تابعنا على

جور نار

ورقات يتيم .. الورقة 91

نشرت

في

عبد الكريم قطاطة:

في هذه الورقة ساخصص محتواها للحديث عن جزء من تجربتي مع التلفزيون كمخرج ومنتج … وانا الذي وبكل صدق وامانة أعتبرها باهتة ومتواضعة جدا ولم تكن في حجم احلامي وطموحاتي …

عبد الكريم قطاطة

اذن كما اسلفت وبعد تسوية وضعيتي الادارية والاعتراف بديبلومي كمخرج… بدات وفي مطلع التسعينات اخطّط لنوعية البرامج التي اراها تتجاوب مع ميولي وقناعاتي … وكنت من الذين يعشقون جدا الاشرطة الوثائقية… وفعلا اقترحت على ادارة التلفزة انتاج واخراج مجموعة من الاشرطة الوثائقية تحمل كعنوان (شعاع من الجنوب)… وهي في رؤيتي تحقيقات تهتم بمناطق عديدة من جنوبنا اسلّط فيها الضوء على مناطق لم تزرها الكاميرا للنبش في واقعها المعيشي ومن زوايا متعددة… ووافقت ادارة التلفزة وشرعت في انتاج اوّل حلقة والتي سلطت فيها الضوء على قرية من قرى الجنوب التونسي… انها سيدي مخلوف بولاية مدنين…

كان التصوير ثم المونتاج في اواخر سبتمبر 91 والبث في اكتوبر 91 … وهاكم مقتطفات من تعليق جريدة الصباح حول هذه الحلقة في 21 اكتوبر 1991 تحت عنوان (اجتهاد من الجنوب) حيث كتب صاحب المقال (وبعيدا عن الثقافة و الجهل اريد ان احيّي باسمكم هذا العمل التليفزيوني المتميز حقا ..فهو كالقهوة اللذيذة او كمشموم فل او كالكتاب الجميل … التشبيه غير مهم… الاهم هذا العمل تراه فتتمنى لو انه يستمرّ اكثر او لو انه يعود او لو انه يصبح من ضيوفك الدائمين… هذه الكلمات البسيطة التي تشكّل وردة احب ان اقدمها الى المجتهد عبدالكريم قطاطة، الذي فتح لنا نافذة صغيرة راينا من خلالها بعض ما يجري فوق ارض الجنوب من كفاح ونضال وصراع مع المصاعب والاغراءات والاوهام والمشاكل التي لا تنتهي ..كان عنوان ما قدمه عبدالكريم قطاطة “شعاع من الجنوب”… وبالفعل كان حزمة من الضوء فيها الجمال والاجلال والاجتهاد والذوق … هكذا يكون العمل التليفزيوني او لا يكون، وهذا عمل تليفزيوني يستحق ان يجلس امامه التلامذة وهواة العمل التليفزيوني لعلّهم يتعلّمون على الاقلّ التواضع)

الى هنا ينتهي بعض ماجاء في تعليق جريدة الصباح حول اوّل حلقة من مشروع شعاع من الجنوب … هنالك جملة هامة جاءت في مقال الزميل حيث قال (هذا العمل تراه فتتمنى لو انه يستمرّ اكثر او لو انه يعود او لو انه يصبح من ضيوفك الدائمين)… انّها المفارقات والاقدار العجيبة حقا… لانّ الحلقة الاولى من مشروع (الشعاع) كانت بالفعل الاولى ولكنها كانت ايضا الاخيرة …اي نعم مرة اخرى هي لعبة الاقدار ..وهاكم التفاصيل:

بعد الحلقة الاولى شرعت في انجاز الحلقة الثانية من شعاع من الجنوب اخترت فيها كاطار (عمّال المناجم في المظيلّة) ..كان سيناريو الحلقة متابعة احد عمال المناجم (العم صالح) منذ قيامه باكرا الخامسة صباحا في عائلته… وتناول فطور صباحه ثم امتطاء دراجته النارية قاصدا المنجم… والعيش معه لحظة بلحظة طيلة ساعات يومه في المنجم و اخيرا العودة معه الى منزله للسهر معه والتعرف على تفاصيل أسرته … ايام التصوير خاصة داخل المنجم وحتى خارجها من افضل ما عشته طيلة حياتي… نعم وبشهادة الجميع عشنا اياما لا تنسى اكتشفنا فيها ليس فقط ذلك الجنوبي المناضل من اجل رزق أطفاله، بل ايضا صدقه وعمق رؤيته للحياة وللاحداث ..واكتشفنا ايضا ذواتنا ونحن نعتبر انفسنا نفهم اشياء كثيرة في تونسنا وفي الحياة عموما ..ولكن اكتشفنا انّ ما نجهله يفوق كثيرا ما نعرفه ..

نعم عم صالح علّمنا دروسا لا تُنسى لعلّ اهمها النضال الحقيقي من اجل اسعاد الاخر حتى ولو كنت يوميا معرّضا لخطر الموت المحدق بك واصحابك داخل المنجم .. نعم هذا ما احسته وعاشته كل عناصر فريق التصوير ونحن ندخل معه الداموس ..حوادث المناجم والتي تعني امكانية سقوط بعض زوايا المنجم كانت تعني الموت ..نعم عشنا يوم تصوير عمل عمّال المناجم من داخل المنجم، ما معنى ان يكون الانسان في كلّ لحظة على قاب قوسين من النهاية… وللامانة كم باركت يومها شجاعة كل افراد فريق التصوير الذين لم يترددوا لحظة واحدة في المغامرة والدخول بواسطة السكة المعلّقة الى اعماق المنجم …

بعد اتمام التصوير شرعت وزميلي التقني في المونتاح (رضا القلال) في عملية المونتاج والميكساج ..كنا نشتغل بشغف وحماس وحب… وكنا طوال العملية نعيش داخل جلباب العم صالح فيزداد عشقنا لهذا المناضل العظيم ..وانتهى التركيب ووقعت برمجة الحلقة على شاشة التليفزيون لليوم الموعود ..وكانت المؤسسة انذاك تحت اشراف رئيس مدير عام جديد، السيد عبدالحفيظ الهرقام ..ولكن ربّك اراد غير ذلك .. تلك الحلقة بُرمجت ليوم 16 جانفي 1991 .. وهو اليوم الذي اعلنت فيه امريكا وحلفاؤها حرب الخليج الثانية المسماة بعاصفة الصحراء ..والتي ابتدات فجر ذلك اليوم… ومواكبة لذلك الحدث وهذا منطقيّ جدّا قامت ادارة التلفزة يومها بتغييرات جذرية على برمجتها ومثلها حدث في كلّ الاذاعات ..و بالمناسبة لابدّ من الاشادة بتميّز اذاعة صفاقس في مواكبتها للحدث بشكل مثالي حتى انّ بعض الاذاعات العربية وقتها اتخذتها مصدرا موثوقا به وبكلّ ما تقدمه انذاك مصلحة اخبارها ..تحية لكافة الزملاء في تلك المصلحة وتحية خاصة للكبير سي عبدالمجيد شعبان .. اذن اعتبركم تفطنتم الان إلى عدم بث شعاع من الجنوب في حلقته الثانية الخاصة بعمال المناجم وتاجيله لموعد لاحق …

انتهت اوزار الحرب وتحادثت مع المرحوم محمد عبدالكافي حول مواصلة انتاج حلقات اخرى من عدمها من (شعاع من الجنوب) وكان موقفه (وعلاش لا ؟؟ نواصلو) … واخترت موضوع الحلقة الثالثة حول (قابس والتلوّث)… ومدينة قابس انذاك تعتبر اكثر مدينة اجتاحها التلوث في البلاد بفعل المركب الكيميائي بغنوش، والذي اضرّ بالبشر والمياه والشجر .والحجر .. وفعلا قمنا بالتصوير لمدة ايام ثم المونتاج ثمّ وقع عرض العمل على لجنة الرقابة في التلفزة بالعاصمة (وهي تصير تاكزة من غير فحمة ؟؟)… وللامانة ايضا لجان المراقبة موجودة في كلّ تلفزات العالم دون استثناء… وردوا بالكم تصدقوا ما يقوله الغرب خاصة عن حرية التعبير ..انهم يكذبون ويعرفون انهم يكذبون ويعرفون انّ البعض منا يعرف انهم يكذبون ..وابدت اللجنة موافقتها شريطة ان تقع تدخيلات على الشريط حتى يقلل من سواد محتواه وقتامته وذلك بادماج بعض اللوحات الايجابية من تطوّر ونموّ في مدينة قابس .. وعلى مضض قبلت بالمقترح وعدنا لقابس لتصوير بعض ما طُلب منّي دون اشادة بزمن التغيير ومزاياه .. وقمت باعادة المونتاج…

وللامانة ما اضفته من لوحات ايجابية لم يتجاوز الخمسة في المائة من مدة ولون الشريط الذي وصفوه بالقاتم … والنتيجة انه وقع قبر الشريط الخاص بقابس ..بل لم تقف عملية القبر هذه لتلك الحلقة الخاصة بقابس فقط، بل وبكلّ الم الدنيا وقع قبر حلقة المناجم بالمظيلة وقُبر مشروع (شعاع من الجنوب) برمّته دون ايّ تفسير .._ يخخي شكونو ولد قطاطة باش نفسرولو ..تي يشرب والا يطيّر قرنو .. هكذا بدات علاقتي مع التلفزة التونسية كمنتج وكمخرج ولكن ليس معنى هذا انها انتهت .. ابدا ..لكن الذي انتهى اليوم هو الورقة 91…

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

الوضع الحالي (ج 2): الساحة الوطنية… مقترحات لدرء الخطر

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

كما عرضنا في عددنا السابق من جريدة “جلنار” بعض المعطيات المتعلقة بالساحة الوطنية داخليا وخارجيا وكما أشرنا إلى انحرافات خطيرة لبعض وجوه المعارضة عبر نشر الأكاذيب والتظلل بالـ”غرف المظلمة” المعدة لضرب تونس، بالإضافة إلى حمى الدعوات لنشر الفتن وتحريك شعب ليس في حاجة لمعاناة أكثر ويحلم بالأمن والأمان والازدهار وليس بتحقيق أهداف نرجسية أو وصولية أو عميلة لجهات أثبتت سابقا وهاهي ذا تثبت لاحقا فراغ خزانها من أية مشاعر وطنية.

كما شرحنا أيضا الحاجة الماسة لدعم القدرة الشرائية للمواطن التي وصلت إلى حد لا يحسد عليه لأسباب موضوعية وربما أيضا عملية، منها أن السلطة الحالية تجد نفسها أمام إرث ثقيل من ديون الحكومات السابقة، ولعل أكبر دليل تقدمنا به هو دفع الحكومة التونسية لقسط كبير من ديون متراكمة تعود لسنوات 2015 أو قبلها أو بعدها، و الأهم هو أن هذه الديون خلال حكومات الترويكا والنهضة لم توجه إلى أي برنامج تنمية بل على العكس تماما تم تخصيص جزء من موارد البلاد لإسكات الإضرابات و خلق شركات بستنة دون وجود بساتين وضرب سوق الفوسفات مع الهند وغير الهند. وإحقاقا للحق فقد سعت السلطة الحالية إلى إعادة هذه الموارد ولو أنها قابلة لمزيد التطوير.

هذه بعض الإشارات دون أن نتعمق في الكثير من التفاصيل التي أنهكت الموارد الوطنية ليفهم الجميع أن أدنى الشروط والقواعد لأية ثورة تستوجب:

أولا وجود قيادة فرضتها الأحداث والقناعات الشعبية،

ثانيا، طرح برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني لدرء نقاط ضعف أو تجاوز المنظومة القديمة.

ثالثا، توفير المتطلبات من أمن ومعيشة طبيعية على الأقل للمواطنين عبر تحسين الطاقة الشرائية وشغل لا تعيقه نسبة كبيرة من البطالة، ثم فرض تطور مطرد للقطاعات العامة مثل الصحة والتعليم والنقل وضمان الاكتفاء الذاتي.

ودون هذه الشروط لا يمكن علميا أو حتى ديماغوجيا تحقيق تحولات صغرى أو كبرى بالثورة ونتائج جل هذه التحولات على بعض البلدان لم تأت إلا بمزيد من التخلف والانهيار الاقتصادي و الأمني مما أعاد حنين بعض الشعوب إلى ما فات والندم عليه ندامة الكسعي.

المقنترحات العاجلة:

ان الشعب التونسي يستحق الأفضل وهو شعب صعب المراس ولا يخضع لأية تاثيرات غير قناعاته بل إن أية محاولة لتوجيهه تعود بالوبال على الزمر التي قامت بها، لكنه أيضا شعب صبور على الشدائد وشظف العيش من أجل الإخلاص لاختباراته وقناعاته إلى حدود معينة، فلا مجال لتحريك من جهات خبر حكمها جيدا ولفظها ولا مجال لأي مستعين بالخارج، لكن شعبنا يعبر عن معاناته المتمثلة في معيشته وشغله ورفاهه، ولعل إحدى صفاته انه “موقوت فجئي” لا يسمح لأي طرف بتفكيك توقيت انتفاضاته أو غضبه، ذلك أنه إن عدنا قليلا إلى التاريخ نتذكر “ثورة الخبز” وقبلها 26 جانفي وبعدها الحوض المنجمي و17 ديسمبر وغيرها من الانتفاضات التي لم تكن في حسبان أي جهاز وطني أو خارجي.

واليوم لنتدرج إلى أهم المتطلبات الوطنية تالقائمة في أعلى هرم الأولويات:

أولا، لعل الضغط على الأسعار المتعلقة بقوت المواطن تعد أهم ضرورة، فمن المهازل أن يستمر. ارتفاع سعر اللحوم إلى هذا الحد و كذلك أسعار الخضر والغلال وبقية المواد المعيشية، وعلى السلطة أن تحدد وتفرض تطبيق اسعار اللحوم أقل من 25 دينارا للكيلوغرام، وعلى كل من يتأفف من ذلك أن يبحث عن مورد رزق آخر فالشعب لا يستحق التنكيل به إلى هذا الحد.

ثانيا، إن معضلة أفارقة جنوبي الصحراء تكتسي خطورة أمنية تمس حتى من كينونة بلادنا وتركيبة سكانها وتعد قنبلة موقوتة ضد تونس، وعليه فإن الجمع بين الإعادة الطوعية والإجلاء القسري يعد من أهم الضروريات.

ثالثا، ,على المستوى السياسي ورغم انزلاق البعض نحو الاحتماء بالخارج وهذا متوقع ويصنف قانونا كخيانة عظمى، فإن بعض فصائل المعارضة الوطنية تستحق انفتاحا من السلطة وربما تشريكا لصالح ضمان سير أي وطن، لكن على عكس ذلك فإن بعض الوجوه والجهات العدوانية التي تدعو إلى الفتنة والحلم بعودة حكم عرفت فترته الإرهاب والاغتيال والغنيمة والسحل والرش والتغول في كل قطاعات البلاد خدمة للمنظومة وليس للشعب، وجوه السوء هذه لن يكون لها أي دور جديد غير الرغبة الجامحة في دمار البلاد والانتقام من الشعب واختياراته.

رابعا، تنقية الأجواء السياسية وذلك ببعث محكمة دستورية يقودها رجال وطنيون لا يؤمنون الا بالعدل والمصلحة الوطنية.

خامسا، لايعد تدخلا في القضاء متى ما كان هدف العفو عن عدد من المساجين الذين لا علاقة لهم بالارهاب أو المؤامرات او الفساد المالي أو الحق العام. ونظن ان شريحة من المساجين قد تستحق العفو الذي يدخل دستوريا ضمن صلاحيات رئيس الدولة.

خامسا، إننا إذ ننوه بجهود السلطة القائمة في عديد الميادين (النقل، الأمن، مقاومة الفساد، الطرقات، إعادة موارد البلاد مثل الفوسفات الذي تم تجميده طيلة العشرية)، فإن عددا من القطاعات يتطلب مزيدا من العناية مثل القطاع الصحي والقطاع الفلاحي، وبالمناسبة فإنه من غير المقبول أن لا يستجيب هذا القطاع الهام إلى ضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي.

كذلك لابدّ من مراجعة شاملة لقطاع التعليم وإدراج مادة السلوك الحضاري ومفهوم الوطنية وقدسية العمل ضمن برامجه للإسراع بغرس المقومات الاخلاقية والوطنية في أجيال تونس القادمة انطلاقا من رياض الأطفال إلى حدود الجامعات، لخلق مجتمع ناضج وليس فقاقيع من البؤر والكسل والاستقالة من الشأن الوطني.

أكمل القراءة

جور نار

من الشبّاك

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.

فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت على مسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.

كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها

ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.

إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا

ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…

ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها

المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز

نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.

أكمل القراءة

جور نار

وقت مستقطع… للحبّ!

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…

ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟

ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…

هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…

خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…

وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…

أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار