جور نار
ورقات يتيم … الورقة رقم 8
نشرت
قبل سنتينفي

في صائفة الخامسة “ابتدائي” حدثان هامان عاشهما الحوش …اولهما زفاف ابنة عمي الوسطى (جميلة رحمها الله) وثانيهما خطوبة اختي الكبرى، سعيدة اطال الله في انفاسها …

في عرس ابنة عمي وهي اول مناسبة فرح في حوشنا تجند الجميع للحدث ـ وهذه احدى مزايا عائلاتنا في الحوش ـ في مناسباتنا الكبرى وفي الاعياد ايضا سلوكيات اهل الحوش تصبح رائعة للغاية … انذاك ينسى الجميع كل خلافاتهم ومشاحناتهم ويتجندون للحدث … واذكر جيدا من ضمن تلك الخلافات التافهة جدا في مضمونها ولكنها المعبرة جدا عما يعيشه سكان الحوش من تضايق وتوتر من ابسط الاشياء .. اتذكر ذات يوم عشية صيف حمل ابي زاده وزواده (سطل وجمّاعة) لجمع “كعبات” هندي …بعضه اخضر كما احبه انا والبعض الاخر اصفر، اي مكتمل النضج، كما تحبه والدتي … ورغم امتلاك كل عائلة في حوشنا لـ “طوابي” تابعة له ومقسمة بعدل، فان سي محمد بدا له يومها ان يجمع الهندي من طابية مشتركة بين الجميع …
دخل سي محمد مزهوا بما جناه من الطابية المشتركة …نظر له “سيدو” (اخوه الاكبر) ولم يرق له هذا الصنيع فقال له وبصوت ساخر وهادئ: “علاه يا محمد ما عجبتك كان هاكي الطابية يخخي جنانك ناقص طوابي والا ما فيهمش هندي؟ … وكعادة سي محمد، اللي ما يقبلش كلمتين خوات، نظر له بعين حادة (وهو مكسبه الوحيد لان عينه الاخرى فقدها منذ صغره بعد ان اعتدت عليه امه للا امنيية وليست منية، بمنكبها دون شعور) …نظر ابي الى اخيه الاكبر وزمجر قائلا: “حسدتني يا سيدي في عقاب كعبات هندي؟؟؟ طيب اهو تو نوريك فيهم” …طرح سي محمد كل ما جمعه ارضا وانهال عليه رفسا بساقيه، هاذي تنفع هاذي تضر حتى تركه “قد قد هو والقاعة” والقاعة تعني الارض …
ضحك عمي محمود بكل سخرية وشماتة وانتهى الامر …والدي رحمه الله بقدر ما كان سريع الغضب حاده …بقدر ما كان في المقابل سريع النسيان لا يحمل حقدا لاحد …اتذكر دائما ان عمي في الغد قدم من سوق الغلال بساقية الزيت من عمله (كدلال) وهو يحمل كعادته بعض الكعيبات من الدلاع والبطيخ والفقوس التي يجمعها من كبار الفلاحين كجزء من حقوقه وهو “يدلل” على بضاعتهم .. قدم ونادى للجميع، “ايا ايجاو” ….كان كل مرة يقسم المحصول مجانا على العائلات الثلاث …وكان يوكل الامور لوالدتي حيث يرى فيها الحاكمة العادلة في عملية القسمة …طبعا وافراد الاحزاب في حوشنا _ كيار الفتيات وخالتي وزوجة عمي الاوسط الذي كان “اينابت” inapte )غير كفيء في برج المراقبة (لانه كان شبه ضرير بالكاد يرى …
كانت هذه الجموع تحتشد لتراقب العملية انطلاقا من confiance c’est bien contrôlé c’est mieux …. نعم للثقة ولكن وجب الحذر .. ثم يكتب اسم رب كل عائلة في قرطاس صغير ويطوى بعد ان يخرج سي كريم خارج قبة برلمان العملية ويقع طي هذا القرطاس ثم ينادي احدهم ان “ادخل يا عبدالكريم سايي” … في خلوتي كنت امني النفس بالكدس الفلاني ..ربما لوجود فقوسة اعجبتني لا غير رغم ان امي كثيرا ما كانت تردد “بين الماء والفقوس كان تحريك الزروس” وادخل واقوم بوضع كل قرطاس على كدس من الكدوس … وكل واحد وسعدو يا وعدو …هل لاحظتم الشفافية والديموقراطية درءا لكل فساد او شيطنة …؟؟؟؟ لا ارهاب ولا ترهيب ….يشبه كثيرا تونس ما بعد 14 جانفي وحتى ما قبلهK لكن في الهم عندك ما تختار _….
يومها وبعد ان تمت القسمة نظر عمي الى ابي وقال …اش قولك يا محمد خويا موش هالبطيخة خير من كعبات الهندي المحنونين ..؟؟ ابتسم ابي وقال وهو ينظر الى البطيخة بنهم …لا، هايل ما عندي ما نقول …ربما هو تذكر انه عندما خطب امي (وكانت كل اعين ابناء اعمامها ‘بروجكتورات’ عل جسد الوالدة تكتفي بمتعة الحملقة …ومن يقدر على اكثر من ذلك وابوها بشاربيه وبكاريزما يوسف وهبي …تخاف منه وتهابه صقور العشيرة فما بالك بصبيانهم لن يتجرأ احد على التحرش بالحوهرة المصونة والدرة المكنونة محسونة …دعوني اهمس للعدول، كتاب قران معظم الزيجات _…بجاه مولاكم …. تخلصوا من هذا التوصيفات التي اسمعها منذ قبل ميلاد المسيح في كتابة عقد قران يوم الاشهار ..يا الله اعجزت قريحتنا الى ذلك الحد…..؟؟؟ ابناء عمها كان كل واحد منهم يمني النفس بالحصول عليها يوما ما نظرا إلى جمالها وحذاقتها كما يقول عنها كل من يعرفها …اما انا فهي عندي اجمل الجميلات واكثر النساء “حذاقة” اي حكمة .. لا شحا …
ربما تذكر ابي عندما خطبها وفاز بقصب السبق وتزوج بها وهو ابن عمتها، قولته الشهيرة عنها ( مختالا فخورا): بطيخة .في جدر العيايدة، قفزلهم بيها بوك محمد قطاطة … وبقي حتى يعد عشرات السنين من زواجهما اكبر حزار على “بطيخته” من جميع الاعين وخاصة من اعين ابناء عمها …
اعود لعرس ابنة عمي الوسطى جميلة …هي كانت اجمل بنات عمي الثلاث واكثرهن طموحا لرجل “يملا عينها”_بكل المفاهيم … الا انها كصبية تنتمي الى عائلة فقيرة ما كان للحظ ان بيتسم لها ولمطامحها …كانت عينها كبيرة _وحظوظها صغيرة الى ان تقدم بها السن (بعد العشرين) … اخيرا كان عليها ان تقبل بالذي تقدم اليها هو يفتقر انذاك للماديات وحتى لقبه ما كان يرضيها، ولكن ميزته انه شاب ووسيم وعندما سألها اعيان الحوش عن رأيها في هذا الخطيب اجابت:على كيفو ..هو خير من غيرو آش ما زال في العمر …رغم ان اهله سحاق ويظهرولي عقارب يعطيهم عقرب …ووالله ما ان اتمت كلامها حتى صاحت بكل حرقة “عقرب عقرب” …نعم لدغتها العقرب …في الحياة هنالك اشياء لا تخضع لاي منطق وستكتشفون العديد منها في القادم ..المنطق الوحيد (اقدار ) …
في عرس جميلة كنت صغير السن ولعل ما طبعته ذاكرتي انذاك ما لذ وطاب من مأكولات… ياشي دواور ياشي سفنج ياشي هرقمة … في كلمة، زردة قمقومة …اذكركم بأني ولحد يوم الناس هذا لم اكن اكولا بالمرة …كما تقول والدتي عني (انت اللي يسمعك تحكي على الماكلة يقول الدنيا خلات …وانت تاكل كان بعينك …وقتاش ماشي تصير تاكل وتربي لحمة وشحمة كيف اندادك ..را ك جلدة على عظمة !) … في ذلك العرس ايضا كان اول عهدنا بآلة التصوير …_المصورة ابن خالي رحمه الله جلبها لاخذ صور تذكارية للعرس …وقتها ولاول مرة في حياتي وقفت مع العائلة لاخذ اول صورة بالابيض والاسود طبعا …عندما اعود اليها الان (وستجدونها موثقة في النسخة الورقية) احس وانا الذي ادرس طلبتي تقنيات الصورة انها على بساطتها من اروع الصور …بل واقولها دائما لطلبتي …التصوير تقنيات نعم ولكنه في باطنه اعمق، لان الصورة قد تكون جميلة تقنيا ومطابقة لقواعد التصوير ولكنها لا تعني شيئا اذا كانت لا تحمل رسالة ..وهذا هو سر جمال الصورة الاولى في حياتي انها كنز من الرسائل …لعلني اوجزها في (هي وثيقة تاريخية لزمن ما، في وقفتنا …في اصطفافنا …في اعين سي محمد الرقيب …في توزيع الفتيات والفتيان … اي انها ديوان فني وتاريخي لعصر ما) …
الحدث الثاني في تمام سن الخامسة خطوبة اختي الكبرى …سعيدة … اختي الكبرى و كسائر صبايا الحوش وهن اربع …. لم تكن “سعيدة جدا” بعرس ابنة عمها …هي تكبرها عمرا نعم …ولكن سعيدة وصلت الى سن التاسعة عشرة ولم يتقدم اليها اي خطيب ..؟؟؟ يا لهول المصيبة خاصة وهي اجمل واصغر من بنات عمها …وحتى الشاب الذي احبته في مراهقتها وهو عطار العائلة لم يكن يقنع العائلة ماديا … لذلك كان كل عرس لاندادها في الاهل او الاقارب يمثل بالنسبة لها وللاخريات نكبة … وحتى ضحكاتهن البلاستيكية لا يمكن ان تخفي ما في صدورهن من حسد لهن و رغبة في نيل نصيبهن والانعتاق من كهف العائلة … نعم العائلة انذاك كانت تمثل بالنسبة للفتاة سجنا فحياتهن يوميا شؤون المنزل المرهقة … ولا دخلة ولا خرجة، النسمة لا …ورغم ذلك تراهن يتأففن عند شكواهن من هذا السجن المقيت ويضفن ( ولا محمود لا مشكور) خاصة مع امهات من نوع والدتي اللواتي يحرصن على تعليم بناتهن كل فنون الطهي وكل شؤون المنزل من الفه الى ابعد من يائه …وكانت كل مرة تعبر فيها اختي سعيدة عن ضجرها من تلك الاشغال الشاقة تنهال عليها عيادة كشلال لا يتوقف: “سكر عليا جلغتك ولم عسلك ماخذة الرجال ساهلة هي ؟؟ حتى تتعلموا اش يلزمها تعرف المرا …تحبوهم يقولو علينا لا ترحم من ولد ومن وربّى؟ تحبونا نقعدو لدعا الشر .؟؟؟ وتتمتم سعيدة بكلمات غير مفهومة الاكيد هي من نوع “وقتاش يحي هالراجل وترتاحو مني ونرتاح منكم” …
ذات يوم عاد سي محمد الى المنزل مغتبطا على غير عادته …واشتمت عيادة بحدسها المرهف ان غبطته وراءها اشياء وكعادتها كتمت الاسئلة الكامنة في صدرها …واجلتها الى ركن الاسرار في بيتنا والى توقيته …النساء اغلبهن في ذلك الزمن يعرفن من اين تؤكل لا فقط كتف ازواجهم بل كل شيء فيهم …فيحددن لموعد الاستفراد بهم (الليل) ولمكان نفس الاستفراد عندما تنفرد بكل ما بقي من عقله وهو تقاسمه فراشه …انذاك فقط وفقط وفقط يمكن لهن ان يطلبن من المغرر بهم “حليب الغولة” … وانذاك فقط وفقط وفقط يصبح سي السيد طيعا لينا لا يرد (بفتح الياء) اي طلب لشهرزاده حتى ولو كانت الواحدة منهن شمطة الشمطات …ليلتها استفردا ببعضهما وانبأها برغبة شاب في خطبة ابنته الكبرى وبكل سعادة وحبور ..ابي كمعظم الرجال منذ الجاهلية… ومازات نوعيتهم لم تنقرض بعد ….لا يحبون كثيرا البنات …..واذا تخلوا عن الوأد الفعلي فانهم عوضوه بالوأد الافظع: المعنوي … وابي احد هؤلاء بل وصل به الامر كلما توفيت واحدة من اخواتي البنات (وهما اثنتان رحمهما الله توفيتا و هما رضيعتان) الى رد فعل كم هو مقيت ….كان يشتري السمك عنوة ليشويه احتفالا بما حدث وهو امر تستعيذ فيه امي من الشيطان الرجيم لمثل هذا الصنيع لان شواء الحوت في حدث الوفاة يعني طربا بالحدث …غفر الله لهم جميعا …
ابي كان سعيدا بخبر هذا الشاب الذي لم يلتق يوما اختي ولا يعرف عنها شيئا باستثناء ان اباها هو ابن عم ابيه …سعيدا كان ابي لاسباب عديدة اولها على الاطلاق ان هذا الشاب لم يلتق يوما بابنته (اطمأن هكذا على ان ابنته ابنة اصول) ثانيهما انه بزواجها سيتخلص من عبء مصاريف فرد من افراد العائلة وهو لم يدرك بعد ان الزواج بكل مصاريفه كم هو مكلف …. وثالث اسباب سعادته انه …ولد قطاطة (شوف يا سيدي هاكي العائلة الكبيرة التي كان يفاخر بها ابي كما يفاخر اي رجل انذاك بلقبه وكل قرد في عين بوه غزال) …وكأنه يتجاهل ان عائلتنا هي عائلة عادية في حسبها ونسبها كسائر العائلات في صفاقس اي هي (وكما تنبزه امي) ليست كعائلات الشرفي والمنيف والشعبوني والسيالة حسبا ونسبا وتضيف بصوت عال: و ما تنساش بن عياد زادة (وهو لقب عائلتها) …
الا انه كان يقهقه ملء شدقيه وهي تذكر هذا اللقب الاخير ويستنجد بابن عمه (الاستاذ الشيخ محمد قطاطة وهو احد اساتذة العربية بالحي الزيتوني، كما أنه خريج التعليم الزيتوني بجبته الفاخرة وسيارته الفاخرة انذاك بيجو 203 رحمه الله) يستنجد به وهو الوحيد في عرشيْ قطاطة وبن عياد الذي وصل الى ذلك المستوى التعليمي، لان من تبقى لم يتجاوز افضلهم الرابعة ابتدائي في زمن الامية والجهل والعنطزة … يستنجد والدي ليفحمها بـ “عندكم في آل بن عياد شكون كيف الشيخ محمد ؟؟؟” … وللامانة كانت والدتي تجل هذا الشيخ اجلالا كبيرا لا فقط لعلمه بل لدماثة اخلاقه وهدوئه ورصانته وهي صفات قل ما توجد انذاك في المجتمع الرجالي حيث علو الصوت والسب والشتم وحتى الضرب هي عناوين رجولة …
كانت ترد عليه: “الشيخ محمد هاكا امو ولدتو وبعد هز ربي متاعو ماكيفو حد، هاكا دقلة العرجون متاع القطاطيين … اما البقية صيش “…وماكانت امي لتقول له مثل هذه السبة لو لم تكن سيدة الموقف زمانا ومكانا …..يبتلع سي محمد ما تبقى من ريقه ويواصل: لا علينا …الشاب هو محمد ابن المرحوم محمود ولد عمي …وتنفرج اسارير والدتي ابتهاجا …انه يتيم الابوين ووحيدهما …وفي الغد وهي تسر لاختي بالخبر تبدأ بالقول: “ما نعرفش منين جاتك يا بنتي دعوة خير ليلة القدر …جاك واحد لا ام لا بو لا اخت لا خو” …. امي كانت مدركة تماما لصعوبة مراس ابنتها التي هي باختصار نسخة من ابيها، لا في شكلها فقط بل وهو ما كان يخيف امي في طباعها (عنيدة سريعة الغضب) ولكنها وتماما مثل سي محمد لا تحمل ضغينة او حقدا …
تهللت اسارير وجه اختي بفرح مشوب بحذر وبرغبة جامحة في رؤية هذا الفارس الذي انتظرته دهورا (وهي انذاك في سن التاسعة وعشرة كما قلنا) عله يكون “مزيان وشباب”…ولا تسألوني عن فرحتها يوم زارنا مع ابن اعمه الاكبر منه سنا، الحاج علي وزوجته رحمهما اللهن ليتقدما رسميا لخطبة اختي …لا تسالوني عن تلك الصبية وهي تقدم طبق القهوة لضيوفها المبجلين وعيناها تبحلقان لاول مرة في وجه فارس احلامها .. كادت تسقط الطبق من فرط ما رأته ..شاب وسيم للغاية يصغرها بسنة وفي غاية الادب والحشمة …اية اقدار واي كم من السعادة لم تستطع تحمله …كان كل جسدها الممتلئ يرقص ويغني ويقول اشعارا ويكتب دواوين العشق والوله والشبق من اول نظرة …وكان هذا الشاب اليتيم الابوين و المقطوع من شجرة لا حماة تعكر صفوها ولا اخت راجل تنكد عليها معيشتها ..كان هذا الشاب ليس اقل منها سعادة …كيف لا وهي اولا ابنة عمه وثانيا المرأة الكنز جمالا بمفاهيم الجمال انذاك (المرأة المكتنزة والجميلة المحيا) والراقصة في مشيتها يفعل اكتناز قطبها الفوقي وقطبها الخلفي _ تماما كما يصفها نجيب محفوظ في اغلب رواياته او كما قرأناعن مثيلاتها في بداية مراهقتنا في كتاب الروض العاطر في نزهة الخاطر (وللاثنين عودة) …
اشتبكت الاعين واشتبكت النظرات ووصلت الرسائل المشفرة الى كليهما …وقضي الامر…. .وتنحنح الحاج علي بعد ان فهم من الشاب محمد الاعجاب وبعد التأكد من همس بينهما لم نع منه شيئا وبعد ان خرجت اختي الى وسط الحوش تتلصص بالسماع عما سيحدث …تنحنح الحاج علي وبسمل وحمدل ثم نطق: “يا بن عمي محمد، ولد ولد عمك محمود راهو راغب في بنت عمو واحنا جيناكم طالبين راغبين في بنت الحسب والنسب وعلى كل حال الماء اللي ماشي للسدرة الزيتونة اولى بيه وزيتنا في د قيقنا” …تصبب جبين ابي عرقا وجمع شتات عبقريته في التعبير وتنحنح ثم قال …يا ولد عمي العين ما تعلا على الحاجب اما انت تعرف الشرع يلزمني نشاورها …ضرب الحاج علي بلطف على ركبة ابي واجاب: “يا ولد عمي احنا عندنا بنات يعصيو كلام والديهم ؟؟؟” … لكن ابي لبس جبة المتقين واصر على موقفه قائلا: “ما عندناش يا ولد عمي اما اللازم لازم” …ثم صاح دون انتظار اي تعليق للحاج علي: “يا سعيدة وينك ؟”… وبسرعة تفوق سرعة الضوء دخلت سعيدة على عجل وهي تتمتم: “انعم يا بويا” …
عرض الوالد عليها الامر فطأطأت رأسها (زعمة زعمة طاعة وحشمة) وقالت بارتجاف لا يمكن ان يكون الا من نوع: “توة هذا كلام يا بويا؟! …هذي اللحظة اللي اغلى عندي من كل الدنيا وما فيها) … واسرعت بعرض محفوظات بنات ذلك الجيل: اللي تعمل انتي مبروك يا بويا، انا نلوي العصا في يدك؟؟ … وصاح سي علي آهي بنت الاصول اية ان شاء الله مبروكين على بعضهم …اوكى توة بعد نحكيو في الشرط …وهنا تدخلت الحكيمة والدتي لتفول: “يا سي علي اللي يجيب ليلو واللي يخللي ليلو” … وللامانة والدتي كانت صادقة في ما قالت لان هذه العبارة يرددها الجميع في البداية ثم بعد “ما يوحل المنجل في القلة والفاس في الراس” تتهاطل الشروط على العروس المسكين ويذعن لكل الطلبات …
وتهللت اسارير الفرح لدى ذلك الشاب لانه صانع مبتدئ في صناعة الاحذية وتهللت اسارير الفرح لدى اختي خوفا من شروط قد تنهي الموضوع او تؤجله الى زمن لا ترغب في ان يكون بعسر الجبال …وهنا تدخلت للة البية امرأة الحاج علي لتختم: “هو ولد باب الله اما بصنعتو وما تخافوش عليه والراجل ما يتيعبش خاصة كيف يكون كيف سلفي محمد اطمانوا ماعندوش لا زايد ولا ناقص، وباش ما نطولوش المشاور والمصاريف عندها كل موسم قفتها والعرس عام الجاي ان شاء الله “…وردت امي: اللي كاتبلهم ربي يصير …
هكذا كانت الامور تسير في ذلك الزمن بالنسبة لجل العائلات المعوزة وكان كلما تقدم احد لخطبة صبية منها يعلق جل المتدخلون في “مجلس الامن” (الجيران والاهل): سكّد سكّد بالشدة على الكاف، “اما خير والا تبورلكم” …_ اما اذا حدث ان توج الزواج بفشل مريع في الاختيار وهو السائد في اغلب الزيجات فان نفس مجلس الامن يجمع على (هاكا اش هزت مغرفتها) اي ملعقتها … وكم من ملاعق لعقت ومحقت سعادة العديد والعديد والعديد من الفتيات …. خاصة اللواتي اردن ان يخرجن من سجن الاب او الاخ او العشيرة فوجدن انفسهن في سجون اكثر فظاعة وبشاعة وبؤسا وتعاسة …
يااااااااااااااااااااااااااااااه كم كان “كوبل” اختي وزوجها رحمه الله مختلفا عن عديد الكوبلوات، رغم عناد اختي وغيرتها عليه وكم كان هو “مؤخرة ميتة” في مجابهة كل العراقيل، وكم كان نابضا بحبه للعمل ولعائلته ولي شخصيا …..وكم احسست باليتم وهو يعود من فرنسا في تابوت بعد عملية زرع كلية لم تثمر الا نهايته …
ـ يتبع ـ

تصفح أيضا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد الأطرش:
عشت البارحة خصومة طويلة مع النوم، ولم أنجح في مراودته للبقاء معي حتى سويعات الفجر الأولى… خرجت أمام المنزل بحثا عن نسمات صيفية تُصالح بيني وبين النوم فلم أجدها…

سمعت حشرجة قرب السور الخارجي للمنزل لم أعهدها سابقا، فاقتربت من مصدرها لأعرف مَن هناك، وكأني بقطة وكلب يتهامسان ويتحاوران في مشهد لم أعشه سابقا أبدا، فبين القطط والكلاب معارك دامية عشتها في منزلي السابق وكنت شاهدا على العديد من الأحداث بينها ونجحت في الكثير من الأحيان في رأب الصدع بين الفصيلين، وأجبرتهما على الهدنة والمصالحة الشاملة وتقاسم الموارد من سكن وغذاء، لكن أن يصل الأمر أن أجدهما في جلسة ودية أو ما شابه خلف السور الخارجي للمنزل فهذا أمر أول مرّة أعيشه، يذكرني هذا المشهد بالتوافق الذي عاشته تونس أيام الباجي رحمه الله والنهضة وقياداتها…
جلست غير بعيد عنهما لأستمع إلى ما يدور بينهما من حديث… فالقطّة الرقطاء هي قطة الكوني ابن عمتي أما الكلب فهو من الكلاب الضالة والسائبة ولم أعرف أن بين قطة الكوني وهذا الكلب علاقة وديّة كالتي أعيش بعض أحداثها “هل أذنبنا في حقّهم يا صديقتي …لم كل هذا الحقد علينا…؟؟؟” هكذا قال الكلب مخاطبا القطّة…”هذا ويحاولون ايهامنا بأنهم سيعاملوننا حسب تعاليم الإسلام وما تركته السنّة…أي دين هذا الذي يأمرهم بمنع الغذاء عنّا؟ أيريدون قتلنا وابادتنا؟؟ هل تآمرنا عليهم؟؟ هل أضربنا عن القيام بواجباتنا؟؟ هل زاحمناهم في المناصب والمكاسب والوظائف العليا؟؟ هل أفسدنا في الأرض؟؟ نحن لم نسرق ولم ننهب ولم نظلم أحدا في حياتنا من البشر فلم كل هذا الحقد علينا؟؟؟” هكذا أجابت قطّة الكوني…
نظر إليها الكلب وقال “أتذكرين مواقفنا قبل 14 جانفي؟ ألم نبق على الحياد وحاولنا مساعدة الجميع على التعامل بهدوء مع ما وقع من أحداث؟ ألم نحرس ديارهم لأشهر طويلة حين كان الانفلات عنوان المرحلة؟؟ ألم تنقذ الكلاب الآلاف من المنازل من السرقة ؟؟ لماذا يعاملوننا هكذا ونحن الذين مات منّا الآلاف ولم نخرج حتى لنندّد بالأمر كما هم فعلوا ويفعلون، ألم يسجلوا بعض قتلاهم ضمن قائمة الشهداء وكأنّ الله لا يعلم شيئا عن الشهداء الحقّ وشهداء الفضاءات التجارية الكبرى؟؟ أمَسَكوا قطا او كلبا وهو يقنص من أعلى عمارات السكن؟؟؟”
ضحكت القطّة وقالت “نحن مختلفون عنهم يا صديقي… هم يحقدون على بعضهم البعض… هم يبحثون عن السلطة… جميعهم يريدون حكم البلاد فتراهم كأحزاب يخطبون ودّ الشعب بوعود وبرامج سياسية لا يحققون منها شيئا… ويوهمون الشعب بنجاحات وانجازات لم يحققوها… أنحن مثلهم؟؟ لا… نحن لم نبحث يوما عن سلطة أو جاه أو حكم… نحن لا أحد منا يخون الآخر… ولا أحد منّا يحقد على الآخر… ولا أحد منّا يعتدي على أملاك الآخر… هل سمعت يوما في صحفهم عن اتهام قطّ أو كلب بالفساد وتبييض الأموال ؟؟؟ لا أبدا ولن تسمع بالأمر أبدا…وهل سمعت يوما في نشرة أخبارهم التلفزية عن اغتصاب كلب لقطّة؟؟ لا لن تقرأ ذلك في صحفهم… فأخلاقنا ليست كأخلاق بعضهم… وعاداتنا ليست كعادات بعضهم… هم يشربون الخمر ويعودون إلى ديارهم يتمايلون ونحن لا نتمايل إلا حين يسممون أكلنا ظلما وعدوانا للتخلّص منّا”
نظر إليها الكلب ونبح صارخا في وجه كلب آخر اقترب منهما (كأنه يقول له روح لداركم ما الذي أتى بك هنا ؟؟؟) ونهره وأبعده عنهما ثم قال ملتفتا إلى القطّة الرقطاء: “أولا نحن لم يقبلوا بنا بينهم فكيف تريد منّا أن نطمح لسلطة أو حكم أو حتى للمشاركة في انتخابات ديمقراطية نزيهة وشفافة…” هنا قاطعته قطّة الكوني ابن عمّتي وقالت “نزيهة؟… أتقصد نزيهة صاحبة منزلنا سابقا محلاااااها تعطيني في السردينة كل يوم؟؟” نظر إليها الكلب غاضبا وقال ” أنت كصاحبك الكوني ساذجة وغبية… نزيهة من النزاهة أقصد وماذا تعرفين انت عن النزاهة؟؟” وأضاف قائلا “أتركيني أكمل كلامي ثم قولي ما تريدين يا حمقاء!!!… نحن لم نطلب يوما أن نكون ضمن الناخبين ولا ضمن المترشحين… أنا مثلا يا عزيزتي (هنا همست القطة قائلة: عزيزتي منذ متى أنا عزيزتك يا كلب يا زوفري؟!…) لم أرغب يوما في شيء منهم غير مساعدتنا على تأمين الغذاء والسكن وهي اتفاقية قديمة بيننا منذ آلاف السنين…فأنا لست مثل بعضهم أبدا ولن أكون… أنا كلب طيب ومواطن صالح وشريف لم أسرق أو أنهب ولم أعضّ أو أظلم أحدا في حياتي… وأنا كلب ملتزم ومنضبط في شغلي وأعرف ربنا… فلمَ يخرج علينا أئمّتهم يهددوننا بالويل والثبور ويفتون بمنعنا من الأكل والماء؟ أهذا من الحقّ بشيء يا قطّتي العزيزة؟…”
هنا نظرت إليه القطّة وهي في حالة هستيرية وقالت صارخة: “أولا لست قطّتك و(يكب سعدك)… ثانيا أنت تكذب، أنت أكبر عضّاض في الحيّ… لكن أنا متعلمة ومثقّفة وأعشق بلادي وأحب أهلها ولا ولن أخون وطني اأدا ولن أكون من الوشاة لأخبر عنك وعن أفعالك يا (بوناب) وتقصد ان للكلب نابا طويلا خارجا عن الصفّ…” ثم ضحكت ونظرت في اتجاهي وقالت “كيف حالك عمّي…؟؟؟” نظرت إليها ضاحكا وقلت “عمّك … منين يا كبدي ؟؟؟” ضحكت ونظرت إلي وقالت “أتعرف يا ابن خال الكوني أني أنا القطّة الرقطاء ورغم أنى لست مشهورة أو شخصية عامة لكني والحمد لله وطنية وواعِية بكل ما يدور حولي. ولم أكن سلبية أو عميلة أو خائنة أبدا في حياتي… شاركت في العديد من المظاهرات في عهد المغفور له بن علي وحتى في عهد الترويكا وتوافق الباجي مع الغنوشي… وتظاهرت ضد التعذيب والتزوير والفساد والتوريث والتمديد… لكن ذلك الكلب الضال لم يفعل ذلك أبدا… كان دائم البحث عن الأكل والنباح والصعلكة بين الأزقة ومراودة كلبة عمّ الصادق الحوانتي وكلبة جارنا الذي يعمل بأوروبا، تصوّر أن له من كلبة سائح إيطالي سبعة جراء تركها دون تأمين الغذاء في الخلاء فماتت من الجوع والبرد…أتعلم أيضا انه أكل من كل الصحون منذ عهد الأمين باي أصدقني القول وقد قلت ذلك للكوني ابن عمتك”
نظرت إليها وضحكت وقلت “لم أتحدث عنك مع الكوني أبدا”… اقترب الكلب منّي وقال “لا تصدقها يا صديقي أتعلم أني بعد نجاح الثورة اجتمعت أنا وبقية كلاب المدينة بعد أن عرفنا أن الأمور قد تتغيّر وأن الأمل قائم في دولة ديمقراطية يكون فيها للكلاب والقطط موطأ قدم، وقررنا أن نساعدكم أنتم البشر في دمقرطة البلاد والخروج بها مما كانت عليه… وقررنا أن نكون لكم عبرة وأسوة من خلال تنظيم حياتنا السياسية والاجتماعية ومشاركتكم صنع مجد هذه البلاد… وشخصيا استشرت اهلي وناسي وأصحابي من الكلاب طبعا، فنصحوني بترشيح نفسي في انتخابات مجلس حي للكلاب يكون نواة لحياة سياسية منظمة للكلاب والقطط بجميع أصنافها وطوائفها وعائلاتهم نجمع فيه شمل بعضنا البعض… ويكون لنا ممثلنا الرسمي لدى البشر لنطالب بحقوقنا كمخلوقات ذات كبد رطبة وأمم مثلكم، فأنا أحب الجميع قططا وكلابا وبشرا وحتى ثعابين لم لا؟ وأنا على يقين انهم أيضا يحبونني فأنا واحد منهم ومولود هنا بينهم، مشاكلهم هي مشاكلي وهمومهم هي همومي… أما عن مشاكل هذا الوطن فهي أيضا مشاكلي فأنا كلب ابن كلب وهنا ولدت وهنا أعيش وهنا أبقى لأموت، ولعلمك سيدي أنا أتابع اوضاع البلاد منذ أطردني جدي الكلب الأكبر ولي برامجي وأفكاري واضحة، وقادر على إيجاد الحلول الممكنة والواقعية لأغلب مشاكلنا جميعا…”
همست لي قطّة الكوني وقالت: “لا تصدقه صديقي فقد طالبناهم منذ أكثر من عشر سنوات نحن معشر القطط بأن ننظّم مؤتمرا وطنيا للمصالحة الشاملة خدمة للمصالح العليا للبلاد، فرفض وحاول فرض إرادته من خلال ميليشيات فايسبوكية تشتم وتهتك أعراضنا وأعراض عائلاتنا ونحن الليلة هنا لنتفق في أولويات المرحلة… فالمرحلة التي نعيشها وتهديدات المنع من الغذاء والإبادة التي تتهددنا والحملة التي تشنها بعض وسائل التواصل أرهقتنا وأجبرت العديد منّا للهروب إلى بعض المناطق المجاورة التي يطيب فيها العيش وتكثر فيها الفضلات المنزلية…
نظرت إلى القطة والكلب وقلت لهما: “من الأفضل أن تتصالحا فالتعايش هو الأمر الوحيد الذي سيخرجكما مما آلت إليه الأمور وقد تتعقّد أكثر لو اتفق عليكما الجميع ومنعوكم من الغذاء والماء وقد يمنعونكم إن واصلتم تعنتكم من الهبهبة للكلاب والمواء للقطط …” نظر إلي الكلب وقال بصوت عال” صاحبك كلب ابن كلب…سألتزم بما تريدون…” ونظرت إليّ القطة وأقصد قطّة الكوني ابن عمتي وقالت وهي تبكي “حسبي الله…حسبي الله…”….
شعرت باصطدام على جمجمتي كأنه مطرقة وسمعت صوت زوجتي وهي تقول : “تي قوم اشبيك راقد قدام الحوش… يخي ما تخافش مالهوش وشبيك تهبهب من بكري؟؟؟” وعرفت أني لم أكن كسليمان لأتحدث مع كلب وقطة ولم أجتمع أصلا بها … ولم أذكر مما دار بيني وبينهما إلا “كلب ابن كلب…وهب هب”…
ملا ليلة كلبة…

جور نار
محمد الأطرش يعود: نحن… ولعنة “الخوف الديمقراطي”!
نشرت
قبل 7 أيامفي
1 يوليو 2026من قبل
محمد الأطرش Mohamed Alatrash
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد الأطرش:
التقيت صديقا من مشاكسي أيام زمان فاقترح علي مجالسته لبعض الوقت في أحد مقاهي المدينة فقبلت بالأمر… جلس وأشعل سيجارته وقال “حين تسأل اليوم من يعترضك من المارة أو أحد الأصدقاء كيف حالك؟؟ غالبا ما تكون الإجابة (الأمور ليست كما هي… جميعنا نعيش تحت غطاء الخوف)… تسأله مم الخوف؟ يجيبك (لا نعلم…)

هكذا جميعنا اليوم أو أغلبنا، هل ورثنا ثقافة الخوف عن أبائنا أم هي ثقافة كسبناها مما عشناه ونعيشه، ما رأيك يا صديقي في هذا الأمر؟؟” قلت: “في العهود التي مرّت بها البلاد وعشناها كنّا نخاف كل شيء، فحين كنّا صغارا كان خوفنا كبيرا من أمّنا ومن إخوتنا الكبار، وكنّا نعيش الرعب مع والدنا خوفا من عقاب شديد لا نعلم لماذا ومن فرضه علينا وبأي قانون وقع فرضه…ثم حين كبرنا وكان ذلك في عهد بورقيبة رحمه الله أصبح الخوف أوسع واشمل…وأخذ طابعا آخر فعشنا الخوف من مكاتب الشُعب ومن يعمل فيها ومن رئيسها فكان أغلبنا يمرّ أمام مكتب الشعبة مطأطئ الرأس صامتا يلقي التحيّة دون أن يلتفت إلى على من ألقى التحية… وقد يصل الخوف ببعضنا بأن يرفع عقيرته بالصراخ (نموت نموت ويحيا الوطن…) وقد يرفع عقيرته بالنشيد الوطني وكأنه في تحية العلم الصباحية،
كبرنا وبدأنا نفاخر ببعض الشعيرات التي غزت ذقوننا ولم يغادرنا الخوف بل أقسم أن لا يفارقنا ويتركنا في حالنا، فاصبحنا نخاف عون الأمن وأقاربه واصهاره ومن يجالسه…ثم عرفنا دور العمدة ومدى قربه من السلطة والحكم فأصبحنا نخافه ونخاف من يعمل معه ومن يجالسه ومن يرافقه ونخاف أهله وأصهاره وحتى أصدقاء صغاره…ولم تسلم المدرسة ومن يعمل فيها من خوفنا… فكنّا نخاف حين نمرّ أمام بوّاب المدرسة من وشاية تسبقنا إلى مدير المدرسة… معلمنا أيضا لم يسلم من خوفنا…فكنّا أيضا نخاف من وشاة القسم، فبعض من هم أقرب منّا إلى المعلم ويلاطفهم بتوصية من زميل له يعمل بالمدرسة التي لا تبعد عن مدرستنا كثيرا، كانوا يقرؤون في حصة القرآن “قل أعوذ برب الناس” ثم يذهبون ليوسوسوا في أذن المعلم عمّا يفعله بعضنا خارج القسم والمدرسة، فتنزل ببعضنا أشدّ العقوبات فيغلق في وجهنا مضيق هرمز… عفوا باب القسم فنمنع من الدخول…
هكذا كان لكل من مرّوا بحياتنا وشاة ينشرون الرعب والخوف… فمدير المدرسة وحارس المدرسة وبوابها… والأستاذ… وابن الأستاذ وابن أخت الأستاذ… والعمدة وجار العمدة وقوّاد العمدة… ومخبر قوّاد العمدة… والمعتمد وابن المعتمد… وصديقة ابن العمدة وابن المعتمد وابن شقيق الوالي وحارس الولاية وقوّاد الوالي ومن يجالسهم ومن يتعاملون معه في السرّ والعلن… جميعهم أذاقونا وجع الشكّ في القوادة فكنّا نخافهم بسبب ودون سبب ولا نعرف حتى لِمَ وجب علينا أن نخافهم ونخاف وشاتهم …ث
م كبرنا…وحين أصبحنا في عمر يسمح لنا بالوقوع في حبّ ابنة جارتنا فتحية أو زميلتنا في القسم كنّا نخاف أبناء الحي والأحياء المجاورة… فالوقوع في الحبّ ليس في متناول الجميع في أيامنا تلك… وابن الفقير لا يسمح له بالتقرّب من ابنة العمدة أو رئيس الشعبة أو ابنة مدير المدرسة وقد يعيش الرعب لو عاكس ابنة المعتمد أو ابنة رئيس مركز الشرطة، ففي أيامنا تلك حتى الوقوع في الحبّ بالأكتاف…فـــ”مها” لا يمكن لــ”خليفة” ان يقترب منها ويعاكسها… و”الشعلاء” أيضا فليس لها الحق في أن تعشق أو تعجب بــ”نوفل” و”كمال”… فـــ”نوفل” هو ابن المعتمد و”كمال” هو صاحبه ابن العمدة… لـ”خليفة” لالحقّ كاملا في معاكسة “برنية” و”أم الخير” لكن لا حقّ له في الاقتراب من “ابتسام”…فالاقتراب حينها يصبح سامّا وقد يعرّضه لعقوبات وتتبعات ومضايقات وملاحقات و”شفطات” وويل وثبور وعظائم أمور…
وهكذا كان أيضا عهد بن علي رحمه الله… فتواصلت معنا لعنة أو لنقل ثقافة الخوف … الخوف مما سبق الى ما لحق… فكنّا نخاف بن علي رحمه الله ومدير ديوانه وأعضاء ديوانه وأقاربهم وعائلاتهم وأصهارهم ومعارفهم ومن يجالسهم من له أرقام هواتفهم… كما عرفنا الخوف من كل الوزارات ومن يعمل فيها ومن يديرها ومن يدخلها ومن يجالس من فيها وعائلاتهم وأصهارهم وأبناء عمومتهم… ودبّ الخوف أيضا في قلوبنا من أعضاء مجلس النواب واللجنة المركزية والديوان السياسي وكل من له علاقة أو صلة بهم وبأحد أقاربهم وأتباعهم ومن يجالسهم ومن يصاهرهم ومن يعرف أرقام هواتفهم … دون أن ننسى خوفنا الدائم من الوالي والمعتمد الأول والمعتمد والعمدة وصديق العمدة وعمّ العمدة وخال زوجة العمدة وابن أخت العمدة وسائق الوالي والمعتمد والخ الخ الخ….
ثم وقع إضافة بند آخر في قائمة الرعب، فتوسعت القائمة لتشمل ليلى وأخواتها ومن يجالسها ومن يصاهرها ومن يعرف رقمها ورقم إخوتها… ثم سافر بن علي رحمه الله لأداء مناسك الحج والعمرة والموت في البقاع المقدسة… واستوطن التتار والمغول والفيكينغ أرضنا وجاء جنكيز خان على حصانه المخطط رافعا سيف العدالة والديمقراطية والحرية فلا خوف بعد اليوم لا من ليلى ولا من فتحية ولا حتى من “مولاة الخلة الخمرية”…فأصبح الخوف الديمقراطي أكبر واستوطنت الأحزاب التي خرجت علينا كالفقاقيع كل مقرّات المغفور له التجمّع الدستوري الديمقراطي… فأصبح الخوف ديمقراطيا شموليا… فالولد يخاف من أمه ومن والده ومن إخوته ومن جاره وأصهاره وأبناء عمومته ومن كلبه ومن قطته…
فخرج علينا اليسار يهددنا بالويل والثبور والكثير من الجاوي والبخور… وخرج علينا شيوخ الدين يولولون ويكفّرون ويهددون بجهنم وبئس المصير والمسير… ثم جاء بعض من هم في الاتحاد فأصبحنا جميعا في نظرهم من الأوغاد فخرّبوا الكثير من البناء وأرهقوا البلاد والعباد…فحلّ الرعب والخوف والاستبداد… وحكم بعض رجال الاتحاد البلاد … فأصبحنا جميعا نخاف الأمين العام والكاتب العام ورفيق الأمين العام وصديق الأمين العام وجار الأمين العام وابن عم الأمين العام ومن يجالس الأمين العام ومن يصاهر الكاتب العام وقوّاد الأمين العام… فقط السؤال اليوم هل لخوفنا هذا ما يبرره؟؟؟”
ثم نظرت إلى ساعتي فضحكت وسكتُّ…فقال صديقي لِم ضحكت ولم سكتَّ أكمل؟ قلتُ: الساعة الآن منتصف الليل يعني الساعة صفر وبلغتك أنت صديقي الساعة الصفر هي ذاتها الساعة الرابعة والعشرون وأنا وعدت زوجتي ألا أكون خارج المنزل بعد الساعة صفر… ضحك وقال: “الخوف يدير الجوف يا صاحبي …”


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عبد القادر المقري:
عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…
بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…
المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.
ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة.
فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…
ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.
وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.
“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…
فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.
لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …

استطلاع
صن نار
-
غير مصنفقبل 9 ساعاتالقاهرة/بيكين: مؤتمر اقتصادي مشترك لتعزيز التعاون والاستثمار
-
صن نارقبل 13 ساعةفي زيارته إلى سوريا… دويّ انفجارات قرب إقامة الرئيس الفرنسي
-
صن نارقبل 14 ساعةبذريعة ملاحقة “جماعات إرهابية”: هل يعيد الأمريكان سيناريو فينزويلا… مع البرازيل؟!
-
رياضياقبل 14 ساعةكأس العالم: تلاسن بين “مبابي” ونائبة عنصرية من الباراغواي… قد يصل إلى القضاء!
-
عربيا دولياقبل يوم واحدجنوب كاليفورنيا: فوضى، حرائق، نهب واعتقالات بالمئات… في احتفالات ذكرى الاستقلال!
-
صن نارقبل يوم واحدردّا على مزاعم نتنياهو: لم تطلب قرى جنوب لبنان… أيّ انضمام إلى الكيان المحتلّ
-
صن نارقبل يوم واحد“هذه المرة” لأجل عيون ترامب: حكومة حماس تقبل بقرار حلّها!
-
سرديارقبل يومينحكاية… “مِشْنِي نَا”!
