تابعنا على

جور نار

ورقات يتيم … الورقة 38

نشرت

في

عبد الكريم قطاطة:

انتقال اي تونسي من داخل الجمهورية الى تونس العاصمة كان درسا تطبيقيا لما قرأناه في الابتدائي … (بدويّ في العاصمة) … نسق الحياة ….ضجيج العاصمة ..انوارها … الوانها … هي بمثابة المرجل الذي بختلط فيه كل اصناف التونسيين ..كل العطور.. وكل الروائح ايضا ..

عبد الكريم قطاطة

نحن شباب تلك الحقبة في بداية السبعينات كنا نتطلّع نعم الى تحقيق طموحاتنا الدراسية ..ولكن ايضا كنا ايضا تواقين لاكتشاف حياة الحرية بكل مفاصلها …فالعاصمة تعني اول خطوة للنضال السياسي … ومرتعا لتفتيق مواهبنا في هذا الباب من خلال حضور الـ”آجيه” (اجتماع عام) في الكليات وخاصة في الكامبوس معقل اليساريين …حيث كنا في جلّنا مزبهلّين باصحاب القامات الفارعة في الخطابة …ورغم اننا في جلّنا أيضا لا نفقه كثيرا في خطابات الرفاق، الا اننا كنا ننساق في ترديد الشعارات ونحن نتماهى مع تشي غيفارا والشيخ امام …ومع مقولات فلاديمير اوليانوف لينين، مستعينين في ذلك بالمخزون الكبير الذي تركه فينا اساتذتنا سنة الباكالوريا خاصة …كنا نستهزئ بمن لا يعرف شيئا عن السوفخوزات والكولخوزات (وهو النظام الانتاجي في معجم الشيوعية) بل نصبح احيانا منظّرين وبكل فخر وزهوّ وتطاوس لاولائك الذين “كعبة لا” في هذا القليّم.. لنكتشف بعد عمر متقدّم اننا كنا اشبه بالببغاءات …رغم ان البعض من اليسار مازال لحد الان لم يكتشف ببّغائيته بل هو يفاخر بذلك وبكل حماقة …

حياة الواحد منّا انذاك يمكن تقسيمها الى جدولين ..جدول النضال الثوري كما نسميه والخروج في مظاهرات منددة باستبداد بورقيبة وجماعته ومطالبة بالحريات …وجدول “المقرّرات” …هذه المقررات هي تلك التي حكى عنها سعيد صالح في مدرسة المشاغبين ..العلاقة بين الفتاة والشاب في المناطق الداخلية بما في ذلك المدن الكبرى كانت محتشمة جدا … انعدام شبه كلّي ان لم يكن كلّيا لعلاقة مادية خارج اسوار بيوت البغاء المسموح بها .. كنا نُمنّي النفس بكثير من المقرّرات عندما انتقلنا الى العاصمة ..وهذا التمنّي لم يات من فراغ .. انا كنت من ضمن القلائل في شلّتي بالساقية الذين زاروا العاصمة من قبل ضيفا على والدي رحمه الله عندما عمل بها ..هنالك اكتشفت ان الحياة مختلفة تماما ضمن باب المقرّرات …اكتشفت مثلا حديقة الباساج …حديقة الباساج هذه كانت ملتقى للعشاق عند غروب الشمس ..والعشاق هناك لا يكتفون بـ” حائرون ..يتساءلون ..يتهامسون ..عن الوضع كيف سيكون” …بل هم “يتكوبلون” ويتشابكون ويتعانقون… اما عن القبلات المحمومة فهم لا يتأخّرون …عيني عينك… هي ليست حُمّى مساء السبت ..هي حُمّى يومية …

