تابعنا على

جور نار

ورقات يتيم … الورقة 40

نشرت

في

عبد الكريم قطاطة:

من عيوبنا الكثيرة اننا في مطالعاتنا نهرع دوما للاسماء المعروفة والذائعة الصّيت في عالم الكتابة …في البداية يوجّهنا المدرّسون الى اسماء معيّنة نظرا لارتباطها بدروسنا وهذا منطقي ..ثم نكتفي عادة بملاحقة كل ما كتبه المشاهير الاموات منهم واللهفة على كل ما يصدر للمعاصرين منهم ..

عبد الكريم قطاطة

كنت في بداية عهدي بالمطالعة (رابعة ابتدائي ألتهم كل ما صدر عن محمد عطية الابراشي وكامل الكيلاني وعبدالحميد جودة السحار …وفقط …وفي بداية دراستي الثانوية انهمكت في سحق ومحق مجموعة جرجي زيدان ثم بعدها ومع بداية المراهقة احسان عبدالقدوس، ثم الكبير نجيب محفوظ… ولعلّ الرابط الذي يجمع بين مطالعاتي لهؤلاء، قصص الحب والغرام في رواياتهم …ثم جاء انتقالي لشعبة الاداب الذي حتّم عليّ الاهتمام بالمنهج الدراسي واعني بذلك وحسب الترتيب الشعر الجاهلي ثم عصر الاسلام والشعر الاموي ثم العباسي ثم الحديث والمعاصر …

كثافة المواد في سنتيْ الباكالوريا لم تكن تسمح لنا في تلك الحقبة بتجاوز ما هو مقرر في البرنامج الدراسي ..الا ان الاشكال ياتي بعد الانخراط في دنيا اخرى بعيدة عن الدراسة ..جلّنا امّا ينقطع عن المطالعة تماما او يبقى في منظومة المشاهير اي في كهفهم ..ولأنني كنت من زمرة اولئك الذين يمقتون الكهوف وينادي دوما بتكسير جدرانها وبفتح ان لم تكن الابواب فعلى الاقل النوافذ لنور الشمس.. فاني كنت شديد البحث عن الوان اخرى الوّن بها خزينتي المعرفية في كل مشارب الحياة عموما وفي الشعر والادب بالتحديد …

فتحت زوايا المعرفة على العديد فاكتشفت الطيب صالح وحنا مينة ودرويش والماغوط ذلك القلم الرهيب والقاسم (ليس عرّاب الجزيرة ذلك الذي باع ذمذته بالبترودولار القطري بل سيّده سميح) وابنة الجزائر الكبيرة الرائعة المذهلة بنت المستغانمي …والقائمة طويلة وعريضة …من ضمن تلك الاسماء وقعت يوما ما عيناي على اديب مغربي يُدعى محمد الصبّاغ ..في الحقيقة عنوان كتابه هو ما شدّني ..في برنامج من البريد الى الاثير كان لي ركن عنوانه شموع على الطريق ..كنت استقبل فيه المواهب الفنية الشابة والتي لم يسبق لها ان غنّت لأفسح المجال لهواياتها ..وتخرج منه العديد من الاصوات التي شقّت طريقها في عالم الغناء وحتى لا انزل الى خانة الفخر والمنّ بما ومن قدمت، اكتفي فقط بذكر فرقة البحث الموسيقي بقابس و..هيلا هيلا يا مطر.. التي بُثت لاول مرة في برنامج من البريد الى الاثير .

عنوان الركن في برنامجي هو نفس عنوان الكتاب الذي الّفه محمد الصبّاغ …شموع على الطريق …في البداية كان حبّ الاطّلاع هو ما دفعني لاقتناء ذلك الكتاب ..ويا لروعة ما اكتشفت …قلم جميل جدا ينثر في جمل قصيرة نوعا جديدا من الكتابة الرمزية الانيقة جدا .. الكتاب لم يكن من النوع القصصي او النقدي او البحثي ..هو مجموعة خواطر عن اشياء عديدة في شكل فقرات وجمل احيانا لكن (طريزة ابدع قلم صاحبها في طرزها) ووجدتني استشهد بها في عديد برامجي او كتاباتي الصحفية نظرا إلى رمزيتها …لبلاغتها ..وخاصة لاسلوبها الجميل جدا … هاكم قرنفلة بنفسجية منها : “ما اجمل ان نكون كالميزان لا يهمّه ان ارتفع باللحم ام بالفحم …بالتبر ام بالتبن ..ام بهبّة ريح” …

