الامّهات انذاك وبحرص شديد لحد الاختناق كنّ “يقرقنّ” بشكل دائم … اعني يعدن نفس الاسطوانة، ربما هو الخوف علينا و (احنا صغيّرين وما نعرفشي الحاجات دي!)، ربما التوق لكي يكون ابنهن الافضل الاذكى الاكثر نظافة وانضباطا …
<strong>عبد الكريم قطاطة<strong>
وفي ذلك اليوم عيّادة “شدّت ما سيّبت”… توتّرت اعصابي بشكل غير معهود (اسمالله عليك يا سي كريّم يعملولك اعصاب ويعملولك توتّر زادة!) … كنت يومها في “طمبك” غضبي …ومن عاداتي التي مازلت احتفظ بها لحد يوم الناس هذا ..انني اصمت عند الغضب … في ذلك الزمن لم اكن ذلك الواعي بوجوب الصمت عند الغضب ولكن ربما وهبني الله نعمة كبرى فانا لا اغضب كثيرا وحتى ان حصل الجأ الىالصمت …يومها كان اول انفجار رهيب في حياتي وما اكثرها انفجاراتي …نظرت مليّا الى عيّادة و”فصّصت عيني في عينها لا حشمة ولا جعرة”، وصرخت في وجهها مزمجرا هائجا وصوتي ينطلق كالطوفان البركان: “تعرف انّو انت اكثر وحدة.. نكرهها في الدنيا!”
مااخيبك وما اخيب منظرك وما اخيب جد سماك يا عبدالكريم …(خسئت، اجلدوه يا قوم) …
لم تنبس أمي ببنت شفة ورايت في عينيها شلالات من الدموع ..رأيت عيادة تغالب ما بداخلها …رايتها موجوعة ..رأيت تلك المرأة الحديدية تصبح اخفّ من قشّة تبن … ياااااااااااه يا عبدالكريم تفووووووووه عليك هكة تعمل في عيادة ..؟؟؟ هكذا كان صوتي الداخلي يرّدد …ثم ما لبثت ان افقت على وجعها الحزين وهي تسأل: “انا اكثر وحدة تكرهني في الدنيا ؟؟؟” …وابى كبريائي المراهق ان يتراجع وأجبت دون ان انظر اليها: “ينعم انت”… انسحبت عيّادة من الميدان كفارس يجرّ اذيال خيبته وهو يرى فرسه الجامح يطيح به من اعلى صهوته .ويمرّغ انفه في الوحل …يومها كانت بدايتي مع التدخين ..قمت بلفّ قرطاس عادي ودخلت الى المرحاض واشعلته (زعمة زعمة ولّيت راجل ونترفز ونشعّل سيڨارو)…
كاد دخان القرطاس يخنقني ووصل سعالي الى مسامعها لتسرع الى طفلها وتسال: “اشبيك تكحّ ؟؟مريض ؟؟” …الأم التي قد تفقد مالها ..حليّها ..كل ما تكسب ..و لكن ابدا ان تفقد امومتها …اطفأت سيجارتي القرطاسية واجبت: “لاباس” … ابتعدت قليلا واذا بها تقول لـ”للّتها” فطومة (اختها الكبرى): “يخخّي شعّلت المجمارة ؟؟ ريحة القراطس في النار”….لم انس ذلك اليوم … ولم انس فعلتي الشنيعة بها ..واحمد الله انني شعوريا واراديا او لاشعوريا عشت طيلة عمري اقضم اصابعي واشعلها شموع فرح لها لاكفّر عن ذلك اليوم … كدت اقول الاسود … ولكن هو بالنسبة لي كان يوما اغبر واكثر فظاعة واشنع من كل الالوان المعتّمة .. كنت صغير السن نعم …وغفرت لي عيّادة بعد ايام لاتعدّ على اصابع اليد الواحدة نعم …ورحلت عنّي وهي تكلّل ايّامي بدعوات الخير والامتنان لما قدّمته لها ..نعم .. وفي قادم الورقات تفاصيل كثيرة في هذا الباب .. ولكن هل تصدّقون اني ولحدّ هذا اليوم لم اغفر لنفسي الوجع الحيني المدمّر الرهيب الذي سبّبته لها ذلك اليوم …
في تلك الحقبة وقبل انتقالي للمرحلة الثانية من التعليم الثانوي (مرحلة التخصص)، كان كل يوم يمر الا ويزداد حب اطّلاعي على فنون وجنون الحياة ..اصبحت افهم اتراب الحومة، الاكبر منّا، وهم يغشّون بعضهم بعضا بـ”كلام القباحة”… بل ما اعجبني وقتها وحتى في سن متقدمة انهم ثم اننا اصبحنا نتفنن في ابتكار انماط جديدة من “الغشة” نحتفظ بها لانفسنا بحق الملكية الادبية تأليفا واخراجا .. فهمت وقتها كذلك ان بعضهم يتعاطون اللواط …ولكن حذار من ان تصدح بذلك لا امام السلبي منه ولا الايجابي ..اي الفاعل والمفعول فيه …وفهمت ما معنى “العملية السرية “… وكلّما تسلّل “غشّير” ليشاركنا جلساتنا نحن الكبار (جماعة ال 15 فما فوق) نهرناه بشدة باعتباره “فرخ واش يفهم منّو”…
لم انس ايضا خلافات بعضنا التي تصل في اغلبها الى معارك بونية ..ولم انس اني لم اخض في حياتي اي عراك جسدي مع اي كان ..طبعا السبب الاول تفهمونه جيدا ..امكانياتي العضلية لا تسمح لي بالتسلط الا على اخوتي الاصغر منّي سنا ..ولكن ما يحسدني العديد عليه اني كنت احظى بحب كبير من اصدقائي ..وحتى اذا شاكست البعض منهم (وكنت ومازلت كثير المشاكسة) كانوا يضحكون و هم يهمّون بوضع لكماتهم على …لا تبحثوا عن جغرافية مكان معين في جسدي ستكتشفون من خلال اجاباتهم انكم تبحثون عن عنوان لا عنوان له ..كانوا يقولون: “بربّي اش فيك ما يتضرب” ؟؟؟…لكن الغريب انني كلما لعبنا كرة القدم في الحومة وخاصة بين بعضنا البعض (كنّا نعملو ما يسمّى قسمة) كان الجميع يحرصون على ان اكون ضمن فريقهم ..
وتواصل الامر طيلة ممارستي لكرة القدم سواء كان ذلك في الحومة او في المعهد .الحي . مع استاذ الرياضة المرحوم الهادي الحاج طيب، او في رياضة وشغل ضمن مؤسسة الاذاعة والتلفزة ..لم اكن لا العقربي و لا ديوة ولا حتّى هاكة الّلي خذاوه بـ7 ملياردوات وهو ما يسواش 7 قروش . مانتذكرش شنوة اللون اللّي يعيطولو بيه ..وباش ما نكذبش والله نتذكّر ….كنت عاديا جدا في فنياتي ..ولكن كانت تسكنني دوما الرغبة في الربح حتى “بالدّود” (كلمة تعني مباراة ودية) …وكنت رغم بنيتي الجسدية لا اتعب ..لا اكلّ ..اقاوم ولا اساوم ..مما جعل جل المدربين الذين تدربت عندهم لم يرسّموني يوما في قائمة البدلاء ..بل و بعد بلوغ سن رشد كروي معيّن اصبحت قائد الفريق ومنفذ ضربات الجزاء …ما نحكيش على ولد معلول ..نحكي على ولد قطاطة…
في سنة 2008 وانا اؤدّي عمرتي فوجئت في نزل مقر اقامتي بمكّة بصوت يناديني من بعيد بـ “يا عبدالكريم يا مجاهد” … لم انزعج وقتها فداعش لم يظهر بعد ومجاهدو النفير العربي لم يخرجوا من جحورهم … التفتّ فاذا به مدربي وقائد فريقي السابق بفريق الاذاعة والتلفزة التونسية منجي ساسي، ابقاه الله ..وبعد العناق والطبطبة المتبادلة على الكتف (قدّاش نحبّها الطبطبة المتبادلة على الكتف ..آش فيها ؟؟ نحبّها . ينعم نحبّها) …بعدها طفق المنجي يحكي لمرافقيه عن عبدالكريم اللاعب المجاهد ..تقولشي “غاتوزو” متاع ميلانو او ولد الكحلة والبيضة منجي عبد المولى في زمانو اللي وفي مباراة للسي اس اس ضد المكشخة “لبس طارق ذياب خنقو” …وكمّل ذويب شدّ تميم ..ووفات الحكاية 2 لصفر لفائدة الجمعية …ما تدهشوش من النتيجة وقتها سليم شيبوب مازال ماهواش رئيس الترجي …رغم انو خروجو من الترجي كان زادة في آخر مقابلة معانا ,,والنتيجة 2 لصفر وهدف زبير السافي الجلطوي ..وحتما ساعود في قادم الورقات لشيبوب حتما حتما حتما…
وحتى لا انسى لا يمكن ان امرّ على تلك المرحلة من تعليمي دون الترحم على زوج اختي …الذي وافاه الاجل في اواخر الثمانينات ..زوج اختي هو واحد من اسباب كل ما وصلت اليه في دراستي ..ابي وعند رسوبي في السنة الاولى عبّر عن انزعاجه من اعادة مصاريف سنة (“تحسايبني نكيّل فيهم انا الفلوس بالكيلة ؟؟ ما يساعدنيش .. ودبّر راسك في مصروفك العام الجاي”) …اي السنة الاولى المعادة… هكذا قال سي محمد الوالد رحمه الله… التقطها زوج اختي وهو ايضا اسمه سي محمد ..ودعاني لحانوته كان حذّاءا في المدينة العتيقة ..اشترى لي فطورا من عند اروع كسكروتاجي في الدنيا انذاك (الغمڨي بنهج الباي) رغم بساطة تركيبته (طرف سوس وبطاطة و…………….. فقط، ولكن لست ادري من اين له باسرار تلك النكهة الغريبة الى حد النهم ….الله يرحمك يا غمڨي …