كنت اذهب يوميا اتلصّص عليهم بنصف عين اعتقادا منّي انه من العيب ان ازعج العشّاق المحمومين قبلا …ولكن اكتشفت فيما بعد اني غير موجود غير موجود غير موجود …فاصبحت امتّع النظر بتلك المقرّرات الى درجة الاصابة بالحُمّى …تماما كالكلب اللاّهث (يشوف يعينو ويموت بقهرتو) ..كيف الوصول الى حماكم المحموم وليس لي في الامر حيلة؟؟ …كنت اعود الى الشلّة لافاتحهم فيما راته عيناي في تونس العاصمة وكنت ارى لعابهم يسيل تماما ككلب بافلوف …وكنت وبكل شماتة افعل ذلك وبداخلي شيطاني يردّد (نتقّهر وحدي ؟؟؟)… والان ..انا في تونس ومع رضا ..الاستوديو موجود ..ماذا تبقّى ..؟؟؟ الم اقل لكم انه بعد نجاحي في مناظرة التلفزة كانت كلمة السرّ بيني وبين رضا (خاربينها خاربينها)؟؟؟ .. هو نوع من الانتقام من العلاقة شبه المنعدمة ماديا بين رغبتنا في ان تكون لنا تجارب مع الفتاة، وبين وضع اجتماعي لم يكن يسمح بتاتا …والحال الان ؟؟.. .حضر الملعب (الاستوديو)… اللاّعبان جاهزان، بل على اتم الجهوزية بدنيا ونفسانيا ..ولم يبق الا البحث عن المحمومات …

في بداية البحث عنهن لم تكن الجرأة تنقصنا ..الا اننا اكتشفنا اننا هواة …وان بنات العاصمة متعوّدات على اللعب في الشامبيونزليغ ..اساليبنا كانت بدائية في الاطاحة بهن ..كنّا فقراء جدا في ابجدية الغزل المُجدي ..بل كنا نتعرض الى اهانات من غواني العاصمة ..لعلّها كلّها تتلخّص في: “ملاّ دغفة ..امشي اتعلّم راك ما تلعّبنيش” …ولأن ترمومتر الحمّى العاصمية تتصاعد درجاته يوما بعد يوم فاننا كنا مضطرّين للبحث عن حلول بديلة لاطفاء الظمأ ..ومن لنا يغير (عبدالله قش) او الدار الكبيرة وغيرهما من دور بغاء سرّي رغم انه علني بتونس العاصمة … او بالبحث عن بائعات هوى بشوارع تونس واشهرها شارع جان جوريس …ومن منّا في تلك الحقبة من الشباب لم يعرف “البكّوشة” هي بائعة هوى خرساء ذات قوام جميل ..وتتعامل بتلك المقولة الاشهارية التي كانت تستعمل انذاك في عديد الحفلات (اسعار خاصة بالطلبة والجيش)…

واستقبل الاستوديو الخرساء ..كانت اول مقرّر يدخل الاستوديو ..ويبدو انها كانت طالع خير عليه ..اذ بعدها اصبح مزارا للمقرّرات (وعلى كل لون يا كريمة) لاننا تجاوزنا مرحلة “ما ابنّك” التي كنا نستعملها مع المقررات وهي التي كانت مدعاة لسخريتهن… الى “عندك وقت ..؟؟” فيظن المقرّر اننا نسأله عن الساعة ..وعندما يجيب ننقضّ عليه بـ” لا ..لا …عندك وقت نشربو قهوة ..؟؟؟”… قد يكون هذا الاسلوب حاليا من امسط الاساليب واتفهها ..ولكن ثقوا انه وقتها يلعّب …قد اعود وحتما ساعود الى المقرّرات في ورقات قادمة ولكن عبثنا وجوّنا لم ينسنا يوما واجباتنا الدراسية ..

اليوم الاول في الدراسة بالنسبة لي وفي دفعة 1971 للمركز التابع للتلفزة التونسية كان يوم تعارف ..كنت الاصغر سنا وجسدا ..وكان يدير المركز واحد من افضل اطارات التلفزة الوطنية، المهندس الباجي صانصة ..كاريزما ..وكفاءة ..وكان يساعده المهندس الشاب عمر كنّو الذي كان الاكثر التصاقا بنا ..الجدول كان مكتظ المواد وبمعدل ثماني ساعات يوميا .. ولم نعرف انذاك من الاساتذة الا بعض المخرجين الذين نقرأ اسماءهم على الشاشة كالحاج سليمان وسالم الصيادي …ثم اكتشفنا مع مرور الايام انّ المركز خصص جمعا متميّزا من خيرة الاساتذة ..السيد ابراهيم الغضاب وهو عند تخرجي عرفي المباشر ليُكمل حياته مهنيا مديرا تقنيا عاما للمؤسسة… كذلك الفرنسي الرهيب في الموسيقى… جان بول نيكولاي رئيس الأوركسترا السمفوني لمدينة تونس ..أيضا الزميل عبدالعزيز الفريخة، واحد من افضل مديري التصوير بالتلفزة… وغيرهم ..

كنا مجموعة من الطلبة لا تتجاوز الثلاثين وكنا مقسّمين حسب دراستنا الثانوية الى اربعة اختصاصات… مديري تصوير، مصور تلفزي (خريجي الشعب العلمية) …كاتبة مخرج ومركب افلام (خريجي شعبة الاداب) ..وكنا من جهات مختلفة من الجمهورية … وهذه النقطة اتاحت لي امرين ..اولهما التعرف على الاخر ذلك الآتي من الغرب والشمال والوسط والجنوب… وثانيهما تفنيد فكرة الاخر حول الصفاقسي … الاخر يرى الصفاقسي عموما بانه مثال لـ”لشحّ” _” وحبّ الذات ولعدم استعداده للانخراط مع الاخرين ..وللامانة اقول ان بعض هذه الصفات موجودة، خاصة ان القوالب الاجتماعية النّمطية ساعدتها بشكل لا شعوري على ان تكون ..الم يعّودوننا منذ صغرنا على “المشوم اللي تعرفو خير من الخير اللي ما تعرفوش”؟؟… الم يكرّروا لنا كلمات من نوع برّاني ..عربي ..و”اش يدخّل الطبايع على بعضها” …الم يثقّفوننا بثقافة انهزامية من نوع “الباب اللي يجيك منّو الريح سدّوا واستريح” ..و”لا تدخّل ايدك لمغاور ولا تلسعك عقارب” …

نعم هذا وُجد لدينا ..ولكن هل هو مقتصر على مدينة ما ..او على جهة ما ؟؟؟ اليست نفس القوالب النمطية تُعشّش في اغلب المدن؟ ..ماذا نقول عن جارة و المنزل في قابس …؟؟ ماذا نقول عن ملّيتة ويقية قرى قرقنة؟ ..اليس الملّيتي ذلك الذي يقول له الواحد منا انت قرقني فيجيب لا، انا ملّيتي ..ماذا عن مكنين وقصر هلال ..ماذا عن منستيري ومستيري ..؟؟… اما عن الشحّ لماذا لا نراه من زاوية حسن التصرّف في الميزانية والادّخار للايام السوداء .. اسال …ايُعجبكم ذلك الذي “كبوس هذا على راس هذا” …و”اللّي يجيبو النهار يدّيه الليل” ..؟؟ مثلي تماما ..انا لم احسب يوما ايّ حساب لما قد يأتي به الغد وبقيت طوال عمري عاجزا تماما عن ان اكون “صفاقسي” كما يقول عنّي زملائي ..كانوا يُصرّون دوما بعد معرفتي على القول: انت مستحيل تكون صفاقسي…وكنت ارفض قطعيا هذه المواقف ..كنت ارد عليهم وعلى طريقة جيمس براون وهو يتغنى مفتخرا بلونه الاسود Say it loud I am black and I am proud اما انا فاقول لهم مفتخرا بانتمائي لمدينتي say It loud I am sfaxian and I am proud … كنا ثلاثة من صفاقس في تلك الدفعة …وربّما دعوة عيّادة (يعطيك القبول ومحبّة الرسول) حضرت في علاقتي مع زملائي في تلك الدفعة ..كنت مندمجا معهم والاصح انهم وبعد مواقفهم الاحترازية منّي في البداية اندمجوا معي عن طواعية وبكل حب .. وحتى في نهاية السنة الاولى من دراستي عندما انتصر النادي الصفاقسي ذات جوان بملعب المنزه على الترجي وبعد تلك الفضيحة المتمثلة في حرق الملعب من طرف انصار الترجي… المتفرعنين ولحد الان هم متفرعنون … وتجميد نشاطه ..وفوز السي اس اس بالثنائي .. التزم جميع زملائي باحترامي رغم استفزازي ومشاكستي لهم …

الدراسة ومنذ بدايتها كنت فيها كالاطرش في الزفّة …. عائق اللغة الفرنسية مثّل حاجزا رهيبا بين ما اتلقّى من دروس مكثّفة يوميا وبين قدرتي على الاستيعاب ..وخاصة تلك الحصص العلمية كتقنيات الفيديو وتقنيات التحميض وحتى نقنيات المونتاج …لم اجد ايّ حل لاشكالي …وصدقا لم تكن مغامراتي مع المقرّرات هي التي اعاقتني عن دراستي ..لانني كنت دوما اضع لكل حادث او حدث او حديث روزنامته التي تليق به .. واعيد القول لم اجد حلاّ لاشكالي فكنت دائم الترديد (مولاها ربّي) … المنحة التي كانت تعطينا ايّاها المؤسسة هي منحة طالبية 30 د شهريا ..وكنت مندهشا من بعض زملاء الدراسة الذين يخصصون لعائلاتهم البعض من تلك المنحة …انا لم اعش يوما في حياتي منحة تلحق باختها او مرتبا شهريا يلمس اخاه …نعرف روحي فلاّقة _ لكن ومقابل هذا وجدت دائما في اصدقائي من يسند ظهري وقت الشدائد ..وكم هم كثر ..وكم انا ممنون لهم وكم البعض منهم كانوا بكل امانة المنقذين في ايام صعبة ..كم انا خجول منهم لأني وددت يوما لو تبّرعت لبعضهم باعضاء من جسدي علّني اقول لهم بتلك الطريقة: شكرا من عمق اعماقي …

في بداية السنة الدراسية منّ عليّ واحد من اصدقائي ببطاقة اكلته الجامعية بمطعم بوزيان الذي هو على بعد امتار من مركز الدراسة ..شكرا صديقي عبدالعزيز الملّولي، رجل التربية وزميل الدراسة ..وكان العون المكالّف بمراقبة البطاقات ينظر اليّ مليّا ويبتسم ..كان واثقا من ان البطاقة ليست لي ولكنه كان يبتسم ..و يدعني امُرّ وكأنه يقول: لا شفتني لا شفتك.. (القبول ومحبّة الرسول)… لكن وعند اقتراب اخر الشهر اضطرّ احيانا الى العشاء “نصف باڨات ڨدمة على ڨدمة” بعبارة اخرى … القرقوش هو الطبق الرئيسي والفراك هو العُدُو …يااااااااااااااااه كم هو شهيّ ذلك الطبق ..اليس هنالك من يكتفي ببعض الحشائش يمضغها !…

سنة 2017 …بعد 14 جانفي …كنا نظن ان زمن “الجيعان ياكل الحجر” ولّى … فاذا بزمن انقرض فيه حتى الحجر. ليؤكل.. طلع علينا زمن كما يطلع (كدت اقول البدر…ما اقرب مكة لبوحجر !).. هو كما يطلع البوم وهو ينوح من قهرالزمن …وكما لكل زمن عنادله وبلابله فان لكل زمن بومه وغربانه ….وهذا طبيعي ومنطقي ..ولكن ان تمتلئ الاجواء بالغربان فذلك هو السواد …

وجاء شهر جوان 71 وجاءت العطلة القصيرة الممنوحة لنا نحن دفعة التلفزة الوطنية وعدت الى صفاقس ..الى عائلتي .الى الشلّة … كنت يومها بمنزل اختي الكبرى، ذلك المنزل الذي حضر عديد مواجعي … ودق جرس الباب وخرجت لافتح … تبا لك يا جرس ويا باب ويا فتح …

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

جور نار

ورقات يتيم… الورقة 115

نشرت

في

عبد الكريم قطاطة:

في الفترة ما بين 2004 و 2010 لم تكن الاحداث التي عشتها كمّيا كثيرة وها انا امرّ على ابرزها لاخلص بعدها لقهرة الربيع العبري…

عبد الكريم قطاطة

عودة لسنة 2004… في اواسط تلك السنة بدأت رحلة تعاقدي مع جامعة صفاقس كخبير مدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا… صاحب المقترح هو مدير معهد الملتيميديا انذاك الزميل والصديق “عبدالحميد بن حمادو” الذي أعرفه منذ درسنا معا في تعليمنا الثانوي بمعهد الحيّ… سي عبدالمجيد فكّر في انشاء مادّة للعلوم السمعية البصرية ببرامج بعض شعب المعهد…تحادث في الموضوع مع زميلي الكاميرامان انذك مفيد الزواغي فأشار عليه بالاتصال بي وكان ذلك… وانطلقت مسيرتي كمدرّس لهذه المادة لمدة عشر سنوات بعد ان طلبت ترخيصا في الامر من رئاسة مؤسسة الاذاعة والتلفزة وتحصلت عليه، شرط ان لا يؤثّر ذلك على واجباتي المهنية… ومنين يا حسرة ؟

في وحدة الانتاج التلفزي كنا نعيش البطالة الدائمة ونتقاضى على ذلك رواتبنا ومنح الانتاج ايضا… وكان كلّما عُيّن مسؤول جهوي أو وطني جديد، قام بزيارة اذاعة صفاقس للتعرّف على احوالها وطبيعيّ جدا ان يزوروا وحدة الانتاج التلفزي… وكنت مطالبا كرئيس مصلحة الانتاج ان استقبلهم وان اقدّم لهم بسطة عن الوحدة وعن انتاجها… وكنت دائما اردّد نفس الاسطوانة التي كم اقلقت المديرين الذين تعاقبوا على رأس اذاعة صفاقس… كنت اقول لضيوفنا الاعزاء (اعني المسهولين): وحدة الانتاج التلفزي فيها كلّ شيء الا الانتاج، وبقية التفاصيل تأتيكم من مديري!…

مقابل ذلك كانت علاقاتي مع منظوريّ في مصلحة الانتاج التلفزي على غاية من الودّ والاحترام … بل ذهب بي الامر الى إعلامهم انه بامكان ايّ منهم ان يتغيّب لكن عليه يكتب لي مطلبا مُسبقا لرخصة غياب دون ذكر التاريخ، احتفظ به عندي حتى يكون وثيقة استظهر بها اداريّا كلّما اقتضى الامر وذلك لحمايتهم وحماية نفسي… وفلسفتي في ذلك تتمثّل في الآتي: مالفائدة في حضور موظفين لا شغل لهم ؟ خاصة انّ بعضهم يقطن عشرات الكيلومترات بعيدا عن صفاقس المدينة… ثمّ اليس واردا للموظّف الذي لا شغل له أن يصبح شغله الشاغل احداث المشاكل مع زملائه ؟ اذن مخزن مغلوق ولا كرية مشومة… لكن في المقابل واذا اقتضت مصلحة الوحدة ان يعملوا 16 و 18 ساعة ما يقولوش (احّيت)…

تلك العلاقة التي وضعت اسسها بيننا كرئيس ومرؤوسين رأيت عمقها يوم مغادرة الوحدة للتقاعد… يومها أحاط بي زملائي ورفضوا رفضا قاطعا ان اكون انا من يحمل بنفسه وثائقه وكلّ ماهو ملكه الخاص الى منزله… وحملوها عني جميعا وبكلّ سعادة مخضّبة بدموع العشرة… والله يشهد اني وطيلة حياتي كمسؤول سواء اذاعيا او تلفزيا لم اقم يوما باستجواب كتابي لايّ كان… ولم اخصم لايّ كان من اعدادهم في منحة الانتاج وفي الاعداد المهنيّة…

اذن وعودة الى علاقتي بجامعة صفاقس كمدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا ثم بعده بسنتين بمدرسة الفنون والحرف، حاولت ان اعطي دون كلل لطلبتي… كنت قاسيا معهم نعم… ولكن كان ذلك بحبّ لا يوصف… وبادلوني نفس الحب ان لم تكن دوزته اكبر … كنت الاستاذ والاب والاخ والصديق و كنت ايضا صدرا اتّسع حتى لاسرارهم الخاصة… رغم اني كنت ايضا بوليسا في امور الانضباط وتقديس العلم… وطلبتي الذين هم في جلّهم اصبحوا اصدقاء بفضل الفيسبوك شاهدون عليّ… ولعلّ من الاوسمة التي افتخر بها ما حصل في نهاية السنة الجامعية سنة 2012…

إذ ككلّ نهاية سنة جامعية يقع توزيع شهائد وجوائز للطلبة المتفوقين في جميع السنوات… وفي اخر القائمة سمعت من منشط الحفل يذقول: (الان الجائزة الاخيرة في هذا الحفل وادعو الاستاذ عبدالكريم قطاطة لتسلّمها)… فوجئت حقا بالاعلان… وكانت لوحة رُسمت عليها زيتونة وكُتب فيها (شهادة تكريم للاستاذ عبدالكريم قطاطة نظرا إلى عطائه الغزير لطلبة المعهد)… واعذروني على اعادة جملة تُريحني كلما ذكرتها وهي… “وبعد يجي واحد مقربع ويقلك شكونو هو عبدالكريم اش يحسايب روحو ؟؟” … بل تصوروا انّ زميلة من اذاعة صفاقس بعد حادثة ذلك الفيديو المنحوس حول من هم اعلام العار في نظري سنة 2012 (رغم انّي صححت فيما بعد ماجاء فيه ووضحت انّي لم اعمم وختمت بالاعتذار .. لكن وقت البعض يبدا يستناك في الدورة مهما وضحت وكتبت واعتذرت يكون موقفه”قاتلك قاتلك”)… تلك الزميلة ذهبت الى ادارة مدرسة الفنون الجميلة وطلبت منها فسخ عقدي معهم لاني لا اشرّفهم… وضحكوا منها وقالوا لها فيما قالوا: هاكة موش فقط استاذ الطلبة، سي عبدالكريم استاذنا وشرف لنا ان نكون تلاميذه… ورجعت المسكينة الى منزلها خائبة مذهولة مهمومة وغبينتها غبينة، المغبونة… وانا مسامحها…

قضيت 10 سنوات بمعهديْ الملتيميديا ومدرسة الفنون الجميلة وحتما ساعود الى اشياء عديدة حدثت فيها خاصة بعد قهرة جانفي 2011…

