تابعنا على

جور نار

وكالات الأسفار العالمية تُفاوضنا على سعر الليلة المقضّاة … بثمن قهوة في باريس !

نشرت

في

كان لي حديثٌ مؤخرا مع أحد الرياديين التونسيين في المجال السياحي الذي أكّد لي أن وكالات الأسفار العالمية بصدد مفاوضة أصحاب النزل التونسية بشأن سعر الليلة المقضّاة في بلادنا التي لا يجب أن تتجاوز  16 يورو حسب تقديرها. ..

منصف الخميري Moncef Khemiri
<strong>منصف الخميري<strong>

نعم حوالي 50 دينارا لا أكثر… مقابل 3 وجبات أكل مُدعّمة (من عِظام التونسيين) ببيضها ولحمها وشوائها وشرابها ومائها وغلالها، ولِقاء مسابحها المكشوفة منها  والمغطاة، وبحرها وشمسها ومساحاتها التنشيطية وغرفها التي لا يجب أن ترقى إليها أدنى الشبهات على مستوى رفاه النوم ونظافة الأغطية والخدمات المنقولة في أية ساعة من ساعات الليل …وعاملين يُطلب منهم الابتسامة الموزونة الدائمة والعناية المسترسلة وإجادة التواصل بكل لغات العالم.

وإن هذا الوضع غير الطبيعي ليطرح جملة من الأسئلة المحيّرة والمُلحّة التي من المفروض أن تجيب عنها الدولة ووزارة السياحة والقائمون عليها بشكل خاص، منها :

ألا تندرج مثل هذه السلوكات والسياسات الأجنبية المتعجرفة في سياق انتهاك سيادتنا الوطنية والإمعان في استغلال ثرواتنا الوطنية دون أدنى مقابل تقريبا … بما يفرض إعادة النظر بشكل عاجل وعميق في سياساتنا المتّبعة في المجال ووضع جملة من المحاذير والضوابط الصارمة، في علاقة بأسعار البيع التي يتعيّن الالتزام بها وعدم النزول تحتها … مهما كان حجم المنافسة العالمية وحاجة تونس إلى مجلوبات ضخمة من العملة الصعبة ؟

تقول الاحصائيات الرسمية للحكومة التونسية لسنة 2019 أن معدل استهلاك “السرير السياحي في اليوم الواحد” من الماء الصالح للشراب لا يقلّ عن 611 لترا . والحال أنه يكفي بين 150 و 200 لتر فقط لتعبئة حوض الاستحمام، ففي فرنسا على سبيل المثال لا يتجاوز معدل الاستهلاك  148 لترا  في اليوم الواحد لكل مواطن (إحصائيات 2012) وفي انكلترا 149 لترا (إحصائيات 2018)، فأين تذهب بقية الماء المهدور ؟

كيف نسمح بكل هذا الهدر المُدمّر للبيئة وأخلاق المحافظة عليها في وقت تعلن فيه الحكومة حالة الجفاف كجائحة طبيعية وجب التصدي لها، من خلال اتخاذ إجراءات تقشفيّة وابتداع حوْكمة جديدة للتصرف في نُدرة المياه وانحباس الأمطار وعدم امتلاء السّدود، وعدم الانتهاء بعدُ من تشييد محطات التّحلية المبرمجة في المجال ؟

إن فلاحتنا أجدر بهذه المياه النادرة من سياحة لا نجني منها شيئا تقريبا وإن السائح الأجنبي ليس أقرب إلى قلوبنا من فلاحينا الذين أُجبروا على ترك أراضيهم بورًا هذه السنة أمام شحّة مياه الريّ … ولا ملاليمُهُ أكثر فائدة علينا من حاجاتنا إلى خُضرٍ أشاحت بوجهها الطازج عنّا، وغلالٍ متهالكة وشاحبة لكنها تجرؤ على تحدّي جيوبنا الأكثر شحوبا وثقوبا. 

تونس ثمنها غال لأن الهواء فيها دواء والماء في تجاويفها شفاء !

لو حاولنا اختزال الوِجهة التونسية وتقشيرها كما هي في ذهن عدد غير قليل من السيّاح الأجانب لاكتشفنا أن الصورة المنمّطة في مخيّلتهم لا تتجاوز رُقعة أرض مجهريّة تُطلّ على جنوب أوروبا وتترأس القارة الإفريقية، تؤثّثها بعض الكُثبان الرمليّة الصالحة لممارسة رياضة الكْواد، والكثير من الشواطئ والمسابح المحجوزة والمؤمّنة جيدا كأنها أملاك عائلية وخاصة لا يتطلب السّفر إليها لا جوازا ولا تلاقيح ولا إجراءات خاصة ولا أموالا طائلة.

والمعضلة أن هذه الصورة الدّونيّة البائسة حول تونس لم تشتغل دولتنا بما فيه الكفاية والحِرفيّة على وأدِها، لفائدة صورة جديدة تقوم على تثمين ما تتجمّل به بلادنا من عناصر ثقافية وتراثية ومعمارية ومناخية وتاريخية نادرا جدا ما تجتمع في بلد واحد. وهو تشكيل زُخرفي متفرّد يجب أن يستحضره جيدا السائح “المتعالي” قبل اتخاذ قراره بزيارة واحدة من أكثر البلدان عراقة وثراءً في كامل حوض البحر الأبيض المتوسط، وبالتالي فإن الفضل يعود إلينا أولا كوننا فتحنا أبواب خزائن تاريخنا أمام الناظرين لا إلى جحافل جاهلة بتاريخنا بل ومحتقرة له في بعض الأحيان. وهو أمر طبيعي إلى حدّ ما لأنهم :

لا يعرفون أنه من المفروض ألاّ تطأ أقدامهم مدينة قرطاج ومتحفها وآثارها إلا بعد دفع ثمن يليق يمنزلة هذا الموقع (الذي يفوق في قيمته التاريخية وتفرّده أكبر المتاحف في العالم كالبرادو في مدريد أو اللوفر في باريس أو المتحف البريطاني في لندن) كونه سليل حضارة افترشت كامل المتوسّط مهدا لها وكانت رائدة في صناعة السفن وكانت مأهولة في أوج تطورها بما لا يقل عن 700 ألف ساكن حسب المؤرخ اليوناني سترابون لمّا كانت البلدان التي يأتي منها هؤلاء السيّاح مازالت لم تُكتشف بعدُ.

ولأنهم لم يقرؤوا أن أجمل لوحات الفسيفساء في العالم، نحن نؤويها وأن أرقى أنواع الرّخام، بلادنا تحويها.

ولأنهم لم يتعلّموا أن مدينة “غراس” الفرنسية المتخصصة في صناعة أجود أنواع العطور تعرف جيدا من أين تتزود بمستخلصات النيرولي (الزيت المستخرج من زهر الأرانج) والياسمين والفل وشتى أنواع الورود.

ولأن وكالات الأسفار وسائر منصّات الويب لا تجرؤ على تقديم حنبعل على أنه قائد تونسيّ تجرّأ على اعتلاء جبال الألب لترتعد فرائص روما أمام فيلته وجنوده الثمانين ألفا … مكتفية بالقول إنه قائد قرطاجني عُرف بخدعه العسكرية.

ولأنهم يتناسون أن كوليزيه الجم مسجل كتراث عالمي قبل كوليزيه روما وهو الوحيد في العالم  المبني بكامله من الحجارة المصقولة من الداخل والخارج، وأن رخام شمتو المحاذية لبيلاريجيا يُزيّن ما يتباهى به الطّلاين في روما.

ولأننا باختصار جعلناهم يجهلون أن المعالم التقليدية البارزة التي يزورونها لِمامًا خلال بعض السّويعات مثل متحف باردو وأسواق المدينة العتيقة وشط الجريد ووديان تامغزة وركوب الجمال في صحراء دوز… ليست سوى الجزء البارز من جبل الجليد التونسي المكتنز ثراءً وعمقًا ووهجًا لا ينطفئ.

السائح التونسي والجزائري… مثل “لحمة الكرومة”

على النحو الذي يشتري به السائح الأجنبي لياليه المقضّاة في تونس، من الواضح أن السائح المحلي يدفع بالدينار التونسي أو الجزائري أضعاف ما يُنفقه نظيره الفرنسي أو الرّوسي ومقابل خدمات مُثخنة بالأفكار المسبقة والنظرة الاستعلائية التي تضع دائما السائح القادم من وراء البحار في منزلة أعلى حتى وإن دفع ثمنا أدنى (ملاحظة : السائح الأجنبي لا يدفع مليما أبيض واحدا كإكراميّة لأي واحد من جيش العاملين الموضوعين على ذمّته). ويحاول بعض “السياحيّين” تبرير هذا التّفضيل بكون السياح المحليين يكونون في الغالب مرفوقين بأطفال صغار يُحدثون هرجًا ومرجًا داخل فضاءات النزل وأن السائح العربي بصورة عامة ميّال إلى التّبذير  ومُسرفٌ في تكديس الأكل على طاولته مدفوعة الثمن عاليا.   وعليه، يجدر بنا اليوم – والحال كما هو – تمتيع السائح المحلي بنوع من الاستثناء “الوطني” يُجيز له مساحة ولو ضئيلة من الاستجمام بأسعار تفاضلية وتسهيلات مختلفة تتعهّد بها المنظمات الاجتماعية والهيئات المختلفة كما هو معمول به بلدان مجاورة.

الدولة بوسعها تماما فرض استجلاب كامل الأموال المدفوعة في الخارج

الجميع يعرف الآن أن أقساطا كبيرة من الأموال التي يدفعها السياح الأجانب إلى وكالات الأسفار في الخارج لا تدخل البلاد وبالتالي لا يستفيد منها اقتصادنا الوطني بقدر ما يستفيد منها أصحاب النزل وعائلاتهم في تجوالهم وترحالهم وتسوّقهم في عواصم العالم…وفي ذلك هدر كبير للعملة الصعبة وتهريب “مقنّع” لأموال كم نحن في حاجة إليها حتى وإن ضُخّت في حسابات المستفيدين المباشرين أي أصحاب النزل والمؤسسات السياحية المختلفة.

ملاحظة أخيرة نسوقها في سياق تفعيل حقيقي للذود عن سيادة بلادنا: إن طوابير الاهانة والإذلال التي تمارسها بعض سفارات الدول الأجنبية على الراغبين في السفر من التونسيين لأجل الحصول على تأشيرة، يحقّ أن تردّ عليها دولتنا بفرض تأشيرات دخول على مواطنيها الراغبين في زيارة بلادنا في إطار المعاملة بالمِثل والعمل بالمَثَل الشعبي “فين تحطّ نفسك تصيبها”.

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

جور نار

مؤتمر اتحاد الشغل: لخدمة العمّال… لا لمصلحة زيد أو عمرو

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.

وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان من الضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.

إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.

غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.

واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.

فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.

و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.

لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها

والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.

أكمل القراءة

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

صن نار