كما تلاحظون لم يهدأ لي بال منذ امس الا ووجدتموني مع انبلاج اول شعاع للفجر وأنا اهرع لكتابة الورقة 108 كما وعدتكم… انا على يقين انّ ما سأدوّنه فيها قد يلقى تماهيا مع البعض منكم وقد يلقى استغرابا ورفضا من البعض الآخر…
اذكّر بانّي لا اكتب لارضاء ايّ كان… اكتب فقط لأوثّق لتجربة إيمانية عشتها وهي تجربة شخصية بحتة بكلّ ما فيها من تضاريس وأودية وسهول وبحار… فرجاء وبعيدا عن الجدل والجدال من شاء منكم فليقرأها ومن شاء منكم فليرم بها في سلّة المهملات… ما عشته بعد بَوْحي لمعلّمي، سيدي علي الشعري رحمه الله، بكلّشجوني وهواجسي… هدّأ روعي… شعرت بالثبات… دعوني أفسّر لكم ما معنى الثبات عندي… الواحد منّا عندما يلج البحر للسباحة يعيش متعة التزاوج مع البحر وموجه… يحسّ انذاك بمتعة الحرّية والتخلّص من جاذبية الارض… هو كالطائر … تتحوّل يداه الى جناحين يطير بهما في لجج البحر… نعم متعة هي السباحة ومتعة هو الطيران… لكن هل رأيتم يوما سبّاحا لا يعود الى الارض ويضع رجليه على اديمها ليحسّ بالثبات؟ هل رايتم طائرا مهما علا وطار لا يعود الى عشّه حتى يحسّ بالامن والامان…
ما قبل هروبي الى الله كنت كذلك السباح… ويوم عدت الى خالقي احسست بالثبات… احسست بالسلام الروحي… ذاك كان قلبي… لكنّ عقلي وكأيّ انسان يريد معرفة اسرار نفسه… اسرار الخلق… اسرار الكون… تحرّك عقلي… كنت وحتى قبل هروبي الى الله لا املّ السؤال عن كلّ شيء… جُبلت على حبّ المعرفة والبحث عن الحقيقة… ولعلّ دراستي لمادّة الفلسفة وانا تلميذ اذكت فيّ روح البحث والتحليل والنقد… ويوم قررت ان ابحث في ديني في القرآن… في السنّة… في تاريخنا الاسلامي… في الاسلام السياسي… كان قلبي ممتلئا ليس فقط بوجود الله بل بحتمية وجوده… كل ما فينا في تركيبتنا الجسدية وغرابة اسرار كل اعضائها… في عظمة الكون… يؤكّد انّ وراء ذلك خالق… اذن آمنت بالله ايمانا لا ذرّة للشكّ فيه… تماما كتلك العجوز التي رأت ابا بكر الرازي وحوله تلاميذه يسالونه عن امور فقهية… فاستغربت من الامر وسالته ماذا تفعل؟ فقال لها: انا اعطي لتلاميذي الف دليل على وجود الله… سخرت منه العجوز وقالت له: انا ليس لي واحد من الالف من الشك في وجود الله فاحتفظ بادلتك لنفسك… وهنا قال الرازي قولته الشهيرة: اللهم ايمانا كايمان العجائز…
لكن عقلي اراد ايضا ان يكون تماما كقلبي ثابتا في ايمانه… الم يقل الله في اوّل آية قرآنية: اقرأ؟ بدأت قبل كلّ شيء في التعرّف على القرآن… وذلك بقراءته عشرات المرات لا لكي اخرج للناس واقول لهم كما يفعل البعض انا اليوم اتممت الختمة رقم كذا… تلك النوعية عندي لا تختلف كثيرا عن عارضات الازياء يتبجحون علينا بعدد الختمات غفر الله لهم… كنت اقرأ القرآن لافهم عظمة هذا الكتاب… نعم قرأته عشرات المرات ولن ادّعي انّي الممت به… بل اجزم انّي ما عرفت فيه ومنه الا القليل… وأعتبر ذلك منطقيّا جدا… لانّه ليس بقلم البشر بل هو كلام الخالق وبين ما يكتبه البشر وكتاب الخالق بون كبير… الم يقل جلّ جلاله (قُلْ لئِنِ اجتمَعتِ الإنسُ وَالجنُّ عَلى أنْ يَأتوا بمِثلِ هَذا القرآنِ لا يأتُونَ بمِثلِه وَلَوْ كانَ بعْضُهُمْ لِبعضٍ ظَهِيرا ـ سورة الاسراء، آية 88)…
وهنا تحدّث عقلي فقال: اذا كان هذا القرآن معجزة الهيّة خصّ بها الله خاتم انبيائه فكيف يقوم البعض بتفسير معانيه بل كيف يجرؤ البعض على ذلك… خاصة والله يقول وبصريح العبارة (هُوَ الّذي أنزَل عَليْكَ الكِتابَ مِنهُ آياتٌ مُحكَماتٌ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأمّا الّذِينَ في قُلوبهِمْ زَيْغٌ فيَتبعونَ ما تَشابَهَ منه ابْتِغاءَ الفِتْنةِ وابتغاء تَأويلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تأويلَهُ إلاّ اللهُ والراسِخونَ في العِلْم)… وهنا قد يردّ البعض على تساؤلي حول تفسير وتاويل القرآن والمفسرين واندهاشي منهم بالقول: (اوكة ربّي قلّك ما يعلم تأويله الا الله والراسخون .في العلم)… هذه فئة لم تحترم كلام الله بل وقفت في ويل للمصلين كما يفعل العديد من شيوخ الفتنة… الآية التي ذكرتها لم تقف عند ذلك الحد بل واصل الله حديثه بقول: (وَالرّاسِخونَ في العِلْمِ يَقولونَ آمنّا بِهِ كُلُُّ مِن عِنْدِ رَبِّنا) .. اي آمنوا بالآيات المحكمات والمتشابهات…وليس معنى ذلك انهم قادرون على تاويله وتفسيره…
أحترم البعض من المجتهدين في التفسير ولكنّ احترامي مشروط بانهم يختمون اجتهادهم بعبارة (والله اعلم)… انا في قراءتي لمعرفة كتاب الله وصلت الى قناعة ثابتة في داخلي: القرآن امّا ان اؤمن به كوحدة لا تتجزّأ او لا معنى لايماني به… والحمد لله آمنت به وبكلّ شغف ومتعة ايضا ولم احاول البتّة ان ادخل في فهم ما صعب عليّ فهمه… بل وأعتبر ذلك مستحيلا على قدرتي الفكرية كبشر يريد ان يفكّ رموز كتاب الله… وهنا اذكر مثالا بسيطا… من يستطيع ان يفكّ رمز (كهيعص) اوّل آية في سورة مريم ؟ صدقا لا يقنعني لا الطبري ولا غيره…
الباب الثاني الذي ذهبت اليه لمعرفة ديني هو باب السنّة… وانا في تجربتي الايمانية وبعد دراسة العديد من البحوث حول سنة رسول الله واحاديثه بين العنعنة وبين الصحيح والضعيف والمنقول… عقلي اصبح يحترز جدا من الاحاديث التي رواها العديد عن الرسول لا شكّا في صدق الرسول معاذ الله فهو الصادق الامين… ولكن شكّا في من روى عنه… أليس من روى عن الرسول بشر ؟ لماذا يتم تصنيفهم جميعا من القديسين؟ الا يمكن بالتفكير السويّ ان نشكّ في العديدين منهم؟… الم يلجأ العديد ممن حكموا في الدولة الاموية والعباسية الى المفتين في عهدهم ليكتبوا زورا وبهتانا احاديث ادّعوا انها للرسول حتى يقضوا بها شؤون حكامهم… عذرا ايها البخاري… عذرا يا مسلم… عذرا يا ابا هريرة… نعم تولّدت عندي قناعة ثابتة ان لا اثق كثيرا في ما نقلتموه عن الرسول ولا اذهب الا مع ما يريح قلبي من تلك الاحاديث…
يا رسول الله! البخاري ياتي بعد موت الرسول بقرنين، وهو اصلا من بلاد فارس… باهي يقول القائل علاش لا… اسأل وباستغراب: البخاري عاش 16 سنة في البحث والتنقيب عن صحة احاديث الرسول… وعدد الاحاديث التي قام بدراستها تفوق 600 الف حديث… هل هذا معقول ؟ انا اتساءل وأشكّ… ومن حقي ذلك فانا لم اشكك في نبيّ او رسول… شككت في بشر مثلي ووحده الله من سيحاسبني على شكّي ولا اسمح لايّ كان بمحاسبتي، لاني لا اسمح لنفسي بمحاسبة اي كان على شكه… ولا حتى على كفره… الم يقل جلّ جلاله (وَمَنْ شاءَ فَلْيُؤمِنْ ومَن شاء فَلْيَكْفُر)؟… وماذا عن الفقهاء وعلماء الدين ؟ قديما وحديثا وفي أيامنا هذه؟…
حرصت ايضا على ان اقرأ للعديد منهم واستمع ايضا للعديد من تسجيلاتهم طمعا دائما في المزيد من معرفة ديني … وللامانة لم ارتح لاغلبهم… لا شكلا ولا مضمونا… انا لا ارتاح لايّ شيخ من الشيوخ ياتيني عابسا مكشبرا… الم يقرؤوا عن الرسول انه كان صبوحا بشوش الوجه؟ انا ايضا لم ارتح لمن ياتيني غاضبا مزمجرا… الم يقرؤوا في كتاب الله قوله تعالى (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ)… واخرون ياتون متوعدين بالويل الثبور لكل من يحيد عن طريق الله… الم يقرؤوا في كتاب الله ما قاله عزّ وجلّ لموسى واخيه هارون (اِذْهَبْا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا)… قولا له قولا ليّنا… قولا له قولا ليّنا… هذي ما قراوهاش وما شافوهاش ؟؟؟ ولمن القول اللين؟ لفرعون الذي قال انا ربكم الاعلى! وبعد يطلع واحد على المنبر او على شاشة التلفزيون ويصيح ويزمجر ويكفّر ويبعث بالبعض الى جنات تجري من تحتها الانهار وبآخرين الى السعير… تي اش تعمل يا شيخ؟ تي راك ازحت الخالق من على كرسيّ العرش ونصّبت نفسك مكانه لتحكم على البشر… اليس هذا نوع من الشرك الخفيّ؟؟
في المقابل طالعت وسمعت فقهاء في غاية التواضع والعمق… دعوني اقل لكم في تجربة ايماني انّي خليط من بعض الاسماء التي تماهيت معها وتعلمت منها الكثير… نعم انا خليط من محمد راتب النابلسي، فقيه سوري معاصر… محمد سعيد رمضان البوطي، فقيه سوري ايضا… محمد شحرور، مفكر وباحث سوري… ولعلّ اقربهم الى تركيبتي وتجربتي الايمانية، المصري مصطفى محمود…
ولكن ماذا عن مواقفي من الاسلام السياسي ؟؟ ويصير تاكزة من غير فحمة ..؟؟ واعرف انّ العديد ينتظرونني في الدورة ..ولكن من يعرفني يعرف انني اقولها واُمضي ولا امضي … نعم ساتحدث وبإطناب عن مواقفي من الاسلام السياسي في الورقة 109… والتي لن تتأخّر كثيرا هي ايضا… بإذن الله …
عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…
احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…
بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…
المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.
ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة.
فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…
ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.
وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.
“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…
فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.
لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …
دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.
وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان منالضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.
إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.
غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.
واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.
فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.
و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.
لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها
والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.