لسائل أن يسأل هل درس مولانا أمر انقلابه جيّدا قبل أن يُقدم عليه؟ من استهدف بالضبط من جمهور الأحزاب والأتباع والأنصار ليدير رقابهم نحوه؟ مولانا جلس طويلا أمام التلفاز …وقرأ جيدا تبعات ما يدور تحت قبّة باردو…كما أنه تابع عن قرب نشاط المشيشي وتحركاته خارج أوقات عمله…
محمد الأطرش
مولانا كان يعلم جيدا أنه لن يكسب ودّ الجميع، ولن يدير رقاب كل قواعد الأحزاب، وعليه أن يكسب البعض منها، حتى يتمكّن في مرحلة أخرى من كسب ولاء البقيّة…والأكيد أن مولانا سأل نفسه “من يا ترى يثير الغثيان من الأحزاب ومن يتحمّل تبعات كل هذا الفشل؟” طبعا مولانا يدرك أنه مُقْدم على عملية “انتقامية” سياسيا من خصومه الذين افتكوا منه كرته …عفوا وزيره الأول “الهشْ”…مولانا لم ولن يغفر للمشيشي ارتماءه في حضن الغنوشي، فقرر أن يعاقبه ومَن احتضنه ومن حوّل وجهته…كيف ذلك؟ وكيف يضرب العديد من العصافير بحجر واحد؟ فهو يبحث عن طريقة يقضي بها على الأحزاب…وعن خطّة يقضي بها على طموح بعض الأحزاب…فتفتيت المشهد الذي عملت عليه النهضة طويلا ونجحت فيه لمدّة قاربت العشر سنوات، هو الأمر الوحيد الذي قد يضمن لمولانا البقاء على العرش، وفي رعاية كل أغلبية الأنصار…والأتباع…
مولانا وضع في كنش حساباته “كره” الدساترة أو أغلبهم للنهضة…وحقد النهضة على الدساترة ومتفرعاتهم…ووضع في حسابه أيضا “كره” الدساترة وبقية الأحزاب الوسطية لائتلاف الكرامة ونوابه…كما لم ينس الثأر الذي بين اليسار والنهضة ومن معها ومن يحوم حولها من ائتلاف وصولا إلى قلب تونس، فاليسار حين يصرخ في خرجاته التنشيطية لشارع بورقيبة يصرخ “الشهيد خلى وصية لا دساترة ولا خوانجية” هكذا إذن قرأ مولانا كل المشهد وكل اسقاطات وتبعات “انقلابه” على بقية المنظومة التي يرأسها بوصفه رئيسا للجمهورية…وللمنظومة الحالية…
فمولانا أدرك أنه بضرب النهضة والشيخ، وبفعل الصدمة سيكسب ودّ الدساترة أولا وهم أغلبية من في المشهد، بمن انضموا إلى بعض الأحزاب، وبمن صعدوا على الربوة وشاهدوا حجم الخراب…كما أن مفعول الصدمة سيجعل أغلب قوى اليسار ينضمون دون تردّد إلى جوقة المصفقين لمولانا…ولم ينس مولانا أنه سيكسب آليا دعم ومساندة كل القوى القومية والعروبية من حركة الشعب إلى بقية الأحزاب الناصرية والعروبية التي تحقد على النهضة ومن معها…دون أن ينسى التيار الديمقراطي الذي سيجد منه مساندة ربما غير مشروطة في بادئ الأمر…لكن مولانا لم يقرأ حسابا لإمكانية انقلاب الدساترة ضدّه لو تفطنوا أنه يريد ضرب عصفورين بحجر واحد، فمن خلال ضرب النهضة وصبيانها سيضرب الدستوري الحر في برنامجه العلني “معاداة النهضة ومن معها” الذي أكسبه كل الدعم والمساندة وجعله يصعد إلى المرتبة الأولى على سلّم الزرقوني…فمولانا ليس بورقيبيا كما يروّج البعض ولا ولم يتفق مع الدساترة أبدا سابقا …ولا أظنه مستعد للبحث عن كسب ودّهم في الوقت الحاضر…كما أنه لم ينس عمود أنصاره الفقري أيام الانتخابات وهم قرابة النصف مليون ناخب ومصفّق منخرط…
هكذا إذن اختار مولانا إعلان الحرب على من افتكوا منه “صَبِيه” وجعل مما وقع يوم 25 جويلية خطرا داهما لينفّذ به مخططه لكنه نسي أمرا مهمّا، وهو أن عامل الصدمة لا يدوم طويلا ويجب أن يكون متبوعا بقرارات صادمة ارتدادية أخرى لا تترك مجالا ووقتا للخصوم لمجرّد التفكير في ردّة فعل أو ما شابه…
مولانا طرب كثيرا لردّة فعل الشارع والجماهير التي تهتف طويلا باسمه…وأعجبته حكاية الدروس التي يلقيها أمام كل من يلتقيهم…ونسي أن من خرجوا إلى الشارع ليباركوا ما أتاه ليسوا من موظفي الدولة ولا من قواعد الكثير من الأحزاب….كما نسي أن من انتخبوه ليسوا من أتباعه ولا من مسانديه بل أغلبهم من الأحزاب التي قررت قطع الطريق أمام نبيل القروي…مولانا أدرك بعد مدّة أن من خرجوا يصرخون باسمه أغلبهم من العاطلين عن العمل، وهم الذين ينتظرون معجزة من السماء تخرجهم مما هم فيه، وتعيدهم إلى الحياة فالعاطل عن العمل كالميت مع تأجيل التنفيذ، فهؤلاء سيخرجون غدا بعد أن ينفد صبرهم ليطالبوا من صفّقوا له طويلا بحلّ لمشكلاتهم…فقد يصفقون طويلا ويصرخون كثيرا وعاليا على كل ما يأتيه مولاهم من إيقاف لشخصية مكروهة…ومن وضع لشخصية أخرى تحت الإقامة الجبرية، ومن درس ألقاه في قرطاج على أحد ضيوفه…لكنهم سيشعرون يوما بأوجاع وألم وجوع واحباط وأرق…وسيصرخون “إلى أين نحن ذاهبون” أين وعود مولانا …
مولانا ومولاهم نسي أيضا أنه استعمل فصلا من الدستور لينقلب على شركائه في المنظومة…وأنه قد يجد معارضة قانونية واسعة للمسّ من الدستور دون تشريك الجميع في الأمر، وقد يصبح ما أتاه انقلابا في نظر الداخل والخارج، حينها قد يتأزم الوضع كاملا وقد يخسر كل ما بناه… ودرءا لما قد يعترض طريقه استنجد مولانا ببعض أساتذة القانون الدستوري من الذين يفوقونه تجربة وعلما ودراية بعمق القانون الدستوري فأفتوا له وأصبحوا من المصفقين…الناطقين باسمه…والرافعين لرايته…
هكذا إذن فشل مولانا في العبور بمشروعه الانقلابي من محطّته الأولى، إلى بقية المحطات…فمولانا تورّط في مسؤولية التسيير الحكومي وغرق في وحل الأجور والميزانية ولم يتقدّم خطوة واحدة نحو الانفراج بل أصبحت البلاد على مشارف إعلان الإفلاس الرسمي…وتورّط في تشكيل حكومة بسبب عقدة الخوف والريبة من كل من سيرشحهم لحقائبه الوزارية، فما أتاه المشيشي أصبح هاجسا تطوّر إلى عقدة عند مولانا، فهذا الأخير يعاني اليوم من “العقدة المشيشية” ولا أظنّ أنه سيثق في أي اسم يعرض عليه لذلك فلا غرابة أن يأتي بتشكيلة حكومية من داخل القصر أو بتزكية من بعض سكان القصر…في انتظار أن يفقد ثقته في بعض من هم حوله داخل القصر…لينقلب على من هم حوله…في القصر…
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم بعد فشل مولانا في العبور بمشروعه من محطته الأولى، هو ماذا سيفعل من هرولوا وراء مولانا وهل سيواصلون التصفيق والصراخ…؟؟ أم سيرددون داخلهم ” ويل للمصفقين…الذين كانوا باسم مولاهم عاليا يصرخون”…؟
كما عرضنا في عددنا السابق من جريدة “جلنار” بعض المعطيات المتعلقة بالساحة الوطنية داخليا وخارجيا وكما أشرنا إلى انحرافات خطيرة لبعض وجوه المعارضة عبر نشر الأكاذيب والتظلل بالـ”غرف المظلمة” المعدة لضرب تونس، بالإضافة إلى حمى الدعوات لنشر الفتن وتحريك شعب ليس في حاجة لمعاناة أكثر ويحلم بالأمن والأمان والازدهار وليس بتحقيق أهداف نرجسية أو وصولية أو عميلة لجهات أثبتت سابقا وهاهي ذا تثبت لاحقا فراغ خزانها من أية مشاعر وطنية.
