تابعنا على

جور نار

ورقات يتيم … الورقة 39

نشرت

في

عبد الكريم قطاطة:

سنتي الاولى بالعاصمة كنت فيها كاغلب شباب تلك الحقبة ..هذه احبّها وتلك اريدها …عقلية الرجل الشرقي عموما كانت تسكننا ومازالت ..

عبد الكريم قطاطة

سي السيّد عند نجيب محفوظ في ثلاثيته، هو واحد منّا ..اذ للحبّ عالمه السحري المُغلق والعفيف وللاخريات الحاجة او الرغبة او الشهوة وهي المحدّدة فقط لوجودهنّ …لذلك لم تنقطع علاقتي بمن احببت رغم قلّة التواصل والخطابات ..فقط اختي الصغرى هي الوسيط والتي كانت تؤكّد لي دوما بأن حبيبتي على العهد وانّها لي ولن تكون لغيري …تلك الوعود كنت اخبّئها في صندوقي العاطفي تماما كما تخبّيء فتاة ريفيّة جهاز عرسها (بالقطعة بالقطعة) في انتظار فارسها الذي قد يأتي وقد لا يأتي ..

عندما عدت في جوان الى صفاقس للتمتّع بعطلتي الصيفيّة القصيرة ..كنت اُمنّي النفس بلقاء حبيبتي ..واللقاء اعني به رؤيتها صدفة، و”من بعيد لبعيد” لا اكثر … تلك كانت لقاءات العشاق في مدينتي عموما .. فلا جردة الباساج ولا هم يتشابكون ولا استوديو ابن خلدون ولا هم يتمرّغون …وفّتح الباب …انها حبيتي صحبة اختها التي تكبرها …ماذا ارى ..؟؟ هل فُتحت ابواب الجنّة….؟؟؟ هل خرج سكّان القبيلة من قبورهم ليعلنوها ثورتهم على القبيلة ؟؟؟… ايّة جرأة هذه؟ … انا لم اكن احظى بعُشر لقاء فاذا بي التقيها بمنزل اختي ..؟؟ وعلنا وبحضور عرّابتها اختها ..؟؟؟ ماذا حدث للعادات والتقاليد ..؟؟؟ فركت عينيّ وكأنني استفيق ليس من حلم جميل بل على حلم جميل …هل تصوّرتم ما معنى ان يستفيق الواحد منّا على حلم ..؟؟؟

قد لا يستقيم المعنى عندما نحاول الربط بين الافاقة من نوم وحلم على حلم ..ولكن وفي المشاعر يجب ان نُبعثر اللغة والربط وكل القواعد من صرف ونحو وبلاغة …اذ للمشاعر قواعد ها الخاصّة بها ….انا افهم ما معنى ان يبكي الانسان وهو في قمّة سعادته ..رغم انّ البكاء عادة ما يرتبط بالنّكد والحزن …انا افهم ما معنى ان يصبح الفاعل في المشاعر مفعولا به … ثم يدخل في نفس الوقت في رحاب الفاعل فقط ليتمتع بضمّته … اليس الفاعل مضموما ..؟؟ انا افهم ما معنى ان يصرّفوا الفرد في المشاعر من المفرد في صيغة الجمع ..اليس من نحب هو مفرد في صيغة الجمع لنرى فيه كلّ العالم الوردي وبكلّ رياحينه… وطزز في ابي الاسود الدؤلي واضع علم النحو ..وطزز في سيبويه تلميذه …وطزز في الخليل ابن احمد واضع علم العروض وقوافيه وبحوره ففي العشق لا بحر الا الكامل ..ولا قافية الا تلك التي تنتهي بحرف الباء وهي كما تعلمون اعزّكم الله آخر حرف في الكلمة القاموس: الحب …

