جلست لوحدي أفكّر كيف نودع سنة مضت ماذا نستطيع ان نفعل وماذا يمكن أن نقول…ثم هل تحاسب السنوات عمّا فعلته فينا…وما عانيناه منها وفيها…وخلالها…؟؟ هل يمكن أن تحاسب السنوات كما نحاسب نحن البشر غدا حين نلتقي الله جل جلاله؟؟ هل تنادَى السنوات يوم القيامة لتُسأل ماذا فعلت في الناس؟ أم أنها لا تحاسب وتدخل الجنة بغير حساب ولا سابقة عذاب ولا ارتهان بحق؟؟
<strong>محمد الأطرش<strong>
أكاد أجزم أن هذا الشعب وهذه البلاد لم تعش سنة كهذه التي نودعها دون أن نسكب الماء خلفها وهي تغادرنا كما كانت تفعل والدتي رحمها الله وأنا اغادر إلى حيث اعمل… أعترف أني غيّرت جزئيا رأيي سياسيا واقتصاديا واجتماعيا عن السنوات العشر التي مضت فأنا لم أقف يوما خلالها في صفّ من أجل رغيف او كيلوغرام منالسكر أو قارورة زيت أو رطل من الطحين…أقول غيّرت رأيي وأعتذر لتلك السنوات عما فعلته فيها وما قلته عنها…فأنا ورغم ادعاء البعض أنهم سبقوني كنت أول من قال عنها ووصفها بسنوات الخراب، يوم كان بعض من يجاسرون اليوم انتقاما برفع أصواتهم صراخا وهراء يختبئون في منازلهم ويضعون كاتم صوت على أفواههم خوفا من كلمة قد تسبّب لهم مغصا في القولون، لكن أعترف ان ما نعيشه خلال هذه السنوات هو المعنى الحقيقي للسنوات العجاف …فأنا لم أر في حياتي قحطا في كل مناحي الحياة كما اراه اليوم في بلادنا…ولم أر بقرات عجافا كالبقرات التي اضطرتنا إلى صفّ بالمئات أمام حانوت الحي من أجل لتر من الحليب…
سنة أخرى من السنوات العجاف تغادرنا بعد غد أملا في أن تكون القادمة إلينا ليست من السبع العجاف…سنة أخرى من السنوات العجاف تغادرنا وتمضي وأنا كغيري من أهل هذه البلاد ننتظر طرق السعادة أبوابنا…وأبواب فلذات أكبادنا…سنة أخرى من السنوات العجاف تغادرنا ونحن نعيش الحيرة والتيه فنسال أنفسنا إلي أين نحن سائرون…إلى اين يأخذوننا والبلاد…سنة أخرى من السنوات العجاف تغادرنا ومساحة الحقد تتوسع بين الناس…سنة أخرى من السنوات العجاف تغادرنا ورائحة الرغبة في الانتقام والثأر من كل قديم تملأ المكان…سنة أخرى من السنوات العجاف تغادرنا والعاطل لا يزال عاطلا…والاعزب الذي فاق عمره العقد الرابع لا يزال يحلم بزوجة وبصبي يعوّض له معاناة ووجع سنوات القحط والمأساة حين يكبر…سنة أخرى من السنوات العجاف تغادرنا وأحلام شبابنا تراوح مكانها وتئن من وجع الانتظار… سنة أخرى من السنوات العجاف تغادرنا ولا يزال بعضنا يتحدث عن الماضي وفساد الماضي ورجالات الماضي…ونسي أننا لم نعش كل هذا الوجع في الماضي …
سنة أخرى من السنوات العجاف تغادرنا ولا أحد ممن يحكمون نجح في تغيير حياة مئات الألاف من المواطنين ممن تبيّن أنهم كانوا يعيشون حياة موجعة ومؤلمة بكل ما تحمل الكلمة من معنى…سنة أخرى من السنوات العجاف تغادرنا ولا يزال هذا الشعب يمثّل كوم حطب سياسي لعشاق الكراسي وخُطّاب السلطة…سنة أخرى من السنوات العجاف ولا يزال هذا الشعب مجرّد رقم في انتخابات أو استشارة للراغبين في الجلوس على الكراسي…سنة أخرى من السنوات العجاف تغادرنا وواقعنا الاجتماعي لا يزال مخيفا، فمظاهر التنمية والرفاه التي يتحدث عنها بعض الساسة في قاعات الاجتماعات بالفنادق الفخمة غائبة عن أغلب الجهات المنسية من وطن زاد وجعه…سنة أخرى من السنوات العجاف تغادرنا ولا يزال الآلاف من مواطني هذه البلاد يحاربون البؤس والخصاصة وقلّة ذات اليد…وبكاء أطفال ناموا وهم جياع…
سنة أخرى من السنوات العجاف تغادرنا والبلاد تعاني اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وتفشل في درء الأسوأ عنها وعن البلاد وعن هذا الشعب… سنة أخرى من السنوات العجاف تغادرنا ونحن ننتظر منوالا تنمويا جديدا قادرا على إخراجنا مما وقعنا فيه… سنة أخرى من السنوات العجاف تغادرنا والأحزاب التي أقضّت مضاجعنا بصراخها طويلا تختار الصمت والاختفاء والهروب من ساحة المعركة… سنة أخرى من السنوات العجاف تغادرنا ولم نع إلى يومنا هذا أن الصحافة الحرة هي المؤشر الحقيقي على وجود ديمقراطية حقيقية دون مساحيق ولا أحمر شفاه… سنة أخرى من السنوات العجاف تغادرنا ونحن لم نع إلى يومنا هذا أن حرية التعبير وقبول الرأي المخالف هي السبيل الوحيدة لتأكيد انه ليس لدى السلطة والدولة ما تخفيه وما تخافه… سنة أخرى من السنوات العجاف تغادرنا ونحن ننتظر البدائل التي سمعنا عنها اكثر من الف مرّة منذ دخول الليالي السود ذات 14 جانفي 2011… سنة أخرى من السنوات العجاف تغادرنا ولا يزال المتوسط يأكل العشرات من أبنائنا…ولا يزال الموت احباطا ويأسا من وضع مأسوي موجع طال يطاردهم …
سنة أخرى من السنوات العجاف تغادرنا ولا أزال متمسكا بالتفاؤل وبأن تكون الأيام القادمة أفضل…سنة أخرى من السنوات العجاف تغادرنا ولا أزال أحارب الحقد في ما أكتب حتى أطرده من المستوطنات التي يختبئ فيها ولا استثني احدا…سنة أخرى من السنوات العجاف تغادرنا ولا أزال انتظر ديمقراطية حقيقية تأخذنا بعيدا في طريق التعايش والتسامح والتآخي والعدل ورفع المظالم…سنة أخرى من السنوات العجاف تغادرنا ولا أزال أنتظر قبول بعضنا البعض…وقبول الرأي الآخر…والراي المخالف…
هكذا فكرت وأنا جالس لوحدي…فماذا لو التقت سنة 2023 وهي تغادرنا سنة 2024 وهي تطلّ من الباب لتدخل علينا…فماذا سيقع بينهما يا ترى؟؟
أطلّت سنة 2024 برأسها من الباب الخلفي فالتقت 2023 وهي تحاول الخروج على أطراف أصابعها خوفا من المحاسبة والانتقام مما فعلته في البلاد والعباد…نظرت إليها 2024 وقالت:”اشنوة خارجة على طراف ساقيك خايفة…لا خليتي عيش كريم…لا كرامة…لا عدالة اجتماعية…لا زيت…لا قهوة…لا سكر…لا حليب…لا روز…لا فارينة…والخبز بالصف..وفاصعة…برّي يكبّ سعدك ان شاء الله…تعالي جاي تونورّيك اش معناها الفصعة” وحاولت مسكها من شعرها لجرّها إلى سقيفة العام لإشباعها ركلا ورفسا فأخفقت في الأمر …ابتعدت 2023 بضعة أمتار بعد أن تمزق فستانها من خلف وبانت عورتها …أقول ابتعدت 2023 في اتجاه باب الخروج بعيدا عن 2024 ورفعت عقيرتها بالصراخ: “برّي يراك بايرة…ويراك تقعدي في الحلول حايرة…وبرّي ان شاء الله كي دار الكشو …لا قاز لا ماء لا ضوء..”..وأطلقت ساقيها للريح…