني في يا تكسي الغرام …

قدوم تلك السيارة كان مهرجانا باتم معنى الكلمة …. ولعل ما اتذكره جيدا اننا في تلك السن كنا نتفاعل خاصة مع افلام القصص التي يلتقي فيها فريد شوقي والمليجي اذ تصل درجة تفاعلنا مع البطل (فريد شوقي) الى الصياح، ومحمود الملليجي يتصيده وراء جدار _(“رد بالك اهو قفاك” او “اوكة قفا الكاناباي” أي الفوتاي) … وكم تكون فرحتنا وتصفير البعض منا (سواي لاني لم اجد يوما فن التصفير) كم تكون فرحتنا كبيرة وفريد شوقي “يدمدم ” المليجي او الذقن و_يفرشخو تفرشيخ …

اصل بكم الان الى سنة هي ايضا مفصلية في حياتي كطفل …انها سنة السيزيام …يااااااااااااه اعيدها لجيلي: الا تحسون. باليتم معي .؟؟؟؟ …

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

الدنيا ليست بخير كما يزعمون…

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

سؤال يقلق راحتي: لماذا يحنّ أغلبنا إلى الماضي…؟؟ لماذا حاضرنا أصبح ثقيلا لا يطاق…؟؟ ولماذا نخاف المستقبل أيضا؟؟ والإجابة في غاية البساطة…

هل نحن اليوم ما كنّا عليه وفيه سابقا؟؟ لا…هل قبلنا ببعضنا البعض رغم اختلافنا؟؟ لا… هل اعترفنا بما أتيناه من أخطاء في حقّ بعضنا البعض؟؟ لا… هل قمنا بمراجعات في ما أخطأنا فيه وطلبنا الاعتذار ممن أخطأنا في حقّهم؟؟ لا…هل أصبحنا اليوم نقبل بأن يكون بعضنا أفضل منّا وأرفع درجة؟؟ لا… هل أصبحنا كما كنّا نسبيا سابقا نسعد لسعادة بعضنا؟؟ لا… هل نحزن لوجع بعضنا أو خصومنا إن نزلت بساحتهم مصيبة؟؟ لا…هل نتضامن مع المظلوم وأن كان خصمنا ونختلف معه؟؟ لا…هل نتمنى السلامة لمن نختلف معهم وننافسهم في شأن من شؤون الحياة؟؟ لا…إذن نحن لسنا نحن … ولا يمكن أن نكون نحن؟؟ فهل الدنيا اليوم بخير كما يزعم بعضهم ويفاخرون؟؟ لا ليست بخير أبدا…

فكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يُظلم ونحن لا نحرّك ساكنا وحتى السنتنا أصابها شلل الجبن والخوف من أن يقع معنا ما وقع معهم…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير والعاطل لا يزال عاطلا والفقير لا يزال يئن تحت ثقل معاناة الفقر…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير ونحن فرّطنا في ثقافة العمل ولا عاد يهمّنا أي شأن من شؤون البلاد…؟؟وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعض مرضانا لا يجدون في صيدلياتنا الدواء…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وكفاءاتنا تغادر البلاد بالآلاف؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير ولا يزال بعضنا يكذب على بعضنا؟؟

وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يهتك عرض بعضنا ظلما وعدوانا؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يكره بعضنا دون سبب فقط لأنه ليس من القطيع؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يتّهم بعضنا فقط لأنه يختلف عنه ؟؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يضمر لبعضنا شرا فقط لأنه لا يتفق معه في بعض شؤون الوطن؟؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يختلق الأكاذيب على بعضنا فقط لأنه كان أجدر منه بالمقام والمكانة؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير والنفاق أصبح جزءا من الهواءالذي نتنفس؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا لا همّ له غير الانتقام ممن سبقوه ؟؟؟ وكيف يمكن ان تكون الدنيا بخير وأغلبنا ممن لم يحترفوا التصفيق والهتاف يعيشون القلق والخوف والاحباط والياس؟؟

فهل أصبح شعبنا غير قادر على النسيان…غير قادر على المصالحة…غير قادر على تغليب خطاب التسامح…غير قادر على العيش مختلفا…وغير قادر على الحب…هل أصبح التسامح والحبّ للجبناء …وأصبح الحقد والانتقام للشجعان؟؟؟

هل يعلم بعض هذا الشعب أن الدنيا ليست بخير كما يزعمون…فإن كانوا يعلمون ويتظاهرون بأنهم لا يعلمون فهذه كارثة…وإن كانوا يعلمون ولا يهمّهم ما يعلمون فتلك مصيبة المصائب…

أكمل القراءة

جور نار

ملاّ ليلة كلبة!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

عشت البارحة خصومة طويلة مع النوم، ولم أنجح في مراودته للبقاء معي حتى سويعات الفجر الأولى… خرجت أمام المنزل بحثا عن نسمات صيفية تُصالح بيني وبين النوم فلم أجدها…

سمعت حشرجة قرب السور الخارجي للمنزل لم أعهدها سابقا، فاقتربت من مصدرها لأعرف مَن هناك، وكأني بقطة وكلب يتهامسان ويتحاوران في مشهد لم أعشه سابقا أبدا، فبين القطط والكلاب معارك دامية عشتها في منزلي السابق وكنت شاهدا على العديد من الأحداث بينها ونجحت في الكثير من الأحيان في رأب الصدع بين الفصيلين، وأجبرتهما على الهدنة والمصالحة الشاملة وتقاسم الموارد من سكن وغذاء، لكن أن يصل الأمر أن أجدهما في جلسة ودية أو ما شابه خلف السور الخارجي للمنزل فهذا أمر أول مرّة أعيشه، يذكرني هذا المشهد بالتوافق الذي عاشته تونس أيام الباجي رحمه الله والنهضة وقياداتها…

جلست غير بعيد عنهما لأستمع إلى ما يدور بينهما من حديث… فالقطّة الرقطاء هي قطة الكوني ابن عمتي أما الكلب فهو من الكلاب الضالة والسائبة  ولم أعرف أن بين قطة الكوني وهذا الكلب علاقة وديّة كالتي أعيش بعض أحداثها “هل أذنبنا في حقّهم يا صديقتي …لم كل هذا الحقد علينا…؟؟؟” هكذا قال الكلب مخاطبا القطّة…”هذا ويحاولون ايهامنا بأنهم سيعاملوننا حسب تعاليم الإسلام وما تركته السنّة…أي دين هذا الذي يأمرهم بمنع الغذاء عنّا؟ أيريدون قتلنا وابادتنا؟؟ هل تآمرنا عليهم؟؟ هل أضربنا عن القيام بواجباتنا؟؟ هل زاحمناهم في المناصب والمكاسب والوظائف العليا؟؟ هل أفسدنا في الأرض؟؟ نحن لم نسرق ولم ننهب ولم نظلم أحدا في حياتنا من البشر فلم كل هذا الحقد علينا؟؟؟” هكذا أجابت قطّة الكوني…

نظر إليها الكلب وقال “أتذكرين مواقفنا قبل 14 جانفي؟ ألم نبق على الحياد وحاولنا مساعدة الجميع على التعامل بهدوء مع ما وقع من أحداث؟ ألم نحرس ديارهم لأشهر طويلة حين كان الانفلات عنوان المرحلة؟؟ ألم تنقذ الكلاب الآلاف من المنازل من السرقة ؟؟ لماذا يعاملوننا هكذا ونحن الذين مات منّا الآلاف ولم نخرج حتى لنندّد بالأمر كما هم فعلوا ويفعلون، ألم يسجلوا بعض قتلاهم ضمن قائمة الشهداء وكأنّ الله لا يعلم شيئا عن الشهداء الحقّ وشهداء الفضاءات التجارية الكبرى؟؟ أمَسَكوا قطا او كلبا وهو يقنص من أعلى عمارات السكن؟؟؟”

ضحكت القطّة وقالت “نحن مختلفون عنهم يا صديقي… هم يحقدون على بعضهم البعض… هم يبحثون عن السلطة… جميعهم يريدون حكم البلاد فتراهم كأحزاب يخطبون ودّ الشعب بوعود وبرامج سياسية لا يحققون منها شيئا… ويوهمون الشعب بنجاحات وانجازات لم يحققوها… أنحن مثلهم؟؟ لا… نحن لم نبحث يوما عن سلطة أو جاه أو حكم… نحن لا أحد منا يخون الآخر… ولا أحد منّا يحقد على الآخر… ولا أحد منّا يعتدي على أملاك الآخر… هل سمعت يوما في صحفهم عن اتهام قطّ أو كلب بالفساد وتبييض الأموال ؟؟؟ لا أبدا ولن تسمع بالأمر أبدا…وهل سمعت يوما في نشرة أخبارهم التلفزية عن اغتصاب كلب لقطّة؟؟ لا لن تقرأ ذلك في صحفهم… فأخلاقنا ليست كأخلاق بعضهم… وعاداتنا ليست كعادات بعضهم… هم يشربون الخمر ويعودون إلى ديارهم يتمايلون ونحن لا نتمايل إلا حين يسممون أكلنا ظلما وعدوانا للتخلّص منّا”

نظر إليها الكلب ونبح صارخا في وجه كلب آخر اقترب منهما (كأنه يقول له روح لداركم ما الذي أتى بك هنا ؟؟؟) ونهره وأبعده عنهما ثم قال ملتفتا إلى القطّة الرقطاء: “أولا نحن لم يقبلوا بنا بينهم فكيف تريد منّا أن نطمح لسلطة أو حكم أو حتى للمشاركة في انتخابات ديمقراطية نزيهة وشفافة…” هنا قاطعته قطّة الكوني ابن عمّتي وقالت “نزيهة؟… أتقصد نزيهة صاحبة منزلنا سابقا محلاااااها تعطيني في السردينة كل يوم؟؟” نظر إليها الكلب غاضبا وقال ” أنت كصاحبك الكوني ساذجة وغبية… نزيهة من النزاهة أقصد وماذا تعرفين انت عن النزاهة؟؟” وأضاف قائلا “أتركيني أكمل كلامي ثم قولي ما تريدين يا حمقاء!!!… نحن لم نطلب يوما أن نكون ضمن الناخبين ولا ضمن المترشحين… أنا مثلا يا عزيزتي (هنا همست القطة قائلة: عزيزتي  منذ متى أنا عزيزتك يا كلب يا زوفري؟!…) لم أرغب يوما في شيء منهم غير مساعدتنا على تأمين الغذاء والسكن وهي اتفاقية قديمة بيننا منذ آلاف السنين…فأنا لست مثل بعضهم أبدا ولن أكون… أنا كلب طيب ومواطن صالح وشريف لم أسرق أو أنهب ولم أعضّ أو أظلم أحدا في حياتي… وأنا كلب ملتزم ومنضبط في شغلي وأعرف ربنا… فلمَ يخرج علينا أئمّتهم يهددوننا بالويل والثبور ويفتون بمنعنا من الأكل والماء؟ أهذا من الحقّ بشيء يا قطّتي العزيزة؟…”

هنا نظرت إليه القطّة وهي في حالة هستيرية وقالت صارخة: “أولا لست قطّتك و(يكب سعدك)… ثانيا أنت تكذب، أنت أكبر عضّاض في الحيّ… لكن أنا متعلمة ومثقّفة وأعشق بلادي وأحب أهلها ولا ولن أخون وطني اأدا ولن أكون من الوشاة لأخبر عنك وعن أفعالك يا (بوناب) وتقصد ان للكلب نابا طويلا خارجا عن الصفّ…” ثم ضحكت ونظرت في اتجاهي وقالت “كيف حالك عمّي…؟؟؟” نظرت إليها ضاحكا وقلت “عمّك … منين يا كبدي ؟؟؟” ضحكت ونظرت إلي وقالت “أتعرف يا ابن خال الكوني أني أنا القطّة الرقطاء ورغم أنى لست مشهورة أو شخصية عامة لكني والحمد لله وطنية وواعِية بكل ما يدور حولي. ولم أكن سلبية أو عميلة أو خائنة أبدا في حياتي… شاركت في العديد من المظاهرات في عهد المغفور له بن علي وحتى في عهد الترويكا وتوافق الباجي مع الغنوشي… وتظاهرت ضد التعذيب والتزوير والفساد والتوريث والتمديد… لكن ذلك الكلب الضال لم يفعل ذلك أبدا… كان دائم البحث عن الأكل والنباح والصعلكة بين الأزقة ومراودة كلبة عمّ الصادق الحوانتي وكلبة جارنا الذي يعمل بأوروبا، تصوّر أن له من كلبة سائح إيطالي سبعة جراء تركها دون تأمين الغذاء في الخلاء فماتت من الجوع والبرد…أتعلم أيضا انه أكل من كل الصحون منذ عهد الأمين باي أصدقني القول وقد قلت ذلك للكوني ابن عمتك”

نظرت إليها وضحكت وقلت “لم أتحدث عنك مع الكوني أبدا”… اقترب الكلب منّي وقال “لا تصدقها يا صديقي أتعلم أني بعد نجاح الثورة اجتمعت أنا وبقية كلاب المدينة بعد أن عرفنا أن الأمور قد تتغيّر وأن الأمل قائم في دولة ديمقراطية يكون فيها للكلاب والقطط موطأ قدم، وقررنا أن نساعدكم أنتم البشر في دمقرطة البلاد والخروج بها مما كانت عليه… وقررنا أن نكون لكم عبرة وأسوة من خلال تنظيم حياتنا السياسية والاجتماعية ومشاركتكم صنع مجد هذه البلاد… وشخصيا استشرت اهلي وناسي وأصحابي من الكلاب طبعا، فنصحوني بترشيح نفسي في انتخابات مجلس حي للكلاب يكون نواة لحياة سياسية منظمة للكلاب والقطط بجميع أصنافها وطوائفها وعائلاتهم نجمع فيه شمل بعضنا البعض… ويكون لنا ممثلنا الرسمي لدى البشر لنطالب بحقوقنا كمخلوقات ذات كبد رطبة وأمم مثلكم، فأنا أحب الجميع قططا وكلابا وبشرا وحتى ثعابين لم لا؟ وأنا على يقين انهم أيضا يحبونني فأنا واحد منهم ومولود هنا بينهم، مشاكلهم هي مشاكلي وهمومهم هي همومي… أما عن مشاكل هذا الوطن فهي أيضا مشاكلي فأنا كلب ابن كلب وهنا ولدت وهنا أعيش وهنا أبقى لأموت، ولعلمك سيدي أنا أتابع اوضاع البلاد منذ أطردني جدي الكلب الأكبر ولي برامجي وأفكاري واضحة، وقادر على إيجاد الحلول الممكنة والواقعية لأغلب مشاكلنا جميعا…”

همست لي قطّة الكوني وقالت: “لا تصدقه صديقي فقد طالبناهم منذ أكثر من عشر سنوات نحن معشر القطط بأن ننظّم مؤتمرا وطنيا للمصالحة الشاملة خدمة للمصالح العليا للبلاد، فرفض وحاول فرض إرادته من خلال ميليشيات فايسبوكية تشتم وتهتك أعراضنا وأعراض عائلاتنا ونحن الليلة هنا لنتفق في أولويات المرحلة… فالمرحلة التي نعيشها وتهديدات المنع من الغذاء والإبادة التي تتهددنا والحملة التي تشنها بعض وسائل التواصل أرهقتنا وأجبرت العديد منّا للهروب إلى بعض المناطق المجاورة التي يطيب فيها العيش وتكثر فيها الفضلات المنزلية…

نظرت إلى القطة والكلب وقلت لهما: “من الأفضل أن تتصالحا فالتعايش هو الأمر الوحيد الذي سيخرجكما مما آلت إليه الأمور وقد تتعقّد أكثر لو اتفق عليكما الجميع ومنعوكم من الغذاء والماء وقد يمنعونكم إن واصلتم تعنتكم من الهبهبة للكلاب والمواء للقطط …” نظر إلي الكلب وقال بصوت عال” صاحبك كلب ابن كلب…سألتزم بما تريدون…” ونظرت إليّ القطة وأقصد قطّة الكوني ابن عمتي وقالت وهي تبكي “حسبي الله…حسبي الله…”….

شعرت باصطدام على جمجمتي كأنه مطرقة وسمعت صوت زوجتي وهي تقول : “تي قوم اشبيك راقد قدام الحوش… يخي ما تخافش مالهوش وشبيك تهبهب من بكري؟؟؟” وعرفت أني لم أكن كسليمان لأتحدث مع كلب وقطة ولم أجتمع أصلا بها … ولم أذكر مما دار بيني وبينهما إلا “كلب ابن كلب…وهب هب”…

ملا ليلة كلبة…

أكمل القراءة

جور نار

محمد الأطرش يعود: نحن… ولعنة “الخوف الديمقراطي”!

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

التقيت صديقا من مشاكسي أيام زمان فاقترح علي مجالسته لبعض الوقت في أحد مقاهي المدينة فقبلت بالأمر… جلس وأشعل سيجارته وقال “حين تسأل اليوم من يعترضك من المارة أو أحد الأصدقاء كيف حالك؟؟ غالبا ما تكون الإجابة (الأمور ليست كما هي… جميعنا نعيش تحت غطاء الخوف)… تسأله مم الخوف؟ يجيبك (لا نعلم…)

هكذا جميعنا اليوم أو أغلبنا، هل ورثنا ثقافة الخوف عن أبائنا أم هي ثقافة كسبناها مما عشناه ونعيشه، ما رأيك يا صديقي في هذا الأمر؟؟” قلت: “في العهود التي مرّت بها البلاد وعشناها كنّا نخاف كل شيء، فحين كنّا صغارا كان خوفنا كبيرا من أمّنا ومن إخوتنا الكبار، وكنّا نعيش الرعب مع والدنا خوفا من عقاب شديد لا نعلم لماذا ومن فرضه علينا وبأي قانون وقع فرضه…ثم حين كبرنا وكان ذلك في عهد بورقيبة رحمه الله أصبح الخوف أوسع واشمل…وأخذ طابعا آخر فعشنا الخوف من مكاتب الشُعب ومن يعمل فيها ومن رئيسها فكان أغلبنا يمرّ أمام مكتب الشعبة مطأطئ الرأس صامتا يلقي التحيّة دون أن يلتفت إلى على من ألقى التحية… وقد يصل الخوف ببعضنا بأن يرفع عقيرته بالصراخ (نموت نموت ويحيا الوطن…) وقد يرفع عقيرته بالنشيد الوطني وكأنه في تحية العلم الصباحية،

كبرنا وبدأنا نفاخر ببعض الشعيرات التي غزت ذقوننا ولم يغادرنا الخوف بل أقسم أن لا يفارقنا ويتركنا في حالنا، فاصبحنا نخاف عون الأمن وأقاربه واصهاره ومن يجالسه…ثم عرفنا دور العمدة ومدى قربه من السلطة والحكم فأصبحنا نخافه ونخاف من يعمل معه ومن يجالسه ومن يرافقه ونخاف أهله وأصهاره وحتى أصدقاء صغاره…ولم تسلم المدرسة ومن يعمل فيها من خوفنا… فكنّا نخاف حين نمرّ أمام بوّاب المدرسة من وشاية تسبقنا إلى مدير المدرسة… معلمنا أيضا لم يسلم من خوفنا…فكنّا أيضا نخاف من وشاة القسم، فبعض من هم أقرب منّا إلى المعلم ويلاطفهم بتوصية من زميل له يعمل بالمدرسة التي لا تبعد عن مدرستنا كثيرا، كانوا يقرؤون في حصة القرآن “قل أعوذ برب الناس” ثم يذهبون ليوسوسوا في أذن المعلم عمّا يفعله بعضنا خارج القسم والمدرسة، فتنزل ببعضنا أشدّ العقوبات فيغلق في وجهنا مضيق هرمز… عفوا باب القسم فنمنع من الدخول…

هكذا كان لكل من مرّوا بحياتنا وشاة ينشرون الرعب والخوف… فمدير المدرسة وحارس المدرسة وبوابها… والأستاذ… وابن الأستاذ وابن أخت الأستاذ… والعمدة وجار العمدة وقوّاد العمدة… ومخبر قوّاد العمدة… والمعتمد وابن المعتمد… وصديقة ابن العمدة وابن المعتمد وابن شقيق الوالي وحارس الولاية وقوّاد الوالي ومن يجالسهم ومن يتعاملون معه في السرّ والعلن… جميعهم أذاقونا وجع الشكّ في القوادة فكنّا نخافهم بسبب ودون سبب ولا نعرف حتى لِمَ وجب علينا أن نخافهم ونخاف وشاتهم …ث