كما شرحنا أيضا الحاجة الماسة لدعم القدرة الشرائية للمواطن التي وصلت إلى حد لا يحسد عليه لأسباب موضوعية وربما أيضا عملية، منها أن السلطة الحالية تجد نفسها أمام إرث ثقيل من ديون الحكومات السابقة، ولعل أكبر دليل تقدمنا به هو دفع الحكومة التونسية لقسط كبير من ديون متراكمة تعود لسنوات 2015 أو قبلها أوبعدها، و الأهم هو أن هذه الديون خلال حكومات الترويكا والنهضة لم توجه إلى أي برنامج تنمية بل على العكس تماما تم تخصيص جزء من موارد البلاد لإسكات الإضرابات و خلق شركات بستنة دون وجود بساتين وضرب سوق الفوسفات مع الهند وغير الهند. وإحقاقا للحق فقد سعت السلطة الحالية إلى إعادة هذه الموارد ولو أنها قابلة لمزيد التطوير.
هذه بعض الإشارات دون أن نتعمق في الكثير من التفاصيل التي أنهكت الموارد الوطنية ليفهم الجميع أن أدنى الشروط والقواعد لأية ثورة تستوجب:
أولا وجود قيادة فرضتها الأحداث والقناعات الشعبية،
ثانيا، طرح برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني لدرء نقاط ضعف أو تجاوز المنظومة القديمة.
ثالثا، توفير المتطلبات من أمن ومعيشة طبيعية على الأقل للمواطنين عبر تحسين الطاقة الشرائية وشغل لا تعيقه نسبة كبيرة من البطالة، ثم فرض تطور مطرد للقطاعات العامة مثل الصحة والتعليم والنقل وضمان الاكتفاء الذاتي.
ودون هذه الشروط لا يمكن علميا أو حتى ديماغوجيا تحقيق تحولات صغرى أو كبرى بالثورة ونتائج جل هذه التحولات على بعض البلدان لم تأت إلا بمزيد من التخلف والانهيار الاقتصادي و الأمني مما أعاد حنين بعض الشعوب إلى ما فات والندم عليه ندامة الكسعي.
المقنترحات العاجلة:
ان الشعب التونسي يستحق الأفضل وهو شعب صعب المراس ولا يخضع لأية تاثيرات غير قناعاته بل إن أية محاولة لتوجيهه تعود بالوبال على الزمر التي قامت بها، لكنه أيضا شعب صبور على الشدائد وشظف العيش من أجل الإخلاص لاختباراته وقناعاته إلى حدود معينة، فلا مجال لتحريك من جهات خبر حكمها جيدا ولفظها ولا مجال لأي مستعين بالخارج، لكن شعبنا يعبر عن معاناته المتمثلة في معيشته وشغله ورفاهه، ولعل إحدى صفاته انه “موقوت فجئي” لا يسمح لأي طرف بتفكيك توقيت انتفاضاته أو غضبه، ذلك أنه إن عدنا قليلا إلى التاريخ نتذكر “ثورة الخبز” وقبلها 26 جانفي وبعدها الحوض المنجمي و17 ديسمبر وغيرها من الانتفاضات التي لم تكن في حسبان أي جهاز وطني أو خارجي.
واليوم لنتدرج إلى أهم المتطلبات الوطنية تالقائمة في أعلى هرم الأولويات:
أولا، لعل الضغط على الأسعار المتعلقة بقوت المواطن تعد أهم ضرورة، فمن المهازل أن يستمر. ارتفاع سعر اللحوم إلى هذا الحد و كذلك أسعار الخضر والغلال وبقية المواد المعيشية، وعلى السلطة أن تحدد وتفرض تطبيق اسعار اللحوم أقل من 25 دينارا للكيلوغرام، وعلى كل من يتأفف من ذلك أن يبحث عن مورد رزق آخر فالشعب لا يستحق التنكيل به إلى هذا الحد.
ثانيا، إن معضلة أفارقة جنوبي الصحراء تكتسي خطورة أمنية تمس حتى من كينونة بلادنا وتركيبة سكانها وتعد قنبلة موقوتة ضد تونس، وعليه فإن الجمع بين الإعادة الطوعية والإجلاء القسري يعد من أهم الضروريات.
ثالثا، ,على المستوى السياسي ورغم انزلاق البعض نحو الاحتماء بالخارج وهذا متوقع ويصنف قانونا كخيانة عظمى، فإن بعض فصائل المعارضة الوطنية تستحق انفتاحا من السلطة وربما تشريكا لصالح ضمان سير أي وطن، لكن على عكس ذلك فإن بعض الوجوه والجهات العدوانية التي تدعو إلى الفتنة والحلم بعودة حكم عرفت فترته الإرهاب والاغتيال والغنيمة والسحل والرش والتغول في كل قطاعات البلاد خدمة للمنظومة وليس للشعب، وجوه السوء هذه لن يكون لها أي دور جديد غير الرغبة الجامحة في دمار البلاد والانتقام من الشعب واختياراته.
رابعا، تنقية الأجواء السياسية وذلك ببعث محكمة دستورية يقودها رجال وطنيون لا يؤمنون الا بالعدل والمصلحة الوطنية.
خامسا، لايعد تدخلا في القضاء متى ما كان هدف العفو عن عدد من المساجين الذين لا علاقة لهم بالارهاب أو المؤامرات او الفساد المالي أو الحق العام. ونظن ان شريحة من المساجين قد تستحق العفو الذي يدخل دستوريا ضمن صلاحيات رئيس الدولة.
خامسا، إننا إذ ننوه بجهود السلطة القائمة في عديد الميادين (النقل، الأمن، مقاومة الفساد، الطرقات، إعادة موارد البلاد مثل الفوسفات الذي تم تجميده طيلة العشرية)، فإن عددا من القطاعات يتطلب مزيدا من العناية مثل القطاع الصحي والقطاع الفلاحي، وبالمناسبة فإنه من غير المقبول أن لا يستجيب هذا القطاع الهام إلى ضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي.
كذلك لابدّ من مراجعة شاملة لقطاع التعليم وإدراج مادة السلوك الحضاري ومفهوم الوطنية وقدسية العمل ضمن برامجه للإسراع بغرس المقومات الاخلاقية والوطنية في أجيال تونس القادمة انطلاقا من رياض الأطفال إلى حدود الجامعات، لخلق مجتمع ناضج وليس فقاقيع من البؤر والكسل والاستقالة من الشأن الوطني.
لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.
فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت علىمسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.
كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها
ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.
إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا
ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…
ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها
المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز
نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.
علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…
ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟
ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…
هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…
خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…
وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…
أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