تابعنا على

جور نار

ورقات يتيم … الورقة 49

نشرت

في

عبد الكريم قطاطة:

في حياة الواحد منّا ما يُسمّى باللحظة الفارقة ..وقتها لن يرحمك الزمن ولن يمكّنك من بونيس الانتظار… وقتها يجب ان تكون ..

عبد الكريم قطاطة

كان جميع الزملاء التونسين متحلّقين حولي بعضهم برغبة جامحة في معرفة قراري وبعضهم بشفقة على هبلة من هبلاتي… اذ كيف لواحد مثلي يفرّط في مرتب شهري يتقاضاه من مؤسسته على امتداد سنتين ويُوضع مباشرة في دفتر ادّخاره البنكي دون المساس منه ولو بـ”دانقي” واحد، من جهة …ثم هو ايضا يتمتّع بمنحة جامعية من المعهد 130 د شهريا، علاوة على ما تجود به بعض الاعمال الاضافية كمركّب افلام في شركة خاصّة … و”الجود” الاضافي هذا مرموق جدا… من هذه الزاوية ترك كل هذه المغريات المادية تدخل حتما في خانة سوء التقدير للاقدار التي حبتني بهذه الفرص ..وهذا منطقي ومعقول ومهبول من يعمل ضد هذا التيار ..

لكن يا جماعة يا جماعة*…

… في تلك اللحظة الفارقة التي سآخذ فيها قراري حول مواصلة دراستي او اجراء المناظرة والعودة الى بلدي صفر اليدين من المنح والمرتب والعلاوات الخاصة، ارتسمت على شاشة فكري لوحتان اولاهما تعليق كتبته يوما على احدى صوري وانا ادرس بمركز تكوين الاطارات التابع للتلفزة التونسية: (لابد ان اصل يوما الى هيمالايا)… وارتأيت يوم اتمام الدراسة والولوج الى دنيا المهنة اني مازلت في حدود الشعانبي**…

..اللوحة الثانية والتي تابعتني طيلة حياتي، وعدي لعيادة بان اكون لها “راجل وسيدي الرجال” وانا ااهديها كل براهين الدنيا على انّ ولدها لن يخيّب آمالها فيه …انتفضت من مكاني بين زملائي دون الاعلان عن اي قرار وتوجّهت مباشرة وتوّا ..توّا..الى مكتب مدير المعهد ..اندهش من مجيئي وبادرني بالقول ..اهلا ..يبدو انك اخذت قرارك ..انا امهلتك اسبوعا فاذا بك تاتيني بعد نصف ساعة …قلت له نعم . لا فائدة في تأخير قرارا اليوم الى الغد… ساُنهي علاقتي بالدراسة في المستوى الثاني وانا مستعد لاجراء مناظرة المستوى الثالث والعودة الى بلدي في انتظارالنتيجة … صمت قليلا وقال: “انا فخور بقرارك ..لانه قرار شجاع ..الاسبوع المقبل سامكّنك من اجراء المناظرة وفي نهايته ستعود الى بلدك ..انه قانون اللعبة يا ابني” …

في الحقيقة انا ايضا كنت سعيدا جدا وفخورا بالقرار ..لم اكن يوما مثاليا في مثل هذه المواقف ولكن كنت دوما اعطي للجانب المادّي في حياتي الدرجة العاشرة من اهتماماتي …ولهذا يقول عنّي العديد ممّن يعرفونني وهم محقّون في ذلك (هاكة علاش قعدت طول عمرك منتّف)… في قراري كان كلّ همّي مزيد العلم والمعرفة حتى أقترب من هيمالايا … قلت اقترب ولم اقل اصل لأن الوصول الى هيمالايا فقط والاكتفاء بها كآخر محطّة من الطموح، هو يعني عندي الموت … حياة الانسان بالنسبة لي قطار لا يعرف التوقف الا عندما يشاء الله ذلك ..لذلك وبعد سنوات من العمر ضحكت من نفسي وانا اعتبر هيمالايا هي المحطة الاخيرة والهدف الاقصى ..بعد سنوات من عمري اصبحت اؤمن بان هيمالايا لا تساوي شيئا امام حدود السماء… نعم يجب ان نرسم يوما ما هدفا في الطموح نسمّيه حدود السماء والتي ننظر من موقعها الى كل العالم ليبدو لنا هيمالايا نقطة صغيرة جدا… ولنكتشف ان الحلم لم يكن كبيرا وهائلا كما رسمناه… وحتى عندما نحقق الوصول الى حدود السماء، علينا ان نتجاوز ذلك الى ما بعد حدود السماء …

الحياة بحلوها ومرّها علمتني ان لا حدود للطموح، تجسيدا لـ”لو تعلقت همة المرء بما وراء العرش لناله”… لكن المأساة في العديدين منّا انهم يطمحون ويعملون ويسعون الى العرش القذر ..سواء بافتكاك مكان الرب ليفتوا ويستفتوا ويمنحوا صكوك الجنة للغلابة البسطاء ..دون ان يفهموا انهم بفعلهم ذلك يشركون بالله الواحد الاحد ..اذ انه لا يزكّي الا الله …او اولئك الذين يسعون الى عرش الحكم اما سياسيا او ماديا… رغم انّ العلاقة بينهما قائمة على اقتسام عرش السلطة بما معناه (غمّض عينيك عليّ نغمّض عينيّ عليك… ناقف معاك وانت اوقف معايا … وتعرّي عليّ الستر نعرّي عليك الستر)… هل فهمتم ان المصالحة التي يُحكى عنها كذبة؟؟ هي فقط للاستهلاك ..هي فقط حربوشة . احيانا لتلهية عن امر ما وقع او سيقع …واحيانا للابتزاز السياسي كلما قرُب موعد انتخابي …اقول هذا لماذا ..؟؟.لان المصالحة وقعت من زمااااااااااااااااااااااان بين شياطين المال وشياطين السياسة وهذا هو المعنى الحقيقي للتوافق …

يوم اتخاذ قراري لم تكن المعادلة صعبة الحل عندي .. في الكفّة الاولى كان هناك الجانب المادي المهم جدا كمّا ..ثم كان هناك ايضا امكانية الفشل في مناظرة المستوى الثالث وهو امر وارد ..وفي الكفّة الثانية كان هناك وجه عيادة يوم توديعي بمطار تونس قرطاج بتجاعيده الرقيقة وبعينين كم هما الجمال والرهبة ..كم هما الخوف من مجهول مّا لولدها في بلاد الغربة والخوف من بنت الرومية ..وكم هما التوق الذي لا حدود له حتى يعود اليها ولدها سيد الرجال كما وعدها ..وهل هنالك كفّة اخرى تستطيع ان تغلب هذه الكفة؟ ..عندما انتفضت واسرعت لمقابلة مدير المعهد لاعلمه بقراري الذي لا رجعة فيه ما كان وقتها بشر في الدنيا قادر على اثنائي في قراري ..والله لو وضعوا الشمس والقمر وكل الكواكب في يدي لما عدلت عن قراري …وهكذا كنت طيلة حياتي ومازلت لن يردعني اي كان في اتخاذ قراراتي ..قد اخطئ واعتذر ولكن ابدا ان اندم ..لأني اتعلم ايضا من اخطائي ..وحده الذي لا يقرّر هو الذي لا يخطئ …

عدت الى زملائي لاعلمهم ايضا… نظروا اليّ دون اي بوح ..قرات في اعين بعضهم “ملاّ طلعة … يسلّم في النعيم ويمشي للجحيم”…وفي اعين بعضهم “هاكا ماهو يحب روحو موش كيف لخرين …توة يندم ويرجع ياكل في صوابعو” … هذه الفئة لم تفهم يوما انك عندما ترضى بان تكون كالآخرين فمعنى ذلك ان تكون دجاج حاكم… فمتى ينتفض الواحد منّا على ذاته كي يخلع عنه ريش دجاج الحاكم ويكون مختلفا لا متخلّفا ؟؟؟ .. صنف آخر في تعامله مع قراري .. اللامبلاة …اي “يدبّر راسو يخخي هو صغيّر اش دخّلني في امورو؟”…كنت وقتها اقول لهم بنظراتي فقط ..عندكم حق اللي ما يدريها يقول سبول …

في نهاية الاسبوع دُعيت لاجراء المناظرة وبشكل استثنائي ..هكذا قررت الادارة ..مناظرة استعجالية ثم عودة سريعة بعدها الى تونس … نوع من انواع الترحيل … ولانني قبلت بقوانين اللعبة اجريت المناظرة وبدأت الاستعداد بعد يومين منها للرحيل ..كان عليّ ان اتصل يوم الاثنين صباحا لارتّب اموري مع المركز الفرنسي للطلبة الافريقين و المكلف بكل شؤون وجودنا على التراب الفرنسي …كان عليّ ان اسلّم بطاقة اقامتي وان يمكّنوني من تذكرة طائرة العودة لتونس …

كانت الساعة تشير الى التاسعة صباحا عندما وصلت ..وكالعادة وبكل بشاشة الموظّفين الواعين بدورهم استقبلتني احداهن ..اعلمتها بموضوعي… تسلمت منّي بطاقة الاقامة ورجتني ان انتظر قليلا لترتيب اموري ….وانتظرت .. وطال انتظاري ..وقتها همهمت (اشنوة حتى في فرانسا يخلليونا نستناو ساعة زادة؟)… وفعلا انتظرت ساعة كاملة ..حتى تخرج اليّ الموظّفة بابتسامة صادقة وتقول ..اعرف جيّدا اني اثقلت عليك بالانتظار ولكن كل ما ارجوه ان تعذرني عندما تكتشف اسباب ذلك …دعتني الى داخل مكتبها ودعتني للجلوس قبالتها …اخذت مكانها على كرسيها الفاخر وبدات:

السيد عبدالكريم كنت ابحث مع المسؤولين في معهدك عن سبب رحيلك الى تونس وانت لم تُكمل” دراستك ..وابلغوني بكل ما حدث لك …وانا بقدر ما انا متفهمة لموقفك بل واقدّره بقدر ما عليّ اعلامك بالاتي: صلاحياتنا في هذا المركز لا تمكنك من التمتع بتذكرة العودة …لانك بالنسبة لنا انت طالب انقطع عن دراسته وعليه ان يتحمّل مسؤولياته ..نحن نمكّن الطلبة فقط عند اتمام دراستهم من تذكرة العودة ..وفي هذه الحالة انت لست منهم … الا انني وباجتهاد شخصي تحادثت مع نظرائي في المركز وفي المعهد في نفس الوقت… وحاولت ان اجد لك مخرجا من هذه الورطة ..وانت تستحق منّا جميعا هذا الاجتهاد …وعرفت بوسائلي وارجوك عدم توريطي وانا كلّي ثقة فيك، انك نجحت في مناظرة المستوى الثالث .. لذلك اعتبرنا في المركز انك أنهيت المستوى الثاني ومن حقك ان تتمتع بتذكرة طائرة لعودتك ..اهنئك وارجو ان يبقى امر نجاحك في صدرك لان النتائج ستعلن رسميا بعد ثلاثة اشهر من الان… وعودة ميمونة الى بلدك الجميل تونس …ونراك قريبا بيننا” …

ياااااااااااه يادي النعيم اللي انت فيه يا قلبي ….كيف يمكن لي ان اصف من انا ؟؟ اين انا..؟؟

اوووووووووووووووووف كم هي مستبدة وظالمة تلك اللغة التي تتمنّع دلالا وغنجا لتقسو عليك فلا تمنحنا ابجدية جديدة لنصف بها من نحن اين نحن … نعم في بعض حالاتنا فرحا او الما نحتاج الى ابجدية جديدة ..تصبح فيها جميع لغات العالم عاقرا او هي ان اعطتك البعض من احرفها فهي تافهة وسقيمة …نجاح في المناظرة خطوة اخرى نحو هيمالايا …عودة الى تونسي الحبيبة و الى …عيادة الاحب ….يا دي النعيم اللي انت فيه يا قلبي …

ـ يتبع ـ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش:

*انا سبقت ذلك الاعلامي السوري في اتجاهه المعاكس والذي هو في الحقيقة “معاكس” باتم معنى الكلمة… لانه اتجاه مسبوق الدفع من مؤجّريه حتى يخدم اجندتهم كما يريدون… وما هو في الحقيقة الا بيدق رخيص لا ذمة له ولا موقف ولا ضمير رغم كل ما يبذله من تمثيل … وهو يجيد ذلك ليظهر بمظهر الاعلامي الفذ الذي يبحث عن الحقيقة كل الحقيقة دون تحيّز ..الا ان حقيقة ذلك الفيصل اكدت للعاقل منّا انه لم يكن يوما لا فيصلا يفصل بين الحق والباطل… ولا قاسما يقسم حرفته الاعلامية بعدل على ضيوفه…

**يوم كان الشعانبي شعانبي وقبل ان يتحول الى زريبة ذئاب تقوم بانشطة رياضية لازالة الكوليستيرول..، حسب رواية بعضهم وربي يفتقهم من بعضهم على بعضهم..، واذا بها تزرع كل الاورام في جسد تونس او هكذا توهموا ..ولم يعرفوا يوما ان تونس عصيّة عليهم وعلى جنرالاتهم الذين لهم خارطة طريق واضحة انتقاميّة ومخرّبة، عملت ومازالت تعمل في الخفاء .. قطّع الله اوصالهم!

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

جور نار

مؤتمر اتحاد الشغل: لخدمة العمّال… لا لمصلحة زيد أو عمرو

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.

وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان من الضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.

إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.

غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.

واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.

فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.

و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.

لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها

والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.

أكمل القراءة

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

صن نار