ياه كم جميل ان نعبّر عن العدل بهذا الشكل ..اليس هو من اجمل الدروس للقضاة حتى لا يسقطوا في خانة الرشوة ومقاضاة مَن وزنه من ذهب وهو يلصق الجريمة والعقاب بمَن وزنه من فحم …؟؟؟ سيغضب حتما بعض القضاة من هذه التهمة …فقط اهمس في آذانهم ..يا سادتي القضاة انتم اكثر من يعرف ان فيكم مرتشين وفاسدين ومجرمين ..واذا اغمضتم اعينكم عن الحقيقة الابدية لا وجود لأي قطاع يسكنه الملائكة .. فانتم مدعوون الى فتح اعينكم على هذه الحقيقة ودعكم وكل من ماثلكم من الانخراط الاعمى للدفاع عن منظوريكم ..وفي كل القطاعات دون استثناء ..وحاولوا مرة واحدة ان تفهموا المقولة (انصر اخاك ظالما او مظلوما) هذه تعني ان كان ظالما قف معه وان كان مظلوما حسّسه بخطئه حتى يثوب الى رشده …

وبكل ألم اقول هذه واحدة من افظع مشاكل تونس بعد 14 جانفي …تحركات لم تكن يوما قطاعية من اجل قطاع ما ..بل قطيعية ..والفارق بين القطاع والقطيع مهول ومقرف ..من ضمن ما كتب الصبّاغ كتب: “الشمس تشرق كل يوم لتقدّم لنا مجموعة من الهدايا فماذا قدمت انت ايها الانسان ردّا على هداياها …؟” يوم بدأت العمل في الدراسة التطبيقية لفن المونتاج (تركيب الافلام)مع السيد جوزيو، احسست بان هنالك اشعة شمس بدات تسطع في كياني ..هنالك وميض لاشعة فيها النور ولكن فيها الدفء ايضا ..وكم هي حاجة الواحد منّا كبيرة في ايّ عمل ان يشعر ويستشعر ذلك .. بيداغوجية المؤطر يجب ان تكون من تلك الزاوية دفئا ونورا… المؤطّر عموما وفي أي ميدان عليه ان يمنح الاخر نور العلم وهذا واجبه كمدرّب ولكن وهو الاهم، عليه ان يعطي الاخر كثيرا من الدفء الانساني ..في نظرته ..في زفرته ..في ابتسامته ..وحتى في غضبه ..غضب الانسان يمكن ان يتحوّل الى نسيم سلام وامان ..

غضب المؤطّر كانسان هو حتما سيكون من فصيلة (ضرب الحبيب زبيب) وهذا ما عشته وتعلمته من مؤطّري الايطالي السيد جوزيو .وحاولت عندما اصبحت بدوري مؤطرا ان اتماهى معه ..وارجو ان اكون وُفّقت …ربّما ارضيّتي ساعدته على ان يكون كذلك معي، لأني كنت في بداية خطواتي معه استمع اليه باعجاب… نعم وانا الذي كنت ومازلت مزبهلاّ بالايطاليين لحركيّة كل شيء فيهم …تقاسيم وجوههم… حركيّة ايديهم …تلوين نطقهم للكلمات غاضبة احيانا ومعجبة احيانا اخرى …هذه الفصيلة من العباد هم لا يتكلمون… هم يُغنّون ..هم يعزفون … هم يرقصون …كنت مزبهلا به وانا استمع اليه ولكن ابدا ان فقدت تركيزي في الاستماع بعمق ..وهذا اول ما شدّ انتباهه تجاهي ….

ما لاحظته ومنذ الاسبوع الاول في الدراسة التطبيقية ونحن نلمس لاول مرة الشريط السنمائي بايدينا (لأنه في تلك الحقبة كان مونتاج شرائط الافلام هو السائد مهنيا وحتى الفيديو في بداية السبعينات كانت آلياته ثقيلة جدا وامكانية الجودة في مونتاجها كانت محدودة جدا،. كما أن العالم السمعي البصري بدا مع الاخوين لوميير بفيلم التصوير Pellicule و تواصل على تلك الحالة عشرات السنين وحتى الثورة التكنولوجية الحديثة لم تستطع اطلاقا ان تصل الى روعة المونتاج على الفيلم الفوتوغرافي ..ما لاحظته انه كان ينظر اليّ دون ان ينظر …كان يسترق النظر.. كنت مدركا تمام الادراك حسّيا انه لم يهمل احدا منّا (وما ابشع ان يهمل ايّ مؤطّر احد تلاميذه) …ولكن لم اكن افهم لماذا كان ينظر دون ان ينظر .. وتماما مثله تعلّمت ان استرق النظر على طريقته ..كنت اغتنم فرصة حديثه مع احد الزملاء ونقاشه معهم حول قواعد علمية ثابتة في المونتاج، كيف يردّ الفعل ..هو غاضب احيانا مع البعض راض عن آخرين صامت معي …

هكذا كانت مدّة الدراسة التطبيقية مع السيد “جوزيو”… وجاء الشهر الاخير لاعداد مشروع ختم الدروس … كان على كل واحد منّا ان “يتكوبل” مع احد زملائه المختصين في التصوير التلفزي ليقوم الكاميرامان بتصوير الموضوع ويتولّى المركّب المونتاج ….وعلى كل فريق ان يختار الموضوع الذي يريده ..واخترت انا الموضوع ..ريبورتاج حول حديقة الحيوانات بالبلفيدير …السيد جوزيو تساءل: هل تتصور ان هذا الموضوع هام؟ ..اجبته: اريد ان آخذه من زاوية معيّنة ..تبسّم وقال اوكي ..وهذه لا فرنسية ولا عربية ولا حتى امريكية انها عالمية ..وكان عليّ ان اثبت لمؤطّري السيد “جوزيو” اني في مستوى “اوكاه” …كان في مخططي ان اصوّر واخرج واركّب يوما ريبورتاجا عن موضوع ما، دون تعليق دون حديث دون ثرثرة كما يقع في جل قنواتنا الان …وارتايت ان اقدّم لمؤطّري عملا لا شيء فيه باستثناء الصورة وهي مركّبة بشكل فنّي على الموسيقى وفقط يا فقط …

قمت بدراسة المكان وقمت خاصة بالسؤال عن اصل وفصل كل الحيوانات اي جنسياتهم …وذهبت صحبة زميلي المصوّر ..لم يدم التصوير اكثر من يوم واحد ..ارسلت الاشرطة للتحميض وشرعت في اختيار موسيقى من نفس بلاد كل حيوان …ةضعت الاسيوين في مجموعة والاوروبيين في مجموعة ثانية والافريقيين في مجموعة ثالثة ..واخترت لهذه القارات الثلاث لا فقط موسيقاها بل تلك التي تتناسب مع الموضوع (الحيوانات)… انتهى التحميض وبدات عملية المونتاج … وسي وخينا هاكة الطلياني، مازال ينظر دون ان ينظر …صدقا كنت “شايخ بروحي” وانا اعيد قراءة مونتاج ايّة فقرة اتممتها …ولكن لم افهم ما معنى ذلك الطليان السمح الذي ينظر ولا ينظر ..صدقا لم احس يوما في التربص التطبيقي بالخوف من النتائج التي ستعلن بعد اسبوع ..كان كلّ همّي ان اكون انا … وياما اوقعتني في اشكالات ومشاكل ان اكون انا …وبدرجة ثانية ان اكون عند حسن ظن سي الباجي … ما تمشيوش لبعيد.. لقرطاج ..لانه لم يهمني يوما ان اكون عند حسن ظن لا قرطاج ولا مونبليزير وطززززززززززز فيهم جميعا ..بل عند حسن ظن السيد الباجي صانصة مدير مركز التكوين لدار التلفزة التونسية …

وحان وقت الحصاد ..زعمة ينڨزها كريّم …؟؟؟ يومها وقبل اعلان النتيجة النهائية للحصول على الديبلوم وهو الذي وقعت معادلته بسنة ثانية جامعة فيما بعد، جاء ذلك الجوزيو الايطالي الجميل الانيق وجذبني اليه وقال “قهوة معا ؟”… وبكل سرور وسعادة وشوق كبير لمعرفة اسرار هذه الدعوة، وجدتني كعندليب طائر استبق المسافات والعندليب الاسمر يغني في كياني (وخذتني ومشينا والفرح يضمنا، ونسينا يا حبيبي مين انت ومين انا) …يكب سعد الوقت …يستمعون الى انا موش مريڨل ..وانت موش مريڨلة …وهف.. يريڨلهم تريڨيلة ماهياش ..وينسون (وخذتني من ايدي يا حبيبي ومشينا… تحت القمر …غنينا وسهرنا وحكينا… وف عز الكلام سكت الكلام )…يومها وفي مقهى الاذاعة ذلك الذي ينظر ولا ينظر، نظر بكل تأمل إلى طالبه وفي عز الكلام بدأ ولأول مرة الكلام وقال بفرنسية عرجاء لكن كم هي جميلة: انتبه مليح كريم انت فنان وفنان جدا وانا واثق انك ماشي تُولّي مركّب كبير …وانا كنت نتبّع فيك منذ اول يوم وعندما شفت الـ”سي في” متاعك خلال دراستك اندهشت من ترتيبك في الامتحان النهائي وانت الاخير في دفعتك ..ولكن ولانك تستحق …انت الان ناجح وبامتياز وشريطك حول حديقة البلفيدير عمل محترف ويجد مكانه في اية تلفزة …

لم انتظر جدا الاعلان الرسمي عن النتيجة ..شكرته وودعته وذهبت الى رضا لاعلمه …وكانت ليلة ليلاء حمراء ..بكل مفاهيم الاحمرار… من مقرراتها الى قواريرها شديدة البراءة الى حد الاحمرار، لشلة الاصدقاء في تونس دون ان اكون مشتركا معهم في شرابها فشرابي مختلف .. انا لم اذق يوما الخمر بكل اصنافه في حياتي …هكذا قررت منذ بداية شبابي وادمنت على ذلك القرار رغم تعدد الاغراءات ..لم يكن الواعز الديني انذاك السبب ابدا … ربما هو جبن منّي …ربّما هو الخوف من عواقبه لاني في العشق لا اخاف من الغرق بل لا عشق عندي دون غرق ..وهذا امر اسعد جدا عيّادة ..التي لم تشك يوما في اني لم اذق الخمر ..هي لم تسالني يوما عنه ..هي تنظر اليّ وتعرف بالضبط ماذا فعلت وماذا لم افعل ..هل تتصورون اني لحد يوم الناس هذا عندما ازورها في قبرها احسّ لا فقط انها تسمعني وتسمع بكائي ..وما اروع البكاء على قبرها .بل هي تنظر الى عينيّ وتقرأ فيهما امّا اماني او ضياعي …

وبدات في الغد رحلتي مع مؤسسة الاذاعة والتلفزة التونسية كمركّب افلام ..وفوجئت في الاسبوع الاول بالسيد الهادي المزغني احد منتجي الدار يطلب منّي شريط الحديقة العمومية ليدمجه ضمن برنامجه الاسبوعي (من هنا وهناك) وهو برنامج يهتم بالاخبار الطريفة والعجيبة، ويبثه في موعده المقبل.. كان اليوم خميسا من اواخر سنة 72 يوم موعد برنامج من هنا وهناك ..تربعت امام الشاشة قبل الاخبار بكل نرجسية وزهو ..لاشاهد اول عمل تلفزي قمت بمونتاجه في حياتي المهنية …شعور لا يوصف …شعور…من خبايا العندليب ..(وخذتني يا حبيبي ورحت طاير طاير …واه مالهوى يا حبيبي اه مالهوى ….يا حبيبي) …

ما احلاه ذلك الشعور و خاصّة ..ما احلاه الهوى … باهي والا موشو باهي ؟… اكيد يتبع… راهو الهوى …

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

جور نار

مؤتمر اتحاد الشغل: لخدمة العمّال… لا لمصلحة زيد أو عمرو

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.

وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان من الضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.

إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.

غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.

واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.

فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.

و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.

لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها

والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.

أكمل القراءة

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

صن نار