بعد الفطور انتحى بي زوج اختي بركن من اركان حانوته الذي هو في حد ذاته ركن لا حانوت وقال: “اسمعني مليح اقرأ على روحك ومصروفك عليّا ونحبّك تنجح وكان نجمّت بعد ترجعّلي رجّع وكان ما نجمتش السّماح”… اين من عينيك هاتيك المجالي .. يا رجل الرجولة يا حلم الزمان ..هذا هو رجل اختي الغالي .. وكان ذلك ..ولي عودة لي وله في قادم الورقات…
وحتى اكمل هذه الحقبة …كيف لي ان لا امر على حدثين رسخا في ذهني كثيرا وكانت لهما انعكاسات وفيرة على باقي سنوات عمري …؟؟؟ الحدث الاول هو حرب بنزرت ..في تلك الحرب خرجت ولاول مرة في حياتي في مظاهرة وانا اردد دون وعي كبير ولكن باندفاع جد كبير: “الجلاء السلاح”… كانت الروح الوطنية التي تفجر الدماء في كل شراييننا لا يمكن وصفها ..كنّا انذاك لا نفهم في السياسة الا طراطيشها ..نعرف بالكاد خلاف بورقيبة مع بن يوسف ومع عبدالناصر … ومع هذا الثاني كنا نشاهد البورقيبيين (الدساترة) يخرجون في مظاهرات يردّدون فيها: “عبدالناصر يا بهبار للعروبة عملت العار” … فيما كانت اخبارنا في الاذاعة الوطنية تهاجم يوميا المذيع المصري احمد سعيد، وتناديه بـ “احمق التعيس” …الا ان حرب بنزرت عشناها بكل حماسة ..خاصة وصوت عليّة “يشرڨع” بكلمات عبدالمجيد بن جدّو ولحن الشادلي انور في واحدة اعتبرها افضل اغنية وطنية تونسية على الاطلاق: “بني وطني” …والافضل لا يموت ولا يفنى …
الحدث الثاني كان بتاريخ 6 فيفري 1964 … انت عمري … كانت كل وسائل الاعلام مصرية أو عربية تنتظر لقاء العملاقين عبدالوهاب والست الذي كان وراءه واحد من افضل من عرف العرب في تلك الحقبة: “الريّس جمال عبدالناصر” … ارجوكم هذا رأيي وانا دائما اكتب ما احسه واقتنع به… اذن.. كل العالم العربي كان يتطلّع بشوق الى لقاء القمم في السحاب وكانت:
““قد ايه من عمري قبلك راح وعدّى
يا حبيبي
ولا شاف القلب قبلك فرحة واحدة
ولا ذاق في الدنيا غير طعم الجراح
ابتديت دلوقتي بس
ابتديت احب عمري
ابتديت دلوقتي اخاف لا العمر يجري…”
. .ياااااااااااااااااااااااااااااااااه الستم معي ان مثل هذه الغيمات الممطرة فنا وذوقا ومتعة تدفعنا حتما الى التحليق في سحاب ما بعده سحاب …وحيث طبطبة ما بعدها طبطبة …اطبطبكم…
عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…
احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…
بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…
المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.
ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة.
فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…
ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.
وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.
“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…
فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.
لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …
دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.
وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان منالضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.
إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.
غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.
واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.
فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.
و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.
لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها
والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.