تابعنا على

جور نار

ورقات يتيم… الورقة 108

نشرت

في

عبد الكريم قطاطة:

كما تلاحظون لم يهدأ لي بال منذ امس الا ووجدتموني مع انبلاج اول شعاع للفجر وأنا اهرع لكتابة الورقة 108 كما وعدتكم… انا على يقين انّ ما سأدوّنه فيها قد يلقى تماهيا مع البعض منكم وقد يلقى استغرابا ورفضا من البعض الآخر…

عبد الكريم قطاطة

اذكّر بانّي لا اكتب لارضاء ايّ كان… اكتب فقط لأوثّق لتجربة إيمانية عشتها وهي تجربة شخصية بحتة بكلّ ما فيها من تضاريس وأودية وسهول وبحار… فرجاء وبعيدا عن الجدل والجدال من شاء منكم فليقرأها ومن شاء منكم فليرم بها في سلّة المهملات… ما عشته بعد بَوْحي لمعلّمي، سيدي علي الشعري رحمه الله، بكلّ شجوني وهواجسي… هدّأ روعي… شعرت بالثبات… دعوني أفسّر لكم ما معنى الثبات عندي… الواحد منّا عندما يلج البحر للسباحة يعيش متعة التزاوج مع البحر وموجه… يحسّ انذاك بمتعة الحرّية والتخلّص من جاذبية الارض… هو كالطائر … تتحوّل يداه الى جناحين يطير بهما في لجج البحر… نعم متعة هي السباحة ومتعة هو الطيران… لكن هل رأيتم يوما سبّاحا لا يعود الى الارض ويضع رجليه على اديمها ليحسّ بالثبات؟ هل رايتم طائرا مهما علا وطار لا يعود الى عشّه حتى يحسّ بالامن والامان…

ما قبل هروبي الى الله كنت كذلك السباح… ويوم عدت الى خالقي احسست بالثبات… احسست بالسلام الروحي… ذاك كان قلبي… لكنّ عقلي وكأيّ انسان يريد معرفة اسرار نفسه… اسرار الخلق… اسرار الكون… تحرّك عقلي… كنت وحتى قبل هروبي الى الله لا املّ السؤال عن كلّ شيء… جُبلت على حبّ المعرفة والبحث عن الحقيقة… ولعلّ دراستي لمادّة الفلسفة وانا تلميذ اذكت فيّ روح البحث والتحليل والنقد… ويوم قررت ان ابحث في ديني في القرآن… في السنّة… في تاريخنا الاسلامي… في الاسلام السياسي… كان قلبي ممتلئا ليس فقط بوجود الله بل بحتمية وجوده… كل ما فينا في تركيبتنا الجسدية وغرابة اسرار كل اعضائها… في عظمة الكون… يؤكّد انّ وراء ذلك خالق… اذن آمنت بالله ايمانا لا ذرّة للشكّ فيه… تماما كتلك العجوز التي رأت ابا بكر الرازي وحوله تلاميذه يسالونه عن امور فقهية… فاستغربت من الامر وسالته ماذا تفعل؟ فقال لها: انا اعطي لتلاميذي الف دليل على وجود الله… سخرت منه العجوز وقالت له: انا ليس لي واحد من الالف من الشك في وجود الله فاحتفظ بادلتك لنفسك… وهنا قال الرازي قولته الشهيرة: اللهم ايمانا كايمان العجائز…

لكن عقلي اراد ايضا ان يكون تماما كقلبي ثابتا في ايمانه… الم يقل الله في اوّل آية قرآنية: اقرأ؟ بدأت قبل كلّ شيء في التعرّف على القرآن… وذلك بقراءته عشرات المرات لا لكي اخرج للناس واقول لهم كما يفعل البعض انا اليوم اتممت الختمة رقم كذا… تلك النوعية عندي لا تختلف كثيرا عن عارضات الازياء يتبجحون علينا بعدد الختمات غفر الله لهم… كنت اقرأ القرآن لافهم عظمة هذا الكتاب… نعم قرأته عشرات المرات ولن ادّعي انّي الممت به… بل اجزم انّي ما عرفت فيه ومنه الا القليل… وأعتبر ذلك منطقيّا جدا… لانّه ليس بقلم البشر بل هو كلام الخالق وبين ما يكتبه البشر وكتاب الخالق بون كبير… الم يقل جلّ جلاله (قُلْ لئِنِ اجتمَعتِ الإنسُ وَالجنُّ عَلى أنْ يَأتوا بمِثلِ هَذا القرآنِ لا يأتُونَ بمِثلِه وَلَوْ كانَ بعْضُهُمْ لِبعضٍ ظَهِيرا ـ سورة الاسراء، آية 88)…

