تابعنا على

جور نار

ورقات يتيم… الورقة 51

نشرت

في

عبد الكريم قطاطة:

عندما امتطيت سيّارة الاجرة للخطوط البعيدة في اتجاه صفاقس (لواج) والتي كانت انذاك في الغالب من نوع بيجو 404 ذات الخمسة مقاعد دون اعتبار السائق …كان بي شوق لصفاقس… صفاقس العائلة… صفاقس الشلّة… صفاقس الحوش… صفاقس السي اس اس… صفاقس صفاقس… بكل تفاصيلها البسيطة وجزئياتها التي قد لا تعني شيئا للأخرين والتي يجدها ايّ منكم في مسقط رأسه بالوان خاصّة وطعم خاص وذكريات خاصّة …

عبد الكريم قطاطة

كان بي شوق لا يعرفه الا من يكابده … شوق لبوشويشة ذلك النهيّج الصغير والذي لا يتجاوز بضعة امتار في صخبه اليومي وهو الذي انتصب لبيع الخضر والغلال باثمان شعبية ولكن ايضا بغشّ شعبي… فالمعروض للمشتري مدروس بشكل خبيث ومنمّق بشكل اكثر خبثا… اذ انّ ما تراه عكس ما تشتريه ففي ايّ صنف من الغلال يعرضه البائع بشكل يُغري البلهاء مثلي… ولكن بحركة يدويّة لا يعرف سرّها الا المنتصب في هذه السوق يدسّ لك الغلّة الخامرة والمضروبة … والنحيفة والتي في طرفها حور من الخزّ … وابدا ان تكتشف عيوبها الا وانت تستعرض عضلاتك عند عودتك للمنزل وانت مفتخر بصيد ثمين ثمنا… واذا بالوالدة تهزّ رأسها سخرية وتضيف: اشنوة عجبك رخصو؟؟؟…

اتذكّر ذات مرّة ان الوالد عاد الى المنزل ذات عشيّة مزهوّا بكيلو صبارص لا يتجاوز ثمنه الـ10 ملّيمات …وعندما وصل الى ايدي عيّادة … صاح انفها في ومضة تكشيرية من عطوره النتنة …ثم ماكان منها الا ان رمقت الوالد المسكين بنظرة حادّة وقالت: “تي هذا منتن هذا بايت ..هذا للقطاطس موش للعباد” … وماكانش سي محمد من العاكسين ..وبحركة نتر، اخذ السمك المحنون ورفسه برجليه مردّدا: “هذا المنتن ..هذا البايت ..هذا للقطاطس !”..سي محمد عصبانة رغم قلبه الطيّوب جدّا وبارع في حركات النتر هذه والتي لا ينافسه فيها الاّ الربّاعون الاتراك في الالعاب الاولمبيّة والمشهورون بتفوّقهم على منافسيهم عالميا (يبدو انّ جيناتهم كانت ومازالت تبدع في النتر … موش هكّة يا عشّاق اردوغان …؟؟؟) ولن ادع الفرصة تمرّ دون ان اهمس لانصار اوردوغان اسمعووووووني … وانا على يقين بأنهم لن يسمعوا ولكن سمعوا ام بقوا صُمّا، ها انا اكشف عن آخر ابداعاته في مناصرة الاسلام والاسلاميين لا المسلمين …

السيّد اردوغان المهدي المنتظر في اعين العديدين سافر اخيرا (*) الى جنوب افريقيا لامضاء عقد شراكة وتسويق للاعمال التلفزيونية التركية (مسلسلات العشق الممنوع ..والعشق المر.. والعشق المالح ..والعشق المسّوس … وهذه النوعية في حدّ ذاتها لا يمكن اصلا ان تكون لافتة دعائية لدولة تدّعي قيم الاسلام …كدت اقول لا علينا ولكن الاصحّ علينا وعلينا وعلينا) …السيّد اوردوغان في حفل توقيع الشراكة (اينعم رئيس دولة يُوقّع للشراكة في منتوجات تلفزية !!) كانت تصاحبه نجمة تلفزية تركية (ايه اشبيه يا سي عبدالكريم عيب ؟؟؟ اشبيك متحامل على اردوغان؟؟؟) استناوني بارك الله في صبركم … دعوني اصف لكم المشهد:

النجمة التركية كانت والله لابسة بلاش هدوم …وهذه المرة بالحق بلاش هدوم ذوق 24 ..يعني كل شيء تراه بمقاييسه الطبيعية انتفاخا …كللّو …اللي يقلّقو المشهد يستعوذ من الشيطان الرجيم ..واللّي يشيّخو ما عندي ما نعملّو …ايلي وايلو ربّي …. يقول القايل: اش عندك فيها يخخي انت ربّي ماشي تحاسبها…؟؟ من هذه الزاوية لا اجادل لانّي تعلّمت من القرآن انّ لا احد يزكّي اعمالنا الا الله …لكنّ الذي اثار انتباهي عمّكم اردوغان وهو يتأبّط ذراع النجمة الـ 90 في المائة عارية “برادسي برادسو” وعيناه العسليّتان تغوصان في جسدها بعشق حلال مباح وبنهم عثماني فيه كلّ معاني الرغبة لاحتلال ذلك الجسد واستعماره ..وحديثنا قياس… دعوكم من تصوّر اردوغان حامل راية الاسلام … لأنّ حامل مثل تلك الرايات العظيمة عليه ان (يختشي) كعديد الشلايك امثاله حتى لا يتورطوا .. وكم من شلاكة حصل في المحظور …

صفاقس هي ايضا سوق الحوت ونتونته العطرة في انفي …صفاقس هي نهج الباي بصخبه اليومي وبكسكروت الغمقي (رحمه الله) الذي ما زال يُسيل لعابي مذ كنت تلميذا في الثانوي …وفطاير وسفنج وزلابية السيالة … بدكاكين باعة العطر من كريستيان ديور الى الاوبيوم الاسود (عطر هذا وليس زطلة والله) والتي سقطت منها منذ مدّة وجيزة اخر حبّة في عنقودها …قاعة الكوكب… ومن غرائب الدهر انها تسقط في ذات السنة التي قيل فيها انّ صفاقس عاصمة الثقافة العربية … ويعطي لذباب الثقافة عمى، عندما تُوكل مثل هذه التظاهرات التي تحدث مرّة في القرن لاناس لا علاقة لهم بالثقافة وهم مثال للسخف والسخافة… مع تقديري للنزر القليل منهم…. صفاقس هي ايضا تلك المراكز المترامية على شكل اشعّة دائرية في ضواحيها… فهذه ساقية الزيت والتي يقال عن تسميتها انها تاّتت من فيضانات ذات سنة فطغت امواجها على معاصر الزيتون فيها لتُخرج مدّخراتها من الزيت وتتزاوج مع الماء سيلانا ..وساقية الدائر والتي يُحكى عنها انّه في عصر ما انتشر فيها الداير (اي السرقة) … هكذا يُقال عنها … (رغم انّي ذاتيا كدت امُرّ مرور الكرام على تاريخ اللئام ..ولكن شرفي التوثيقي يأبى ذلك) …وتنيور اللي عليها النور… وقرمدة اللي عليها العمدة …والافران جماعة الجبّة والقفطان …

كنت في تلك الحقبة من عمري كعديد اترابي لا نعير اهتماما كبيرا للضاحية الجنوبية والغربية لمدينتنا اي طريق قابس وطريق خنافس وعقارب (المطار حاليا) وسُكّرة والمحارزة …فتلك الضاحية كان اغلب سكّانها من فقراء صفاقس ..بل الادهى انّ من يشتري منزلا او عقارا في تلك الضاحية يُقال عنه”مدعي بالشرّ”… اذ انّ معمل “السياب” وما خلّفه من لوحات رمادية على الطبيعة من جهة، وتلك الروائح التي يُفرزها يوميا عطرا قاتلا لسكّان تلك المنطقة، جعل معظم اهالي صفاقس يتهرّبون من السكن فيها رغم الحسرة الكبيرة على عنب وتين عين فلاّت فيها …امّا الان فانّ سرطان السياب لم يسلم منه ايّ شبر من صفاقس برّا وبحرا وجوّا … وقللك سي الشاهد حسم الامور في زيارته لصفاقس (*) …ملاّ كذبة، من جهته ..وقدّاش احنا بوهاليين من جهتنا …

كنت وانا في اللواج استعيد ذاكرتي وانا الذي لأول مرة في حياتي ابتعد عن صفاقس بضعة اشهر… ولم استفق الا وسائق السيارة يتوقّف بسيدي بوعلي قرب سوسة … تلك كانت محطّة الاستراحة لجلّ سيارات الاجرة بين تونس وصفاقس … (قللو برجين قللو سيدي خليفة!) … كان السائق يُوفّر لصاحب مطعم سيدي بوعلي، وهو الوحيد ، عشرة زبائن يوميا (بحساب الذهاب و الاياب)… ومقابل ذلك يتمتّع بوجبتين خالصتي الثمن …لم تكن انذاك توجد طريق سيّارة وكانت الرحلة تدوم 4 ساعات في افضل الحالات وكنّا نحفظ الطريق عن ظهر قلب بكل محطاتها … من جبل الجلود حتى سيدي صالح .مرورا ببني كلثوم وكركر (يلّلي تكركر)… ومساكن -اللّي في النهار مساكن وفي الليل سكاكن) … اكاهو مادامني قلت على ما يُقال عن ساقية الداير نقول ما يقال عن مساكن ..الله غالب حجّتي في ذلك امانة التوثيق …

الا اننا وبوصولنا الى الغرابة زهاء العشرين كم عن صفاقس تهيّأ لنا ان روائح جنّة صفاقس فُتحت لنا رغم انّ الواقع يقول عكس ذلك… لاّنه وبعد وصولنا الى الحنشة وحتى سيدي صالح كانت روائح المداجن المنتشرة هنالك تخنقنا … خلاص … اشرفت السفرة على نهايتها …نحن في السدرة ولم يبق لنا سوى بضع الكيلومترات عن قلب صفاقس …

عند الوصول الى محطّة اللواجات والتي كانت قرب صالة الافراح البلدية وقرب محطّة القطارات… كان كلّ همّي ان اجد في زحمة المكان سيارة اجرة خفيفة لتنقلني الى جنّتي، ساقية الداير سواء كان فيها “داير” او لم يكن .. لا احد اطلاقا على علم بعودتي …كنت ومازلت من طبعي عاشق مفاجآت ..اجتهد كثيرا في كتابة وتنفيذ سيناريوهات المفاجآت بكل حبكة …وازدادت حبكتي والحقيقة عفرتتي بعد ان درست فنّ كتابة السيناريو … واعشق ايضا تلك السيناريوهات التي تُحاك لي … يوم ليك ويوم عليك واش تعمل يعمالك… ..ها انا على بعد امتار من حانوت بواحمد حلاّق الشلّة …توقّفت سيّارة الاجرة امام الحانوت وما ان اطللت بوجهي حتى صاح القوم: “السهريّات” جاء ! … ذاك كان لقبي في الشلّة… وهرع الجميع ..يا بوس ..يا تعنيق …ياضمّ …يا طبطبة …وكأنّنا من قبيلة ابي بوّاس … وتنهمر الاسئلة… كيف السبّة ؟؟ عندك عطلة ..؟؟ احكينا عاد على باريس واش عملت واش ما عملتش ..؟؟ ويشكّب عليه واحد من شياطين الشلّة بالقول: تنجّم ما تحكيش على اش ما عملتش اما اش عملت هاكة نحبّوه بالتفاصيل يا ابو العمايل انت…

كنت انذاك ادخّن بشراهة سيجارتي الروايال المنتوليه دون نسيان ضرّتها الحلوى … وكان الزمبار ينظر اليها بشراهة أيضا وما كان منّي الا ان ربّتُّ على كتفه وهو صديق الانفة والكبرياء رغم فقره المدقع وهمهمت (تحبّ وحيّد فاوح؟؟؟)… ابتسم وانا امدّ له السيجارة … اخذها وشمّها كما يفعل من يشتهي شمّ السجائر دون تدخينها وقال ..امممممممممممممممممم هذي عاد فاوحة … ليكس …وردّد العديد: اللهمّ فوّح الجميع… وكان لهم ذلك …حمل معي صديقي رضا احدى الفاليجات وحملت انا الثانية … وقصدنا ربّي الى الحوش… الى ذلك القصر الملكي ذي الثلاث عائلات… كل عائلة في جمهورية بيت واحدة … ذي المرحاض الواحد … يصطفّ على بابه (وهو اصلا من غير باب) الجميع صباحا مساء باستثناء يوم الاحد حيث تختلف مواعيد النهوض يومها . ولابدّ قبل الولوج الى مدخله طرح السؤال او كلمة السر (اللابندة عامرة ؟؟؟)… اي هل دورة المياه مشغولة …ولاباندة كلمة ظاهرها صفاقسية ولكنها ذات اصل ايطالي (لافاندا)… ثمّ حُرّفت لتصبح لاباندة … الى تلك المطاير التي تموج بخضرواتها في كل الفصول ..الى ذلك الجنان والذي يتمايل ببعض الاشجار المثمرة وفي مقدمتها اللوز وقليل منه الفخفاخ وفي رواية اخرى المغزاز الشهي اكلا قبل ان “يعظّم” اي ينضج … قلت القليل لان البقية وجلّها من نوع القسمطيني، مطبوعة بشيء من المرارة مما يجعلها بعيدة عن طموحاتنا لاكلها خضر.ء .. واختيار هذا النوع بذلك الكمّ هو مدروس من قبل العائلة حيث تستغلّه اما لبيع جزء منه (ترقيع مصاريف) او لاستعماله في الحلويات المناسباتية (عيد فطر او اعراس) وها انا امام عيدي ..

عيادة تجري وتئنّ (يا وليدي يا وليدي) …كان بودّها ان تصيح …ولكن متى كان الصياح من شمائلها ؟؟ كان بودّها ان تبكي فرحا والبكاء فرحا هو ايضا سمفونية من سمفونيات السعادة … ولكن عيّادة لم تكن يوما بكّاءة بل كانت على حدّ تعبيرها تخجل من دموعها التي لا تجدها حتى في المآتم …الا ان روعة امّي في نغمات صوتها فرحا او الما …امّي كانت عازفة ماهرة على اوتار صوتها …هي لم تكن يوما محترفة ولا منحرفة في عزف صوتها …هي لم تدرس يوما موسيقى او مقامات ولكنّها كانت مذهلة في كل موسيقى ومقامات صوتها …هي تفرح بصوتها تتالّم بصوتها تغنّي بصوتها وترقص بصوتها رغم انّي لم اشاهدها يوما ترقص على ايقاع موسيقى او اغنية… ولكن وكما قال المتنبي وهو يمدح سيف الدولة في احدى المعارك التي شارك فيها (عيب عليك تُرى بسيف في الوغى .. ما يفعل الصمصام بالصمصام ).. اي انت سيف يا سيف الدولة فما حاجتك إلى السيف .. وعيّادة ما حاجتها بالرقص على الموسيقى وصوتها رقصة وموسيقى …

عانقتها طويلا طويلا ولم اشعر بتقصيري تجاه الاخرين الا وانا ادير راسي لارى طابورا ينتظرني …وعاد نفس السؤال: كيف السبّة ؟؟؟ عطلة ..؟؟؟ عجبتك فرنسا ؟؟؟ وذلك السؤال الغبيّ (اما خير فرنسا والا تونس ؟؟) …وانقذتني عيّادة من عناء الاجابة بشيءمن الجدّية الرادعة: تخليوه يشرب عرقو مازال بغبار الثنية يرتاح ويحكيلكم … ويُوفى الحديث … عيادة اصدرت حكمها …اي للتنفيذ …

انسحبت العائلات المجاورة من جمهورية بيتنا وتمدّدت كعادتي على جلد العلّوش التي احضرته عيادة من مخبآتها لمثل تلك الظروف الفجئية ….ياااااااااااااااااااااااااااااه عليك يا اغلى وامتع فراش في الدنيا… عبدالكريم على فراشه الوثير وعلى وسادته التي لا احد سواه ينام عليها… وبجانبه العائلة وعيادة تسابق الزمن لتقول: “يا وليدي اش تحب نطيبلك ؟؟ عندك شهور تلقاك ما كليتش مونة كاملة انتي بلاشي زڨلام في الماكلة هوني وزيد عاد في فرنسا الله اعلم اش يخنفسوا ويدنفسوا” … نظرت اليها وقلت: “والله بالحق يخنفسوا ويدنفسوا ماكلتهم ما تتكالش” …وتلك هي الحقيقة …الاكلات الفرنسية ليست فقط غير لذيذة عندي بل تنفّر… وردّت عيادة بحرقة: “يمّة على كبدي …تلقاك متّ بالشّر”…. قبّلتها في يدها وقلت: لاباس بصبرو… ايّا قوم طيبلي هاكة الحلالم من يديك الملاح … وذُعِرَتْ… حلالم! تجيني بعد شهور ونطيّبلك حلالم؟ …

ولأني عنيد الى حدّ القرف قلت لها… “ورحمة بوك ما تطيّبلي كان حلالم” … رحماك يا عيادة منذ رحيلك لم اذق يوما حلالم في عطرها… في طعمها …ومن يديك الجميلتين البارعتين …ربّاه ربّاه ربّاه …لا تعرض ايديها على نار …ربّاه اعرف واؤمن انّه لا تزر وازرة وزر اخرى …ولكن ربّاه ربّاه ربّاه …انت ادرى بما في داخلي من رجاء …يا رببببببببببببببببببببببببببببي ياربيييييييييييييييييييييييييي يا رببببببيييبببببببببببببببييييييييي …

ـ يتبع ـ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) المقال من سنة 2017

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

الوضع الحالي (ج 2): الساحة الوطنية… مقترحات لدرء الخطر

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

كما عرضنا في عددنا السابق من جريدة “جلنار” بعض المعطيات المتعلقة بالساحة الوطنية داخليا وخارجيا وكما أشرنا إلى انحرافات خطيرة لبعض وجوه المعارضة عبر نشر الأكاذيب والتظلل بالـ”غرف المظلمة” المعدة لضرب تونس، بالإضافة إلى حمى الدعوات لنشر الفتن وتحريك شعب ليس في حاجة لمعاناة أكثر ويحلم بالأمن والأمان والازدهار وليس بتحقيق أهداف نرجسية أو وصولية أو عميلة لجهات أثبتت سابقا وهاهي ذا تثبت لاحقا فراغ خزانها من أية مشاعر وطنية.

كما شرحنا أيضا الحاجة الماسة لدعم القدرة الشرائية للمواطن التي وصلت إلى حد لا يحسد عليه لأسباب موضوعية وربما أيضا عملية، منها أن السلطة الحالية تجد نفسها أمام إرث ثقيل من ديون الحكومات السابقة، ولعل أكبر دليل تقدمنا به هو دفع الحكومة التونسية لقسط كبير من ديون متراكمة تعود لسنوات 2015 أو قبلها أو بعدها، و الأهم هو أن هذه الديون خلال حكومات الترويكا والنهضة لم توجه إلى أي برنامج تنمية بل على العكس تماما تم تخصيص جزء من موارد البلاد لإسكات الإضرابات و خلق شركات بستنة دون وجود بساتين وضرب سوق الفوسفات مع الهند وغير الهند. وإحقاقا للحق فقد سعت السلطة الحالية إلى إعادة هذه الموارد ولو أنها قابلة لمزيد التطوير.

هذه بعض الإشارات دون أن نتعمق في الكثير من التفاصيل التي أنهكت الموارد الوطنية ليفهم الجميع أن أدنى الشروط والقواعد لأية ثورة تستوجب:

أولا وجود قيادة فرضتها الأحداث والقناعات الشعبية،

ثانيا، طرح برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني لدرء نقاط ضعف أو تجاوز المنظومة القديمة.

ثالثا، توفير المتطلبات من أمن ومعيشة طبيعية على الأقل للمواطنين عبر تحسين الطاقة الشرائية وشغل لا تعيقه نسبة كبيرة من البطالة، ثم فرض تطور مطرد للقطاعات العامة مثل الصحة والتعليم والنقل وضمان الاكتفاء الذاتي.

ودون هذه الشروط لا يمكن علميا أو حتى ديماغوجيا تحقيق تحولات صغرى أو كبرى بالثورة ونتائج جل هذه التحولات على بعض البلدان لم تأت إلا بمزيد من التخلف والانهيار الاقتصادي و الأمني مما أعاد حنين بعض الشعوب إلى ما فات والندم عليه ندامة الكسعي.

المقنترحات العاجلة:

ان الشعب التونسي يستحق الأفضل وهو شعب صعب المراس ولا يخضع لأية تاثيرات غير قناعاته بل إن أية محاولة لتوجيهه تعود بالوبال على الزمر التي قامت بها، لكنه أيضا شعب صبور على الشدائد وشظف العيش من أجل الإخلاص لاختباراته وقناعاته إلى حدود معينة، فلا مجال لتحريك من جهات خبر حكمها جيدا ولفظها ولا مجال لأي مستعين بالخارج، لكن شعبنا يعبر عن معاناته المتمثلة في معيشته وشغله ورفاهه، ولعل إحدى صفاته انه “موقوت فجئي” لا يسمح لأي طرف بتفكيك توقيت انتفاضاته أو غضبه، ذلك أنه إن عدنا قليلا إلى التاريخ نتذكر “ثورة الخبز” وقبلها 26 جانفي وبعدها الحوض المنجمي و17 ديسمبر وغيرها من الانتفاضات التي لم تكن في حسبان أي جهاز وطني أو خارجي.

واليوم لنتدرج إلى أهم المتطلبات الوطنية تالقائمة في أعلى هرم الأولويات:

أولا، لعل الضغط على الأسعار المتعلقة بقوت المواطن تعد أهم ضرورة، فمن المهازل أن يستمر. ارتفاع سعر اللحوم إلى هذا الحد و كذلك أسعار الخضر والغلال وبقية المواد المعيشية، وعلى السلطة أن تحدد وتفرض تطبيق اسعار اللحوم أقل من 25 دينارا للكيلوغرام، وعلى كل من يتأفف من ذلك أن يبحث عن مورد رزق آخر فالشعب لا يستحق التنكيل به إلى هذا الحد.

ثانيا، إن معضلة أفارقة جنوبي الصحراء تكتسي خطورة أمنية تمس حتى من كينونة بلادنا وتركيبة سكانها وتعد قنبلة موقوتة ضد تونس، وعليه فإن الجمع بين الإعادة الطوعية والإجلاء القسري يعد من أهم الضروريات.

ثالثا، ,على المستوى السياسي ورغم انزلاق البعض نحو الاحتماء بالخارج وهذا متوقع ويصنف قانونا كخيانة عظمى، فإن بعض فصائل المعارضة الوطنية تستحق انفتاحا من السلطة وربما تشريكا لصالح ضمان سير أي وطن، لكن على عكس ذلك فإن بعض الوجوه والجهات العدوانية التي تدعو إلى الفتنة والحلم بعودة حكم عرفت فترته الإرهاب والاغتيال والغنيمة والسحل والرش والتغول في كل قطاعات البلاد خدمة للمنظومة وليس للشعب، وجوه السوء هذه لن يكون لها أي دور جديد غير الرغبة الجامحة في دمار البلاد والانتقام من الشعب واختياراته.

رابعا، تنقية الأجواء السياسية وذلك ببعث محكمة دستورية يقودها رجال وطنيون لا يؤمنون الا بالعدل والمصلحة الوطنية.

خامسا، لايعد تدخلا في القضاء متى ما كان هدف العفو عن عدد من المساجين الذين لا علاقة لهم بالارهاب أو المؤامرات او الفساد المالي أو الحق العام. ونظن ان شريحة من المساجين قد تستحق العفو الذي يدخل دستوريا ضمن صلاحيات رئيس الدولة.

خامسا، إننا إذ ننوه بجهود السلطة القائمة في عديد الميادين (النقل، الأمن، مقاومة الفساد، الطرقات، إعادة موارد البلاد مثل الفوسفات الذي تم تجميده طيلة العشرية)، فإن عددا من القطاعات يتطلب مزيدا من العناية مثل القطاع الصحي والقطاع الفلاحي، وبالمناسبة فإنه من غير المقبول أن لا يستجيب هذا القطاع الهام إلى ضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي.

كذلك لابدّ من مراجعة شاملة لقطاع التعليم وإدراج مادة السلوك الحضاري ومفهوم الوطنية وقدسية العمل ضمن برامجه للإسراع بغرس المقومات الاخلاقية والوطنية في أجيال تونس القادمة انطلاقا من رياض الأطفال إلى حدود الجامعات، لخلق مجتمع ناضج وليس فقاقيع من البؤر والكسل والاستقالة من الشأن الوطني.

أكمل القراءة

جور نار

من الشبّاك

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.

فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت على مسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.

كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها

ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.

إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا

ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…

ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها

المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز

نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.

أكمل القراءة

جور نار

وقت مستقطع… للحبّ!

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…

ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟

ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…

هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…

خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…

وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…

أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار