لأن السياسة في تونسنا اليوم أصبحت هي الحياة… هي الاقتصاد…وهي قطعة اللحم التي نأكل و بعضنا يحلم بها و لا يأكل…و قطعة الخبز التي نتعب لنلقاها…و بعضنا لا يلقاها…و هي أيضا كأس الحليب الذي قد نجده و قد يغيب عنا لأيام…و بعضنا يحلم برؤياه…السياسة هي أين ننام أيضا…و أين نعمل…و الآلاف منّا قد تموت و لن تعمل…السياسة هي ما نتعلمه و ما نعلمه لأبنائنا…السياسة هي العمل و هي الأجر عن كل عمل نأتيه….السياسة هي الدواء وهي العلاج…وهي أيضا الموت الذي يبعدنا عمن نحبّ…و من نكره أيضا…و هي أيضا كلفة هذا… و ثمن ذاك…
محمد الأطرش
السياسة هي السكن… و هي النقل…و هي أيضا وسيلة النقل…و كلفته…و هي أيضا وسائل التسخين و التبريد و وسائل الإضاءة و الكهرباء…و كلفتها….و السياسة هي أيضا كيف ألقاك و كيف تلقاني…هي علاقاتنا مع هذا و ذاك…ومع الآخر….مع الجار و من يسكن جانب الجار و جار الجار…السياسة هي كيف نتعايش جميعا دون أن يقصي هذا الآخر…و دون أن يحقد الآخر على هذا… وهذا على الآخر…السياسة اليوم ليست مجرّد إعلان عن تأسيس حزب أو حركة…و السياسة ليست مجرّد وضع مؤخرة لا تملك القدرة على خفض الاحتباس الحراري على كرسي وثير…و السياسة ليست فقط معارضة عمياء لا تعرف ما يجب …و ما لا يجب…وليست على يقين مما تريد و ما لا تريد….السياسة ليست فقط الأحزاب و الحركات والكراسي و السيارات…وليست ما تفعلون أنتم اليوم سادتي سكان قصور الحكم…
سادتي سكان القصور الثلاثة…
تونسنا اليوم سفينة تغرق …و قد تغرق و يغرق جميعنا معها…اليوم اختلط الحابل وبالنابل…كما يختلط الكركم بالتابل في أغلب أكلاتنا…اختلط الغبي و الأحمق بالذكي….اختلط الساذج بالفطن…اختلط الوطني بالخائن…اختلط الجاهل بالعالم….اختلط الفاسد بغير الفاسد…فمن أراد اليوم منصبا أسس حزبا …و من أراد اليوم شهرة أسس حزبا …و من أراد اليوم مكانة مرموقة و حاجبا يمسح حذاءه و مومسا تلعق ذيله أسس حزبا …و من أراد تصفية حساباته مع أعدائه أسس حزبا…و من أراد تبييض الأموال أسس حزبا…و من أراد إرضاء عشيقته نكاية في زوجته التي تركته أسس حزبا…فهل بهؤلاء ننقذ وطنا يغرق…هل بهذه التشكيلات ننقذ وطنا نخرت جسده الأحقاد…
أتدرون سادتي سكان القصور الثلاثة… أننا فعلا نغرق و لا أمل في نجاتنا إن لم نراجع جميع أو بعض حساباتنا…
أتدرون سادتي سكان القصور الثلاثة...أننا نقاوم الفساد و أسسنا له هيئة وطنية… و نقاوم الإرهاب و بعثنا من أجله قطبا…و نكافح الجريمة و وظفنا من أجلها فرقا و رجالات…
أتدرون سادتي سكان القصور الثلاثة…أننا قررنا أياما لمقاومة سرطان الثدي …و الأمراض المزمنة و الخطيرة…و قررنا أياما لمقاومة “الكلاب السائبة” و ما أكثرها اليوم…و أعلنا حملة للحدّ من داء الكلب…
أتدرون سادتي سكان القصور الثلاثة…أننا فعلنا كل ذلك و أسسنا و بعثنا كل هيئات المقاومة والمكافحة و نسينا أخطر أعداء الأمة و الوطن….تركناه يرتع …و يجوب الديار …تركناه يستوطن العقول والقلوب…و لم نحرّك ساكنا…أتدرون من يكون عدوّ الأمة الأخطر أم لا تدرون؟؟ …
سادتي سكان القصور الثلاثة…هل تدرون من وجب إصدار بطاقة جلب فيه…و بطاقة إيداع فيه…و تحجير السفر عنه؟؟..أتدرون أم لم يعلموكم بمن يكون…أم لا تدرون؟؟…ألم تقرؤوا برقية التفتيش التي أصدرها هذا الشعب في حقّ أخطر المجرمين ودعاة التخريب…هل سمعتم بــ”آفة الحقد”…الحقد هو من أوصلنا اليوم إلى ما نحن فيه…فلن تنفع مجالس حكومتنا الوزارية…و لا مخططات التنمية التي يسطرها خبراء حكومتنا…و لا زياراتكم الفجئية و المعلنة و غير المعلنة لبعض المؤسسات…و لا كل تحويرات حكومتنا …و لا مفاوضات حكومتنا الاجتماعية…و لا زيادات الحكومة في الأجور….و لا كل قرارات مجالس حكومتنا الوزارية المضيقة…في إنقاذ هذه الأمة و هذا الوطن ما لم تكسبوا أهمّ و أمّ معارككم…نزع الأحقاد من قلوب و عقول البعض…فمتى يا ترى تعلنون حربكم ليس على بعضكم البعض كما أنتم عليه اليوم بل على الحقد…والحاقدين…
سادتي سكان القصور الثلاثة…
السياسة وما تفعلون…السياسة وما تأتون…هي كل ما ذكرت في ما كتبت … ولأنها كل هذا وذاك وغير هذا وغير ذلك وذاك… وجب أن نعترف بجميل كل من علمونا …وكل من أوصلونا إلى ما نحن عليه من علم ومعرفة…فالسياسة أيضا أن نعترف بجميل من ناضل …ومات من أجل أن يترك لنا إرثا نعيش له وبه ومن أجله…السياسة هي كيف نحافظ على ذلك الإرث لأحفادنا وأجيالنا القادمة…فهل نسيتم جميعكم مَنْ غيّر حال الأمة حين كانت ترزح تحت نير الاستعمار…هل نسيتم بناة البلاد …هل نسيتم من درس وتعلم…و عاد ليدرّس و يعلّم…هل نسيتم من شيّد و من رفع البناء…أليس من حقهم علينا أن نذكرهم بخير…و أن نرعى من بقي منهم على قيد الحياة…و أن نعترف بجميل مَن علّمنا منهم و من ترك أثرا فينا منهم…و من كان له الأثر الطيب علينا و على البلاد و العباد…أليس من حقهم علينا أن ننصف التاريخ من أجلهم و أن نتجنب الأحقاد في قراءته…أليس من حقّ كل مواطن عاش تفاصيل تاريخ هذا الوطن بآلامه و معاناته و مرارته أن يحلم بيوم ينصفه فيه التاريخ و الحاضر بعد أن أغرقه بعض الحاقدين شيطنة و تزويرا…ألم يكونوا سببا في تطوير مستوى معيشتنا…ألم يكونوا سببا في القضاء على العديد من الإمراض التي لا تزال بعض بلاد العالم تعانيها…ألم يكونوا سببا في ما وصل إليه الآلاف من طلبتنا من تميّز علمي و معرفي….ألم يكونوا سببا في تطوير صناعتنا…ألم يكونوا سببا في تطوير فلاحتنا…ألم يكونوا سببا في وصول الآلاف منا اليوم إلى ما هم عليه و فيه من مناصب…ألم يكونوا سببا في أننا اليوم هنا…نحكم أرضنا…و نسكن بيتنا…و نحصد و نأكل زرعنا…
كما لا يجب أن ننسى سادتي سكان القصور الثلاثة...من ظُلموا في كل العهود التي مرّت بها البلاد…فلا أحد من حكامنا جاء من صلب عمر بن الخطاب …و لا أحد منّا كان حفيدا لعمر بن عبد العزيز حتى يكون عادلا و لا يجوع في عهده أي من سكان هذا الوطن… و أجزم أن لا أحد منكم سيكون عادلا كالفاروق…لكن هل علينا أن نعيش بأحقادنا على من ظلمونا…هل يمكن أن نقضي على الظلم و الحال أنه داخل كل جسد من أجسادنا …داخل كل عقل من عقولنا… فالظلم لن يغيب عن سطح هذه الأرض حتى يرث الله الأرض و من عليها…ولكل عهد من عهودنا ظُلاّمه …و لكل عهد مما مرّ على هذه الأمة مظاليمه…لكن سيأتي اليوم الذي يرحل فيه المظلوم عن دائرة الظالم…و يرحل فيه الظالم عن دائرة المظلوم…لذلك ألا يجب أن نبدأ من جديد وكأننا ولدنا من جديد؟ …ألا يمكن أن نبدأ من جديد و كأننا ولدنا بالأمس… وننسى أحقادنا…و ننسى كل ما عانيناه و ما عاناه البعض منّا …فدون ذلك لن نتقدّم خطوة واحدة…ألم يحن الوقت لينسى كل واحد منّا سواء كان ظالما أو مظلوما ما عاناه و ما فعله…لنترك أملا لأجيالنا القادمة ليواصلوا حرث هذه الأرض و زرعها…ليواصلوا حصد ما زرعوه…ألا يمكن أن نغفر لبعضنا البعض ما أتيناه من شرّ لبعضنا البعض…فبالأمس ظُلم البعض و اليوم ظُلم البعض الآخر …ألم يحن الوقت لينسى البعض ظلم البعض…و ينسى الآخر ظلم الآخر…ليسعد أحفادنا بما تركناه لهم…
ألم يحن ذلك الوقت سادتي سكان القصور الثلاثة…فماذا لو اعترف ظُلام اليوم بجميل ظُلام الأمس…واعترف ظُلام الأمس بأنهم ظلموا…فظُلاّم اليوم ظلموا بمثل ما فعله ظُلام الأمس و أكثر…قتلوا…و شرّدوا…و جوّعوا…و يتّموا…وهتكوا الأعراض…و خرّبوا البلاد ظُلما…وأسقطوا البناء حسدا و حقدا و ظُلما…فما لم ننس أحقادنا الموروثة من ظُلم الأمس و ظُلم اليوم لن نتقدّم خطوة واحدة إلى الأمام…فتعالوا ننسى …فالمستقبل قد يكون على أبنائنا أقسى….تعالوا ننسى…
سادتي سكان القصور الثلاثة…
السياسة ليست فقط أحزابا و حركات و مجالس وزارية…السياسة هي نزع أحقاد و اعتراف بجميل من سبقونا و قراءة منصفة للتاريخ أيضا…فالحقد هو الألغام التي تزرع في طريق النمو والتقدّم …و الأحقاد هي العبوات الناسفة التي تنسف كل برامجكم التنموية… أنتم اليوم أمام أخطر عهدة تمرّ بها البلاد…فقد تذهب بنا الفتنة إلى الدمّ…و قد تأخذنا أحقادنا إلى الهمّ و الغمّ…و لا أظنّ أنكم ستدخلون صدور الناس لتنزعوا الحقد الذي ملأها …فالله وحده قادر على ذلك…و لا أظنّ أنكم قادرون على أن تتحكّموا في ما يضمره كل هذا الشعب لبعض هذا الشعب…الأمر الوحيد الذي قد تقدرون عليه لو توفّرت النيّة من الجميع هي المصالحة الشاملة التي تعيد كتابة التاريخ بكل ما فيه…و لا أثر للحقد فيه…لنسعد بمستقبل جميل يعيش أحفادنا فيه… سادتي سكان القصور الثلاثة…لا تتركوا البلاد في محطّة لن يطأها القطار أبدا…فالشعوب الراقية هي من تزهو بحاضرها دون أن تبكي ماضيها…فهل يمكن أن نسعد بحاضرنا و البعض يطعن ماضينا…وهل يمكن أن نسعد بمستقبلنا و ماضينا يطعن حاضرنا…فدون ماضينا ماذا أعددنا لمستقبل أبنائنا…أما آن لنا أن نسأل أنفسنا مرّة واحدة على الأقل…إلى أين نحن سائرون؟؟ فالسياسة ليست فقط “من لا يكون و من يكون”…السياسة أن نكون معا…تاريخا و حاضرا و مستقبلا…فافعلوا شيئا ينفع الوطن و الأمة…و انتصروا للتاريخ من ظلم الحاضر…. و انتصروا للحاضر من بعض ظُلم التاريخ… ليكون مستقبل أجيالنا القادمة أفضل…من تاريخنا…و أسعد من حاضرنا…أما آن لكم أن تتحدوا…فالقصور اليوم سببه سكان القصور…
عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…
احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…
بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…
المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.
ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة.
فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…
ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.
وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.
“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…
فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.
لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …
دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.
وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان منالضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.
إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.
غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.
واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.
فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.
و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.
لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها
والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.