وهنا تحدّث عقلي فقال: اذا كان هذا القرآن معجزة الهيّة خصّ بها الله خاتم انبيائه فكيف يقوم البعض بتفسير معانيه بل كيف يجرؤ البعض على ذلك… خاصة والله يقول وبصريح العبارة (هُوَ الّذي أنزَل عَليْكَ الكِتابَ مِنهُ آياتٌ مُحكَماتٌ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأمّا الّذِينَ في قُلوبهِمْ زَيْغٌ فيَتبعونَ ما تَشابَهَ منه ابْتِغاءَ الفِتْنةِ وابتغاء تَأويلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تأويلَهُ إلاّ اللهُ والراسِخونَ في العِلْم)… وهنا قد يردّ البعض على تساؤلي حول تفسير وتاويل القرآن والمفسرين واندهاشي منهم بالقول: (اوكة ربّي قلّك ما يعلم تأويله الا الله والراسخون .في العلم)… هذه فئة لم تحترم كلام الله بل وقفت في ويل للمصلين كما يفعل العديد من شيوخ الفتنة… الآية التي ذكرتها لم تقف عند ذلك الحد بل واصل الله حديثه بقول: (وَالرّاسِخونَ في العِلْمِ يَقولونَ آمنّا بِهِ كُلُُّ مِن عِنْدِ رَبِّنا) .. اي آمنوا بالآيات المحكمات والمتشابهات…وليس معنى ذلك انهم قادرون على تاويله وتفسيره…

أحترم البعض من المجتهدين في التفسير ولكنّ احترامي مشروط بانهم يختمون اجتهادهم بعبارة (والله اعلم)… انا في قراءتي لمعرفة كتاب الله وصلت الى قناعة ثابتة في داخلي: القرآن امّا ان اؤمن به كوحدة لا تتجزّأ او لا معنى لايماني به… والحمد لله آمنت به وبكلّ شغف ومتعة ايضا ولم احاول البتّة ان ادخل في فهم ما صعب عليّ فهمه… بل وأعتبر ذلك مستحيلا على قدرتي الفكرية كبشر يريد ان يفكّ رموز كتاب الله… وهنا اذكر مثالا بسيطا… من يستطيع ان يفكّ رمز (كهيعص) اوّل آية في سورة مريم ؟ صدقا لا يقنعني لا الطبري ولا غيره…

الباب الثاني الذي ذهبت اليه لمعرفة ديني هو باب السنّة… وانا في تجربتي الايمانية وبعد دراسة العديد من البحوث حول سنة رسول الله واحاديثه بين العنعنة وبين الصحيح والضعيف والمنقول… عقلي اصبح يحترز جدا من الاحاديث التي رواها العديد عن الرسول لا شكّا في صدق الرسول معاذ الله فهو الصادق الامين… ولكن شكّا في من روى عنه… أليس من روى عن الرسول بشر ؟ لماذا يتم تصنيفهم جميعا من القديسين؟ الا يمكن بالتفكير السويّ ان نشكّ في العديدين منهم؟… الم يلجأ العديد ممن حكموا في الدولة الاموية والعباسية الى المفتين في عهدهم ليكتبوا زورا وبهتانا احاديث ادّعوا انها للرسول حتى يقضوا بها شؤون حكامهم… عذرا ايها البخاري… عذرا يا مسلم… عذرا يا ابا هريرة… نعم تولّدت عندي قناعة ثابتة ان لا اثق كثيرا في ما نقلتموه عن الرسول ولا اذهب الا مع ما يريح قلبي من تلك الاحاديث…

يا رسول الله! البخاري ياتي بعد موت الرسول بقرنين، وهو اصلا من بلاد فارس… باهي يقول القائل علاش لا… اسأل وباستغراب: البخاري عاش 16 سنة في البحث والتنقيب عن صحة احاديث الرسول… وعدد الاحاديث التي قام بدراستها تفوق 600 الف حديث… هل هذا معقول ؟ انا اتساءل وأشكّ… ومن حقي ذلك فانا لم اشكك في نبيّ او رسول… شككت في بشر مثلي ووحده الله من سيحاسبني على شكّي ولا اسمح لايّ كان بمحاسبتي، لاني لا اسمح لنفسي بمحاسبة اي كان على شكه… ولا حتى على كفره… الم يقل جلّ جلاله (وَمَنْ شاءَ فَلْيُؤمِنْ ومَن شاء فَلْيَكْفُر)؟… وماذا عن الفقهاء وعلماء الدين ؟ قديما وحديثا وفي أيامنا هذه؟…

حرصت ايضا على ان اقرأ للعديد منهم واستمع ايضا للعديد من تسجيلاتهم طمعا دائما في المزيد من معرفة ديني … وللامانة لم ارتح لاغلبهم… لا شكلا ولا مضمونا… انا لا ارتاح لايّ شيخ من الشيوخ ياتيني عابسا مكشبرا… الم يقرؤوا عن الرسول انه كان صبوحا بشوش الوجه؟ انا ايضا لم ارتح لمن ياتيني غاضبا مزمجرا… الم يقرؤوا في كتاب الله قوله تعالى (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ)… واخرون ياتون متوعدين بالويل الثبور لكل من يحيد عن طريق الله… الم يقرؤوا في كتاب الله ما قاله عزّ وجلّ لموسى واخيه هارون (اِذْهَبْا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا)… قولا له قولا ليّنا… قولا له قولا ليّنا… هذي ما قراوهاش وما شافوهاش ؟؟؟ ولمن القول اللين؟ لفرعون الذي قال انا ربكم الاعلى! وبعد يطلع واحد على المنبر او على شاشة التلفزيون ويصيح ويزمجر ويكفّر ويبعث بالبعض الى جنات تجري من تحتها الانهار وبآخرين الى السعير… تي اش تعمل يا شيخ؟ تي راك ازحت الخالق من على كرسيّ العرش ونصّبت نفسك مكانه لتحكم على البشر… اليس هذا نوع من الشرك الخفيّ؟؟

في المقابل طالعت وسمعت فقهاء في غاية التواضع والعمق… دعوني اقل لكم في تجربة ايماني انّي خليط من بعض الاسماء التي تماهيت معها وتعلمت منها الكثير… نعم انا خليط من محمد راتب النابلسي، فقيه سوري معاصر… محمد سعيد رمضان البوطي، فقيه سوري ايضا… محمد شحرور، مفكر وباحث سوري… ولعلّ اقربهم الى تركيبتي وتجربتي الايمانية، المصري مصطفى محمود…

ولكن ماذا عن مواقفي من الاسلام السياسي ؟؟ ويصير تاكزة من غير فحمة ..؟؟ واعرف انّ العديد ينتظرونني في الدورة ..ولكن من يعرفني يعرف انني اقولها واُمضي ولا امضي … نعم ساتحدث وبإطناب عن مواقفي من الاسلام السياسي في الورقة 109… والتي لن تتأخّر كثيرا هي ايضا… بإذن الله …

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

جور نار

ورقات يتيم… الورقة 115

نشرت

في

عبد الكريم قطاطة:

في الفترة ما بين 2004 و 2010 لم تكن الاحداث التي عشتها كمّيا كثيرة وها انا امرّ على ابرزها لاخلص بعدها لقهرة الربيع العبري…

عبد الكريم قطاطة

عودة لسنة 2004… في اواسط تلك السنة بدأت رحلة تعاقدي مع جامعة صفاقس كخبير مدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا… صاحب المقترح هو مدير معهد الملتيميديا انذاك الزميل والصديق “عبدالحميد بن حمادو” الذي أعرفه منذ درسنا معا في تعليمنا الثانوي بمعهد الحيّ… سي عبدالمجيد فكّر في انشاء مادّة للعلوم السمعية البصرية ببرامج بعض شعب المعهد…تحادث في الموضوع مع زميلي الكاميرامان انذك مفيد الزواغي فأشار عليه بالاتصال بي وكان ذلك… وانطلقت مسيرتي كمدرّس لهذه المادة لمدة عشر سنوات بعد ان طلبت ترخيصا في الامر من رئاسة مؤسسة الاذاعة والتلفزة وتحصلت عليه، شرط ان لا يؤثّر ذلك على واجباتي المهنية… ومنين يا حسرة ؟