م كبرنا…وحين أصبحنا في عمر يسمح لنا بالوقوع في حبّ ابنة جارتنا فتحية أو زميلتنا في القسم كنّا نخاف أبناء الحي والأحياء المجاورة… فالوقوع في الحبّ ليس في متناول الجميع في أيامنا تلك… وابن الفقير لا يسمح له بالتقرّب من ابنة العمدة أو رئيس الشعبة أو ابنة مدير المدرسة وقد يعيش الرعب لو عاكس ابنة المعتمد أو ابنة رئيس مركز الشرطة، ففي أيامنا تلك حتى الوقوع في الحبّ بالأكتاف…فـــ”مها” لا يمكن لــ”خليفة” ان يقترب منها ويعاكسها… و”الشعلاء” أيضا فليس لها الحق في أن تعشق أو تعجب بــ”نوفل” و”كمال”… فـــ”نوفل” هو ابن المعتمد و”كمال” هو صاحبه ابن العمدة… لـ”خليفة” لالحقّ كاملا في معاكسة “برنية” و”أم الخير” لكن لا حقّ له في الاقتراب من “ابتسام”…فالاقتراب حينها يصبح سامّا وقد يعرّضه لعقوبات وتتبعات ومضايقات وملاحقات و”شفطات” وويل وثبور وعظائم أمور…

وهكذا كان أيضا عهد بن علي رحمه الله… فتواصلت معنا لعنة أو لنقل ثقافة الخوف … الخوف مما سبق الى ما لحق… فكنّا نخاف بن علي رحمه الله ومدير ديوانه وأعضاء ديوانه وأقاربهم وعائلاتهم وأصهارهم ومعارفهم ومن يجالسهم من له أرقام هواتفهم… كما عرفنا الخوف من كل الوزارات ومن يعمل فيها ومن يديرها ومن يدخلها ومن يجالس من فيها وعائلاتهم وأصهارهم وأبناء عمومتهم… ودبّ الخوف أيضا في قلوبنا من أعضاء مجلس النواب واللجنة المركزية والديوان السياسي وكل من له علاقة أو صلة بهم وبأحد أقاربهم وأتباعهم ومن يجالسهم ومن يصاهرهم ومن يعرف أرقام هواتفهم … دون أن ننسى خوفنا الدائم من الوالي والمعتمد الأول والمعتمد والعمدة وصديق العمدة وعمّ العمدة وخال زوجة العمدة وابن أخت العمدة وسائق الوالي والمعتمد والخ الخ الخ….

ثم وقع إضافة بند آخر في قائمة الرعب، فتوسعت القائمة لتشمل ليلى وأخواتها ومن يجالسها ومن يصاهرها ومن يعرف رقمها ورقم إخوتها… ثم سافر بن علي رحمه الله لأداء مناسك الحج والعمرة والموت في البقاع المقدسة… واستوطن التتار والمغول والفيكينغ أرضنا وجاء جنكيز خان على حصانه المخطط رافعا سيف العدالة والديمقراطية والحرية فلا خوف بعد اليوم لا من ليلى ولا من فتحية ولا حتى من “مولاة الخلة الخمرية”…فأصبح الخوف الديمقراطي أكبر واستوطنت الأحزاب التي خرجت علينا كالفقاقيع كل مقرّات المغفور له التجمّع الدستوري الديمقراطي… فأصبح الخوف ديمقراطيا شموليا… فالولد يخاف من أمه ومن والده ومن إخوته ومن جاره وأصهاره وأبناء عمومته ومن كلبه ومن قطته…

فخرج علينا اليسار يهددنا بالويل والثبور والكثير من الجاوي والبخور… وخرج علينا شيوخ الدين يولولون ويكفّرون ويهددون بجهنم وبئس المصير والمسير… ثم جاء بعض من هم في الاتحاد فأصبحنا جميعا في نظرهم من الأوغاد فخرّبوا الكثير من البناء وأرهقوا البلاد والعباد…فحلّ الرعب والخوف والاستبداد… وحكم بعض رجال الاتحاد البلاد … فأصبحنا جميعا نخاف الأمين العام والكاتب العام ورفيق الأمين العام وصديق الأمين العام وجار الأمين العام وابن عم الأمين العام ومن يجالس الأمين العام ومن يصاهر الكاتب العام وقوّاد الأمين العام… فقط السؤال اليوم هل لخوفنا هذا ما يبرره؟؟؟”

ثم نظرت إلى ساعتي فضحكت وسكتُّ…فقال صديقي لِم ضحكت ولم سكتَّ أكمل؟ قلتُ: الساعة الآن منتصف الليل يعني الساعة صفر وبلغتك أنت صديقي الساعة الصفر هي ذاتها الساعة الرابعة والعشرون وأنا وعدت زوجتي ألا أكون خارج المنزل بعد الساعة صفر… ضحك وقال: “الخوف يدير الجوف يا صاحبي …”

Motif étoiles

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار