تابعنا على

جور نار

ورقات يتيم .. الورقة 91

نشرت

في

عبد الكريم قطاطة:

في هذه الورقة ساخصص محتواها للحديث عن جزء من تجربتي مع التلفزيون كمخرج ومنتج … وانا الذي وبكل صدق وامانة أعتبرها باهتة ومتواضعة جدا ولم تكن في حجم احلامي وطموحاتي …

عبد الكريم قطاطة

اذن كما اسلفت وبعد تسوية وضعيتي الادارية والاعتراف بديبلومي كمخرج… بدات وفي مطلع التسعينات اخطّط لنوعية البرامج التي اراها تتجاوب مع ميولي وقناعاتي … وكنت من الذين يعشقون جدا الاشرطة الوثائقية… وفعلا اقترحت على ادارة التلفزة انتاج واخراج مجموعة من الاشرطة الوثائقية تحمل كعنوان (شعاع من الجنوب)… وهي في رؤيتي تحقيقات تهتم بمناطق عديدة من جنوبنا اسلّط فيها الضوء على مناطق لم تزرها الكاميرا للنبش في واقعها المعيشي ومن زوايا متعددة… ووافقت ادارة التلفزة وشرعت في انتاج اوّل حلقة والتي سلطت فيها الضوء على قرية من قرى الجنوب التونسي… انها سيدي مخلوف بولاية مدنين…

كان التصوير ثم المونتاج في اواخر سبتمبر 91 والبث في اكتوبر 91 … وهاكم مقتطفات من تعليق جريدة الصباح حول هذه الحلقة في 21 اكتوبر 1991 تحت عنوان (اجتهاد من الجنوب) حيث كتب صاحب المقال (وبعيدا عن الثقافة و الجهل اريد ان احيّي باسمكم هذا العمل التليفزيوني المتميز حقا ..فهو كالقهوة اللذيذة او كمشموم فل او كالكتاب الجميل … التشبيه غير مهم… الاهم هذا العمل تراه فتتمنى لو انه يستمرّ اكثر او لو انه يعود او لو انه يصبح من ضيوفك الدائمين… هذه الكلمات البسيطة التي تشكّل وردة احب ان اقدمها الى المجتهد عبدالكريم قطاطة، الذي فتح لنا نافذة صغيرة راينا من خلالها بعض ما يجري فوق ارض الجنوب من كفاح ونضال وصراع مع المصاعب والاغراءات والاوهام والمشاكل التي لا تنتهي ..كان عنوان ما قدمه عبدالكريم قطاطة “شعاع من الجنوب”… وبالفعل كان حزمة من الضوء فيها الجمال والاجلال والاجتهاد والذوق … هكذا يكون العمل التليفزيوني او لا يكون، وهذا عمل تليفزيوني يستحق ان يجلس امامه التلامذة وهواة العمل التليفزيوني لعلّهم يتعلّمون على الاقلّ التواضع)

الى هنا ينتهي بعض ماجاء في تعليق جريدة الصباح حول اوّل حلقة من مشروع شعاع من الجنوب … هنالك جملة هامة جاءت في مقال الزميل حيث قال (هذا العمل تراه فتتمنى لو انه يستمرّ اكثر او لو انه يعود او لو انه يصبح من ضيوفك الدائمين)… انّها المفارقات والاقدار العجيبة حقا… لانّ الحلقة الاولى من مشروع (الشعاع) كانت بالفعل الاولى ولكنها كانت ايضا الاخيرة …اي نعم مرة اخرى هي لعبة الاقدار ..وهاكم التفاصيل:

بعد الحلقة الاولى شرعت في انجاز الحلقة الثانية من شعاع من الجنوب اخترت فيها كاطار (عمّال المناجم في المظيلّة) ..كان سيناريو الحلقة متابعة احد عمال المناجم (العم صالح) منذ قيامه باكرا الخامسة صباحا في عائلته… وتناول فطور صباحه ثم امتطاء دراجته النارية قاصدا المنجم… والعيش معه لحظة بلحظة طيلة ساعات يومه في المنجم و اخيرا العودة معه الى منزله للسهر معه والتعرف على تفاصيل أسرته … ايام التصوير خاصة داخل المنجم وحتى خارجها من افضل ما عشته طيلة حياتي… نعم وبشهادة الجميع عشنا اياما لا تنسى اكتشفنا فيها ليس فقط ذلك الجنوبي المناضل من اجل رزق أطفاله، بل ايضا صدقه وعمق رؤيته للحياة وللاحداث ..واكتشفنا ايضا ذواتنا ونحن نعتبر انفسنا نفهم اشياء كثيرة في تونسنا وفي الحياة عموما ..ولكن اكتشفنا انّ ما نجهله يفوق كثيرا ما نعرفه ..

نعم عم صالح علّمنا دروسا لا تُنسى لعلّ اهمها النضال الحقيقي من اجل اسعاد الاخر حتى ولو كنت يوميا معرّضا لخطر الموت المحدق بك واصحابك داخل المنجم .. نعم هذا ما احسته وعاشته كل عناصر فريق التصوير ونحن ندخل معه الداموس ..حوادث المناجم والتي تعني امكانية سقوط بعض زوايا المنجم كانت تعني الموت ..نعم عشنا يوم تصوير عمل عمّال المناجم من داخل المنجم، ما معنى ان يكون الانسان في كلّ لحظة على قاب قوسين من النهاية… وللامانة كم باركت يومها شجاعة كل افراد فريق التصوير الذين لم يترددوا لحظة واحدة في المغامرة والدخول بواسطة السكة المعلّقة الى اعماق المنجم …

بعد اتمام التصوير شرعت وزميلي التقني في المونتاح (رضا القلال) في عملية المونتاج والميكساج ..كنا نشتغل بشغف وحماس وحب… وكنا طوال العملية نعيش داخل جلباب العم صالح فيزداد عشقنا لهذا المناضل العظيم ..وانتهى التركيب ووقعت برمجة الحلقة على شاشة التليفزيون لليوم الموعود ..وكانت المؤسسة انذاك تحت اشراف رئيس مدير عام جديد، السيد عبدالحفيظ الهرقام ..ولكن ربّك اراد غير ذلك .. تلك الحلقة بُرمجت ليوم 16 جانفي 1991 .. وهو اليوم الذي اعلنت فيه امريكا وحلفاؤها حرب الخليج الثانية المسماة بعاصفة الصحراء ..والتي ابتدات فجر ذلك اليوم… ومواكبة لذلك الحدث وهذا منطقيّ جدّا قامت ادارة التلفزة يومها بتغييرات جذرية على برمجتها ومثلها حدث في كلّ الاذاعات ..و بالمناسبة لابدّ من الاشادة بتميّز اذاعة صفاقس في مواكبتها للحدث بشكل مثالي حتى انّ بعض الاذاعات العربية وقتها اتخذتها مصدرا موثوقا به وبكلّ ما تقدمه انذاك مصلحة اخبارها ..تحية لكافة الزملاء في تلك المصلحة وتحية خاصة للكبير سي عبدالمجيد شعبان .. اذن اعتبركم تفطنتم الان إلى عدم بث شعاع من الجنوب في حلقته الثانية الخاصة بعمال المناجم وتاجيله لموعد لاحق …

انتهت اوزار الحرب وتحادثت مع المرحوم محمد عبدالكافي حول مواصلة انتاج حلقات اخرى من عدمها من (شعاع من الجنوب) وكان موقفه (وعلاش لا ؟؟ نواصلو) … واخترت موضوع الحلقة الثالثة حول (قابس والتلوّث)… ومدينة قابس انذاك تعتبر اكثر مدينة اجتاحها التلوث في البلاد بفعل المركب الكيميائي بغنوش، والذي اضرّ بالبشر والمياه والشجر .والحجر .. وفعلا قمنا بالتصوير لمدة ايام ثم المونتاج ثمّ وقع عرض العمل على لجنة الرقابة في التلفزة بالعاصمة (وهي تصير تاكزة من غير فحمة ؟؟)… وللامانة ايضا لجان المراقبة موجودة في كلّ تلفزات العالم دون استثناء… وردوا بالكم تصدقوا ما يقوله الغرب خاصة عن حرية التعبير ..انهم يكذبون ويعرفون انهم يكذبون ويعرفون انّ البعض منا يعرف انهم يكذبون ..وابدت اللجنة موافقتها شريطة ان تقع تدخيلات على الشريط حتى يقلل من سواد محتواه وقتامته وذلك بادماج بعض اللوحات الايجابية من تطوّر ونموّ في مدينة قابس .. وعلى مضض قبلت بالمقترح وعدنا لقابس لتصوير بعض ما طُلب منّي دون اشادة بزمن التغيير ومزاياه .. وقمت باعادة المونتاج…

وللامانة ما اضفته من لوحات ايجابية لم يتجاوز الخمسة في المائة من مدة ولون الشريط الذي وصفوه بالقاتم … والنتيجة انه وقع قبر الشريط الخاص بقابس ..بل لم تقف عملية القبر هذه لتلك الحلقة الخاصة بقابس فقط، بل وبكلّ الم الدنيا وقع قبر حلقة المناجم بالمظيلة وقُبر مشروع (شعاع من الجنوب) برمّته دون ايّ تفسير .._ يخخي شكونو ولد قطاطة باش نفسرولو ..تي يشرب والا يطيّر قرنو .. هكذا بدات علاقتي مع التلفزة التونسية كمنتج وكمخرج ولكن ليس معنى هذا انها انتهت .. ابدا ..لكن الذي انتهى اليوم هو الورقة 91…

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

جور نار

مؤتمر اتحاد الشغل: لخدمة العمّال… لا لمصلحة زيد أو عمرو

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.

وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان من الضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.

إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.

غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.

واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.

فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.

و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.

لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها

والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.

أكمل القراءة

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار