جور نار
ورقات يتيم … الورقة 40
نشرت
قبل 10 أشهرفي

عبد الكريم قطاطة:
… من عيوبنا الكثيرة اننا في مطالعاتنا نهرع دوما للاسماء المعروفة والذائعة الصّيت في عالم الكتابة …في البداية يوجّهنا المدرّسون الى اسماء معيّنة نظرا لارتباطها بدروسنا وهذا منطقي ..ثم نكتفي عادة بملاحقة كل ما كتبه المشاهير الاموات منهم واللهفة على كل ما يصدر للمعاصرين منهم ..

كنت في بداية عهدي بالمطالعة (رابعة ابتدائي ألتهم كل ما صدر عن محمد عطية الابراشي وكامل الكيلاني وعبدالحميد جودة السحار …وفقط …وفي بداية دراستي الثانوية انهمكت في سحق ومحق مجموعة جرجي زيدان ثم بعدها ومع بداية المراهقة احسان عبدالقدوس، ثم الكبير نجيب محفوظ… ولعلّ الرابط الذي يجمع بين مطالعاتي لهؤلاء، قصص الحب والغرام في رواياتهم …ثم جاء انتقالي لشعبة الاداب الذي حتّم عليّ الاهتمام بالمنهج الدراسي واعني بذلك وحسب الترتيب الشعر الجاهلي ثم عصر الاسلام والشعر الاموي ثم العباسي ثم الحديث والمعاصر …
كثافة المواد في سنتيْ الباكالوريا لم تكن تسمح لنا في تلك الحقبة بتجاوز ما هو مقرر في البرنامج الدراسي ..الا ان الاشكال ياتي بعد الانخراط في دنيا اخرى بعيدة عن الدراسة ..جلّنا امّا ينقطع عن المطالعة تماما او يبقى في منظومة المشاهير اي في كهفهم ..ولأنني كنت من زمرة اولئك الذين يمقتون الكهوف وينادي دوما بتكسير جدرانها وبفتح ان لم تكن الابواب فعلى الاقل النوافذ لنور الشمس.. فاني كنت شديد البحث عن الوان اخرى الوّن بها خزينتي المعرفية في كل مشارب الحياة عموما وفي الشعر والادب بالتحديد …
فتحت زوايا المعرفة على العديد فاكتشفت الطيب صالح وحنا مينة ودرويش والماغوط ذلك القلم الرهيب والقاسم (ليس عرّاب الجزيرة ذلك الذي باع ذمذته بالبترودولار القطري بل سيّده سميح) وابنة الجزائر الكبيرة الرائعة المذهلة بنت المستغانمي …والقائمة طويلة وعريضة …من ضمن تلك الاسماء وقعت يوما ما عيناي على اديب مغربي يُدعى محمد الصبّاغ ..في الحقيقة عنوان كتابه هو ما شدّني ..في برنامج من البريد الى الاثير كان لي ركن عنوانه شموع على الطريق ..كنت استقبل فيه المواهب الفنية الشابة والتي لم يسبق لها ان غنّت لأفسح المجال لهواياتها ..وتخرج منه العديد من الاصوات التي شقّت طريقها في عالم الغناء وحتى لا انزل الى خانة الفخر والمنّ بما ومن قدمت، اكتفي فقط بذكر فرقة البحث الموسيقي بقابس و..هيلا هيلا يا مطر.. التي بُثت لاول مرة في برنامج من البريد الى الاثير .
عنوان الركن في برنامجي هو نفس عنوان الكتاب الذي الّفه محمد الصبّاغ …شموع على الطريق …في البداية كان حبّ الاطّلاع هو ما دفعني لاقتناء ذلك الكتاب ..ويا لروعة ما اكتشفت …قلم جميل جدا ينثر في جمل قصيرة نوعا جديدا من الكتابة الرمزية الانيقة جدا .. الكتاب لم يكن من النوع القصصي او النقدي او البحثي ..هو مجموعة خواطر عن اشياء عديدة في شكل فقرات وجمل احيانا لكن (طريزة ابدع قلم صاحبها في طرزها) ووجدتني استشهد بها في عديد برامجي او كتاباتي الصحفية نظرا إلى رمزيتها …لبلاغتها ..وخاصة لاسلوبها الجميل جدا … هاكم قرنفلة بنفسجية منها : “ما اجمل ان نكون كالميزان لا يهمّه ان ارتفع باللحم ام بالفحم …بالتبر ام بالتبن ..ام بهبّة ريح” …
ياه كم جميل ان نعبّر عن العدل بهذا الشكل ..اليس هو من اجمل الدروس للقضاة حتى لا يسقطوا في خانة الرشوة ومقاضاة مَن وزنه من ذهب وهو يلصق الجريمة والعقاب بمَن وزنه من فحم …؟؟؟ سيغضب حتما بعض القضاة من هذه التهمة …فقط اهمس في آذانهم ..يا سادتي القضاة انتم اكثر من يعرف ان فيكم مرتشين وفاسدين ومجرمين ..واذا اغمضتم اعينكم عن الحقيقة الابدية لا وجود لأي قطاع يسكنه الملائكة .. فانتم مدعوون الى فتح اعينكم على هذه الحقيقة ودعكم وكل من ماثلكم من الانخراط الاعمى للدفاع عن منظوريكم ..وفي كل القطاعات دون استثناء ..وحاولوا مرة واحدة ان تفهموا المقولة (انصر اخاك ظالما او مظلوما) هذه تعني ان كان ظالما قف معه وان كان مظلوما حسّسه بخطئه حتى يثوب الى رشده …
وبكل ألم اقول هذه واحدة من افظع مشاكل تونس بعد 14 جانفي …تحركات لم تكن يوما قطاعية من اجل قطاع ما ..بل قطيعية ..والفارق بين القطاع والقطيع مهول ومقرف ..من ضمن ما كتب الصبّاغ كتب: “الشمس تشرق كل يوم لتقدّم لنا مجموعة من الهدايا فماذا قدمت انت ايها الانسان ردّا على هداياها …؟” يوم بدأت العمل في الدراسة التطبيقية لفن المونتاج (تركيب الافلام)مع السيد جوزيو، احسست بان هنالك اشعة شمس بدات تسطع في كياني ..هنالك وميض لاشعة فيها النور ولكن فيها الدفء ايضا ..وكم هي حاجة الواحد منّا كبيرة في ايّ عمل ان يشعر ويستشعر ذلك .. بيداغوجية المؤطر يجب ان تكون من تلك الزاوية دفئا ونورا… المؤطّر عموما وفي أي ميدان عليه ان يمنح الاخر نور العلم وهذا واجبه كمدرّب ولكن وهو الاهم، عليه ان يعطي الاخر كثيرا من الدفء الانساني ..في نظرته ..في زفرته ..في ابتسامته ..وحتى في غضبه ..غضب الانسان يمكن ان يتحوّل الى نسيم سلام وامان ..
غضب المؤطّر كانسان هو حتما سيكون من فصيلة (ضرب الحبيب زبيب) وهذا ما عشته وتعلمته من مؤطّري الايطالي السيد جوزيو .وحاولت عندما اصبحت بدوري مؤطرا ان اتماهى معه ..وارجو ان اكون وُفّقت …ربّما ارضيّتي ساعدته على ان يكون كذلك معي، لأني كنت في بداية خطواتي معه استمع اليه باعجاب… نعم وانا الذي كنت ومازلت مزبهلاّ بالايطاليين لحركيّة كل شيء فيهم …تقاسيم وجوههم… حركيّة ايديهم …تلوين نطقهم للكلمات غاضبة احيانا ومعجبة احيانا اخرى …هذه الفصيلة من العباد هم لا يتكلمون… هم يُغنّون ..هم يعزفون … هم يرقصون …كنت مزبهلا به وانا استمع اليه ولكن ابدا ان فقدت تركيزي في الاستماع بعمق ..وهذا اول ما شدّ انتباهه تجاهي ….
ما لاحظته ومنذ الاسبوع الاول في الدراسة التطبيقية ونحن نلمس لاول مرة الشريط السنمائي بايدينا (لأنه في تلك الحقبة كان مونتاج شرائط الافلام هو السائد مهنيا وحتى الفيديو في بداية السبعينات كانت آلياته ثقيلة جدا وامكانية الجودة في مونتاجها كانت محدودة جدا،. كما أن العالم السمعي البصري بدا مع الاخوين لوميير بفيلم التصوير Pellicule و تواصل على تلك الحالة عشرات السنين وحتى الثورة التكنولوجية الحديثة لم تستطع اطلاقا ان تصل الى روعة المونتاج على الفيلم الفوتوغرافي ..ما لاحظته انه كان ينظر اليّ دون ان ينظر …كان يسترق النظر.. كنت مدركا تمام الادراك حسّيا انه لم يهمل احدا منّا (وما ابشع ان يهمل ايّ مؤطّر احد تلاميذه) …ولكن لم اكن افهم لماذا كان ينظر دون ان ينظر .. وتماما مثله تعلّمت ان استرق النظر على طريقته ..كنت اغتنم فرصة حديثه مع احد الزملاء ونقاشه معهم حول قواعد علمية ثابتة في المونتاج، كيف يردّ الفعل ..هو غاضب احيانا مع البعض راض عن آخرين صامت معي …
هكذا كانت مدّة الدراسة التطبيقية مع السيد “جوزيو”… وجاء الشهر الاخير لاعداد مشروع ختم الدروس … كان على كل واحد منّا ان “يتكوبل” مع احد زملائه المختصين في التصوير التلفزي ليقوم الكاميرامان بتصوير الموضوع ويتولّى المركّب المونتاج ….وعلى كل فريق ان يختار الموضوع الذي يريده ..واخترت انا الموضوع ..ريبورتاج حول حديقة الحيوانات بالبلفيدير …السيد جوزيو تساءل: هل تتصور ان هذا الموضوع هام؟ ..اجبته: اريد ان آخذه من زاوية معيّنة ..تبسّم وقال اوكي ..وهذه لا فرنسية ولا عربية ولا حتى امريكية انها عالمية ..وكان عليّ ان اثبت لمؤطّري السيد “جوزيو” اني في مستوى “اوكاه” …كان في مخططي ان اصوّر واخرج واركّب يوما ريبورتاجا عن موضوع ما، دون تعليق دون حديث دون ثرثرة كما يقع في جل قنواتنا الان …وارتايت ان اقدّم لمؤطّري عملا لا شيء فيه باستثناء الصورة وهي مركّبة بشكل فنّي على الموسيقى وفقط يا فقط …
قمت بدراسة المكان وقمت خاصة بالسؤال عن اصل وفصل كل الحيوانات اي جنسياتهم …وذهبت صحبة زميلي المصوّر ..لم يدم التصوير اكثر من يوم واحد ..ارسلت الاشرطة للتحميض وشرعت في اختيار موسيقى من نفس بلاد كل حيوان …ةضعت الاسيوين في مجموعة والاوروبيين في مجموعة ثانية والافريقيين في مجموعة ثالثة ..واخترت لهذه القارات الثلاث لا فقط موسيقاها بل تلك التي تتناسب مع الموضوع (الحيوانات)… انتهى التحميض وبدات عملية المونتاج … وسي وخينا هاكة الطلياني، مازال ينظر دون ان ينظر …صدقا كنت “شايخ بروحي” وانا اعيد قراءة مونتاج ايّة فقرة اتممتها …ولكن لم افهم ما معنى ذلك الطليان السمح الذي ينظر ولا ينظر ..صدقا لم احس يوما في التربص التطبيقي بالخوف من النتائج التي ستعلن بعد اسبوع ..كان كلّ همّي ان اكون انا … وياما اوقعتني في اشكالات ومشاكل ان اكون انا …وبدرجة ثانية ان اكون عند حسن ظن سي الباجي … ما تمشيوش لبعيد.. لقرطاج ..لانه لم يهمني يوما ان اكون عند حسن ظن لا قرطاج ولا مونبليزير وطززززززززززز فيهم جميعا ..بل عند حسن ظن السيد الباجي صانصة مدير مركز التكوين لدار التلفزة التونسية …
وحان وقت الحصاد ..زعمة ينڨزها كريّم …؟؟؟ يومها وقبل اعلان النتيجة النهائية للحصول على الديبلوم وهو الذي وقعت معادلته بسنة ثانية جامعة فيما بعد، جاء ذلك الجوزيو الايطالي الجميل الانيق وجذبني اليه وقال “قهوة معا ؟”… وبكل سرور وسعادة وشوق كبير لمعرفة اسرار هذه الدعوة، وجدتني كعندليب طائر استبق المسافات والعندليب الاسمر يغني في كياني (وخذتني ومشينا والفرح يضمنا، ونسينا يا حبيبي مين انت ومين انا) …يكب سعد الوقت …يستمعون الى انا موش مريڨل ..وانت موش مريڨلة …وهف.. يريڨلهم تريڨيلة ماهياش ..وينسون (وخذتني من ايدي يا حبيبي ومشينا… تحت القمر …غنينا وسهرنا وحكينا… وف عز الكلام سكت الكلام )…يومها وفي مقهى الاذاعة ذلك الذي ينظر ولا ينظر، نظر بكل تأمل إلى طالبه وفي عز الكلام بدأ ولأول مرة الكلام وقال بفرنسية عرجاء لكن كم هي جميلة: انتبه مليح كريم انت فنان وفنان جدا وانا واثق انك ماشي تُولّي مركّب كبير …وانا كنت نتبّع فيك منذ اول يوم وعندما شفت الـ”سي في” متاعك خلال دراستك اندهشت من ترتيبك في الامتحان النهائي وانت الاخير في دفعتك ..ولكن ولانك تستحق …انت الان ناجح وبامتياز وشريطك حول حديقة البلفيدير عمل محترف ويجد مكانه في اية تلفزة …
لم انتظر جدا الاعلان الرسمي عن النتيجة ..شكرته وودعته وذهبت الى رضا لاعلمه …وكانت ليلة ليلاء حمراء ..بكل مفاهيم الاحمرار… من مقرراتها الى قواريرها شديدة البراءة الى حد الاحمرار، لشلة الاصدقاء في تونس دون ان اكون مشتركا معهم في شرابها فشرابي مختلف .. انا لم اذق يوما الخمر بكل اصنافه في حياتي …هكذا قررت منذ بداية شبابي وادمنت على ذلك القرار رغم تعدد الاغراءات ..لم يكن الواعز الديني انذاك السبب ابدا … ربما هو جبن منّي …ربّما هو الخوف من عواقبه لاني في العشق لا اخاف من الغرق بل لا عشق عندي دون غرق ..وهذا امر اسعد جدا عيّادة ..التي لم تشك يوما في اني لم اذق الخمر ..هي لم تسالني يوما عنه ..هي تنظر اليّ وتعرف بالضبط ماذا فعلت وماذا لم افعل ..هل تتصورون اني لحد يوم الناس هذا عندما ازورها في قبرها احسّ لا فقط انها تسمعني وتسمع بكائي ..وما اروع البكاء على قبرها .بل هي تنظر الى عينيّ وتقرأ فيهما امّا اماني او ضياعي …
وبدات في الغد رحلتي مع مؤسسة الاذاعة والتلفزة التونسية كمركّب افلام ..وفوجئت في الاسبوع الاول بالسيد الهادي المزغني احد منتجي الدار يطلب منّي شريط الحديقة العمومية ليدمجه ضمن برنامجه الاسبوعي (من هنا وهناك) وهو برنامج يهتم بالاخبار الطريفة والعجيبة، ويبثه في موعده المقبل.. كان اليوم خميسا من اواخر سنة 72 يوم موعد برنامج من هنا وهناك ..تربعت امام الشاشة قبل الاخبار بكل نرجسية وزهو ..لاشاهد اول عمل تلفزي قمت بمونتاجه في حياتي المهنية …شعور لا يوصف …شعور…من خبايا العندليب ..(وخذتني يا حبيبي ورحت طاير طاير …واه مالهوى يا حبيبي اه مالهوى ….يا حبيبي) …
ما احلاه ذلك الشعور و خاصّة ..ما احلاه الهوى … باهي والا موشو باهي ؟… اكيد يتبع… راهو الهوى …
ـ يتبع ـ

تصفح أيضا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عبد الكريم قطاطة:
من طباعي منذ كنت شابا انّ الله وهبني نعمة الصبر على كل شيء… وكان العديد من اصدقائي يغبطونني على (دمي البارد)… وعندما هرعت الى الله تعمّقت في داخلي القدرة على تحمّل كلّ المشاكل ومخلّفاتها… قد اكون واحدا من سلالة ايّوب، ولكن… واذا فاض كأس الصبر كما غنّى شكري بوزيان… واذا علا صوت ام كلثوم بـ (ما تصبرنيش ما خلاص انا فاض بيّ وملّيت)… وتختمها بـ(للصبر حدود يا حبيبي)… اردّ كأيّ بشر الفعل، لكنني كنت آخذ قراراتي ودائما باعصاب هادئة في ردّ الفعل…

عندما اسرّت لي زميلتاي باذاعة الشباب بالحوار الذي دار بينهما وبين مديري سي عبدالقادر الله يرحمو… وفهمت انّ حدسي كان في محلّه بالشكّ في نواياه بعد الجلسة الصلحية مع زميلي الصادق بوعبان… تكسّر كأس الصبر… والكأس اذا تكسّر يستحيل لمّ شتاته…. ايقنت ان لا فائدة تُرجى من ايّ صلح بل وقررت ان تكون الحرب معه… اكاهو… وعليّ ان استعدّ لاوزارها… وليضحك كثيرا من يضحك اخيرا… انتهت السهرة الخاصة بتكريمي مع زميلتيّ وكانتا سعيدتين بها شكلا ومضمونا وعدت الى بيتي لاخطّط لحرب فعلية مع مديري…
وفي الصباح الباكر ذهبت لمكتبه… سلّمت عليه وسألته هل استمع الى حصّة التكريم البارحة… اجابني بالايجاب بل وشكرني على كلّ ما قلته في تلك السهرة… سالته باستعباط هل صدر منّي كلام او تعليق في غير محلّه لايّ كان؟.. اجابني: (ابدا ابدا، يخخي انت جديد عليّ نعرفك معلّم) … كنت جالسا فنهضت واقفا امامه واضعا كفّي يديّ على طاولة مكتبه وكأنّي تحوّلت من لاعب وسط ميدان الى مهاجم صريح وقلت له: (انا طول عمري كنت راجل معاك رغم كل الاختلافات والخلافات… ولم اقل في ظهرك كلمة سوء لكن وللاسف الذي حدث امس بينك وبين زميلتيّ في اذاعة الشباب ونُصحك اياهما بتغييري كضيف لهما اكّد بالدليل القاطع انّو بقدر ما انا كنت راجل معاك انت ما كنتش…..)
نعم هي كلمة وقحة ولكنّي قلتها لانّو فاض كاس الصبر… اندهش مديري منّي وانا اتلفّظ لاوّل مرّة بكلمة لا تليق به وقال لي: انت غلطت في حقّي راك.. قلت له: اعرف ذلك وانا جئت اليوم لاثبت لك اني ساعلن الحرب عليك ..ودون هوادة .. وصحّة ليك كان ربحتها وخرجتني قبل التقاعد مثلما قلت ذلك مرات عديدة، اما صحّة ليّ انا زادة كان خرجتك قبل التقاعد… وباش تعرف رجوليتي معاك ثمشي واحد يعلن الحرب على الاخر ويجي ويعلمو بيها ..؟؟ اذن اعتبرني من اليوم عدوّا لك ولكن ثق انّ الحرب بقدر ما ستكون شرسة بقدر ما ستكون من جانبي شريفة بمعنى ـ وربّي شاهد عليّ ـ لن الفّق لك ايّة تهمة لكن سافضح كلّ اعمالك)…
ولم انتظر اجابة منه… غادرت مكتبه وعزمت على التنفيذ… اتّصلت بالعديد من الزملاء الذين تضرروا من تصرفات مديري وسالتهم هل هم مستعدون للادلاء بشهادتهم كتابيا؟؟.. ولبّى العديد منهم طلبي… دون نسياني كتابة تقرير ل بكلّ ما حدث منذ قدومه على رأس اذاعة صفاقس… وللشفافية، كان هنالك ايضا تقرير على غاية من الاهمية وفي ثلاث ورقات كتبته احدى سكريتيراته وبتفاصيل مرعبة بعد ان ذاقت منه الويل… واعتقد انّ ذلك التقرير لعب دورا هاما في قرار اصحاب القرار…
اذن اصبح عندي ملفّ جاهز يحتوي على 30 ورقة ولم افكّر بتاتا في ارساله لا الى رئيس المؤسسة ولا الى ايّ كان… كان هدفي ان ارسله رأسا الى رئيس الدولة دون المرور عبر الرجل النافذ في الاعلام انذاك السيّد عبدالوهاب عبدالله الذي اعلم انه يكنّ لمديري ودّا خاصّا… وهذا يعني اذا يطيح بيه يبعثو لمؤانسة اهل الكهف (وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد)… وكم هو عدد الكلاب في حاشية الحكّام… لكن كيف يمكن لي ارسال الملفّ على الفاكس الشخصي للرئيس بن علي؟ ووجدت الحلّ (عليّ وعلى هاكة الناقوبة)… الناقوبة هي كنية لزميل يعمل في الصحافة المكتوبة وماشاء الله عليه في اجندا العلاقات… نعم مع الولاة مع الوزراء مع عدد لا يُحصى… تذكّرت وانا ابحث عمن يوصلني الى الفاكس الشخصي لرئيس الدولة…
تذكرت ذلك الناقوبة وتذكرت خاصة يوم زفافه… كنت يومها ممن حضروا حفل زفافه، خاصة انّ علاقتي به كانت من نوع علاقة الاستاذ بتلميذه… اذ هو ومنذ كان طالبا كان من مستمعيّ وعندما بدأ يخربش اولى محاولاته في الكتابة الصحفية مددت له يدي وشجعته … ولكن في اجندا العلاقات تفوّق الناقوبة التلميذ على استاذه… وللامانة حمدت الله على انّ اجندة العلاقات في حياتي سواء العامة او المهنية خلت من مثل اولئك الكبارات، هكذا يسمّونهم… ولكن وحسب ما عشته، قليل منهم من يستحق لقب الكبير…
يوم زفاف ذلك الناقوبة اشار اليّ من بعيد وهو بجانب عروسه كي اتوجّه اليه… توجهت لمنصة العروسين واقتربت منه فهمس في اذني (ماشي نوريك ورقة اقراها ورجعهالي) .. ومدّ اليّ تلغراف تهنئة لزفافه وبامضاء من؟… بامضاء زين العابدين بن علي… رئيس الجمهورية… الم اقل لكم انه باش ناقوبة ..؟؟ اذن عليّ به ليصل الملفّ الى الفاكس الشخصي للرئيس بن علي… بسطت له الفكرة وبكلّ برودة دم ووثوق اجابني: هات الملفّ وغدوة يوصل للرئيس وفي فاكسه الشخصي…
كان ذلك وسط شهر جوان ..ولم يمض يومان حتى هاتفني المرحوم كمال عمران المدير العام للقنوات الاذاعية ليقول لي: (يا سي عبدالكريم الملفّ الذي ارسلته للرئيس بن علي احاله لي شخصيا وكلفني بالقيام بابحاث مدققة مع جميع الاطراف وانت واحد منهم… ما يعزش بيك هذا امر رئاسي وعليّ تنفيذه)… اجبت على الفور: (وعلاش يعزّ بيّ؟.. ونزيد نقلك اكثر ما نسامحكش قدام ربّي اذا تقول فيّ كلمة سمحة ما نستاهلهاش)… وانتهت المكالمة وقام السيد كمال عمران رحمه الله بدوره كما ينبغي مع الجميع وللامانة ليست لي ايّة فكرة عن تقرير السيّد كمال عمران الذي ارسله للرئيس بن علي…
وما ان حلّ الاسبوع الاوّل من شهر جويلية حتى صدر القرار…ق رار رئيس الدولة باقالة السيّد عبدالقادر عقير من مهامه على راس اذاعة صفاقس وتعيين السيد رمضان العليمي خلفا له… يوم صدور القرار ذهبت الى مكتب سي عبدالقادر واقسم بالله دون شعور واحد بالمائة من خبث الشماتة… استقبلتني سكرتيرته زميلتي فاطمة العلوي ورجوتها ان تعلن للسيد عبدالقادر عن قدومي لمقابلته… خرج اليّ مديري الى مكتب السكرتيرة… سلّم عليّ ولم اتركه للضياع وقلت له : (انا ما اتيتك شامتا ولكن اتيتك لاقول لك انّ قرار اقالتك انا عملت عليه وانا الذي ارسلت الى الرئيس ملفا كاملا حول تصرفاتك ويشهد الله اني لم افترِ عليك بتاتا… الآن جئت لاودّعك ولأتمنى لك الصحة ولاقول لك انا مسامحك دنيا وآخرة…
عانقني سي عبدالقادر والدموع في عينيه وقال لي: (انت هو الراجل وانا هو اللي ما كنتش راجل معاك وربي يهلك اصحاب الشرّ)… غادرت المكان وتلك كانت الحلقة الاخيرة مع السيد عبدالقادر عقير رحمه الله وغفر له… سامح الله ايضا الشلّة التي عبثت بالمدير وبمصلحة اذاعة صفاقس وبالعديد من الزملاء… وهذه الفئة ذكرها الله في القرآن بقوله عنها (الملأ) ووُجدت في كل الانظمة عبر التاريخ وستوجد حتى يوم البعث… انها شلّة الهمّازين واللمازين والحاقدين والاشرار وخاصة ذوي القدرات المحدودة فيعوّضون عن ضعفهم وسذاجة تفكيرهم بنصب الفخاخ للاخرين وبكلّ انواع الفخاخ…
انهم احفاد قابيل…
ـ يتبع ـ


عبد الكريم قطاطة:
في علاقتي بالاشخاص عموما كنت ومازلت اعطي اهمّية قصوى لنظرة العيون… لا ادّعي فراسة كبيرة في ذلك لكن ربما هو بعض مما جاء في اغنية الكبير محمد عبدالوهاب (حكيم عيون افهم في العين وافهم كمان في رموش العين)… طبعا مع بعض الاحتراز على كلمة حكيم…

فقط نظرة العيون في مراحل عديدة من حياتي وفي علاقاتي كانت النافذة الاولى للتعرّف احساسا على ما تحمله تلك العيون من صدق او نفاق او من مواقف باهتة لا روح فيها… يوم التقيت مع زميلي وصديقي الصادق بوعبان ونظرت الى عينيه احسست بامرين… الاول انّ الصادق كان صادقا في إقدامه على محاولة الصلح بيني وبين مديري… والامر الثاني وهذا ما حدث بعد ذلك في اللقاء، انه اراد ان يكون محتوى لقائنا بعيدا عن التصعيد منّا نحن الاثنين… وقبل ان نجتمع رجاني (بالكشخي) قائلا: خويا عبدالكريم رجاء ما تصعّدش، وساقول نفس الشيء لسي عبدالقادر … اجبته: داكوردو اما بشرط انّو سي عبدالقادر يتحدّث عنّي باحترام ولا يفتري عليّ… طمأنني سي الصادق وذهب لمقابلة مديري في مكتبه قبل اللقاء الثلاثي…
بعد ربع ساعة تقريبا هاتفتني كاتبته في تلك الفترة (الزميلة فاطمة العلوي) بالقول: سي عبدالقادر يحبّ عليك في بيروه… فاطمة هي السكرتيرة الرابعة للمدير بعد ان قام بطرد ثلاث قبلها… وميزة فاطمة انها كانت تعمل مع رئيسها بكلّ انضباط واخلاص… وانا احترم هذه النوعية من السكرتيرات، وللامانة كذلك كانت سكرتيرتي وزميلتي سامية عروس بمصلحة البرمجة وزميلتي وسكرتيرتي نعيمة المخلوفي رحمها الله بمصلحة الانتاج التلفزي، كانتا في منتهى الوفاء والاخلاص لي رغم كلّ الاغراءات التي سلّطت عليهما ليكونا (صبابّة) لاعوان المدير …
دخلت مكتب المدير، صافحته بادب واحترام وبدا زميلي الصادق بخطابه متوجها لنا الاثنين… خطابه كان منذ البداية واضح المعالم ومبنيّا على عنصرين مفصليّين اولهما الاشادة بمحاسن كل واحد فينا وحاجة اذاعة صفاقس لكلينا… والعنصر الثاني تحاشي الجدال في كلّ ما وقع بيننا اذ لا طائل من ورائه… وكانت اخر كلماته وهو يتوجه لنا هل انتما مستعدان لطيّ ملفّ الماضي وفتح صفحة جديدة من اجل مصلحة الاذاعة لا غير؟.. وطلب مباشرة موقف مديري من رجائه كوسيط بيننا… سي عبدالقادر ودون تردّد كانت اجابته كالتالي: والقرآن الشريف ومنذ هذه اللحظة انا طويت صفحة الماضي وفتحت صفحة جديدة مع سي عبدالكريم… استبشر خويا الصادق بهذا الامر وقال لي: اشنوة رايك خويا عبدالكريم؟ صمتُّ للحظات وقلت: ارجو ذلك ان شاء الله…
لماذا كان ردّي مختصرا للغاية وفيه نوعا ما من الشكّ في ما قاله مديري ؟ اجيبكم… هل تتذكّرون ما قلته لكم في بداية الورقة حول نظرة العيون ؟؟ نعم كنت طوال الجلسة الثلاثية انظر واتفحّص جدا عينيْ مديري… نعم انّ بعض الظنّ اثم … ولكنّ نظراته لم تكن مُريحة وهو اقلّ ما يُقال عنها… تصافحنا جميعا وتمنّى لنا زميلي الصادق بوعبان تكليل محاولته الصلحية بالنجاح… وغادرت معه مكتب المدير وما ان ابتعدنا عن مكتبه حتى قال لي الصادق: علاش نحسّ بيك شاكك في نوايا سي عبدالقادر ؟ قلت له حدسي لم يرتح له وارجو ان يكون حدسي كاذبا…
ودّعت الصادق وذهبت الى مكتبي بوحدة الانتاج التلفزي… لم البث اكثر من ربع ساعة حتى اعلمتني سكرتيرتي نعيمة رحمها الله انّ منشطتين من اذاعة الشباب جاءتا لمقابلتي… استقبلتهما بكلّ حفاوة ويا للمفاجأة… اتضح أنهما مستمعتان ومراسلتان لعبدالكريم في برامجه منذ اكثر من 15 سنة… واليوم اصبحتا زميلتين في اذاعة الشباب… عبرت لهما عن سعادتي وفخري بهما وطفقتا تطنبان في فضلي عليهما حتى في اختيارهما لمعهد الصحافة وعلوم الاخبار بعد الباكالوريا تاثّرا بي وبرسالتي الاعلامية… وبلّغتاني تحيات بعض اساتذتهما لي وتقديرهم لمسيرتي المهنية (عبدالقادر رحيم، منصف العياري ، رشيد القرقوري، الصادق الحمامي…) وبعد يجي واحد مڨربع مللي قال فيهم المتنبي وهو يهجو ذلك الكافور المخصي (وقدره وهو بالفلسين مردود) ويقلك اشكونو هو عبدالكريم واش يحسايب روحو ؟؟ اي نعم هذا ما تبوّع به البعض عنّي… واقسم بالله اقول مثل هذا الكلام واخجل منكم جميعا لانّي لا احبّ والله ايضا لا يحبّ كلّ مختال فخور…
انا لم ادّع يوما انّي فارس زمانه الذي لا يُشقّ له غبار… لكن على الاقلّ اجتهدت وعملت ليلا نهارا وتعبت وكان ذلك في فترات طويلة على حساب زوجتي وعائلتي وارجو منهما ان يغفرا لي… وما قمت به في اذاعة صفاقس كان واجبي ولا انتظر عليه لا جزاء ولا شكورا… اما توجع وقت تجيك من انسان مديتلو اليد واحطت بيه ووقفت معاه وعلى مستويات عديدة وهو اصلا لم يصل الى مرتبة خُمُس منشط او هي لم تصل ثُمُن منشّطة، ويتجرّا يقول تي اشكونو هو عبدالكريم واعيد القول انا اوثّق للتاريخ لكن انا مسامحهم دنيا واخرة …
اعود للزميلتين من اذاعة الشباب طلبتُ منهما كيف استطيع خدمتكما في ما جئتما من اجله… ابتسمتا وقالتا جئنا من اجلك يا استاذنا… ولغة اعيُنهما كشفت لي عن حديث او احاديث لهما رايتها بقلبي قادمة في الطريق… ولم تخذلني مرة اخرى لغة العيون اذ عبّرتا عن سعادتهما بانّ ادارة اذاعة الشباب وافقت على سهرة خاصة من استوديوهات اذاعة صفاقس يقع فيها تكريم الاعلامي عبدالكريم قطاطة وموعد السهرة هو الليلة من العاشرة ليلا الى منتصف الليل… شكرت لهما حركتهما النبيلة معبّرا عن سعادتي وشرفي بنزولي ضيفا على مستمعتيّ… زميلتاي شكرتاني على كلّ شيء واستأذنتا الذهاب لمديري لشكره على منحهما استوديو وفنّيا لاتمام المهمة وودّعتاني على امل اللقاء في الموعد في الاستوديو… اي العاشرة ليلا لذلك اليوم …
الساعة انذاك كانت تشير الى منتصف النهار… كدت اغادر المكتب للعودة الى منزلي (واللي فيه طبّة عمرها ما تتخبّى، وين المشكل مادامني معروف عند مديري بعدم الانضباط في القدوم الى الاذاعة و في مغادرتها ؟؟ خاصة ونحن اليوم ومنذ سويعة ونصف بدأنا صفحة جديدة في علاقتنا… وبالقرآن الشريف زادة… لكن كان هنالك حبل سرّي خفيّ شدّني الى مقعدي في مكتبي… احسست بنوع من الانقباض لم ادر مأتاه… استعذت من الشيطان دون ان اغادر مكتبي… وماهي الا عشر دقائق حتى عادتا اليّ زميلتا اذاعة الشباب وعيونهما توحيان بامر ما قد حدث… كانتا واجمتين وصمتهما كان ثقيلا ايضا ولكنّه كان يحمل اشياء وسترون كم هي ثقيلة ايضا…
تقدّمت احداهما وهي ماسكة شجاعتها بيديها كما يقول المثل الفرنسي وسالتني… يخخي ما زلت متعارك مع سي عبدالقادر عقير مديرك ؟؟ قلت بهدوء وبكثير من الرصانة: لا في بالي توضحت الامور منذ هذا الصباح وطوينا صفحة الماضي ..وسالتهما: يخخي صارت حاجة بينكم وبينو توة وقت شفتوه ؟؟ نتبادلتا النظر وكأنّ كلّ واحدة تقول للاخرى (ايّا قللو اشنوة اللي وقع.. تي اتكلّم يا سخطة انا والله لتو لفهمت شيء)…تكلمت احداهما وقالت (شوف يا سي عبدالكريم انت عزيز علينا ومكانتك ما ياخذهاش لا سي عبدالقادر ولا غيرو… احنا طول عمرنا يستحيل ننساو فضلك علينا ولهذا نحكيلك شنوة اللي وقع بالضبط مع سي عبدالقادر… هو استقبلنا بكل حفاوة وترحاب وعندما اعلمناه بما نحن عازمتان عليه لتكريمك تغيّرت ملامح وجهه وسالنا يخخي لازم ضيفكم يكون سي عبدالكريم ؟ انا مستعد نوفرلكم اي منشط او منشطة عوضا عنه وانا راهو نحكي في مصلحتكم ومصلحة برنامجكم… انتوما تعرفو سي عبدالكريم من عيوبو انو سليط اللسان واشكون يعرف يقولشي حاجة او بوحاجة.. ويخليكم في ورطة… انا نعاود نقوللكم راني حريص انو برنامجكم يتعدّى من غير مشاكل…. فردّت عليه احداهما: احنا راهو جايين خصوصي لبرنامج الهدف منو تكريم استاذنا الاعلامي الكبير سي عبدالكريم اللي علّمنا فيما علّمنا تحمّل مسؤولية افعالنا وقراراتنا…
انذاك وحسب ما اضافته الزميلتان احسّ السيّد عبدالقادر عقير بخطورة ما قاله وكاّنه يقول اش عملت اش عملت… وفي رواية اخرى جمرة وطاحت في الماء، ولسان حاله يتساءل زعمة جيت نطبّها عميتها؟؟… ورجانا (تواصل الزميلة الشابة) ان لا نذكر لك ما حدث… تذكرتوها هاكي الخاتمة متاعو في لقائنا الصباحي وفي نفس يوم قدوم زميلتيّ من اذاعة الشباب مع الزميل الصادق بوعبان (والقرآن الشريف صفحة جديدة بداية من اليوم مع سي عبدالكريم)؟؟؟… ربي يسامحك ويغفرلك خويا عبدالقادر …
ومع مطلع جانفي 2025 اي غدا* ستكون الحلقة الاخيرة في الورقة 113 من حكاياتي مع مديري سي عبدالقادر . رحمه الله وغفر له كلّ شيء… و كتهنئة بحلول سنة 2025 ادعو للجميع بهذه الدعوة (الامن والامان لتونس العزيزة لفلسطين المحتلة وهي في قلب محنتها مع اعدائها من الداخل والخارج … لكلّ الشعوب الشقيقة والصديقة ولكلّ انسان لم يمُت في داخله الانسان ..الله لا يحرمكم من السلام الروحي في هذه السنة الجديدة… صدقوني انها من اعظم نعم الله)…
ـ يتبع ـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*المقال منشور لأول مرة في 31 ديسمبر 2024


عبد الكريم قطاطة:
في مارس 2003 وكما ذكرت في الورقات السابقة انغمست انغماسا كلّيا في التعرّف على ديني… وبعد اشهر فهمت قول خالقي (وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُون)…

نعم فهمت انّ خالقي اراد ان يعوّضني في تلك الفترة عن ما عشته من تجاذبات ومشاكل لا حصر لها مع مديري انذاك سامحه الله وغفر له… ورغم انّي غادرت مصلحة البرمجة كرئيس لها وغادرت قبلها المصدح رغم عشقي الكبير له ووقعت تسميتي على رأس مصلحة الانتاج التلفزي، لكنّ كلّ ذلك حزّ في نفسي وبكلّ ألم… الاذاعة والمصدح كانا بالنسبة لي عشقا لا يوصف… لكنّ الله اجابني وانا اطّلع على قرآنه العظيم بالقول (وعسى ان تكرهوا شيئا وهو خير لكم) اذ انّ نقلتي مكنتني اوّلا من الاقتراب من خالقي ومكنتني كما ذكرت من سلام روحيّ داخلي عوّض عليّ كلّ ما اعتبرته خسارات…
وبقيت منذ مارس 2003 حتى يوم 23 اكتوبر من نفس السنة في قطيعة تكاد تكون كلّيا مع مديري… هو على حالو وانا على حالي لا واحد يجي على ساحة لوخر… يوم 23 اكتوبر 2003 مدّتني سكرتيرتي بظرف يحمل شيئا من مديري… فتحته فوجدت فيه السيد عبدالقادر عقير يستجوبني عن الاسباب التي جعلت من وحدة الانتاج التلفزي لا تنتج… في البداية اعتبرت انّ تساؤله مشروع جدا واجبت مفسّرا ذلك يثلاثة اسباب… السبب الاول انّ الوحدة لا تملك ضمن العاملين بها فريق اخراج اي على الاقلّ مخرجا وكاتبة مخرج… والانتاج طبعا يتطلب حتمية وجود هذين الاختصاصين… السبب الثاني انّ وحدة الانتاح غير مدرجة ماليا في ميزانية اذاعة صفاقس فكيف يمكن لها ان تؤمّن حتى الحدّ الادنى من نفقات الانتاج؟… والسبب الثالث انّي توجهت الى رئاسة المؤسسة بتقرير كامل عن وضعية وحدة الانتاج منذ الاسبوع الاول من مباشرة مهامي على رئاسة مصلحة الانتاج بها، لكن لا حياة لمن تنادي… و لتلك الاسباب اقتصرت اعمال الوحدة على بعض الريبورتاجات الاخبارية او نقل بعض المباريات الرياضية…
وتصورت انّي بردّي هذا اغلقت الملفّ… لكن ما ان حلّت سنة 2004 وبالتحديد في 3 فيفري حتّى مدّني الزميل الشاذلي الغريبي رئيس مصلحة الشؤون الادارية والمالية بنسخة من مراسلة ادارية وصلته من السيّد المدير مضمونها الآتي حرفيّا: من مدير اذاعة صفاقس الى رئيس مصلحة الشؤون الادارية والمالية …الموضوع حول مواظبة مسؤول… أما نصّ المراسلة فيقول: (وبعد… فانّ بعض المسؤولين يعمدون الى عدم احترام التوقيت الاداري، من ذلك انّ السيّد عبدالكريم قطاطة رئيس مصلحة الانتاج التلفزي يعمد الى الالتحاق بعمله متاخّرا ومغادرته له مبكّرا… ادعوكم الى وضع مواظبته تحت المراقبة وموافاتي اسبوعيا بتقرير مفصّل في الغرض وخصم ما يجب خصمه من رصيده في الاجازات السنوية والسلام)…
اشنوة معناها؟ تقولشي مجرم خطير يجب ان يوضع في غوانتنامو وتحت حراسة مشدّدة زادة… تتذكروا اني في ورقة ما، قلتلكم علاقتو بيّ منذ خلافنا معا يمكن تلخيصها في (قاتلك قاتلك) ؟؟.. هاكي هي … اذن هذا يعني انّ المدة الماضية كانت استراحة محارب فقط… بل والانكى انّ احد الزملاء اسرّ لي بانه توعّدني بالقول (والله اللي ما نخرّجو من الاذاعة قبل التقاعد)… للامانة وقتها لم اردّ الفعل بتاتا الم اقل لكم انّ الايمان العميق يمنحنا السلام الروحي؟… بل عندما اسرّ لي احد الزملاء بقسمه ذاك ضحكت وقلت له بالحرف الواحد: الله وحده هو من يُحيي ويُميت… وقررت وابتعادا عن مزيد من المشاحنات وتعكير الاجواء ان اتقدّم برخصة مرض لمدّة شهر علّني اُريح واستريح… وكان ذلك…
نعم لم اكن مريضا ولكن تعاطف الطبيب الذي هو يوما ما، كان احد مستمعيّ وواكب مسيرتي بهضابها وسهولها، لم يتأخّر لحظة واحدة في مدّي بتلك الرخصة المرضية لمدة شهر كامل… بل وابى بشكل بات ان يأخذ منّي ايّ ملّيم مقابل كشفه… وسلّمت الشهادة الطبية للمصلحة المالية والادارية تجنبا للقاء مديري في تلك الظروف… ولبثت في منزلي لا اغادره الا لشرب قهوة سريعة والعودة اليه… وفي اليوم الثالث من اعتكافي فوجئت بجرس المنزل يدقّ… خرجت لاستطلاع الامر فاذا به رجل محترم يقدّم لي شخصه كطبيب مرسل من ادارة اذاعة صفاقس للقيام بما يسمّى الفحص المضادّ حتى يقوم بعده بكتابة تقريره الطبي لادارة اذاعتي… ضحكت بكلّ هدوء وقلت له تفضّل وقم بعملك… كان صوتي الداخلي يقول (اكتب يا حسين انا متيقن من النتيجة)…
وتوجهت ادارة اذاعة صفاقس بمراسلة لرئاسة المؤسسة مرفوقة بتقرير الفحص المضادّ وكانت النتيجة ان رفضت المؤسسة رخصة مرضي وإن منحتني الحقّ في 13 يوما خُصمت مما تبقى لي من عطلتي السنوية وكذلك خصمت 17 يوما من مرتّبي الشهري… قبلت القرار بصدر رحب وقلت في نفسي وعسى ان تكرهوا شيئا وهو خير ولكم… والحمد لله بفضل صبر عائلتي وتآلف البعض من اهلي واصدقائي لم ابت وعائلتي ليلة واحدة وفي كلّ ازماتي مع مديري الاذاعة، دون عشاء… وصبرت على كلّ المحن… لكنّ مديري رحمه الله وغفر له واصل سلوكه معي ودائما من صنف قاتلك قاتلك… ومما زاد ألمي وحزني انه وعندما انتقلت عيادة الى جوار ربها يوم 30 مارس 2004 هو لم يكتف فقط بعدم زيارته لي لتقديم التعازي بل كلّف البعض بتسجيل اسماء كل من يحضر موكب العزاء… هم كانوا في نظره خونة له وانصارا لعبدالكريم …
ولعيّادة طبعا حضور مؤكّد في ورقتي القادمة… ايماني العميق بالله وبقضائه واقداره وبكل امانة كانت رافدا لصبري في فقدان عيادة رحمها الله… ولكن ألمي بعد فقدانها اوعز لديّ رغبة شديدة في اطلاع رئيس المؤسسة على كلّ ما عانيته… فكان ان قررت ارسال مكتوب لرئيسها انذاك اعلمه فيه بكلّ ما حدث مع مديري منذ توليه ادارة اذاعة صفاقس بحلوها ومرّها… والله يشهد على انّي لم اكذب عليه اطلاقا… واكّدت له انّي رئيس مصلحة الانتاج التلفزي على الورق فقط… وأن كلّ مكاتيب المدير لوحدة الانتاج التلفزي لا تصلني البتّة بل كان يرسلها لرئيس المصلحة التقنية… الاعداد التي يضعها رئيس المصلحة للمنضوين تحت مسؤولياته سواء المتعلقة بمنحة الانتاج او بالاعداد المهنية لم اعد مكلّفا بها… بل الادهى انّ اعدادي المهنية ومنذ كنت اشتغل في المؤسسة الأم في بداية السبعينات ورئيسي المباشر سي ابراهيم الغضاب اطال الله عمره شاهد على ما ساقول… اعدادي لم تنزل يوما عن 100 بالـ 100 .. لكن الآن ومنذ تعكّرت علاقتي بمديري سي عقير، اصبحت اعدادي المهنية من هواة الهبوط ودون باراشوت… الى ان وصلت الى 80 بالـ 100…
المكتوب كان طويلا ومطوّلا ولكن اردت من خلاله ان اقول لرئيس المؤسسة مادمت لا اقوم بايّ عمل في مصلحة الانتاج التلفزي فما الفائدة من وجودي هناك؟ اليس الاجدى تعيين زميل في مكاني حتى تستفيد الوحدة منه؟ واقسم بالله اني كنت صادقا في ذلك… للامانة ليست لي ايّة فكرة عن كيفية تعامل الرئيس المدير العام مع مراسلتي تلك… ولكن فوجئت يوما بالزميل والصديق صادق بوعبان يكلمني هاتفيا ويطلب منّي ان اقبل رجاءه والمتمثل في تدخله بيني وبين مديري كواسطة خير لرأب ما تصدّع… وقال انه مستعدّ للمجيء إلى صفاقس للقيام بهذه المحاولة شريطة ان يتلقّى موافقتي… الزميل الصادق بوعبان عرفته منذ عملنا معا في جريدة الأيام وعرفته كمنشط في اذاعة المنستير وعرفته عندما اشتغل بالمؤسسة الأم مديرا لقناة 21 ثم للتلفزة الوطنية الاولى… ليس بيننا سوى الودّ والاحترام وبيننا ايضا تقاطعات في عديد الافكار والمواقف…
ضحكت ضحكة مختصرة وصمتّ قليلا… فاردف خويا الصادق بالقول: (انا نعرفك ونفهمك اما اشنوة خاسرين كيف نعملو محاولة صلح؟ انت صديقي وسي عبدالقادر صديقي وانا نحبّ نصلّح بيناتكم)… قلت له (خويا الصادق رغم اني مانيش متفائل برشة بالنتيجة متاع القعدة، اما مرحبا بك طلبك غالي)… واتفقنا على اليوم والتوقيت… وجاء ذلك اليوم وشرفني زميلي الصادق بزيارته وكان اللقاء الثلاثي… نعم تمّ ذلك اللقاء ولكن ما تمّ بعده وفي نفس اليوم غيّر مجرى الاحداث تماما ..
يااااااه على اقدار الله ..نعم، قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا (سورة التوبة آية 51) …. لا تقلقوا كثيرا غدا باذن الله تتواصل الحكاية في الورقة 112… قولوا عاد ما نحبكمش ترا…
ـ يتبع ـ


الأسبوع الثالث من عودة العدوان… اجتياح الشجاعية ورفح، وشهداء بالعشرات

مصدر أممي… الوضع في الكونغو الديمقراطية كارثي

كوريا الجنوبية… المحكمة الدستورية تقرّ عزل الرئيس يون

الرسوم الجمركية الأمريكية… تطال جزيرة خالية من السكان!

إيلون ماسك… سيغادر قريبا منصبه في إدارة ترامب
استطلاع
صن نار
- صن نارقبل يوم واحد
الأسبوع الثالث من عودة العدوان… اجتياح الشجاعية ورفح، وشهداء بالعشرات
- صن نارقبل يوم واحد
مصدر أممي… الوضع في الكونغو الديمقراطية كارثي
- صن نارقبل يوم واحد
كوريا الجنوبية… المحكمة الدستورية تقرّ عزل الرئيس يون
- صن نارقبل يومين
الرسوم الجمركية الأمريكية… تطال جزيرة خالية من السكان!
- صن نارقبل يومين
إيلون ماسك… سيغادر قريبا منصبه في إدارة ترامب
- جور نارقبل يومين
ورقات يتيم… الورقة 113
- صن نارقبل 3 أيام
فيما أوروبا تعرقل الحوار… القوات الروسية تحتل منطقة جديدة في أوكرانيا
- صن نارقبل 3 أيام
أوروبا تكشف عن وجهها: ألمانيا ترحّل مؤيدين لفلسطين… والمجر تغادر الجنائية الدولية تضامنا مع نتنياهو