” هذه هي تونس الجديدة بعد 25 جويلية” هكذا تندر التوانسة على خبر توجه إحدى الفتيات لخطبة حبيبها
وواضح طيلة الأيام الماضية أن كثيرين يعلقون آمالا كبيرة على تونس بعد 25 جويلية.. و من حق الجميع أن يحلم و أن يأمل في غد أفضل.. العاطل و العامل، الجاهل و المتعلم، ابن الريف و ابن المدينة ، الفقير و الغني، المرأة و الرجل، المسلم و غير المسلم، الشاب و الشيخ…. كل تونسي من حقه أن يبني في خياله ما يريد…
<strong>عبير عميش<strong>
ألم يكن شعار قيس سعيد في انتخابات 2019 ” الشعب يريد”، ألم يفتح قيس سعيد باب الحلم أمام جزء كبير من الشعب ليلة 25 جويلية بتأويله الخاص للفصل 80؟
و لكن ماذا يريد هذا الشعب فعلا ؟ فيم يرغب و بم يحلم؟ هل هناك مشروع مشترك بين أبنائه؟ هل هناك تصور مشترك لتونس ما بعد 25 جويلية؟ هل الشعب واحد أم متعدد؟
هل بما رأيناه طيلة الأيام الفائتة من رغبة في الاستئصال الجماعي نحن قادرون على البناء المشترك؟
إن ما رأيناه من حملات ممنهجة لتشويه الخصوم عن حق و عن باطل و من إشاعات و افتراءات يتجاوز فكرة المحاسبة إلى عقلية الحقد و الكره حيث انقلبت الموازين و صار الجميع مطالبا بإثبات براءته فكل رجل أعمال هو سارق ما لم يُثبِت العكس و كل موظف هو مرتش ما لم يُثبِت العكس و كل إعلامي هو متواطئ و خائن ما لم يُثبِت العكس و كل مسؤول هو فاسد ما لم يُثبِت العكس…
ماذا بعد تخميرة الأيام الأولى و رغبة الغالبية في المحاسبة (التي بلغت درجة التشفّي أحيانا) و شماتة الكثيرين في النهضة التي تغوّلت و في رئيسها و عدد كبير من قياداتها الذين جثموا طيلة عقد كامل على صدور التوانسة و على مفاصل الدولة و تبادلوا الأدوار في مسرحيات سمجة…
ماذا بعد هذه التخميرة ؟ ما الذي يجب فعله لتصبح تونس أفضل؟ هل القائد وحده ( قيس سعيد) قادر على إحداث الأثر و التغيير المطلوبين؟ خاصة و أن قراراته و كل إجراءاته _ حتى اليوم _ قائمة على كره النهضة و تصفية حساباته مع رموزها و باراشوكاتها و كل كلماته التي تبثها صفحة رئاسة الجمهورية مبنية على هذه الفكرة فهم الآخرون و المتسللون و المنافقون و المفسدون و الفيروسات السياسية الذين سيحاربهم و يحاكمهم و يبعدهم..
سعيد إلى اليوم لم يتوجه إلينا بتصور لما يريده لتونس بعد ستة أشهر مثلا، ليست لدينا فكرة عن توجهات الحكومة التي ستقود البلاد طيلة الفترة القادمة و لا عن أولوياتها و خططها و الملفات التي ستشتغل عليها ، بل أكثر من ذلك نحن إلى اليوم و بعد حوالي نصف شهر لا نعرف من سيكون رئيس الحكومة القادم و إن بدأنا نتعرف على بعض المكلفين بتسيير الوزارات على طريقة الري قطرة قطرة…
كيف سيكون وضع الأحزاب، كيف ستكون علاقته مع المنظمات الوطنية، هل ستُجرى انتخابات سابقة لأوانها ، هل سيقع تغيير النظام الانتخابي و وفق أية آليات ، هل سيقع تعديل النظام السياسي و نحو أي اتجاه…
إن جبهات عديدة مفتوحة و تساؤلات أكثر منها مطروحة مازالت لا تجد إجابة إلى اليوم و لا أعتقد أن مهلة الثلاثين يوما التي حددها الرئيس في بيان 25 جويلية كافية للإجابة عنها
ماذا سيفعل الرئيس و قد صار الممسك بكل السلط و المسؤول الأوحد أمام الشعب لمجابهة الوضع الاقتصادي المنهار و تفاقم مشاكل المالية العمومية؟ فلئن نجح البنك المركزي في خلاص قسط الدين بتاريخ 5 أوت فكيف سيكون الوضع في قادم الأشهر خاصة بعد أن ارتفع سقف أحلام التونسيين الذين و إن أسكتتهم اليوم بعض إجراءات المحاسبة و بعض خطابات الرئيس المهدِدة و المنددة بالغلاء و الاستغلال و المطالبة بتوفير المواد و تخفيض الأسعار فإن أصواتهم سترتفع في قادم الأيام للمطالبة بالتشغيل و الانتداب و تحسين الأجور و تطوير البنية التحتية… فحتى شعار “خبز و ماء و هاذاكا لا، و إلا هاذوكم لا..” لن يطول صبر الناس عليه كثيرا خاصة أن رئيس الدولة ما فتئ يردد كل مرّة أمام ضيوفه و متوجها إلى الشعب أن تونس دولة غنية لكنها منهوبة و أموالها هُرّبت إلى الخارج. و خطاب كهذا لا بد أن يجعل الشعب يحلم بأنه ينعم بثراء بلاده و يتمتع بثرواتها…
فهل أن تونس هي فعلا بلد غني كما يقول سعيد.. هل لتونس فعلا ما يكفي من الموارد لتعيش في رخاء؟
إن تونس بلغة الأرقام تنتمي إلى مجموعة الدول الفقيرة فهي بحساب التقارير العالمية في المرتبة 126 من 193 دولة، حيث أن معدل الدخل السنوي للفرد أقل من 4000 دولار فيما بلغ الدين الخارجي حوالي 30 مليار أورو أي تقريبا 90٪ من الناتج الإجمالي المحلي و يعاني الاقتصاد من نسبة نمو سلبية تقدر بـإلاّ 8٪
أما الثروات الباطنية من بترول و غاز فهي عاجزة عن تحقيق اكتفائنا الذاتي كما أن الفوسفات حتى و إن عاد إلى معدل الإنتاج الذي كان عليه سنة 2010 فهو لن يوفر أكثر من ملياري دولار كقيمة معاملات…
إن هذه الأرقام تبيّن أن البلاد ليست غنية كما يقول سعيد و شعبها يعيش من القروض الخارجية و هي في حاجة إلى إصلاحات سريعة كما طالب بذلك صندوق النقد الدولي منذ سنوات.. إصلاحات قوامها أساسا الضغط على كتلة الأجور و ما يعنيه ذلك من إيقاف للانتدابات و للزيادات و إيقاف نزيف المالية العمومية و خاصة فيما يتعلق بصندوق الدعم و يكفي إلقاء نظرة بسيطة على قيمة ديون شركات الكهرباء و استغلال المياه و ديوان الحبوب لمعرفة حجم الإصلاحات الضرورية و هو ما يقتضي إجراءات غير شعبية كان كل رؤساء الحكومات يهربون منها فهل سيقدم عليها سعيد و يغامر بفقدان شعبيته؟
إن الرئيس يورّط نفسه بتصريحات كتلك فحتى و إن كانت رغبته صادقة في إيقاف نزيف المالية العمومية و في التقليص من حجم الفساد و التهرب الضريبي و في استعادة ما أمكن من الأموال من الخارج فإن هذا يحتاج سنوات طويلة من العمل و قدرة على تطبيق القانون و تعاونا بين الحاكم و المحكوم.. فهل سيكون بوسع التونسيين أن يصبروا و أن ينخرطوا في هذا التمشي إن لم يخرج إليهم بخطاب هادئ مطمئن غير متشنج يقطع مع الصور التي تعودناها منه و يحادثهم بلغة الواقع و الأرقام و يبني معهم مشروعا مشتركا تكون فيه الأولوية لتحسين الأوضاع الاقتصادية بمشاريع حقيقية بنّاءة بعيدا عن شعبوية الدعوات إلى التقليص من أسعار بعض المواد الاستهلاكية رغم مشروعيتها و انخراط البعض فيها عن خوف لا عن إرادة حقيقية
إن على الرئيس إن أراد تحصين شعبيته في قادم الأيام و ضمان البقاء في قصر قرطاج لدورة رئاسية ثانية أن يخطب ودّ الشعب كل الشعب غنيّه و فقيره بتكريس القانون و بتغيير المنوال الاقتصادي بإجراءات ينخرط فيها الجميع عن وعي و اقتناع دون تهديد و وعيد… و بتغيير النظام السياسي بطريقة تضمن لكلّ من لم يخُن و لم يُفسِد بالتواجد في المشهد… و بالاتفاق مع الجميع على خارطة طريق واضحة بعيدا عن كل التأثيرات و التوجيهات الخارجية و النأي بتونس عن لعبة المحاور الإقليمية. أي أن يكون رئيس كل التونسيين بمختلف انتماءاتهم لا رئيس أنصــــاره و مريديه فحسب ، و حينها ستزف اليه تونس عروسا راغبة غير متمنّعة
أسال تصريح لاعبنا الدولي حنبعل المجبري حول تأخر تونس وحول استغراق شعبها في الحلم بدل الفعل، حبرا كثيرا وقد تردّدت بعض الشيء قبل الكتابة في الموضوع..
لكنّ ما استفزّني هو استنقاص البعض من مواطنة اللاعب بحجة أنّه يعيش خارج البلاد (وكأنّ الوطن جغرافيا لا ذاكرة، وكأنّ المواطنة بطاقة إقامة لا جرح يسكن القلب) ومصادرة حقه في الكلام والنّقد، ومطالبتهم له بالسكوت عن الإخلالات، وهل أودى بنا إلى التهلكة غير الصمت والمهادنة والأغلبية الصامتة والسير حذو الحائط؟ و عندما يتجرّأ أحد المواطنين مهما كانت صفته ليوجّه لوما أو نقدا أو ليحدد مَواطن الخلل تُصوَّب نحوه السهام ويصير هو المذنب ؟؟
إنّ ما قاله حنبعل ليلتها ليس شتما أو استنقاصا من شأن البلاد أو إهانة لها بقدر ما هو صرخة من الداخل، من عمق الانتماء لا من خارجه ولحظة صدق مع الذات ومحاولة شُجاعة لفهم أسباب التعثّر، وتشخيص موجع لحالة تتجاوز المستطيل الأخضر إلى مربّعات الحياة كلّه …
حنبعل لم يقل إن تونس فاشلة، بل قال إنها متأخرة ، والفرق بين الكلمتين كبير.. الفرق بين الكلمتين مسافة فعل وأمل … التأخر يعني أنّ الطريق لم يغلق بعدُ، وأنّ الّلحاق ممكن، لكنّ ذلك يفترض شرطًا أساسيّا هو الاعتراف بالمشكلة والإسراع بالحلول الحقيقية لا الترقيعيّة … ومشاكل تونس بالجملة تحتاج منا فعلا وفعلا وفعلا … فليس بالأحلام و الأماني الطيّبة تُبنى الأوطان. المعضلة الحقيقية في تونس هي في العقلية التي تدير الرياضة والإدارة والتعليم والنقل والصحة وكلّ المؤسسات ..
المعضلة الحقيقية هي في طريقة التفكير وفي كيفية تبرير العجز إذ تُرفع شعارات الصبر، ويتحدث المسؤولون عن الظروف و المؤامرات و الإرث القديم و”حطّان العصا في العجلة ” .. ويُطلب من المواطن أن يتفهّم وينتظر، و“يزيد يصبر شوية” …
إنّنا في تونس لا نبحث عن حلول عملية وناجعة للفشل بل نغرق في التحاليل والخطب الرنانة ونعوّض الفعل بالجدل.. نحلّل أكثر مما نخطّط وننتقد أكثر مما ننجز .. تونس ليست متأخرة لأن أبناءها عاجزون، بل لأنها ما زالت أسيرة عقلية تُجيد الكلام وتخاف الفعل و تدمن التباهي والعيش على أمجاد الماضي دون أن تمرّ إلى تحمّل المسؤولية والاقتداء بالأسلاف
في تونس نحلم أكثر ممّا نعمل، ونتكلّم أكثر ممّا نحقّق و نُتقن التنظير في المقاهي ووسائل التواصل، ونفشل في أبسط أشكال التنظيم في الواقع. نطالب بالنتائج دون أن نتحمّل أثمانها، فلا نقبل بالانضباط ولا باحترام الوقت ولا بالجدية، ولا بالتكوين، ولا بالمحاسبة ..
نريد الوصول دون عناء الطريق، ونغضب حين لا يصل القطار … تكلّم حنبعل المجبري _كما تكلّم حنبعل برقة قبل قرون ، حين رأى الخطر قادمًا من الدّاخل قبل أن يأتي من الخارج _ فقال يوم المباراة إنّ الطريق صعب، وإن التأخّر ليس قدرًا بل نتيجة…. لكن قرطاج، الجديدة كما القديمة، لا تحبّ من يفسد عليها وهم الاطمئنان وتخشى ممّن يُذكّرها بأن الزمن لا ينتظر المتردّدين …
منذ قرون طويلة لم يسلك حنبعل القائد المحارب، الطريق الآمن و تجرّأ على عبور ما قيل إنّه غير قابل للعبور مرددا عبارته الشهيرة “إمّا أن نجد طريقًا… أو أن نصنعه”، في رفض تام لمنطق الانتظار والاستسلام والعجز … واليوم حنبعل اللاعب المحارب يفعل الشيء نفسه فيرفض الحسابات والبقاء الآمن و يكفر بعبارة “ليس بالإمكان أفضل ممّا كان”.
و إذا كان حنبعل برقة قد كشف لتونسيّي ذلك الزمان أن الخطر الحقيقي لا يأتي دائمًا من وهن القوّة المادية والجسدية بل من العقل الذي يقبل الخضوع، فإنّ حنبعل المجبري يذكّرنا بأن الخطر الحقيقي على تونس اليوم ليس في ضعف الإمكانيات، بل في ضعف الجرأة على تسمية الأشياء بأسمائها ..
لهذا أزعج كلام حنبعل الكثيرين لأنه كسر مرآة الوهم التي اعتدنا أن نُجمِّل فيها أنفسنا. لأنه _ بحرارة الروح _ قال ما لا يرغبون في قوله و ذكّرنا بأننا نُكافئ الصّامت ونُعاقب المتكلم وأنّنا نُمجّد الرداءة إذا لبست ثوب الوطن، و نُخوِّن النقد بدل أن نُصغي إليه..
كلام حنّبعل يوم الخسارة عرّى بعضا من حقيقتنا وأشار إلى مكامن الدّاء، ولن تتقدّم تونس وأهلها إلاّ يوم تواجه مشاكلها بصدق، وتمتلك شجاعة النظر في المرآة دون غضب، وتكفّ عن معاداة الصراحة، وتعتبر النقد فرصة لا خيانة.
تمّ منذ يومين تسريب وثيقة سرّية تتضمّن أسماء 25 شخصيّة بين سياسيين و أمنيين و مسؤولين سابقين و حاليين و إعلاميين و فنّانين و شخصيّات عامّة بتهم التآمر على أمن الدّولة و تكوين و فاق إجرامي و ربط اتصالات مع أجانب للإضرار بالبلاد و التّدليس و مسك مدلّس …
<strong>عبير عميش<strong>
هذه تهم ـ إن صحّت ـ كفيلة بأن ترسل مقترفيها وراء الشّمس. لكنّ التهمة التي شدّت انتباهي أكثر من غيرها هي “ارتكاب أمر موحش ضدّ رئيس الدّولة” (و هي تهمة قديمة لم يستحدثها نظام 25 جويلية لكنّه كثيرا ما لجأ إليها في الفترة الأخيرة لمحاكمة خصومه رغم ادّعائه القطع مع الماضي و ابتكار مقاربات جديدة) و لكنّي كلّما قرأت هذه التهمة أخذت أتساءل عن شكل الأمر الموحش ضدّ رئيس الدّولة ؟ و ما الفرق بين رئيس الدّولة و باقي المواطنين فما هو إلا موظّف يسيّر دواليب الدّولة لخدمتهم ؟ و أخذت أتساءل أكثر عن معنى الأمر الموحش ؟
أ ليس تكبيل الأجيال القادمة بالديون و الاتفاق مع صندوق النّقد الدّولي على ترفيع الأسعار و رفع الدّعم دون تعديل في الأجور أمرا موحشا ضدّ فئات كبيرة من الشّعب التّونسي و استهدافا لقدراتهم الشّرائيّة ؟
أ ليس قتل الأمل في نفوس أجيال من الشّباب و دفعهم إلى الهجرة بكلّ الوسائل المشروعة و غير المشروعة أمرا موحشا ضدّ الشّعب و ضدّ مستقبل البلد ؟
أ ليس غياب المواد الأساسية و الاضطرار إلى ملاحقتها و اللهث وراءها أمرا موحشا في حق الشعب و ضد؟ كرامته و إنسانية؟
أ ليس وضع مستشفياتنا العموميّة و تدهور الخدمات الصّحّية أمرا موحشا في حق المرضى و استهزاء بحقهم في الصحة و الحياة ؟
أ ليس فقدان الأدوية الحياتية و طول فترات انتظار المرضى للحصول على أدويتهم الحياتية أمرا موحشا في حق الشعب و استنزافا لجهده و صحته ؟
أ ليست صفقات اللوالب الفاسدة و البنج المنتهي الصلوحية و أطفال الكرذونة و غياب لقاحات الكوفيد في ذروة الأزمة أمرا موحشا في حق هذا الشعب و تدميرا لكل جميل في الوطن ؟
أ ليست حالة طرقاتنا الكارثية و اهتراء وسائل نقلنا العمومي و اضطراب توقيت سفرات الحافلات و المتروات و القطارات و حتى البواخر و الطائرات أمرا موحشا في حق الشعب و حق ضيوف البلد؟
أ ليس تأخر ترتيب جامعاتنا و ضعف تصنيف بلادنا و تدهور منظومتنا التربوية أمرا موحشا في حق الشعب و مستقبل أبناء الشعب ؟
أ ليس قطع المياه لأيام طويلة في عزّ الصيف عن جهات بعينها أمرا موحشا في حق الشعب ؟
أ ليس انتشار القمامة و غياب الحلول الجذرية للنفايات في صفاقس و برج شاكير و غيرها أمرا موحشا في حق الشعب و تهديدا لصحّته و سلامته و سلامة بيئته ؟
أ ليس أمرا موحشا أن لا يعرف أهالي الحرّاقة مصير أبنائهم و لا مكان دفن جثثهم و أن تقابل احتجاجاتهم بالغازات المسيلة للدّموع و بالرّدع الأمني العنيف ؟
أ ليس التلاعب بقائمة لاعبي المنتخب الوطني لكرة القدم و التكمبين و تغليب مصلحة بعض السماسرة و الجمعيات و الجهات و فساد الجامعة و ضعف المدرّب أمرا موحشا في حق هذا الشعب و حرمانا له من لحظة فرحة و اعتزاز طال انتظارها ؟
أ ليس أمرا موحشا في حق الشعب أن يقوده إعلاميون مأجورون و كرونيكورات تافهون و أن تؤثث لياليه و صباحاته ببلاتوهات الدّجل و الشعوذة و البحث عن الإثارة و البوز؟
أ ليس أمرا موحشا في حقّ هذا الشعب ترشّح البعض لعضوية مجلس النواب الجديد ؟ أ ليس أمرا موجعا الاستماع إلى بعضهم و التفكير في ما “يبشّرون” به من تشليك للبرلمان القادم ؟
أ ليست بعض الخطابات و ما فيها من تحقير لفئات من الشعب أو من اتهامات و تخوين و توعّد و تهديد فعلا موحشا ضدّ هذا الشعب و أمرا موتّرا للأوضاع و مسمّما لأجواء الوطن ؟
أ ليس أمرا موحشا في حق الشعب، جزء كبير من الشعب أن تتلاعب البنوك بموارده فيثري أصحابها على حسابه ؟
أ ليس أمرا موحشا في حق الشعب أن تتحكم المافيات و بعض العائلات النافذة بقوته و بمصيره و أن تفرض عليه قوانينها و تستغله لمزيد الإثراء و نفخ حساباتها
أ ليس أمرا موحشا في حق الشعب أن يرى أبناء المسؤولين يصولون و يجولون فيحطمون سيارات الدّولة أو يتنقلون بين بلدان العالم و يستمتعون بأموال الشعب دون حسيب أو رقيب ؟
أ ليس أمرا موحشا أن يرى الشّعب أنّ من ساهموا في تدميره أحرارا طلقاء يطلعون عليه عبر بلاتوهات الإعلام مواصلين السخرية منه ؟ أو يجولون بين عواصم العالم و يتمتّعون بخيراته فيما يبقى هو هنا يعاني الويلات ؟
أ ليس تعيين مسؤولين من أصحاب الولاء و ولاة ضعفاء و وزراء غير أكفاء أمرا موحشا ضدّ الشعب و استسهالا للحكم و تقزيما للنّخب ؟
أ ليس أمرا موحشا في حقّ الشّعب أن تُسلَب منه أحلامه وطموحاته و أن يفقد في 12 سنة ثقته في ما حصل و أمله في التغيير الإيجابيّ ؟
أ ليس أمرا موحشا في حقّ الشّعب أن يجد أغلب الشعب نفسه وحيدا في مواجهة منظومة تفرمه فرما و نظام يسحقه سحقا ؟
و كم من أمر موحش تمّ و يتمّ ضدّ هذا الشعب فإلى من يشتكي و إلى من يلجأ؟
فلا محكمة دستورية لتنصفه و لا محكمة إدارية قادرة على إنفاذ قراراتها و لا مجتمع مدنيّ قادر على تمثيله و لا صاحب عصمة آبِه له و لهمومه ؟
يقول الخبر : “رئيس الجمهورية يصادق على قرض جديد من البنك الأوروبي بقيمة 150 مليون يورو لدعم الصمود الغذائي”
<strong>عبير عميش<strong>
قرض الصمود الغذائي .. يا لها من شقشقة لغوية و عبارة تتواءم مع الشعارات الرنانة و الكلمات الفخمة و الفذلكات اللغوية التي مافتئت تتواتر في خطابات الرئيس و بياناته و التي تذكرنا خاصّة بفترة الستينات وبشعارات القومية و الوحدة العربية و الأفكار الطوباوية و الخطابات النّاريّة التي لم تصحبها قدرات فعلية و لم ترافقها استعدادات واقعية، فلم تعد على أصحابها و بلدانهم و سائر الأمة العربية إلا بالوبال و الهزائم و الخيبات والانتكاسات ..
ألم يؤكد الرئيس مرارا أنّ الأزمة داخلية و ذاتية و مردها الاحتكار و سوء التحكم في مسالك التوزيع و “وضع العصا في العجلة” و العمل على تعطيل الحكومة من أطراف يعلمها الجميع على حدّ تعبيره؟
ألم يؤكّد في عديد المناسبات أنّ خزائن الدولة تفيض بالأموال و لكن انعدام العدل و سوء توزيعها هو العائق؟
فلماذا الالتجاء إلى القرض الخارجي لتمويل استيراد الحبوب أساسا ؟ أليس هذا اعترافا ضمنيّا بخطأ تفسيرات الرئيس و اتهاماته؟ أليس اعترافا ضمنيّا بعدم توفّر السيولة الكافية من العملة الصعبة لتأمين حاجياتنا من الأسواق العالميّة؟
كم قرض (داخليّ و خارجيّ) أمضى الرئيس على مراسيم الحصول عليه منذ انفراده بالسلطة ؟
و هل يأتي يوم نحصل فيه على قرض الصمود الطاقي حتى لا تتعطل مصانعنا و مؤسساتنا وعرباتنا ومولّدات الطاقة لدينا؟
و هل يأتي يوم نحصل فيه على قرض الصمود الدوائي بعد أن صار عدد كبير من الأدوية الحياتية مفقودا من الصيدليات ،و عجز المواطنون عن توفير أدوية لأمراض خطيرة و أمراض مزمنة و علاجات للمسنين الذين خدموا الدولة طيلة عقود، و ساهموا في صناديق الحيطة الاجتماعية على أمل الحصول على تقاعد مريح، فوجدوا أنفسهم يتمنون الموت مائة مرة في اليوم و يعيشون تقاعدا كريها قاتلا يستنزف كل ما بقي لديهم من جهد و طاقة، في طوابير الانتظار أمام مراكز البريد و مقرات ” الكنام ” و مستشفيات الضمان الاجتماعي …
مسؤولون من الحكومة و من البنك المركزي سيتوجهون بعد حوالي أسبوع إلى الولايات المتحدة الأمريكية، لمواصلة التفاوض مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض جديد أقترح على الرئيس أن يطلق عليه تسمية ” قرض الصمود الحكومي ” أو ” قرض الإنقاذ الإخشيدي ” فهو الأمل الذي مازالت تعيش به هذه الحكومة و الرئيس من ورائها ، قبل أن يثور الشعب من جديد و هو يرى كل يوم مواد رئيسية تختفي من الأسواق و يرى قدرته تنهار و أحلامه تتلاشى …
و لكن لا أحد فكّر في أن يُطلِع هذا الشعب – الذي يريد و يعرف ما يريد – على فحوى المفاوضات و بنود الاتفاق و خاصة مدى تأثيره – إن حصل – على حياتنا و معيشتنا و قدرتنا الشرائية مثلما لم يطلعنا أحد على بنود اتفاق قرض الصمود الغذائي و شروطه و نسبة الفوائد فيه و مدّة سداده ..
أين الشفافية و الوضوح ؟؟ لماذا تواصل هذه الحكومة (كالحكومات التي سبقتها) معاملتنا كرعايا لا كمواطنين ؟
و لماذا نتحدث عن قرض للصمود الغذائي بدل أن نتحدّث عن العمل لتحقيق الصمود الغذائي، و بدل أن نتحدّث عن زرع المساحات المهجورة لتحقيق الصمود الغذائي، و بدل أن نبادر إلى تغيير نوع الزراعات و إلى حسن الّتصرّف في الموارد المائية لتحقيق الصمود الغذائي
لماذا لا يبادر الرئيس إلى إصدار قوانين جديدة و هو يحكمنا بالمراسيم منذ أكثر من سنة تضمن النماء والتطوّر الاقتصاديين؟ لماذا لا يستعين بلجنة تضمّ خبراء من الشبان ذوي النّظرة المجدّدة و التفكير البديل ورجالا ممن خدموا الدّولة في سابق الفترات و حققوا إنجازات مازلنا نعتمد بعضها كمرجعيات إلى اليوم، بدل الترويج لحلول شعبويّة ليس لها من فائدة غير إثارة حقد السكّان على بعضهم البعض و لا يمكن أن تمثل حلولا حقيقية لوضعنا الاقتصادي فما نسبة العطور و مواد التجميل و أطعمة الحيوانات المستوردة التي يقترح التوقف عن استيرادها من مجموع وارداتنا ؟ إنها لا تبلغ نسبة 1% من إجمالي الواردات …
و إن كنّا لا ننكر أهميّة الحلّ الحمائي في كلّ المجالات للحفاظ على العملة الصعبة و مراعاة ظروف البلاد وحماية المؤسسات التونسية، فإنّ حلولا أخرى ممكنة هي أكثر جدوى و فاعليّة و لكنّها تحتاج شجاعة القرار والتنفيذ و كان بوسع الرئيس تطبيقها بما لديه من سلطات مطلقة تحت ظلّ حالة الاستثناء التي نعيشها، فبدل البحث عن الأموال المنهوبة في الخارج و هو ملف شائك يتطلب حله سنوات طويلة .. و بدل التركيز على الصلح الجزائي و هو ملف استهلكته الحكومات السابقة و لم يعد تلك الدّجاجة التي تبيض ذهبا، لماذا لا يبحث الرئيس عن تغيير نمط الاقتصاد و فتح الأبواب في كلّ المجالات أمام المستثمرين الجدد؟ لماذا تبقى مجالات بعينها حكرا على عائلات و شركات دون سواها و لا يمكن لأي مستثمر جديد أن يفكّر مجرّد تفكير في اقتحامها أو الاقتراب منها ؟ لماذا تبقى الرّخص حكرا على أسماء بعينها و كراسات الشروط لا تتواءم بنودها إلا مع أسماء بعينها؟
إنّ أي تطوّر أو إصلاح للاقتصاد التوّنسي لا يمكن أن يتمّ دون محاربة هذه “الكارتيلات” التي تسيطر على مجالات بعينها ودون تغيير للقوانين التي وضعت على مقاسها لتجعلها دوما المتحكّم الوحيد في الأسواق
فهل يفعلها الرئيس و يغيّر قواعد اللعبة الاقتصادية بجرّة قلم أو بجرّة مرسوم مثلما فعل مع قوانين اللعبة السياسية و الانتخابية ؟؟