تابعنا على

جور نار

ورقات يتيم … الورقة 24

نشرت

في

رسم خط متواصل إبريق الشاي مطبخ الأجهزة, رسم الجناح, رسم الشاي, رسم المطبخ  PNG والمتجهات للتحميل مجانا | Continuous line drawing, Line drawing, Line  art drawings

المثل الشعبي عندنا يقول (اذا ولدك ناقص كلام دخّلو لحانوت حجّام) … نعم .. ساقية الداير انذاك كان بها مقهى واحد فقط ….وموقعه الجغرافي لم يكن وسط الساقية بل في احد اطرافها وهو ما جعل انتقالنا له يكاد يكون مفقودا . وحتى صاحبه لم يكن كيّسا ولا بشوشا ..ثم من اين لنا بثمن القهوة ..منين يا حسرة ..؟؟

عبد الكريم قطاطة
<strong>عبد الكريم قطاطة<strong>

لذلك كان حانوت الحلاق هو مقهانا ففيه يقوم “الزمبار” بطهي الشاي الاحمر الذي يترك بصماته الصفراء الداكنة في الكاس وطبعا في بطون شاربيه …لم اكن من حرفاء الشاي يوما ..الى ان حدث ان تذوقته يوما بعد افطار رمضان مصحوبا باوكسجين سيجارتي ..ويا والله عملة .. شدّ ما سيّب عمّك التاي .. اصبح يلازمني كل رمضان دون غيره من الايام ..ولانني لم اكن يوما اكولا ولن اكون فإن زوجتي تعرف عني اني ارغب يوميا طيلة شهر رمضان في ثلاثة اشياء فقط ..شربة بالحوت وبريكة بالحوت وكاس شاي يُطبخ على نار هادئة منذ الثانية بعد الظهر، حتى يصبح “تاي مرمّاجية” اي عمّال البناء … وينتهي الشاي الاحمر مع اخر يوم من رمضان ولن يعود الا في رمضان المقبل ….لذلك هي لا تجد منّي اي اشكال في كل ايام رمضان باعتبار اني لست من الذين يشتهون كثير الاشياء على المائدة واترك لها ولابنائي حرية اختيار موائد رمضان …

في حانوت احمد الفقي حلاقنا تُوكل مهمة الشاي الى الزمبار …الزمبار هو تونسي من اصل ليبي منقطع عن الدراسة ولاعب متميّز في كرة القدم (لعب في الاصناف الشابة للسي اس اس وانقطع عن اللعب)… وعن وجوده بصفاقس ورغم مستواه التعليمي المتواضع بعد قيام ثورة الفاتح عندما هاجر مع عائلته الى طرابلس فانه اصبح اطارا عاليا هناك …وانقطعت اخباره تماما عنّا حتّى فاجأني سنة 2004 بزيارة ليلية الى منزلي دون سابق اعلام …نظرت اليه مليّا وعرفت انه محمد الطرابلسي شُهر “الزمبار” … كان لقاء الدّموع والسعادة والذكريات… لم يبق طويلا معي في تلك الزيارة الخاطفة ووعدني بأختها ومازلت انتظر …وكلّ ما ارجوه في هذه الظروف العصيبة في ليبيا الشقيقة هو وكلّ اصدقائي ومستمعيّ هنالك ان يكونوا بخير يااااااااااااااا رب …

تلك الزيارة ذكرتني يزميل معي في الدراسة بمعهد الحي…عمران الطرابلسي… درسنا معا السنوات الثلاث الاولى من التعليم الثانوي ثم ومع ثورة الفاتح ايضا هاجر الى الجماهيرية العظمى …وكسائر المهاجرين الذين ترعرعوا في تونس ونهلوا من تعليمها قليله، اصبح عمران مدير بنك هنالك ..وذات يوم في نهاية التسعينات وانا باحد طرق صفاقس لمحت رجلا يمتطي سيارة ويقف وحده احتراما للضوء الاحمر ..انه هو عمران ذلك الزميل الطيب قليل الكلام كثير الابتسام الهادئ الوديع ..اسرعت الى حيث تقف سيّارته وتعمدت ان اقف امامها وانا ادير ظهري له حتى لا يعرف عن هذا الذي وقف امام سيارته شيئا..اشتعل الضوء الاخضر واصبح سي عمران ينبّه بمنبّه سيارته هذا العمود البشري الذي انتصب امام السيّارة كي يفسح له المجال للمضيّ في سبيل حاله …وكنت كلّما صدح صوت منبّه السيّارة اشير له باصبعي بـ”لا” …

تصوّروا فقط لو حدث مثل هذا الامر بعد نكبة 14 جانفي …كنت اكون مداسا ..في افضل الحالات …وايش كلام من تحت الحزام ..وايش وايش وايش …عمران يومها نزل من سيّارته بكل هدوء ورزانة وحكمة وسألني بكل احترام وادب: “خويا لاباس ؟؟” … لم انظر اليه حتى اتفادى ان يتعرّف عليّ واجبت: “مانيش لاباس” ..وكما عرفته ايّام الدراسة اقترب منّي وبصوت متعقّل قال: “اشبيه خويا حاجتك بحاجة ؟؟؟” وعلى عكسه تماما تصنّعت الغضب وصحت: “جيت نطّلب عليك …؟؟؟ من فضلك احترم روحك” …وانتفض بهدوئه دائما معتذرا: “لا وراس خويا ما قصدتش ..اما حبّيت نعرف علاش ما خلّيتنيش نتعدّى اكهو …ما تاخذش في خاطرك منّي” ..هو صدقا ليس كأولئك الاشقاء الليبين الذين يتفادون الدّخول في اشتباكات مع بعض اشقّائهم التونسيين الذين يرون في الليبين دغفا واحمرة ولا شيء في ادمغتهم ويسهل استبلاههم حتى يبتزوا اموالهم ..لذلك يتفادونهم بكثير من (ابعد عن الشر وغنّيلو)… وفي الجهة المقابلة نفس هؤلاء الاشقاء ينتظرون عودتهم الى بلدهم حتى ينتقموا كردّ فعل من اخوتهم التونسيّن ويعتبروهم عبيدا عندهم …ما ابشع هذه الصّور بين البعض من بلدينا الشقيقين وكم هي محزنة ومخجلة ..

اعود الى عمران .. كان هادئا لانه هو كذلك … منذ طفولتنا كذلك … لم يكن خوفا منه تجاهي او احترازا ..كان عمران بحق ..نظرت اليه وقلت ..يا سيدي انا واخذ في خاطري منّك وبرشة زادة موش شويّة وعيب عليك اللي تعمل فيه ومعايا انا بالذات … اندهش عمران وعرفت انّي غائب تماما على شاشة ذاكرته ..قال لي: “خويا العزيز والله ماني فاهم شيء ..ياخويا قللي اش عملتلك …؟؟؟” نظرت اليه وانطلقت بحماسة حميمة اسرد خطابي: “شوف يا سي عمران موش معناها انك ولّيت مدير بنك تحقر الناس” …ولم اتركه يعلّق واضفت .: “موش عيب عليك يا ولد الحيّ الزيتوني تنسى الماء والملح وتنسى صحابك وتولّي تفخفخ علينا بكرهبتك …ناخذ في خاطري منّك والا ما ناخوش ..؟؟” نظر اليّ عمران باعين واسعة وكلّها بريق فرح وسعادة وصاح: “عبدالكريم ؟؟ ما تبدلتش ….كيف ما خلّيتك … مرحبا مرحبا مرحبا …يااااااااااااااااااااااااااااااه بركان من الطبطبة ..بركان من الدّموع ..بركان من سعادة لا توصف وشريط طويل وبالالوان لذكرياتنا ..ما اروعك يا عمران وما اروع القدر الذي يمنحنا احيانا قليلة في عمرنا ذلك الكمّ الرهيب من التحليق …دون حاجة الى اجنحة ..دون حاجة الى عبّاس بن فرناس ليعلّمنا فنون الطيران …انه تحليق يسخر من كل تحليق …

الزمبار في حانوت الحلاق ونظرا إلى بعد المقهى عنه، كانت مهمته اليومية بعد تمارينه في السي اس اس كما ذكرت طهي الشاي ..كان من عائلة معوزة جدا وكان الجميع يضمنون له سجائره اليومية وكان يلقّب كل واحد منّا بما اشتُهر به… فانا كان يلقّبني بـ “عبدالكريم سهريّات” ..لانّي كنت كثير السهر قليل النّوم منذ فترة مراهقتي حتى زمن متقدّم جدا من عمري لا انام اكثر من 5 ساعات يوميا ..وكنت كثيرا ما تواجهني كبيرات الحوش امي وخالتي وامراة عمي في قيلولة الصّيف بـ “اللطف لا تناموا ولا تخليو شكون ينام … رتحوا عظام ربّي اش العزاء” …

في حانوت الحلاق احمد الذي بلقّبه الزمبار “بو احمص” كان الحرفاء الشبان عادة من مختلف الاعمار وكنّا نحن الشباب الفتيّ نختلط بهم لنتعلّم منهم كثيرا وخاصّة قلّة الحياء و”الغشّة” لنتفوّق فيما بعد عليهم .._ وخللي ولدك بحذا البهيم اللي ما يعلّموا النهيق يعلّموا الشهيق … ونحن ابدعنا في تعلّم النهيق والشهيق واضفنا الصهيل ..نعم كان في داخلنا صهيل حرارة المراهقة فكريّا وجسديّا ..وكنّا ننتظر بكثير من التنسنيس و الشوق والحاجة للمعرفة لاحد اولائك الشبان المتمرّسين في اشياء كم نرغب في الاستماع الى تفاصيلها ..هذا الشاب الذي يعمل قابضا بشركة النقل كان من ذوي المنتفعين بـ”ابونمون” اشتراك شهري بنهج الجم (المقر الرسمي لجامعة البغاء السرّي بصفاقس) ..فهو سفير دائم فوق العادة لتلك الديار …وكانت حكاياته لا تنتهي مع اخر اخبار المنتدبات الجديدات و”السيفي” الكامل لمؤهلاتهن جسدا ومعاملة للحرفاء ..وكنّا مبهورين بتفاصيل رواياته وفي داخلنا توق لا يوصف لنكون يوما من الحرفاء ..وكانت صور الافلام التي نشاهدها انذاك حاضرة في مخيالنا ..وبداخلنا الف سؤال وسؤال حول كيف سيكون لقاؤنا التاريخي الاول مع احداهن …

كنا نرى فيهن نادية لطفي وشادية ونجوى فؤاد وسامية جمال وبرلنتي عبدالحميد ونرى فينا (وما اقرب طز لشرّق) رشدي اباظة وعبدالحليم واحمد مظهر …كانت عمليّة تماه بين ما نراه في الافلام وما نحلم به …وكان الواحد منّا يكتم رغبته ومخططه لليوم الموعود …واكتشفنا في ما بعد ان العمليّة لا تعدو ان تكون دقائق معدودة في عمليّة ميكانيكية بحتة بعيدا عن المشاعر والاحاسيس والحب والغرام ..كان الثمن انذاك دينارا من اجل بضع دقائق ..اصبحنا بعدها نتندّر بما يحدث …ونقول عن بائعات اجسادهن وهي تنهرك وانت تمارس بقولها: “بعّد راسك شويّة خلّيني نشوف التلفزة “…. وتعود اليك صورة بطلات السينما وهن يخاطبن حبيبهن بكثير من الوجد والدّلع ..ممدوح على حدّ تعبير لبلبة ..ممدوح بكثير من الغنج ..يحرق قلبك يا حبيبي يا ممدوح …ولن تجد من ذلك اي شيء فبقدر ما تغريك الواحدة منهن بـ “ربع هدوم” وهي تنظر اليك بابتسامة اغراء حتى تطيح بك في شباكها، بقدر ما تتحوّل الى شبه بكماء صمّاء وهي (كدت اقول تقاسمك الفراش) ولكن وهي لا تقاسمك اي شيء …

بعد مرور سنوات عديدة اكتشفت ان تلك التجربة والتي عاشها جلّ شباب جيلنا في تلك الحقبة كانت وامام تكويننا اجتماعيا وفكريا ودينيا (اعني غياب الواعز الديني تماما) …كانت حتمية من جهة وفي نفس الوقت كانت سبب مأساة العديد منّا ..لانّ الرجل الذي تعوّد على ممارسة جنسية من ذلك النوع ولم يطوّر نفسه سيصبح بل واصبح من قوم بافلوف ..تعوّد على ممارسة ميكانيكية فاصبحت هي السائدة في حياته الزوجية فيما بعد، ونسي حاجة قرينته الى المتعة وهي حاجة انسانية ومنطقية وشرعية ..وكم من مآسي انجرّت عن ذلك …نحن في جلّنا لم نفهم ولم نحاول ان نفهم ان حقوق الطرف الاخر في العلاقة وتقصير اي طرف تجاه الاخر يعني حتما فشل العلاقة ..نحن لم نقرأ بتمعن سيرة الرسول الاكرم مع زوجاته ..نحن لم نفهم ما قاله كتاب الحق (ومن آياته ان خلق لكم من انفسكم ازواجا لتسكنوا اليها وجعل بينكم مودّة ورحمة ان في ذلك لآيات لقوم يتفكّرون ، سورة الروم آية 21) …

فكيف لعلاقة تنجح وفي اغلبها تتبخّر منها السكينة والرحمة والمودة … جلّنا يركب دابّته كثور ..؟؟؟ اين حقّ كل طرف ؟؟ اين واجب كلّ طرف ؟؟ هل فهمتم ما معنى ان يتعلّق الواحد منّا باغنيات العشق والحب والغرام .؟؟ بافلام العشق والغرام …؟؟؟ بمسلسلات العشق والغرام ؟؟؟ الستم معي في اننا جميعا نسقط عليها اما حرماننا او متعتنا …؟؟؟؟ ثمّ ماهي نسبة المحرومين مقارنة بالسعداء ؟؟؟ لست عالم اجتماع وليست لي وكالة سيغما لسبر الاراء ولكن صدقا ومن خلال ما عرفته وقرأته من بريد مستمعيّ ومن خلال علاقاتي بالعديد من الاصدقاء (من الجنسين) اؤكد لكم ان نسبة التعساء مهولة جدا ..نعم جدا … علما بان هذه التعاسة ليست محصورة فقط على هذا العامل ..ولكن هذا العامل يلعب اهم الادوار ..قد يتكوّر البعض منّا على مأساته ويغمس رأسه في تراب الايام ..قد ينتفض البعض وكل واحد باسلوب انتفاضته …وقد يستمر اخرون في حياة يومية رتيبة لا طعم لها لا لون فيها ولا شهية .. لان زادهم المعرفي مفقود مفقود مفقود ….”الناس حكايات” عبارة ترددها احداهن بكثير من الالم، والواقعية ….

اما انا فاقول ..نحن امة اقرأ وحرام ان لا نقرأ كل ما من شأنه ان يفتح بصيرتنا على كل ما يهم تفاصيل واسباب نكباتنا … عدا ذلك سنواصل رحلة التّوهان …

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

جور نار

ورقات يتيم… الورقة 115

نشرت

في

عبد الكريم قطاطة:

في الفترة ما بين 2004 و 2010 لم تكن الاحداث التي عشتها كمّيا كثيرة وها انا امرّ على ابرزها لاخلص بعدها لقهرة الربيع العبري…

عبد الكريم قطاطة

عودة لسنة 2004… في اواسط تلك السنة بدأت رحلة تعاقدي مع جامعة صفاقس كخبير مدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا… صاحب المقترح هو مدير معهد الملتيميديا انذاك الزميل والصديق “عبدالحميد بن حمادو” الذي أعرفه منذ درسنا معا في تعليمنا الثانوي بمعهد الحيّ… سي عبدالمجيد فكّر في انشاء مادّة للعلوم السمعية البصرية ببرامج بعض شعب المعهد…تحادث في الموضوع مع زميلي الكاميرامان انذك مفيد الزواغي فأشار عليه بالاتصال بي وكان ذلك… وانطلقت مسيرتي كمدرّس لهذه المادة لمدة عشر سنوات بعد ان طلبت ترخيصا في الامر من رئاسة مؤسسة الاذاعة والتلفزة وتحصلت عليه، شرط ان لا يؤثّر ذلك على واجباتي المهنية… ومنين يا حسرة ؟

في وحدة الانتاج التلفزي كنا نعيش البطالة الدائمة ونتقاضى على ذلك رواتبنا ومنح الانتاج ايضا… وكان كلّما عُيّن مسؤول جهوي أو وطني جديد، قام بزيارة اذاعة صفاقس للتعرّف على احوالها وطبيعيّ جدا ان يزوروا وحدة الانتاج التلفزي… وكنت مطالبا كرئيس مصلحة الانتاج ان استقبلهم وان اقدّم لهم بسطة عن الوحدة وعن انتاجها… وكنت دائما اردّد نفس الاسطوانة التي كم اقلقت المديرين الذين تعاقبوا على رأس اذاعة صفاقس… كنت اقول لضيوفنا الاعزاء (اعني المسهولين): وحدة الانتاج التلفزي فيها كلّ شيء الا الانتاج، وبقية التفاصيل تأتيكم من مديري!…

مقابل ذلك كانت علاقاتي مع منظوريّ في مصلحة الانتاج التلفزي على غاية من الودّ والاحترام … بل ذهب بي الامر الى إعلامهم انه بامكان ايّ منهم ان يتغيّب لكن عليه يكتب لي مطلبا مُسبقا لرخصة غياب دون ذكر التاريخ، احتفظ به عندي حتى يكون وثيقة استظهر بها اداريّا كلّما اقتضى الامر وذلك لحمايتهم وحماية نفسي… وفلسفتي في ذلك تتمثّل في الآتي: مالفائدة في حضور موظفين لا شغل لهم ؟ خاصة انّ بعضهم يقطن عشرات الكيلومترات بعيدا عن صفاقس المدينة… ثمّ اليس واردا للموظّف الذي لا شغل له أن يصبح شغله الشاغل احداث المشاكل مع زملائه ؟ اذن مخزن مغلوق ولا كرية مشومة… لكن في المقابل واذا اقتضت مصلحة الوحدة ان يعملوا 16 و 18 ساعة ما يقولوش (احّيت)…

تلك العلاقة التي وضعت اسسها بيننا كرئيس ومرؤوسين رأيت عمقها يوم مغادرة الوحدة للتقاعد… يومها أحاط بي زملائي ورفضوا رفضا قاطعا ان اكون انا من يحمل بنفسه وثائقه وكلّ ماهو ملكه الخاص الى منزله… وحملوها عني جميعا وبكلّ سعادة مخضّبة بدموع العشرة… والله يشهد اني وطيلة حياتي كمسؤول سواء اذاعيا او تلفزيا لم اقم يوما باستجواب كتابي لايّ كان… ولم اخصم لايّ كان من اعدادهم في منحة الانتاج وفي الاعداد المهنيّة…

اذن وعودة الى علاقتي بجامعة صفاقس كمدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا ثم بعده بسنتين بمدرسة الفنون والحرف، حاولت ان اعطي دون كلل لطلبتي… كنت قاسيا معهم نعم… ولكن كان ذلك بحبّ لا يوصف… وبادلوني نفس الحب ان لم تكن دوزته اكبر … كنت الاستاذ والاب والاخ والصديق و كنت ايضا صدرا اتّسع حتى لاسرارهم الخاصة… رغم اني كنت ايضا بوليسا في امور الانضباط وتقديس العلم… وطلبتي الذين هم في جلّهم اصبحوا اصدقاء بفضل الفيسبوك شاهدون عليّ… ولعلّ من الاوسمة التي افتخر بها ما حصل في نهاية السنة الجامعية سنة 2012…

إذ ككلّ نهاية سنة جامعية يقع توزيع شهائد وجوائز للطلبة المتفوقين في جميع السنوات… وفي اخر القائمة سمعت من منشط الحفل يذقول: (الان الجائزة الاخيرة في هذا الحفل وادعو الاستاذ عبدالكريم قطاطة لتسلّمها)… فوجئت حقا بالاعلان… وكانت لوحة رُسمت عليها زيتونة وكُتب فيها (شهادة تكريم للاستاذ عبدالكريم قطاطة نظرا إلى عطائه الغزير لطلبة المعهد)… واعذروني على اعادة جملة تُريحني كلما ذكرتها وهي… “وبعد يجي واحد مقربع ويقلك شكونو هو عبدالكريم اش يحسايب روحو ؟؟” … بل تصوروا انّ زميلة من اذاعة صفاقس بعد حادثة ذلك الفيديو المنحوس حول من هم اعلام العار في نظري سنة 2012 (رغم انّي صححت فيما بعد ماجاء فيه ووضحت انّي لم اعمم وختمت بالاعتذار .. لكن وقت البعض يبدا يستناك في الدورة مهما وضحت وكتبت واعتذرت يكون موقفه”قاتلك قاتلك”)… تلك الزميلة ذهبت الى ادارة مدرسة الفنون الجميلة وطلبت منها فسخ عقدي معهم لاني لا اشرّفهم… وضحكوا منها وقالوا لها فيما قالوا: هاكة موش فقط استاذ الطلبة، سي عبدالكريم استاذنا وشرف لنا ان نكون تلاميذه… ورجعت المسكينة الى منزلها خائبة مذهولة مهمومة وغبينتها غبينة، المغبونة… وانا مسامحها…

قضيت 10 سنوات بمعهديْ الملتيميديا ومدرسة الفنون الجميلة وحتما ساعود الى اشياء عديدة حدثت فيها خاصة بعد قهرة جانفي 2011…

الحدث الاخير سنة 2004 كان دون جدال كُرويّا… تتذكّرو نوفمبر 2004 ..؟؟ وبالتحديد يوم 20 منه ؟؟ تتذكّروا هاكي التشكليطة السافيّة ؟ تتذكّرو زوبا وهو يمشكي في ملاعبية المكشّخة واحد بعد واحد ؟ تتذكّروا كيفاش علّق تيزييه في سقف الملعب ؟؟ انّه نهائي الكأس الشهير… وانه يوم سقوط امبراطورية فرعون الكرة ولد شيبيوب… وانا نعرف انو بعض المكشخّين ماشين عاد يسرسطو ماجاء من سور في كتابهم .. عن بطولاتهم .. عن القابهم وتونس بكلّها تعرف عن محصولهم في الشمبيونزليغ وطبعا ماشين يذكروني بهدف بوتريكة ويختمو بـ (ما تكلموناش احنا ماشين لكاس العالم في امريكا).. لاصدقائي المكشّخين الباهين فيهم وهم قلّة لانّ اغلبهم لا يورّيك ولا يفاجيك .. فقط لاصدقائي نحب نسألكم سؤال وحيد ..توة هدف زبير السافي في هاكي الفينال موش سميّح موش شيء يعمل 5555 كيف؟

موش تقول الواحد صيفا يبدا في يدو مشموم ياسمين وطاولة معبّية بالبطيخ والدلاع والهندي وما ننساوش الفقوس .. وهي تصير كورة من غير فقوس ؟…ويعاود يتفرّج عليه ويعشق العزف متاع زوبا ورقصتو كيف انتوني كوين في زوربا اليوناني ؟ وفي الشتاء يبدا قاعد تحت كوسالة وكاس تاي منعنع ويعاود يتفرّج على زوبا وهو يعزف اشي الحبّ كلّو واشي انت عمري .. واشي انساك ده كلام ويختمها ب ميا موري … نعرف اصدقائي المكشخين الباهيين يعرفوني بليد وماسط وخايب وقت نحكي على مكشختهم ..اما يدبّرو روسهم قلتلهم حبّوني؟… واذا حبوك ارتاح والله… دعوني الان اسرّ لكم بما لا يعرفه اغلب محبّي الفريقين حول ذلك النهائي… واصدقائي ومهما كانت الوان فرقهم يعرفون جيّدا انّي صادق في ما اقول والله شاهد على صدقي…

قبل خوض النهائي كان لنا لاعب معاقب (وسام العابدي)… ولد شيبوب كلّم هاتفيا انذاك احد مسؤولي النادي وقللو نقترح عليك اقتراح لفائدة الزوز جمعيات… قللو نسمع فيك هات… قللو تهبّط وسام يلعب الطرح وانا نقول للملاعبية يسيّبوا الطرح… تربح انت وتعمل شيخة انت وجمهورك وانا نعمل احتراز عليكم وناخذ الكاس… طبعا المسؤول رفض وبشدّة… ولد شيبوب قللو راك ماشي تهبط من غير قلب دفاعك وسام… تعرف اش معناها ؟ معناها ماشي انييييييييييي………… بزوز .. المسؤول ظهر حتى هو قبيّح وقللو .. انا منيش مهبّط وسام واحنا اللي ماشي انننننننننني ……… بزوز … وكلمة عليها ملك وكلمة عليها شيطان ..ولكم ان تعمّروا الفراغ وتربطوا بسهم … لكم حرية التعليق مهما كانت الوان فرقكم لكن مع ضوابط الاحترام …السبّ والشتم والكلام البذيء لا مكان لها في صفحتي! …

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة

جور نار

لا تخرّبوا سور وسقف الوطن… فنحن غدا من سيدفع الثمن!

نشرت

في

محمد الأطرش:

كنتُ بصدد وضع اللمسات الأخيرة على مقالي الأسبوعي في جلنار، حين بلغ مسامعي صراخ وألم ووجع عائلات من قضَوْا تحت أكوام حجارة سور معهد المزونة، رحمهم الله.

تمرّد القلم بين أصابعي، ورفض إتمام ما بدأه والانصياع لأوامري، وما أكتب، معلنًا الحداد على من ماتوا، ووُئدت أحلامهم تحت حجارة سور جريح ينزف دم سنوات الإهمال والتخلي.

سور أصابته لعنة “باركينسون” تشريعاتنا المهترئة، فارتعش وجعًا. سور لم يرأف بحاله أحد من القائمين على شؤون ترميمه، وترميم ما يحيط به. سور سال دم جراحه، وأسال دم من مرّوا بجانبه وأمّنوه على أرواحهم. سور توجّع وتألم طويلًا، وبكى… ولم يسمع بكاءه أحد، حتى أبكى أمهات بعض من اعتادوا المرور بجانبه… سور تآكل، وبانت عورته، فغضب وانهار على من كانوا يمرّون بجانبه، يتكئون عليه، ويستظلون به من غضب الشمس وثورة الأحوال الجوية، وهم في طريقهم لطلب العلم.

الغريب ما قرأته بعد الفاجعة، وما سمعته من صراخ من خرجوا يهددون بالويل والثبور وعظائم الأمور. أغلب من خرجوا علينا يولولون، يطالبون بمحاسبة من تسبب في الفاجعة، ويطالبون بتحميل المسؤولية لكل من قصّر في أداء واجبه أو غفل عنه.

هكذا نقفز على كل وجع ومأساة، لنواصل الدعوة إلى الانتقام من كل ما سبق، ومن كل من سبقونا في تحمّل مسؤولية خدمة هذا الشعب… هل يجب أن ننتقم ونثأر بعد كل فاجعة أو فشل ممن سبقونا في تسيير شؤون مؤسسات البلاد؟ هل يجب أن نشيْطن كل من سبقونا في خدمة الوطن بعد كل وجع يشعر به جسد هذه الأمة؟ ألا يجدر بنا أن نعتبر مما حدث، ونبدأ بإصلاح حالنا وأحوالنا؟

أتساءل: ألا يتساءل أحدكم لماذا كل هذا العزوف عن تحمّل المسؤولية؟ أليس للفصل السادس والتسعين من المجلة الجزائية دور كبير في هذا العزوف، الذي أفرغ مؤسساتنا من كفاءات كنّا نفاخر بها، ونطمئن بوجودها على حالنا وحال مؤسساتنا وحال البلاد؟ ثم، أليس للفصل الرابع والعشرين من المرسوم عدد 54 نصيب مما نحن فيه، ومما عشناه ونعيشه؟ فمن كان يرى في السور عيبًا وخطرًا، لن يكتب عن الأمر، ولن يُنبّه لخطورته، خوفًا من أن يُتهم بنشر أخبار زائفة وإشاعات كاذبة…

ألم نغرق اليوم في وحل الفصل السادس والتسعين، ورعب المرسوم الرابع والخمسين؟ لماذا تنشر تشريعاتنا وبعض قوانيننا الخوف والرعب في نفوس كفاءاتنا، ومن يملكون القدرة على تحسين أوضاعنا؟ أيمكن للأمم أن ترتقي وهي تعيش تحت وطأة الخوف والرعب من قوانينها؟ كيف نطلب من بعضنا خدمة الوطن وهم يعيشون رعب القانون، ورعب الحقد، ودعوات الإقصاء والثأر والانتقام من كل قديم، وكل مخالف في الرأي، وكل من لا يعلن لنا البيعة، ولا يقف صارخًا “مزغردًا”، مصفقًا لأخطائنا، ملمّعًا لفشلنا، داعيًا لنا بطول العمر وجزيل الثواب؟

يا من تستمتعون بوجع خصومكم، ومن لا تتفقون معهم، ومن تركوا أثرًا طيبًا وانتصروا عليكم بما حققوه وأنجزوه…الوطن أمانة بين أيادينا جميعًا، فجنّبوه الفتنة، وجنّبوه الأحقاد، وحافظوا على سور الوطن…ولا تخربوا سقفه، فإن انهار سقف الوطن، فنحن، نحن الشعب، من سيدفع الثمن… نعم… نحن الشعب من سيدفع الثمن.

أكمل القراءة

صن نار