لم يكن كوفيد 19، مُجرّد قوس عابر أو فاصلة بسيطة في حياة البشرية، لأنه غيّرها بشكل عميق ونهائي إلى حدّ اعتبره الكثيرون بوّابة أو معبرا بين عالم كان قائما وعالم جديد، بدأت تتشكّل ملامحه.
<strong>منصف الخميري<strong>
حصد الكوفيد إلى غاية 11 فيفري 2022 حوالي 27000 شخصا من التونسيين و6 ملايين من البشر في العالم (أي ما يعادل عُشر ضحايا الحرب العالمية الثانية)، بما يُفيد بأنه سيكون عنوانا بارزا في سجلآّت التاريخ مثله مثل أوبئة الكوليرا والطاعون وأزمة 1929 والحرب الباردة …
ومن حسن حظ الانسانية اليوم أنه تمّ لجْمُ الفيروس بشكل كبير وقريبا يُصنّف ضمن كبرى الأوبئة الأكثر فَتْكًا في التاريخ، ولكن لا تنسوا:
أنّه كان لنا أحبّة وأهل فقدناهم وأعزّاء فارقناهم ولم تُتح لنا حتى فرصة توديعهم بما يليق بمكانتهم في قلوبنا وعذب عبورهم على جسر حياتنا. نترحّم عليهم ونتذكّرهم ونستعيد شَهْد كلامهم ووهج حضورهم بيننا وكميات الفرح العارم التي كانوا ينشرونها بيننا وصُلب عائلاتهم. و كانوا في رحيلهم المُبكّر كأنّهم يوصوننا حبّا بالنّاجين منّا ويناشدوننا بتذكّر أن ساعة الرحيل الأبدي أقرب من نيْل بعض الفُتات البائس واليابس على مائدة الجشع والطمع ونهم الكلاب.
وأنه تبيّن خلال أزمة الكوفيد بشكل ساطع أن الصحة العمومية قطاع أودعنا فيه حياتنا ولا خيار أمامنا سوى إعادة النظر في إعادة هيكلته وتمويله وحوْكمته وجعله على مدى عشرية واحدة، واحدا من القطاعات التي تستجيب كُليّا لحاجيات التونسيين وانتظاراتهم. ولا بد من القول هنا إن المنظومة الصحية القوية وجوْدة خدماتها في البلدان الأوروبية والعالم المتطور هي التي ساهمت في كبح جِماح كورونا وإنقاذ البشرية. من ناحية أخرى، لنا في تونس أنموذج نجاح باهر للصحة العمومية يتمثل في مستوى الخدمات الطبية بالمستشفى العسكري وأقسام عديدة في المستشفيات العمومية الأخرى… وأن العقلية والكفاءات البشرية التي بنت هذه التجارب الناجحة قادرة تماما على بنائها وتعميمها في كل أرجاء البلد.
وأن الذي حسم هذه المعركة الضّارية ضد الكوفيد في النهاية كان العلم والطب واللقاح وليس التضرّع والتشفّع والابتهال. وعليه، نحن مدعوّون كعرب للتوقّف عن حشر الشعوذات المتلحّفة بالدين في مواجهة ما هو من مشمولات البحث العلمي والمخابر ومُنتجات العقل المتحرر من الخرافة.
وأن السيادة الوطنية ليست مالية واقتصادية وحُدوديّة فحسب وإنما هي اكتفاء ذاتي طبي وأدواتي وغذائي … وبالتالي هي سيادة شاملة أو لا تكون. وفي سياق الحرب الدائرة رحاها في أوكرانيا اليوم، باستطاعة سهول الفحص وباجة وبوسالم والكريب لوحدها أن تفي بحاجياتنا من القمح والسّميد دون الارتجاف خيفة من انعكاسات الحرب على معاشنا وعشائنا.
وأن أطباءنا وممرّضينا ساهموا بفضل مهارتهم في إنقاذ البشرية في إيطاليا وفرنسا وألمانيا وغيرها من البلدان في العالم، وهي مَأثرة تُحسب لأبناء مدرستنا وجامعاتنا التونسية العريقة.
وأن التعليم والتكوين والعمل عن بُعد… قدر مُحتّم لأن الكوفيد أعطانا طَعْما قبْليّا لما سيحدث في العالم خلال السنوات القادمة، فأصبحنا نتشوّف ملامح عصر تُسدى فيه الدروس عن بُعد وتُقدّم فيه الخدمات افتراضيا وتُنجز فيه الأعمال من البيوت وتُختزل فيه مباني الإدارات الضخمة لتؤول إلى مجرد روابط وقواعد وبوّابات رقمية على أجهزة الهواتف واللوحات الذكيّة. وهذا أمر يتطلب منّا استعدادا وتأهيلا وتخطيطا على أعلى المستويات.
وأنّه على الجامعة التونسية أن تستفيد من تجربة الكوفيد في مجال هندسة التكوين وتصميم مضامين البرامج وبناء التصورات للمستقبل، أمام انهيار قطاعات تقليدية وصعود قطاعات أخرى استطاعت التأقلم بسرعة وتحقيق أرقام خيالية (التطبيقات الرقمية، المنصات التعليمية، السلامة المعلوماتية، الطب عن بعد وخدمات التوزيع والتوصيل … وكل الأشكال الجديدة من العمل والمناويل التجارية المعتمدة على التكنولوجيات الحديثة التي تضع مسدي الخدمات والحريف في علاقة حينيّة مُبتكرة).
وأن جواز السفر لم يعد سيّد عناوين العبور كما بالأمس، فأصبح ينافسه اليوم جواز التلقيح وغدا ربما جوازات أخرى لغوية ورقمية وثقافية وفكرية مثل إتقان لغة معينة أو عدم تبني أفكار ما (داعش مارست الجواز الديني حين كان جنودها يطلبون من العابرين تلاوة آيات من الذكر الحكيم للتأكّد من سلامة تديّنهم !).
وأن اللغة كائن حي يتطور وينمو ويتغير مع تغير أحوال الناس. فقد أتى الفيروس حاملا قاموسا جديدا تؤثّثه الكمّامات والتباعد وجواز التلقيح وجرعات اللقاح وتعزيز الدفاعات المناعيّة والمطهّر الكحولي والحجر الصحي ورفع الحجر و”الأربعطاشية” quatorzaine بدلا من الأربعينية والإصابة دون أعراض والــ PCR…(يُتوقّع أن يشهد القاموس الفرنسي دخول 170 كلمة جديدة ذات علاقة بالكوفيد في طبعة 2022) إضافة إلى العمل والتسوّق عن بُعد وأشكال جديدة من إلقاء التحية في إطار التعويض عن فقدان عادة اللّمس والاتصال الجسدي التي تربّت عليها الانسانية على امتداد آلاف السّنين.
وأن التوازنات الحالية هشة جدا، فيكفي انتشار فيروس مجهري حتى تنتهي الحياة الاجتماعية بشكلها الحالي من على وجه الأرض بسياراتها وطرقاتها ومطاعمها ومدارسها وفضاءاتها العامة وأعمدة دخان مصانعها.
وأن الحب والودّ تراجعا إلى أدنى درجاتهما الطبيعية في ظل التباعد والانتفاء الجسدي وأصبح لفظيا وشفويا و”مْسيكن اللي ما يعرفش يعبّر عن بُعد، مْشى حنّة !” … وكذلك الموت الذي جُرّد من قداسته المألوفة فأضحى مجرّد وداع صامت تمارسه العيون والقلوب بحُرقة داخلية هادئة دون رتوش أو ولوَلات مفتعلة وتَدافعٍ نصفُه نفاق ورياء.
وأن العائلة هي الخليّة الأصلب، وأن التعويل على الذات هو الأبقى، وأن المصالحة مع الأرض والطبيعة هي الحصن النهائي، وأنه لا بد من إعادة ابتكار “المدينة” التي دجّنت متساكنيها وأردتهم مستهلكين سلبيين لسلع بائدة ومعروضات ليس بها فائدة.
وأن قواعد حفظ الصحة أصبحت لها مكانة أكبر في عادات الناس اليومية مثل الانتباه إلى العطس والبصاق والتسليم الزائد عن اللزوم ونظافة اليدين وتهوئة الفضاءات الخاصة والعامة واجتناب “التڨجڨيج والتلوصيق والتحكحيك” في الطوابير والمحلات المغلقة والضيقة…
وفي النهاية، لا تنسوا أيضا أن مرحلة الكوفيد أكّدت حُلول عصر “الكلّ الرقمي” والإنسان الرقمي والمستهلك المُرقمن والمؤثّر الفلّوري (الباحث(ة) عن المتابعين followers )، عصر أتاح مساحات شاسعة أمام التأثيرات الصدريّة وأسراب الطُّهاة والباعة المتجولين عبر القنوات والسّاسة العاملين كتيّاسة وباعة البخور ومقتضيات السّحور… على حساب الأفكار الكبيرة والمرتفعات الذهنية المُثيرة.
دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.
وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان منالضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.
إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.
غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.
واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.
فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.
و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.
لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها
والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.
في الفترة ما بين 2004 و 2010 لم تكن الاحداث التي عشتها كمّيا كثيرة وها انا امرّ على ابرزها لاخلص بعدها لقهرة الربيع العبري…
عودة لسنة 2004… في اواسط تلك السنة بدأت رحلة تعاقدي مع جامعة صفاقس كخبير مدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا… صاحب المقترح هو مدير معهد الملتيميديا انذاك الزميل والصديق “عبدالحميد بن حمادو” الذي أعرفه منذ درسنا معا في تعليمنا الثانوي بمعهد الحيّ… سي عبدالمجيد فكّر في انشاء مادّة للعلوم السمعية البصرية ببرامج بعض شعب المعهد…تحادث في الموضوع مع زميلي الكاميرامان انذك مفيد الزواغي فأشار عليه بالاتصال بي وكان ذلك… وانطلقت مسيرتي كمدرّس لهذه المادة لمدة عشر سنوات بعد ان طلبت ترخيصا في الامر من رئاسة مؤسسة الاذاعة والتلفزة وتحصلت عليه، شرط ان لا يؤثّر ذلك على واجباتي المهنية… ومنين يا حسرة ؟
في وحدة الانتاج التلفزي كنا نعيش البطالة الدائمة ونتقاضى على ذلك رواتبنا ومنح الانتاج ايضا… وكان كلّما عُيّن مسؤول جهوي أو وطني جديد، قام بزيارة اذاعة صفاقس للتعرّف على احوالها وطبيعيّ جدا ان يزوروا وحدة الانتاج التلفزي… وكنت مطالبا كرئيس مصلحة الانتاج ان استقبلهم وان اقدّم لهم بسطة عن الوحدة وعن انتاجها… وكنت دائما اردّد نفس الاسطوانة التي كم اقلقت المديرين الذين تعاقبوا على رأس اذاعة صفاقس… كنت اقول لضيوفنا الاعزاء (اعني المسهولين): وحدة الانتاج التلفزي فيها كلّ شيء الا الانتاج، وبقية التفاصيل تأتيكم من مديري!…
مقابل ذلك كانت علاقاتي مع منظوريّ في مصلحة الانتاج التلفزي على غاية من الودّ والاحترام … بل ذهب بي الامر الى إعلامهم انه بامكان ايّ منهم ان يتغيّب لكن عليه يكتب لي مطلبا مُسبقا لرخصة غياب دون ذكر التاريخ، احتفظ به عندي حتى يكون وثيقة استظهر بها اداريّا كلّما اقتضى الامر وذلك لحمايتهم وحماية نفسي… وفلسفتي في ذلك تتمثّل في الآتي: مالفائدة في حضور موظفين لا شغل لهم ؟ خاصة انّ بعضهم يقطن عشرات الكيلومترات بعيدا عن صفاقس المدينة… ثمّ اليس واردا للموظّف الذي لا شغل له أن يصبح شغله الشاغل احداث المشاكل مع زملائه ؟ اذن مخزن مغلوق ولا كرية مشومة… لكن في المقابل واذا اقتضت مصلحة الوحدة ان يعملوا 16 و 18 ساعة ما يقولوش (احّيت)…
تلك العلاقة التي وضعت اسسها بيننا كرئيس ومرؤوسين رأيت عمقها يوم مغادرة الوحدة للتقاعد… يومها أحاط بي زملائي ورفضوا رفضا قاطعا ان اكون انا من يحمل بنفسه وثائقه وكلّ ماهو ملكه الخاص الى منزله… وحملوها عني جميعا وبكلّ سعادة مخضّبة بدموع العشرة… والله يشهد اني وطيلة حياتي كمسؤول سواء اذاعيا او تلفزيا لم اقم يوما باستجواب كتابي لايّ كان… ولم اخصم لايّ كان من اعدادهم في منحة الانتاج وفي الاعداد المهنيّة…
اذن وعودة الى علاقتي بجامعة صفاقس كمدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا ثم بعده بسنتين بمدرسة الفنون والحرف، حاولت ان اعطي دون كلل لطلبتي… كنت قاسيا معهم نعم… ولكن كان ذلك بحبّ لا يوصف… وبادلوني نفس الحب ان لم تكن دوزته اكبر … كنت الاستاذ والاب والاخ والصديق و كنت ايضا صدرا اتّسع حتى لاسرارهم الخاصة… رغم اني كنت ايضا بوليسا في امور الانضباط وتقديس العلم… وطلبتي الذين هم في جلّهم اصبحوا اصدقاء بفضل الفيسبوك شاهدون عليّ… ولعلّ من الاوسمة التي افتخر بها ما حصل في نهاية السنة الجامعية سنة 2012…
إذ ككلّ نهاية سنة جامعية يقع توزيع شهائد وجوائز للطلبة المتفوقين في جميع السنوات… وفي اخر القائمة سمعت من منشط الحفل يذقول: (الان الجائزة الاخيرة في هذا الحفل وادعو الاستاذ عبدالكريم قطاطة لتسلّمها)… فوجئت حقا بالاعلان… وكانت لوحة رُسمت عليها زيتونة وكُتب فيها (شهادة تكريم للاستاذ عبدالكريم قطاطة نظرا إلى عطائه الغزير لطلبة المعهد)… واعذروني على اعادة جملة تُريحني كلما ذكرتها وهي… “وبعد يجي واحد مقربع ويقلك شكونو هو عبدالكريم اش يحسايب روحو ؟؟” … بل تصوروا انّ زميلة من اذاعة صفاقس بعد حادثة ذلك الفيديو المنحوس حول من هم اعلام العار في نظري سنة 2012 (رغم انّي صححت فيما بعد ماجاء فيه ووضحت انّي لم اعمم وختمت بالاعتذار .. لكن وقت البعض يبدا يستناك في الدورة مهما وضحت وكتبت واعتذرت يكون موقفه”قاتلك قاتلك”)… تلك الزميلة ذهبت الى ادارة مدرسة الفنون الجميلة وطلبت منها فسخ عقدي معهم لاني لا اشرّفهم… وضحكوا منها وقالوا لها فيما قالوا: هاكة موش فقط استاذ الطلبة، سي عبدالكريم استاذنا وشرف لنا ان نكون تلاميذه… ورجعت المسكينة الى منزلها خائبة مذهولة مهمومة وغبينتها غبينة، المغبونة… وانا مسامحها…
قضيت 10 سنوات بمعهديْ الملتيميديا ومدرسة الفنون الجميلة وحتما ساعود الى اشياء عديدة حدثت فيها خاصة بعد قهرة جانفي 2011…
الحدث الاخير سنة 2004 كان دون جدال كُرويّا… تتذكّرو نوفمبر 2004 ..؟؟ وبالتحديد يوم 20 منه ؟؟ تتذكّروا هاكي التشكليطة السافيّة ؟ تتذكّرو زوبا وهو يمشكي في ملاعبية المكشّخة واحد بعد واحد ؟ تتذكّروا كيفاش علّق تيزييه في سقف الملعب ؟؟ انّه نهائي الكأس الشهير… وانه يوم سقوط امبراطورية فرعون الكرة ولد شيبيوب… وانا نعرف انو بعض المكشخّين ماشين عاد يسرسطو ماجاء من سور في كتابهم .. عن بطولاتهم .. عن القابهم وتونس بكلّها تعرف عن محصولهم في الشمبيونزليغ وطبعا ماشين يذكروني بهدف بوتريكة ويختمو بـ (ما تكلموناش احنا ماشين لكاس العالم في امريكا).. لاصدقائي المكشّخين الباهين فيهم وهم قلّة لانّ اغلبهم لا يورّيك ولا يفاجيك .. فقط لاصدقائي نحب نسألكم سؤال وحيد ..توة هدف زبير السافي في هاكي الفينال موش سميّح موش شيء يعمل 5555 كيف؟
موش تقول الواحد صيفا يبدا في يدو مشموم ياسمين وطاولة معبّية بالبطيخ والدلاع والهندي وما ننساوش الفقوس .. وهي تصير كورة من غير فقوس ؟…ويعاود يتفرّج عليه ويعشق العزف متاع زوبا ورقصتو كيف انتوني كوين في زوربا اليوناني ؟ وفي الشتاء يبدا قاعد تحت كوسالة وكاس تاي منعنع ويعاود يتفرّج على زوبا وهو يعزف اشي الحبّ كلّو واشي انت عمري .. واشي انساك ده كلام ويختمها ب ميا موري … نعرف اصدقائي المكشخين الباهيين يعرفوني بليد وماسط وخايب وقت نحكي على مكشختهم ..اما يدبّرو روسهم قلتلهم حبّوني؟… واذا حبوك ارتاح والله… دعوني الان اسرّ لكم بما لا يعرفه اغلب محبّي الفريقين حول ذلك النهائي… واصدقائي ومهما كانت الوان فرقهم يعرفون جيّدا انّي صادق في ما اقول والله شاهد على صدقي…
قبل خوض النهائي كان لنا لاعب معاقب (وسام العابدي)… ولد شيبوب كلّم هاتفيا انذاك احد مسؤولي النادي وقللو نقترح عليك اقتراح لفائدة الزوز جمعيات… قللو نسمع فيك هات… قللو تهبّط وسام يلعب الطرح وانا نقول للملاعبية يسيّبوا الطرح… تربح انت وتعمل شيخة انت وجمهورك وانا نعمل احتراز عليكم وناخذ الكاس… طبعا المسؤول رفض وبشدّة… ولد شيبوب قللو راك ماشي تهبط من غير قلب دفاعك وسام… تعرف اش معناها ؟ معناها ماشي انييييييييييي………… بزوز .. المسؤول ظهر حتى هو قبيّح وقللو .. انا منيش مهبّط وسام واحنا اللي ماشي انننننننننني ……… بزوز … وكلمة عليها ملك وكلمة عليها شيطان ..ولكم ان تعمّروا الفراغ وتربطوا بسهم … لكم حرية التعليق مهما كانت الوان فرقكم لكن مع ضوابط الاحترام …السبّ والشتم والكلام البذيء لا مكان لها في صفحتي! …