الحدث الاخير سنة 2004 كان دون جدال كُرويّا… تتذكّرو نوفمبر 2004 ..؟؟ وبالتحديد يوم 20 منه ؟؟ تتذكّروا هاكي التشكليطة السافيّة ؟ تتذكّرو زوبا وهو يمشكي في ملاعبية المكشّخة واحد بعد واحد ؟ تتذكّروا كيفاش علّق تيزييه في سقف الملعب ؟؟ انّه نهائي الكأس الشهير… وانه يوم سقوط امبراطورية فرعون الكرة ولد شيبيوب… وانا نعرف انو بعض المكشخّين ماشين عاد يسرسطو ماجاء من سور في كتابهم .. عن بطولاتهم .. عن القابهم وتونس بكلّها تعرف عن محصولهم في الشمبيونزليغ وطبعا ماشين يذكروني بهدف بوتريكة ويختمو بـ (ما تكلموناش احنا ماشين لكاس العالم في امريكا).. لاصدقائي المكشّخين الباهين فيهم وهم قلّة لانّ اغلبهم لا يورّيك ولا يفاجيك .. فقط لاصدقائي نحب نسألكم سؤال وحيد ..توة هدف زبير السافي في هاكي الفينال موش سميّح موش شيء يعمل 5555 كيف؟

موش تقول الواحد صيفا يبدا في يدو مشموم ياسمين وطاولة معبّية بالبطيخ والدلاع والهندي وما ننساوش الفقوس .. وهي تصير كورة من غير فقوس ؟…ويعاود يتفرّج عليه ويعشق العزف متاع زوبا ورقصتو كيف انتوني كوين في زوربا اليوناني ؟ وفي الشتاء يبدا قاعد تحت كوسالة وكاس تاي منعنع ويعاود يتفرّج على زوبا وهو يعزف اشي الحبّ كلّو واشي انت عمري .. واشي انساك ده كلام ويختمها ب ميا موري … نعرف اصدقائي المكشخين الباهيين يعرفوني بليد وماسط وخايب وقت نحكي على مكشختهم ..اما يدبّرو روسهم قلتلهم حبّوني؟… واذا حبوك ارتاح والله… دعوني الان اسرّ لكم بما لا يعرفه اغلب محبّي الفريقين حول ذلك النهائي… واصدقائي ومهما كانت الوان فرقهم يعرفون جيّدا انّي صادق في ما اقول والله شاهد على صدقي…

قبل خوض النهائي كان لنا لاعب معاقب (وسام العابدي)… ولد شيبوب كلّم هاتفيا انذاك احد مسؤولي النادي وقللو نقترح عليك اقتراح لفائدة الزوز جمعيات… قللو نسمع فيك هات… قللو تهبّط وسام يلعب الطرح وانا نقول للملاعبية يسيّبوا الطرح… تربح انت وتعمل شيخة انت وجمهورك وانا نعمل احتراز عليكم وناخذ الكاس… طبعا المسؤول رفض وبشدّة… ولد شيبوب قللو راك ماشي تهبط من غير قلب دفاعك وسام… تعرف اش معناها ؟ معناها ماشي انييييييييييي………… بزوز .. المسؤول ظهر حتى هو قبيّح وقللو .. انا منيش مهبّط وسام واحنا اللي ماشي انننننننننني ……… بزوز … وكلمة عليها ملك وكلمة عليها شيطان ..ولكم ان تعمّروا الفراغ وتربطوا بسهم … لكم حرية التعليق مهما كانت الوان فرقكم لكن مع ضوابط الاحترام …السبّ والشتم والكلام البذيء لا مكان لها في صفحتي! …

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة

جور نار

لا تخرّبوا سور وسقف الوطن… فنحن غدا من سيدفع الثمن!

نشرت

في

محمد الأطرش:

كنتُ بصدد وضع اللمسات الأخيرة على مقالي الأسبوعي في جلنار، حين بلغ مسامعي صراخ وألم ووجع عائلات من قضَوْا تحت أكوام حجارة سور معهد المزونة، رحمهم الله.

تمرّد القلم بين أصابعي، ورفض إتمام ما بدأه والانصياع لأوامري، وما أكتب، معلنًا الحداد على من ماتوا، ووُئدت أحلامهم تحت حجارة سور جريح ينزف دم سنوات الإهمال والتخلي.