نظرت الى عينيّ حبيبتي فلم ار الا نظرة خجولة ..عينان سادلتان ساجدتان الى الارض …انه الخجل منّي ومن اختي وعيّادة التي التحقت بنا لتستشفّ الامور …تقدّمت اختها (بعين صحيحة) وقدّمت لاختي مجموعة من الظروف ..تسلمتها اختي الكبرى وسألت: هذوما اشنوما ؟؟؟ كانهم جوابات عرس عرس اشكون ربي يكمّل ..؟؟؟ … ودائما وبنفس العين الصحيحة اجابت الاخت: عرس “ما ابلدك” …نظرت عيّادة اليهما ..وبسخرية ممزوجة بألم ، نطقت بصوت خافت: ربّي يكمّل …وقتاش ان شاء الله؟ ..لم اتركها تجيب وانفجرت: هكة وبكل وقاحة جيت تستدعيني لمأتم حبّي …العيب موش فيكم… فيّ انا اللي حلّيت الباب لناس ما يسواوش ..

حاولت اختها الكبرى تبرير الموقف بزعمها ان اخوتها الرجال اجبروها على القبول وبأننا نحن في مجتمع لا يعترف بالحب والمشاعر وبأنو في الاخير مكتوب …وأنّى لمراهق مثلي انذاك (يساري زعمة زعمة) ان يعترف بالمجتمع وقوانينه …وبالمكتوب وبسطوة العائلة .. كنت ارى في حبيبتي خضوعا للمادة لا غير ..فانا الفقير الذي لا يملك انذاك سوى منحتي ولم اكن من ورثة قارون.. لا معنى له …لا وزن له ..لا قيمة له … امام غريمه (المهندس قدّ الدنيا) كما يقولون عنه والذي هو في الحقيقة لم يكن سوى فني سام …وفهمت عيّادة الحكاية كما اراها واردفت: صحيح ولدي ما عندو شيء ومازال صغير، اما يجي نهار ويولّي سيد الرجال موش كيف هاكة الشايب اللي خذاتو …

لم اترك ايّ مجال لاختها لمواصلة الحوار البيزنطي … وطردتهما واغلقت الباب…. ودلفت الى داخل المنزل …واعادت عيّادة نفس الاسطوانة …”ريح السد يرفع ما يرد ..تاخذ للّتها” ..امي يومها وكأنها انتقمت لكرامتها عندما عادت ذات يوم وهي تجرّ اطراف سفساريها دامعة العين عندما سخر اهلها منها وهو يقولون لها (ولدك اش عندو؟ …واحنا ما عندناش في سبرنا الحب … قللو يقرا على روحو خيرلو) … اما اختي الكبرى فكانت من جهتها سعيدة جدا بنهاية علاقتي بها ..ليس شماتة في اخيها ..ابدا ..بل لان حبيبتي كانت شقراء ..بينما هي سمراء …ورغم كل الاغاني التي تتغنى بالسمراء البشرة من “ع الاسمر ياما قالو” ..الى “اسمر يا اسمراني” …الى “سمراء يا حلم الطفولة” مرورا بـ “يا سميْرة يا سميرتنا يا منوّرة حومتنا” …جل الفتيات انذاك كُنّ يعانين من عقدة السُمرة لأن حديث الامهات والجدّات كان في محور الجمال عند المرأة يتلخّص في الاتي: بيضاء حمراء يا للاّ ..وشعرها طويل يضرب لوسطها …وقدّ كيف السرولة ..وعين كحلة كيف الغزالة ..وحواجب كيف الهلال.. وشفايف جويّدة (اينكنّ يا جماعة البوتوكس!) …ومعصم تبروري …وفارات سمحة … عندما تتردّد هذه الاوصاف مرّات ومرّات في آذان السمروات رغم كل الاهازيج التي تتغنّى بسمرتهن، تصبح السمرة عقدة … وربّما تفطّن الكبير الجموسي لهذا الاشكال فاذا به يقسم باغلظ الايمان في معركة العيون (بالحرام لا نسيّبكم الاثنين …

ما حدث ذلك اليوم كان مفصليا جدا في مواقفي من المرأة ..يعملها واحد والاصح وحدة يدفعو الثمن القادمات ..المرأة اصبحت عندي عابدة للمال … بلا مشاعر بلا زفت… تلك خرافة و تلك كذبة كبرى .. المرأة ومنذ يومها لم تعد تستحق ايّ تقدير ويجب ان اتعامل معها بمنطق واحد (اللي يعطيك زنبيلو عبّيلو) …وعدت الى تونس في بداية جويلية …اكذب جدا ان قلت اني نسيت ما وقع وقتها بل الاتعس اني يوم زواجها 23 جويلية ..لم انم … كنت ومنذ اوّل يوم في علاقتي بها عند حادثة الحافلة و”ما ابلدك” تلك التي سخطتني بها …ك نت اكتب مذكراتي معها … بالحب الجارف وبكل ما يعيشه المراهق من احلام وردية ..ويوم زفافها كتبت مذكّرتي بعنوان (المذكرة الحمراء الدّامعة) الخّصها لكم في: “قدّام عينّي وبعيد عليّ .. مكتوب لغيري وهي ليّ” … لست من المغرمين كثيرا بفريد الاطرش ولكن تلك الاغنية وجدتها الاكثر صياغة لما احسسته ليلتها ..

رضا صديقي كان متألما هو ايضا لما حدث ولكنّه في حياته عامة كان براغماتيا …هو من الذين لا ينتكسون مشاعريا …لذلك كان يردّد لي دوما ..تي تمشي (تييلت) ويضيف، حاشاكم: بول في الخرب قبل ما تولّي جوامع . ..من جهتي كان هاجسي الوحيد كيف انتقم مما حدث .. عبدالكريم الزناتي لا يعترف بالهزيمة … ويجب ان يدفع صويحباتها الثمن .. علاقاتي مع المقررات التي كانت تنطلق من زاوية الحاجة اصبحت تنطلق من لاشعور الانتقام ..قلت لا شعور لأني طيلة حياتي وحتى في احلكها لم اكن قادرا على فعل الانتقام ..فالانتقام عندي نوع من الجبن الاخلاقي ثم لماذا انتقم ..؟؟ اليس البشر هم خليط من قابيل وهابيل ..اليس من المنطق الاسلم ان نكون من فصيلة هابيل ..اليس الاجمل ان نملأ داخلنا بالغفران والعفو ..الانتقام عندي هو عافاكم الله كسرطان ينخرنا قبل ان ينخر الاخر ..فكيف لعاقل ان يملأ داخله بسرطان (رعم اني من برج السرطان) ولكن يبدو انّ الله وضعني في برج يؤمن بالنور والبناء والحب … فحمدا لك يا رب على انك شرحت صدري ووضعت عنّي وزري …

عدت الى تونس وعدت الى الدراسة …وعادت همومي مع اللغة الفرنسية …وحتى في بعض الامتحانات الجزئية طوال السنة الاولى ونصف السنة الثانية كنت تقريبا (اليف لا شيء عليه) رغم انّي كنت ارى بأم عيني بعض زملائي مهرة في “التفسكية” (الغش في الانتحان) الا اني لم افعلها يوما طيلة ايامي الدراسية … كم احس باهانة نفسي وانا الجأ الى الفوسكا … عزة نفسي مانعاني على حد قول احمد رامي …اردت دوما واريد لحد الان ان اكون انا ..انا بكل ما فيّ من نقائص..دون تجميل دون زيف … وهذا سبب من الاسباب الهامة التي جعلتني لم اخطب يوما ودّ السياسة والاحزاب رغم كثرة خُطّابهم على بابي…ارى نفسي ارفع من اكون واحدا من القطيع ومهابيله وانتهازييه بدعوى الانضباط كالذين يطأطئون رؤوسهم لاسيادهم وينفّذون …ما قيمة الواحد منّا وهو يعيش حياته كبيدق يحرّكه الاخرون كما يشاؤون .. وعفوكم ..لا تظنوا ابدا اني مهووس بفكرة القائد (اي أكون قائدا او لا اكون) ابدا ورحمة عيادة …ولكن كنت وما ازال مسكونا بفكرة الانسان… الانسان الذي يتعلّم دوما وقد يُعلّم احيانا ….وابدا ان اتخلّى عن قناعاتي ..قد اخسر وخسرت البعض من اصدقائي لهذا الذي يراه البعض تعنّتا ولكن دعوني اذكّر بأني ابوس رجل ايّ كان ذاك الذي يُقنعني بأني على خطأ لانه يُصلح فيّ ما اعوجّ ..اما عدا ذلك فانا “قاراقوش” على حالي…

انتهت السنة ونصف الاولى في دراستي وجاء وقت الامتحان النهائي قبل التربّص التطبيقي الذي سيكون في الستة اشهر الاخيرة … كنت وانا اعيش الامتحان قلقا جدا … كنت مدركا ان نجاحي فيه صعب للغاية ..فانا لا استوعب الا القليل …ويوم الامتحان كل طالب بما في انائه يرشح ..وظهرت النتائج ..وقبل الاعلان عنها طلب منّي مدير المركز المهندس الفاضل السيد الباجي صانصة ان آتيه الى مكتبه ..انا دون الاخرين …؟؟؟ مالذي سيحدث … سي الباجي صعيب وربي يستر … وذهبت ..ها انا امامه اقف بكل وجوم وحيرة ..صمت سي الباجي طويلا وهو يتامّل وجهي الباهت ثم قال: شوف عبدالكريم، ثمة حاجة فيك “سافا با”… تساءلت لاباس سي الباجي ؟؟؟ لم يتأخر بالاجابة وقال: امّا موش انت اللي عدّيت الكونكور او ما قريتش على روحك …ورددت بسرعة: يا سي الباجي والله انا اللي عدّيت الكونكور ..فأردف: مانيش فاهم كيفاش انت عدّيت وكنت من الاوائل في المناظرة وتوة بعد الامتحان انت في المرتبة الاخيرة ..تنجّم تفسرلي؟؟ …

لم افاجأ بالنتيجة بتاتا ..كنت الوحيد شعبة آداب كلاسيكية “أ” من بين كل زملائي بمركز التكوين… وكنت رديئا جدا في اللغة الفرنسية ..واوضحت له هذا الامر ..صمت طويلا ثم قال … والحلّ؟ ..اجبت دون اعمال فكر: ما نعرفش … نظر اليّ نظرة الاب الحنون وقال بكل هدوء: انا احساسي يقلّي انّك ما تكذبش ..وساعطيك فرصة لتثبت بها قدراتك ..التربّص التطبيقي سيكون مع استاذ ايطالي يعمل بالراي اونو وهو من اشهر وامهر المركبين… وحتى هو يطشّ طشّان في الفرنسية… وجهدك يا علاّف ..وقتها ماعادش عندك حجّة …طأطأت رأسي احتراما لهذا المدير الرائع وقلت: ان شاء الله ما نخيبلكش ظنّك …اردف بسرعة: انا عندي ثيقة فيك …ما اروع واعظم واجمل ان يضع على عاتقك هذا الحمل الثقيل والجميل رئيسك او استاذك او كل من يُوكل لك امرا وهو يقول (عندي ثيقة فيك)… عبارة كم هي موجزة ولكن كم هي دافعة للتحليق عاليا خاصّة عندما نحسّها بشكل دين يجب تسديده يوما …

وانطلق التربّص التطبيقي مع المركب الرئيس …الايطالي السيد جوزيو … عندما رايته اوّل مرّة كان هنالك تناعم حسّي حدث بداخلي لم ادر مأتاه .. مدرّس شاب وكسائر الايطالين انيق جدا …ديناميكي وكسائر الايطاليين ايضا ..لكن ليس هذا ما حدّد التناغم الحسّي … هل انتم معي في انّ التناغم عالم سحري لا يُفسّر بالمنطق المتداول ..؟؟؟ هل انتم معي مرّة اخرى في انّ بعض الألفاظ تصبح جوفاء عندما نحاول التعبير من خلالها عن هذا التناغم؟ ..وددت يوم رايته اول مرّة ان اقول له كم احببتك ..واكتشفت بعدها ان هذه العبارة لا قيمة لها بل هي خرقاء لتعبّر عن التناغم السحري ..بعد سنوات من عمري اكتشفت عبارة لا تعترف مرة اخرى بقواعد اللغة والصرف والنحو في اللغة الفرنسية اذ اني الغيت من قاموسي عبارة Je t’aime لأعوّضها بـ Je t’amour …قد يصيح البعض (كيفاش هذي ما تصحش في اللغة الفرنسيّة ؟؟)..وتراني اضحك منهم واهتف بصوت عال تصحّ وتصحّ وتزيد تصحّ Je vous amour واللي ما عجبوش يشكي للعروي …

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

وقت مستقطع… للحبّ!

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…

ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟

ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…

هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…

خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…

وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…

أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟

أكمل القراءة

جور نار

الدنيا ليست بخير كما يزعمون…

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

سؤال يقلق راحتي: لماذا يحنّ أغلبنا إلى الماضي…؟؟ لماذا حاضرنا أصبح ثقيلا لا يطاق…؟؟ ولماذا نخاف المستقبل أيضا؟؟ والإجابة في غاية البساطة…

هل نحن اليوم ما كنّا عليه وفيه سابقا؟؟ لا…هل قبلنا ببعضنا البعض رغم اختلافنا؟؟ لا… هل اعترفنا بما أتيناه من أخطاء في حقّ بعضنا البعض؟؟ لا… هل قمنا بمراجعات في ما أخطأنا فيه وطلبنا الاعتذار ممن أخطأنا في حقّهم؟؟ لا…هل أصبحنا اليوم نقبل بأن يكون بعضنا أفضل منّا وأرفع درجة؟؟ لا… هل أصبحنا كما كنّا نسبيا سابقا نسعد لسعادة بعضنا؟؟ لا… هل نحزن لوجع بعضنا أو خصومنا إن نزلت بساحتهم مصيبة؟؟ لا…هل نتضامن مع المظلوم وأن كان خصمنا ونختلف معه؟؟ لا…هل نتمنى السلامة لمن نختلف معهم وننافسهم في شأن من شؤون الحياة؟؟ لا…إذن نحن لسنا نحن … ولا يمكن أن نكون نحن؟؟ فهل الدنيا اليوم بخير كما يزعم بعضهم ويفاخرون؟؟ لا ليست بخير أبدا…

فكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يُظلم ونحن لا نحرّك ساكنا وحتى السنتنا أصابها شلل الجبن والخوف من أن يقع معنا ما وقع معهم…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير والعاطل لا يزال عاطلا والفقير لا يزال يئن تحت ثقل معاناة الفقر…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير ونحن فرّطنا في ثقافة العمل ولا عاد يهمّنا أي شأن من شؤون البلاد…؟؟وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعض مرضانا لا يجدون في صيدلياتنا الدواء…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وكفاءاتنا تغادر البلاد بالآلاف؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير ولا يزال بعضنا يكذب على بعضنا؟؟

وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يهتك عرض بعضنا ظلما وعدوانا؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يكره بعضنا دون سبب فقط لأنه ليس من القطيع؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يتّهم بعضنا فقط لأنه يختلف عنه ؟؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يضمر لبعضنا شرا فقط لأنه لا يتفق معه في بعض شؤون الوطن؟؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يختلق الأكاذيب على بعضنا فقط لأنه كان أجدر منه بالمقام والمكانة؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير والنفاق أصبح جزءا من الهواءالذي نتنفس؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا لا همّ له غير الانتقام ممن سبقوه ؟؟؟ وكيف يمكن ان تكون الدنيا بخير وأغلبنا ممن لم يحترفوا التصفيق والهتاف يعيشون القلق والخوف والاحباط والياس؟؟

فهل أصبح شعبنا غير قادر على النسيان…غير قادر على المصالحة…غير قادر على تغليب خطاب التسامح…غير قادر على العيش مختلفا…وغير قادر على الحب…هل أصبح التسامح والحبّ للجبناء …وأصبح الحقد والانتقام للشجعان؟؟؟

هل يعلم بعض هذا الشعب أن الدنيا ليست بخير كما يزعمون…فإن كانوا يعلمون ويتظاهرون بأنهم لا يعلمون فهذه كارثة…وإن كانوا يعلمون ولا يهمّهم ما يعلمون فتلك مصيبة المصائب…

أكمل القراءة

جور نار

ملاّ ليلة كلبة!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

عشت البارحة خصومة طويلة مع النوم، ولم أنجح في مراودته للبقاء معي حتى سويعات الفجر الأولى… خرجت أمام المنزل بحثا عن نسمات صيفية تُصالح بيني وبين النوم فلم أجدها…

سمعت حشرجة قرب السور الخارجي للمنزل لم أعهدها سابقا، فاقتربت من مصدرها لأعرف مَن هناك، وكأني بقطة وكلب يتهامسان ويتحاوران في مشهد لم أعشه سابقا أبدا، فبين القطط والكلاب معارك دامية عشتها في منزلي السابق وكنت شاهدا على العديد من الأحداث بينها ونجحت في الكثير من الأحيان في رأب الصدع بين الفصيلين، وأجبرتهما على الهدنة والمصالحة الشاملة وتقاسم الموارد من سكن وغذاء، لكن أن يصل الأمر أن أجدهما في جلسة ودية أو ما شابه خلف السور الخارجي للمنزل فهذا أمر أول مرّة أعيشه، يذكرني هذا المشهد بالتوافق الذي عاشته تونس أيام الباجي رحمه الله والنهضة وقياداتها…

جلست غير بعيد عنهما لأستمع إلى ما يدور بينهما من حديث… فالقطّة الرقطاء هي قطة الكوني ابن عمتي أما الكلب فهو من الكلاب الضالة والسائبة  ولم أعرف أن بين قطة الكوني وهذا الكلب علاقة وديّة كالتي أعيش بعض أحداثها “هل أذنبنا في حقّهم يا صديقتي …لم كل هذا الحقد علينا…؟؟؟” هكذا قال الكلب مخاطبا القطّة…”هذا ويحاولون ايهامنا بأنهم سيعاملوننا حسب تعاليم الإسلام وما تركته السنّة…أي دين هذا الذي يأمرهم بمنع الغذاء عنّا؟ أيريدون قتلنا وابادتنا؟؟ هل تآمرنا عليهم؟؟ هل أضربنا عن القيام بواجباتنا؟؟ هل زاحمناهم في المناصب والمكاسب والوظائف العليا؟؟ هل أفسدنا في الأرض؟؟ نحن لم نسرق ولم ننهب ولم نظلم أحدا في حياتنا من البشر فلم كل هذا الحقد علينا؟؟؟” هكذا أجابت قطّة الكوني…

نظر إليها الكلب وقال “أتذكرين مواقفنا قبل 14 جانفي؟ ألم نبق على الحياد وحاولنا مساعدة الجميع على التعامل بهدوء مع ما وقع من أحداث؟ ألم نحرس ديارهم لأشهر طويلة حين كان الانفلات عنوان المرحلة؟؟ ألم تنقذ الكلاب الآلاف من المنازل من السرقة ؟؟ لماذا يعاملوننا هكذا ونحن الذين مات منّا الآلاف ولم نخرج حتى لنندّد بالأمر كما هم فعلوا ويفعلون، ألم يسجلوا بعض قتلاهم ضمن قائمة الشهداء وكأنّ الله لا يعلم شيئا عن الشهداء الحقّ وشهداء الفضاءات التجارية الكبرى؟؟ أمَسَكوا قطا او كلبا وهو يقنص من أعلى عمارات السكن؟؟؟”

ضحكت القطّة وقالت “نحن مختلفون عنهم يا صديقي… هم يحقدون على بعضهم البعض… هم يبحثون عن السلطة… جميعهم يريدون حكم البلاد فتراهم كأحزاب يخطبون ودّ الشعب بوعود وبرامج سياسية لا يحققون منها شيئا… ويوهمون الشعب بنجاحات وانجازات لم يحققوها… أنحن مثلهم؟؟ لا… نحن لم نبحث يوما عن سلطة أو جاه أو حكم… نحن لا أحد منا يخون الآخر… ولا أحد منّا يحقد على الآخر… ولا أحد منّا يعتدي على أملاك الآخر… هل سمعت يوما في صحفهم عن اتهام قطّ أو كلب بالفساد وتبييض الأموال ؟؟؟ لا أبدا ولن تسمع بالأمر أبدا…وهل سمعت يوما في نشرة أخبارهم التلفزية عن اغتصاب كلب لقطّة؟؟ لا لن تقرأ ذلك في صحفهم… فأخلاقنا ليست كأخلاق بعضهم… وعاداتنا ليست كعادات بعضهم… هم يشربون الخمر ويعودون إلى ديارهم يتمايلون ونحن لا نتمايل إلا حين يسممون أكلنا ظلما وعدوانا للتخلّص منّا”

نظر إليها الكلب ونبح صارخا في وجه كلب آخر اقترب منهما (كأنه يقول له روح لداركم ما الذي أتى بك هنا ؟؟؟) ونهره وأبعده عنهما ثم قال ملتفتا إلى القطّة الرقطاء: “أولا نحن لم يقبلوا بنا بينهم فكيف تريد منّا أن نطمح لسلطة أو حكم أو حتى للمشاركة في انتخابات ديمقراطية نزيهة وشفافة…” هنا قاطعته قطّة الكوني ابن عمّتي وقالت “نزيهة؟… أتقصد نزيهة صاحبة منزلنا سابقا محلاااااها تعطيني في السردينة كل يوم؟؟” نظر إليها الكلب غاضبا وقال ” أنت كصاحبك الكوني ساذجة وغبية… نزيهة من النزاهة أقصد وماذا تعرفين انت عن النزاهة؟؟” وأضاف قائلا “أتركيني أكمل كلامي ثم قولي ما تريدين يا حمقاء!!!… نحن لم نطلب يوما أن نكون ضمن الناخبين ولا ضمن المترشحين… أنا مثلا يا عزيزتي (هنا همست القطة قائلة: عزيزتي  منذ متى أنا عزيزتك يا كلب يا زوفري؟!…) لم أرغب يوما في شيء منهم غير مساعدتنا على تأمين الغذاء والسكن وهي اتفاقية قديمة بيننا منذ آلاف السنين…فأنا لست مثل بعضهم أبدا ولن أكون… أنا كلب طيب ومواطن صالح وشريف لم أسرق أو أنهب ولم أعضّ أو أظلم أحدا في حياتي… وأنا كلب ملتزم ومنضبط في شغلي وأعرف ربنا… فلمَ يخرج علينا أئمّتهم يهددوننا بالويل والثبور ويفتون بمنعنا من الأكل والماء؟ أهذا من الحقّ بشيء يا قطّتي العزيزة؟…”

هنا نظرت إليه القطّة وهي في حالة هستيرية وقالت صارخة: “أولا لست قطّتك و(يكب سعدك)… ثانيا أنت تكذب، أنت أكبر عضّاض في الحيّ… لكن أنا متعلمة ومثقّفة وأعشق بلادي وأحب أهلها ولا ولن أخون وطني اأدا ولن أكون من الوشاة لأخبر عنك وعن أفعالك يا (بوناب) وتقصد ان للكلب نابا طويلا خارجا عن الصفّ…” ثم ضحكت ونظرت في اتجاهي وقالت “كيف حالك عمّي…؟؟؟” نظرت إليها ضاحكا وقلت “عمّك … منين يا كبدي ؟؟؟” ضحكت ونظرت إلي وقالت “أتعرف يا ابن خال الكوني أني أنا القطّة الرقطاء ورغم أنى لست مشهورة أو شخصية عامة لكني والحمد لله وطنية وواعِية بكل ما يدور حولي. ولم أكن سلبية أو عميلة أو خائنة أبدا في حياتي… شاركت في العديد من المظاهرات في عهد المغفور له بن علي وحتى في عهد الترويكا وتوافق الباجي مع الغنوشي… وتظاهرت ضد التعذيب والتزوير والفساد والتوريث والتمديد… لكن ذلك الكلب الضال لم يفعل ذلك أبدا… كان دائم البحث عن الأكل والنباح والصعلكة بين الأزقة ومراودة كلبة عمّ الصادق الحوانتي وكلبة جارنا الذي يعمل بأوروبا، تصوّر أن له من كلبة سائح إيطالي سبعة جراء تركها دون تأمين الغذاء في الخلاء فماتت من الجوع والبرد…أتعلم أيضا انه أكل من كل الصحون منذ عهد الأمين باي أصدقني القول وقد قلت ذلك للكوني ابن عمتك”