في وحدة الانتاج التلفزي كنا نعيش البطالة الدائمة ونتقاضى على ذلك رواتبنا ومنح الانتاج ايضا… وكان كلّما عُيّن مسؤول جهوي أو وطني جديد، قام بزيارة اذاعة صفاقس للتعرّف على احوالها وطبيعيّ جدا ان يزوروا وحدة الانتاج التلفزي… وكنت مطالبا كرئيس مصلحة الانتاج ان استقبلهم وان اقدّم لهم بسطة عن الوحدة وعن انتاجها… وكنت دائما اردّد نفس الاسطوانة التي كم اقلقت المديرين الذين تعاقبوا على رأس اذاعة صفاقس… كنت اقول لضيوفنا الاعزاء (اعني المسهولين): وحدة الانتاج التلفزي فيها كلّ شيء الا الانتاج، وبقية التفاصيل تأتيكم من مديري!…

مقابل ذلك كانت علاقاتي مع منظوريّ في مصلحة الانتاج التلفزي على غاية من الودّ والاحترام … بل ذهب بي الامر الى إعلامهم انه بامكان ايّ منهم ان يتغيّب لكن عليه يكتب لي مطلبا مُسبقا لرخصة غياب دون ذكر التاريخ، احتفظ به عندي حتى يكون وثيقة استظهر بها اداريّا كلّما اقتضى الامر وذلك لحمايتهم وحماية نفسي… وفلسفتي في ذلك تتمثّل في الآتي: مالفائدة في حضور موظفين لا شغل لهم ؟ خاصة انّ بعضهم يقطن عشرات الكيلومترات بعيدا عن صفاقس المدينة… ثمّ اليس واردا للموظّف الذي لا شغل له أن يصبح شغله الشاغل احداث المشاكل مع زملائه ؟ اذن مخزن مغلوق ولا كرية مشومة… لكن في المقابل واذا اقتضت مصلحة الوحدة ان يعملوا 16 و 18 ساعة ما يقولوش (احّيت)…

تلك العلاقة التي وضعت اسسها بيننا كرئيس ومرؤوسين رأيت عمقها يوم مغادرة الوحدة للتقاعد… يومها أحاط بي زملائي ورفضوا رفضا قاطعا ان اكون انا من يحمل بنفسه وثائقه وكلّ ماهو ملكه الخاص الى منزله… وحملوها عني جميعا وبكلّ سعادة مخضّبة بدموع العشرة… والله يشهد اني وطيلة حياتي كمسؤول سواء اذاعيا او تلفزيا لم اقم يوما باستجواب كتابي لايّ كان… ولم اخصم لايّ كان من اعدادهم في منحة الانتاج وفي الاعداد المهنيّة…

اذن وعودة الى علاقتي بجامعة صفاقس كمدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا ثم بعده بسنتين بمدرسة الفنون والحرف، حاولت ان اعطي دون كلل لطلبتي… كنت قاسيا معهم نعم… ولكن كان ذلك بحبّ لا يوصف… وبادلوني نفس الحب ان لم تكن دوزته اكبر … كنت الاستاذ والاب والاخ والصديق و كنت ايضا صدرا اتّسع حتى لاسرارهم الخاصة… رغم اني كنت ايضا بوليسا في امور الانضباط وتقديس العلم… وطلبتي الذين هم في جلّهم اصبحوا اصدقاء بفضل الفيسبوك شاهدون عليّ… ولعلّ من الاوسمة التي افتخر بها ما حصل في نهاية السنة الجامعية سنة 2012…

إذ ككلّ نهاية سنة جامعية يقع توزيع شهائد وجوائز للطلبة المتفوقين في جميع السنوات… وفي اخر القائمة سمعت من منشط الحفل يذقول: (الان الجائزة الاخيرة في هذا الحفل وادعو الاستاذ عبدالكريم قطاطة لتسلّمها)… فوجئت حقا بالاعلان… وكانت لوحة رُسمت عليها زيتونة وكُتب فيها (شهادة تكريم للاستاذ عبدالكريم قطاطة نظرا إلى عطائه الغزير لطلبة المعهد)… واعذروني على اعادة جملة تُريحني كلما ذكرتها وهي… “وبعد يجي واحد مقربع ويقلك شكونو هو عبدالكريم اش يحسايب روحو ؟؟” … بل تصوروا انّ زميلة من اذاعة صفاقس بعد حادثة ذلك الفيديو المنحوس حول من هم اعلام العار في نظري سنة 2012 (رغم انّي صححت فيما بعد ماجاء فيه ووضحت انّي لم اعمم وختمت بالاعتذار .. لكن وقت البعض يبدا يستناك في الدورة مهما وضحت وكتبت واعتذرت يكون موقفه”قاتلك قاتلك”)… تلك الزميلة ذهبت الى ادارة مدرسة الفنون الجميلة وطلبت منها فسخ عقدي معهم لاني لا اشرّفهم… وضحكوا منها وقالوا لها فيما قالوا: هاكة موش فقط استاذ الطلبة، سي عبدالكريم استاذنا وشرف لنا ان نكون تلاميذه… ورجعت المسكينة الى منزلها خائبة مذهولة مهمومة وغبينتها غبينة، المغبونة… وانا مسامحها…

قضيت 10 سنوات بمعهديْ الملتيميديا ومدرسة الفنون الجميلة وحتما ساعود الى اشياء عديدة حدثت فيها خاصة بعد قهرة جانفي 2011…

الحدث الاخير سنة 2004 كان دون جدال كُرويّا… تتذكّرو نوفمبر 2004 ..؟؟ وبالتحديد يوم 20 منه ؟؟ تتذكّروا هاكي التشكليطة السافيّة ؟ تتذكّرو زوبا وهو يمشكي في ملاعبية المكشّخة واحد بعد واحد ؟ تتذكّروا كيفاش علّق تيزييه في سقف الملعب ؟؟ انّه نهائي الكأس الشهير… وانه يوم سقوط امبراطورية فرعون الكرة ولد شيبيوب… وانا نعرف انو بعض المكشخّين ماشين عاد يسرسطو ماجاء من سور في كتابهم .. عن بطولاتهم .. عن القابهم وتونس بكلّها تعرف عن محصولهم في الشمبيونزليغ وطبعا ماشين يذكروني بهدف بوتريكة ويختمو بـ (ما تكلموناش احنا ماشين لكاس العالم في امريكا).. لاصدقائي المكشّخين الباهين فيهم وهم قلّة لانّ اغلبهم لا يورّيك ولا يفاجيك .. فقط لاصدقائي نحب نسألكم سؤال وحيد ..توة هدف زبير السافي في هاكي الفينال موش سميّح موش شيء يعمل 5555 كيف؟

موش تقول الواحد صيفا يبدا في يدو مشموم ياسمين وطاولة معبّية بالبطيخ والدلاع والهندي وما ننساوش الفقوس .. وهي تصير كورة من غير فقوس ؟…ويعاود يتفرّج عليه ويعشق العزف متاع زوبا ورقصتو كيف انتوني كوين في زوربا اليوناني ؟ وفي الشتاء يبدا قاعد تحت كوسالة وكاس تاي منعنع ويعاود يتفرّج على زوبا وهو يعزف اشي الحبّ كلّو واشي انت عمري .. واشي انساك ده كلام ويختمها ب ميا موري … نعرف اصدقائي المكشخين الباهيين يعرفوني بليد وماسط وخايب وقت نحكي على مكشختهم ..اما يدبّرو روسهم قلتلهم حبّوني؟… واذا حبوك ارتاح والله… دعوني الان اسرّ لكم بما لا يعرفه اغلب محبّي الفريقين حول ذلك النهائي… واصدقائي ومهما كانت الوان فرقهم يعرفون جيّدا انّي صادق في ما اقول والله شاهد على صدقي…

قبل خوض النهائي كان لنا لاعب معاقب (وسام العابدي)… ولد شيبوب كلّم هاتفيا انذاك احد مسؤولي النادي وقللو نقترح عليك اقتراح لفائدة الزوز جمعيات… قللو نسمع فيك هات… قللو تهبّط وسام يلعب الطرح وانا نقول للملاعبية يسيّبوا الطرح… تربح انت وتعمل شيخة انت وجمهورك وانا نعمل احتراز عليكم وناخذ الكاس… طبعا المسؤول رفض وبشدّة… ولد شيبوب قللو راك ماشي تهبط من غير قلب دفاعك وسام… تعرف اش معناها ؟ معناها ماشي انييييييييييي………… بزوز .. المسؤول ظهر حتى هو قبيّح وقللو .. انا منيش مهبّط وسام واحنا اللي ماشي انننننننننني ……… بزوز … وكلمة عليها ملك وكلمة عليها شيطان ..ولكم ان تعمّروا الفراغ وتربطوا بسهم … لكم حرية التعليق مهما كانت الوان فرقكم لكن مع ضوابط الاحترام …السبّ والشتم والكلام البذيء لا مكان لها في صفحتي! …

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة

جور نار

لا تخرّبوا سور وسقف الوطن… فنحن غدا من سيدفع الثمن!

نشرت

في

محمد الأطرش:

كنتُ بصدد وضع اللمسات الأخيرة على مقالي الأسبوعي في جلنار، حين بلغ مسامعي صراخ وألم ووجع عائلات من قضَوْا تحت أكوام حجارة سور معهد المزونة، رحمهم الله.

تمرّد القلم بين أصابعي، ورفض إتمام ما بدأه والانصياع لأوامري، وما أكتب، معلنًا الحداد على من ماتوا، ووُئدت أحلامهم تحت حجارة سور جريح ينزف دم سنوات الإهمال والتخلي.

سور أصابته لعنة “باركينسون” تشريعاتنا المهترئة، فارتعش وجعًا. سور لم يرأف بحاله أحد من القائمين على شؤون ترميمه، وترميم ما يحيط به. سور سال دم جراحه، وأسال دم من مرّوا بجانبه وأمّنوه على أرواحهم. سور توجّع وتألم طويلًا، وبكى… ولم يسمع بكاءه أحد، حتى أبكى أمهات بعض من اعتادوا المرور بجانبه… سور تآكل، وبانت عورته، فغضب وانهار على من كانوا يمرّون بجانبه، يتكئون عليه، ويستظلون به من غضب الشمس وثورة الأحوال الجوية، وهم في طريقهم لطلب العلم.

الغريب ما قرأته بعد الفاجعة، وما سمعته من صراخ من خرجوا يهددون بالويل والثبور وعظائم الأمور. أغلب من خرجوا علينا يولولون، يطالبون بمحاسبة من تسبب في الفاجعة، ويطالبون بتحميل المسؤولية لكل من قصّر في أداء واجبه أو غفل عنه.

هكذا نقفز على كل وجع ومأساة، لنواصل الدعوة إلى الانتقام من كل ما سبق، ومن كل من سبقونا في تحمّل مسؤولية خدمة هذا الشعب… هل يجب أن ننتقم ونثأر بعد كل فاجعة أو فشل ممن سبقونا في تسيير شؤون مؤسسات البلاد؟ هل يجب أن نشيْطن كل من سبقونا في خدمة الوطن بعد كل وجع يشعر به جسد هذه الأمة؟ ألا يجدر بنا أن نعتبر مما حدث، ونبدأ بإصلاح حالنا وأحوالنا؟

أتساءل: ألا يتساءل أحدكم لماذا كل هذا العزوف عن تحمّل المسؤولية؟ أليس للفصل السادس والتسعين من المجلة الجزائية دور كبير في هذا العزوف، الذي أفرغ مؤسساتنا من كفاءات كنّا نفاخر بها، ونطمئن بوجودها على حالنا وحال مؤسساتنا وحال البلاد؟ ثم، أليس للفصل الرابع والعشرين من المرسوم عدد 54 نصيب مما نحن فيه، ومما عشناه ونعيشه؟ فمن كان يرى في السور عيبًا وخطرًا، لن يكتب عن الأمر، ولن يُنبّه لخطورته، خوفًا من أن يُتهم بنشر أخبار زائفة وإشاعات كاذبة…

ألم نغرق اليوم في وحل الفصل السادس والتسعين، ورعب المرسوم الرابع والخمسين؟ لماذا تنشر تشريعاتنا وبعض قوانيننا الخوف والرعب في نفوس كفاءاتنا، ومن يملكون القدرة على تحسين أوضاعنا؟ أيمكن للأمم أن ترتقي وهي تعيش تحت وطأة الخوف والرعب من قوانينها؟ كيف نطلب من بعضنا خدمة الوطن وهم يعيشون رعب القانون، ورعب الحقد، ودعوات الإقصاء والثأر والانتقام من كل قديم، وكل مخالف في الرأي، وكل من لا يعلن لنا البيعة، ولا يقف صارخًا “مزغردًا”، مصفقًا لأخطائنا، ملمّعًا لفشلنا، داعيًا لنا بطول العمر وجزيل الثواب؟

يا من تستمتعون بوجع خصومكم، ومن لا تتفقون معهم، ومن تركوا أثرًا طيبًا وانتصروا عليكم بما حققوه وأنجزوه…الوطن أمانة بين أيادينا جميعًا، فجنّبوه الفتنة، وجنّبوه الأحقاد، وحافظوا على سور الوطن…ولا تخربوا سقفه، فإن انهار سقف الوطن، فنحن، نحن الشعب، من سيدفع الثمن… نعم… نحن الشعب من سيدفع الثمن.

أكمل القراءة

صن نار