سور أصابته لعنة “باركينسون” تشريعاتنا المهترئة، فارتعش وجعًا. سور لم يرأف بحاله أحد من القائمين على شؤون ترميمه، وترميم ما يحيط به. سور سال دم جراحه، وأسال دم من مرّوا بجانبه وأمّنوه على أرواحهم. سور توجّع وتألم طويلًا، وبكى… ولم يسمع بكاءه أحد، حتى أبكى أمهات بعض من اعتادوا المرور بجانبه… سور تآكل، وبانت عورته، فغضب وانهار على من كانوا يمرّون بجانبه، يتكئون عليه، ويستظلون به من غضب الشمس وثورة الأحوال الجوية، وهم في طريقهم لطلب العلم.

الغريب ما قرأته بعد الفاجعة، وما سمعته من صراخ من خرجوا يهددون بالويل والثبور وعظائم الأمور. أغلب من خرجوا علينا يولولون، يطالبون بمحاسبة من تسبب في الفاجعة، ويطالبون بتحميل المسؤولية لكل من قصّر في أداء واجبه أو غفل عنه.

هكذا نقفز على كل وجع ومأساة، لنواصل الدعوة إلى الانتقام من كل ما سبق، ومن كل من سبقونا في تحمّل مسؤولية خدمة هذا الشعب… هل يجب أن ننتقم ونثأر بعد كل فاجعة أو فشل ممن سبقونا في تسيير شؤون مؤسسات البلاد؟ هل يجب أن نشيْطن كل من سبقونا في خدمة الوطن بعد كل وجع يشعر به جسد هذه الأمة؟ ألا يجدر بنا أن نعتبر مما حدث، ونبدأ بإصلاح حالنا وأحوالنا؟

أتساءل: ألا يتساءل أحدكم لماذا كل هذا العزوف عن تحمّل المسؤولية؟ أليس للفصل السادس والتسعين من المجلة الجزائية دور كبير في هذا العزوف، الذي أفرغ مؤسساتنا من كفاءات كنّا نفاخر بها، ونطمئن بوجودها على حالنا وحال مؤسساتنا وحال البلاد؟ ثم، أليس للفصل الرابع والعشرين من المرسوم عدد 54 نصيب مما نحن فيه، ومما عشناه ونعيشه؟ فمن كان يرى في السور عيبًا وخطرًا، لن يكتب عن الأمر، ولن يُنبّه لخطورته، خوفًا من أن يُتهم بنشر أخبار زائفة وإشاعات كاذبة…

ألم نغرق اليوم في وحل الفصل السادس والتسعين، ورعب المرسوم الرابع والخمسين؟ لماذا تنشر تشريعاتنا وبعض قوانيننا الخوف والرعب في نفوس كفاءاتنا، ومن يملكون القدرة على تحسين أوضاعنا؟ أيمكن للأمم أن ترتقي وهي تعيش تحت وطأة الخوف والرعب من قوانينها؟ كيف نطلب من بعضنا خدمة الوطن وهم يعيشون رعب القانون، ورعب الحقد، ودعوات الإقصاء والثأر والانتقام من كل قديم، وكل مخالف في الرأي، وكل من لا يعلن لنا البيعة، ولا يقف صارخًا “مزغردًا”، مصفقًا لأخطائنا، ملمّعًا لفشلنا، داعيًا لنا بطول العمر وجزيل الثواب؟

يا من تستمتعون بوجع خصومكم، ومن لا تتفقون معهم، ومن تركوا أثرًا طيبًا وانتصروا عليكم بما حققوه وأنجزوه…الوطن أمانة بين أيادينا جميعًا، فجنّبوه الفتنة، وجنّبوه الأحقاد، وحافظوا على سور الوطن…ولا تخربوا سقفه، فإن انهار سقف الوطن، فنحن، نحن الشعب، من سيدفع الثمن… نعم… نحن الشعب من سيدفع الثمن.

أكمل القراءة

صن نار