نظرت إليها وضحكت وقلت “لم أتحدث عنك مع الكوني أبدا”… اقترب الكلب منّي وقال “لا تصدقها يا صديقي أتعلم أني بعد نجاح الثورة اجتمعت أنا وبقية كلاب المدينة بعد أن عرفنا أن الأمور قد تتغيّر وأن الأمل قائم في دولة ديمقراطية يكون فيها للكلاب والقطط موطأ قدم، وقررنا أن نساعدكم أنتم البشر في دمقرطة البلاد والخروج بها مما كانت عليه… وقررنا أن نكون لكم عبرة وأسوة من خلال تنظيم حياتنا السياسية والاجتماعية ومشاركتكم صنع مجد هذه البلاد… وشخصيا استشرت اهلي وناسي وأصحابي من الكلاب طبعا، فنصحوني بترشيح نفسي في انتخابات مجلس حي للكلاب يكون نواة لحياة سياسية منظمة للكلاب والقطط بجميع أصنافها وطوائفها وعائلاتهم نجمع فيه شمل بعضنا البعض… ويكون لنا ممثلنا الرسمي لدى البشر لنطالب بحقوقنا كمخلوقات ذات كبد رطبة وأمم مثلكم، فأنا أحب الجميع قططا وكلابا وبشرا وحتى ثعابين لم لا؟ وأنا على يقين انهم أيضا يحبونني فأنا واحد منهم ومولود هنا بينهم، مشاكلهم هي مشاكلي وهمومهم هي همومي… أما عن مشاكل هذا الوطن فهي أيضا مشاكلي فأنا كلب ابن كلب وهنا ولدت وهنا أعيش وهنا أبقى لأموت، ولعلمك سيدي أنا أتابع اوضاع البلاد منذ أطردني جدي الكلب الأكبر ولي برامجي وأفكاري واضحة، وقادر على إيجاد الحلول الممكنة والواقعية لأغلب مشاكلنا جميعا…”

همست لي قطّة الكوني وقالت: “لا تصدقه صديقي فقد طالبناهم منذ أكثر من عشر سنوات نحن معشر القطط بأن ننظّم مؤتمرا وطنيا للمصالحة الشاملة خدمة للمصالح العليا للبلاد، فرفض وحاول فرض إرادته من خلال ميليشيات فايسبوكية تشتم وتهتك أعراضنا وأعراض عائلاتنا ونحن الليلة هنا لنتفق في أولويات المرحلة… فالمرحلة التي نعيشها وتهديدات المنع من الغذاء والإبادة التي تتهددنا والحملة التي تشنها بعض وسائل التواصل أرهقتنا وأجبرت العديد منّا للهروب إلى بعض المناطق المجاورة التي يطيب فيها العيش وتكثر فيها الفضلات المنزلية…

نظرت إلى القطة والكلب وقلت لهما: “من الأفضل أن تتصالحا فالتعايش هو الأمر الوحيد الذي سيخرجكما مما آلت إليه الأمور وقد تتعقّد أكثر لو اتفق عليكما الجميع ومنعوكم من الغذاء والماء وقد يمنعونكم إن واصلتم تعنتكم من الهبهبة للكلاب والمواء للقطط …” نظر إلي الكلب وقال بصوت عال” صاحبك كلب ابن كلب…سألتزم بما تريدون…” ونظرت إليّ القطة وأقصد قطّة الكوني ابن عمتي وقالت وهي تبكي “حسبي الله…حسبي الله…”….

شعرت باصطدام على جمجمتي كأنه مطرقة وسمعت صوت زوجتي وهي تقول : “تي قوم اشبيك راقد قدام الحوش… يخي ما تخافش مالهوش وشبيك تهبهب من بكري؟؟؟” وعرفت أني لم أكن كسليمان لأتحدث مع كلب وقطة ولم أجتمع أصلا بها … ولم أذكر مما دار بيني وبينهما إلا “كلب ابن كلب…وهب هب”…

ملا ليلة كلبة…

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار