تابعنا على

لمْسُ نار

متى يتوقّف التغفيص؟؟

نشرت

في

تعيش تونس منذ أكثر من 3 أشهر على وقع تطوّرات سياسية و تجاذبات بين أطراف مختلفة زادها الوضع الاقتصادي المتأزم خطورة … 

<strong>عبير عميش<strong>

و بدل أن نبحث عن حلول سريعة تخرجنا من المأزق و تبعث الأمل في المواطنين، فإننا نسير في خيار مختلف و لا يبدو حل الإشكاليات اليومية أولوية لدى السلطة الحاكمة و خاصة لدى رئيس الجمهورية … فأزمة النفايات في صفاقس تراوح مكانها منذ قرابة الشهرين و لم يبحث لها عن حلّ جذري و لم يفكّر حتى في تعيين وال على المدينة منذ قرار إعفاء الوالي السابق في شهر أوت الماضي . و ضعف السيولة في البلاد وفقدان بعض المواد الأساسيّة لا يحتاج منه ـ على ما يبدو ـ إلى بحث عن حلول اقتصاديّة قصيرة الأمد … فكل ما يشغله هو التمكين لمشروعه السياسي و تحضير الأرضية للانطلاق في تنفيذه على أرض الواقع  

و الحكومة رغم أننا لا نعرف عنها شيئا و رغم اعتمادها نفس السياسة الاتصالية لرئاسة الجمهورية  التي يغيب فيها الحوار و الشفافيّة فلم نشاهد أعضاءها و حتى رئيستها إلا مطأطئي الرؤوس مستمعين للرئيس و هو يلقي عليهم خطبه الأسبوعيّة في المجالس الوزاريّة ، إلا ان الواقع يؤكد أنها تعيش أزمة حكم و تعاني تبعات تركة ثقيلة ورثتها عن الحكومات المتعاقبة، و أزمة اقتصادية غير مسبوقة بسبب فقدان الموارد الخارجية و إغلاق المؤسسات الدولية الأبواب في وجهها … ومازلنا إلى اليوم لا نعرف كيف ستتم تعبئة الموارد لإكمال ميزانية  2021 التي تشكو نقصا بحوالي 9.7 مليار دينار و لا ما هي ملامح ميزانية 2022  خاصة بعد الخطاب القصووي لرئيس الجمهورية و استعدائه لكل الأطراف داخليا و خارجيا ، و مع تنامي البطالة و بلوغها نسبة 18.4% و هي نسبة قياسية لم تبلغها تونس قطّ حيث تجاوز عدد العاطلين عن العمل 740 ألف عاطلا …

في هذه الظروف يأتي اجتماع الحكومة مع اتحاد الشغل في بداية الأسبوع و يأتي كذلك خطابان متتاليان لرئيس الجمهوريّة يومي الخميس و الجمعة

أمّا عن لقاء الاتحاد بالحكومة الذي أسال الكثير من الحبر و استدعى الكثير من التساؤلات قبل انعقاده، حيث أنّ الجميع كان ينتظر مآلات اللقاء لما فيها من انعكاس على جوانب حياة التوانسة، و كان الخوف من أن لا يلتقي الطرفان على رؤية واحدة فتتعمّق الأزمة في البلاد. و لكن التصريحات كذّبت التخوّفات  حين خرج الجميع باسمين هاشين، ليطمْئنوا الشعب على الالتقاء حول وجهات النظر و الاتفاق على حل كل المشاكل و الشروع في إصلاح قطاعات هامة كالتعليم و الصحّة و النقل و غيرها… بل أكثر من ذلك، إذ وقع التأكيد على تفعيل الاتفاقيات السابقة  و على التنسيق للتفاوض حول الزيادات في الأجور. و بقي الملاحظون يتابعون الأمر “مزبهلّين” !  فمن أين ستأتي الحكومة بالأموال اللازمة لذلك و كيف ستستطيع التوفيق بين طلبات الاتحاد من جهة و شروط صندوق النّقد الدّولي للعودة إلى المفاوضات من جهة أخرى … كيف تقدّم الحكومة وعودا كتلك ؟ و أيّ فخّ وقعت فيه ؟ و بأيّ عقل تفكّر الدّولة إن لم يكن عقل “التغفيص” ؟

 من جهة،  حكومة تعِد الاتحاد يوم الاثنين بتحقيق بعض مطالب الشغالين. و من جهة أخرى،  رئيس الجمهوريّة يقول للشعب يوم الجمعة بأنّه لن يفعّل القانون عدد 38 الخاص بتشغيل أصحاب الشهائد العليا ممّن طالت بطالتهم و يعتبر، كما صدر في بيان الرئاسة،  أنّه “وُضع في أوت 2020  كأداة للحكم و احتواء الغضب و بيع الأوهام و ليس للتنفيذ” . و لكنّ السؤال البديهي الذي أهمل قيس سعيّد الإجابة عنه هو : لماذا صادقت على القانون و أمضيته في الآجال القانونيّة و أصدرته في الرّائد الرّسمي  إذا كنت تعتبره بيعا للأوهام ؟ لماذا لم تكن لك حينها شجاعة الاعتراض عليه  و شرح  وجهة نظرك للمواطنين ؟ أم أنك أيضا – مثل الآخرين الذين تتهمهم دوما –  كنت تريد من خلاله نصب فخّ للحكومات التي تعيّن رؤساءها ثمّ تعاديهم ؟؟

 و لكم أن تتخيلوا ما أثاره هذا التصريح من غضب في صفوف الشباب المساند للرئيس و الذي كان يرى فيه الأمل للخروج من شبح الفقر و العطالة، فسقطت آماله و أحلامه في وحل السياسة و الحسابات الشعبويّة.

 أمّا عن خطاب يوم الخميس و بخلاف الاسطوانة المعهودة من الحديث عن تطهير القضاء و رغبة الشعب في تطهير القضاء فإنّ الدقائق الأخيرة منه كشفت عن رغبة الرئيس و تصوّراته السياسية و الاقتصادّية و هي تصورات متلازمة أساسها الانطلاق من القاعدي و المحلّي  

فهو يبحث عن تجسيد قانون الصلح الجزائي الذي لطالما تحدّث عنه منذ  سنة 2013 والذي يقتضي أن يموّل أكبر الفاسدين أفقر المعتمديّات لينشئ فيها المشروع الذي يجسّد إرادة سكانها و هكذا دواليك حتى يتبنّى كل الفاسدين كل المعتمديّات الفقيرة … و لكنّ ما لا نعرفه إلى اليوم هو هل أصدر القضاء حكما بشأن هؤلاء اللصوص و الفاسدين حتى يفرض عليهم الصّلح الجزائي، خاصة أنّ الرئيس يتحدّث عن قائمة قديمة لما قبل 2011 و عن قائمة جديدة من الفاسدين في عشرية “الثورة” تجاوز عددهم عدد الفاسدين السابقين ؟ فمن هم هؤلاء الذين يتحدّث عنهم و كيف و متى ستقع محاسبتهم و هل مازال لدى الشعب صبر للانتظار؟ و كيف سيقع التوافق على ما يريده شعب كلّ معتمديّة ؟ فلنفرض مثلا أن سكان كل معتمديّة يرغبون في إنشاء مستشفى جهوي أو جامعي في منطقتهم ، فهل سنجد مثلا أربعة مستشفيات متجاورة في ولاية واحدة تطبيقا لشعار الشعب يريد ؟؟

 أ لم تتضح للرئيس بعد عبثيّة هذا الشعار من خلال ما تعيشه  ولاية صفاقس؟ ففي صفاقس المدينة ، الشعب يريد رفع النفايات التي تراكمت منذ 55 يوما. و في عقارب، الشعب يريد إغلاق المصب الذي تجاوز عمره الافتراضي بسنوات عديدة . أمّا في المحرس، فإنّ الشعب لا يريد احتضان مؤسسة لرسكلة النفايات و تثمينها في منطقتهم وهو نفس الأمر بالنسبة إلى سكان منطقة الزوايد من طريق قرمدة كم 40 . فأية إرادة ستتحقق ؟؟

و بالتماهي مع ذلك  فيسيعمل على إصدار مرسوم لإنشاء شركات أهليّة لكل فرد فيها سهم واحد .. فماذا ستنتج هذه الشركات؟ و من سيموّلها؟ ومن سيديرها؟ ألا تذكرنا هذه الشركات بفكرة التعاضد التي جرّبت زمن بورقيبة و فشل بن صالح في إرسائها؟

فأين المستشارون الاقتصاديون لرئيس الجمهوريّة؟  ماذا يفعلون؟ لماذا خطورة الوضع الاقتصادي و خطورة هذه الأفكار التي تضعف السلطة المركزيّة و تتسبب في تفتيت الدّولة؟ أين ذهبت كفاءات البلاد؟ لماذا لا يقع الاتصال بها لإيجاد حلول عمليّة و واقعية و خاصّة سريعة للخروج من النفق و الابتعاد عن خطر الإفلاس ؟؟

إن بلدا يعاني أهله اختناقا اقتصاديّا لا يمكن أن يفكر في مشاكل أخرى. فالمواطن يهمه قوته و قوت عياله، يهمّه جيبه المثقوب الذي يعاني من تبعات الافلاس و التضخّم، يهمّه النّجاح في رفع الفضلات  و لا يعنيه النظام السياسي و لا النظام الانتخابي … لكنّ للرئيس رأيا آخر فهو يبحث عن إرساء نظام سياسي جديد يعدّ له عبر استفتاء الكتروني على القياس، و سيصدر عن قريب مرسوما لتنفيذه فمن أخبره بأنّ ذلك هو ما يريده الشعب فعلا؟ متى يستمع الرئيس إلى هواجس أبناء الشعب الحقيقية و ينزل من عليائه و برجه العاجي و يلتفت إلى المشاكل الفعليّة  و يبحث لها عن حلول واقعيّة؟ إلى متى و هو يتهم الآخرين بالفساد و التآمر و التنكيل بالشعب و سرقته؟ ماذا فعل طيلة أربعة أشهر انفرد فيها بالحكم؟ هل استرجعنا مليما واحدا من مئات المليارات الموعودة؟ هل تقدّم و لو شخص “فاسد” واحد لإرجاع المال وتشييد المستشفيات والمدارس في الجهات المحرومة؟ هل اشتغل عاطل واحد؟ هل أُنجز مشروع واحد؟ هل عُبّد طريق واحد؟ هل شعر المواطن بتحسّن في قدرته الشرائيّة؟

متى نحكّم العقل و نكفّ عن التغفيص؟

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لمْسُ نار

مدن غارقة في الماء … و إعلام غارق في عركة على قرنيطة!

نشرت

في

عبير عميش:

بين فيضانات 2018 وفيضانات 2026، تغيّرت التواريخ وتبدّلت الحكومات، لكن المشهد بقي ذاته: أمطار غزيرة، طرقات غارقة، أحياء معزولة، ضحايا و مفقودون ، زيارات ميدانية و خطابات مطمئنة…

والإشكال أن هذه الكوارث ليست بلا إنذار. فالأرصاد الجوية تحذّر عادة قبل 24 ساعة أو أكثر، والمعطيات العلمية حول التغيرات المناخية باتت واضحة، ومع ذلك تواصل الدولة التعامل مع الفيضانات بمنطق ردّ الفعل لا بمنطق الاستباق. وكأن المطلوب دائماً أن تقع الكارثة أولاً، حتى يبدأ التحرك بعدها. بعد فيضانات نابل 2018 شاهدنا جميعا يوسف الشاهد رئيس الحكومة آنذاك في تنقل ميداني إلى المنطقة المنكوبة وجلسات عمل و تيليتون لجمع التبرعات .. وقرارات ووعود … و هاهي نابل وما جاورها تُنكَب من جديد.

وُعِد التونسيون حينها بمراجعة البنية التحتية و إصلاح الطرقات و بناء الجسور و تطوير شبكات تصريف مياه الأمطار وتنظيف الأودية وإرساء نظم إنذار مبكر… لكنّ تلك الوعود كانت في أغلبها شعارات مناسباتية. فالأودية ظلّت مهملة، والبناء الفوضوي تمدّد، وشبكات التصريف لم تكن ضمن أولويات السلط لا الجهوية ولا الوطنية… كما غابت التصورات الفعالة لإدارة المخاطر الطبيعية. ورغم التوقعات الجوية بالتغييرات المناخية وبتأثر السواحل التونسية بالمنخفض الجوي، فإن النشرات الجوية لم تتجاوز حدود الخبر ولم تتحول إلى إنذارات وقرارات وقائيّة، وكأن حماية الأرواح مسألة ثانوية مقارنة بالخوف من “التهويل” أو من تبعات القرارات غير الشعبية.

في مثل هذه الأوضاع، يصبح التصرف الأسلم هو ذاك الذي يقدّم الإنسان على كل اعتبار… ولذا نزل قرار تعليق الدراسة بردا وسلاما على المواطنين فالخسائر المادية يمكن تعويضها، أما الأرواح فلا… و لكنه رغم ذلك يبقى قرارا منقوصا إذ لم يراع وضع الموظفين و العملة، وكأنّ الأزمة لا تعنيهم أو لا تؤثر فيهم أو كأنّ قدرتهم على المجازفة مفترضة سلفًا. فالفيضانات، في الواقع، تكشف تمييزًا ضمنيّا بين فئات المجتمع. فالتلاميذ تُعلَّق دروسهم حمايةً لهم أمّا الموظفون والعمال فيطلب منهم الحضور والعمل مهما كانت حالة الطرقات، ومهما بلغ الخطر، ومهما كانت وسائل النقل مفقودة أو مهدِّدة للحياة.

و لئن كان المواطن يتحمّل جزءا من المسؤولية في ما يقع بعدم احترامه للتحذيرات والقوانين واستسهاله البناء في مجاري المياه وعلى ضفاف الأودية، وبمساهمته في انسداد قنوات تصريف مياه الأمطار بسلوكاته اليومية الملوّثة، إلاّ أنّ هذه المسؤولية لا يمكن أن تكون شمّاعة تعلّق عليها السلطة إخفاقها وتهاونها. فالمواطن هو انعكاس لصورتها و أعمالها وهي التي تتحمّل المسؤولية الرئيسية وذلك بالتخطيط والوقاية والإعلام الصادق والردع وتطبيق القانون على الجميع .. فلا يحق للدولة تحميل الضحايا وزر سياساتها المرتبكة وتقصيرها في التعامل مع مثل هذه الوضعيات… حيث أن التعامل مع الفيضانات بعقلية الأمس لم يعد مجدياً، فما كان يُعتبر “أمطاراً غير معهودة” صار واقعاً متكررا وخطيرا وهذا يقتضي الإسراع في إعادة تصميم شبكات التصريف، ودمج التغير المناخي في السياسات العمرانية، والاستثمار الجدي في الوقاية بدل الاكتفاء بالترقيع بعد كل كارثة.

وبهذا الفهم لا يمكن أن نعتبر هذه الفيضانات قضاء وقدراً ، بل نتيجة خيارات وتأجيلات وتراكمات. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس لماذا نزلت الأمطار، بل لماذا نفشل دائما في حماية الناس منها رغم علمنا مسبقا بنزولها ؟ وحتى متى يتواصل هذا الفشل؟ في هذا السياق، لا يمكن تجاهل الشعبوية التي ترافق كل كارثة طبيعية في تونس، والتي تحوّل المأساة إلى مشهد سياسي أكثر منها قضية إنقاذ وإصلاح. فيصير المسؤول هو الخبر وتطغى صورته وتحرّكاته وخطاباته على صور المنكوبين وأحوالهم وتحجبها ، فمع كل فيضان أو فاجعة، يتكرّر السيناريو نفسه: زيارات ميدانية متأخرة، جولات في الأحياء المنكوبة، صور وفييوهات، تربيت على الأكتاف، عبارات تعاطف جاهزة من قبيل “نحن معكم” و“الدولة لن تتخلى عن أبنائها” و”الكلنا نعانيو” … دون أن تتبعها حلول جذرية…

و يمكن اعتبار أنّ ذلك التعاطف يدخل في خانة ترسيخ فكرة قبول الفشل والرضى بالأمر الواقع بدل المحاسبة والإصلاح وتقديم حلول حقيقية وفعالة .. ينسى المسؤول أو يتناسى أنّ المنكوبين، لا يحتاجون إلى من يربّت على أكتافهم بقدر ما يحتاجون إلى دولة تمنع عنهم الكارثة قبل وقوعها…. وإذا كان الإعلام في مختلف دول العالم الديموقراطي يقوم بدوره الحقيقي زمن الكوارث، فإن الإعلام التونسي ما زال دون المطلوب، إذ يكتفي بملاحقة الكارثة بدل أن يسبقها، فيصبح ناقلا للمأساة وموثِّقا للفشل بصور الغرق وشهادات الضحايا ونداءات الاستغاثة ومشاهد الدمار في الطرقات و الأحياء والمباني… بدل أن يساهم في إنقاذ الأرواح عبر بث التحذيرات المرتكزة على تحاليل علمية دقيقة (بلا تهويل أو تهوين) و عبر استضافة خبراء حماية مدنية وأرصاد جوية وهندسة وبيئة، لإرشاد الناس إلى الأماكن الآمنة و كيفية التعامل مع ذروة التساقطات.

وللإعلام أيضا دور أساسيّ في مثل هذه الوضعيات يتمثل في مقاومة الشعبوية. فبدل تضخيم صور الزيارات الرسمية والتعاطف اللغوي ، عليه أن يطرح الأسئلة المهمّة حول مدى الاستعداد للتدخلات وطبيعة الآليات الموضوعة على ذمة المواطنين، وأن يبحث عمّا أُنجز منذ الكارثة السابقة، وأن يستقصي عن مدى تقدم المخططات والمشاريع وعن مدى تجسيد الوعود الفائتة، و أن يستفسر عمن يتحمّل المسؤولية، ويتساءل لماذا تتكرر الأخطاء نفسها؟ أي أن يقوم بدوره الاتصالي والتحسيسي الذي يساهم في رفع الوعي وحماية المجتمع خاصة زمن الأزمات.

لكن إعلامنا في تونس صارت غايته الإثارة و أخذ أصحابه _ إلا من رحم ربّك _ يتسابقون من أجل التشبه بالكروكوزات و جماعة الانستغرام، حتى صار خبر عركة على قرنيطة يتصدر صفحات وسائل الإعلام ” الكبرى”!

Motif étoiles

أكمل القراءة

لمْسُ نار

حنّبعل الذي تكلم… وقرطاج التي لم تسمع

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبير عميش:

أسال تصريح لاعبنا الدولي حنبعل المجبري حول تأخر تونس وحول استغراق شعبها في الحلم بدل الفعل، حبرا كثيرا وقد تردّدت بعض الشيء قبل الكتابة في الموضوع..

لكنّ ما استفزّني هو استنقاص البعض من مواطنة اللاعب بحجة أنّه يعيش خارج البلاد (وكأنّ الوطن جغرافيا لا ذاكرة، وكأنّ المواطنة بطاقة إقامة لا جرح يسكن القلب) ومصادرة حقه في الكلام والنّقد، ومطالبتهم له بالسكوت عن الإخلالات، وهل أودى بنا إلى التهلكة غير الصمت والمهادنة والأغلبية الصامتة والسير حذو الحائط؟ و عندما يتجرّأ أحد المواطنين مهما كانت صفته ليوجّه لوما أو نقدا أو ليحدد مَواطن الخلل تُصوَّب نحوه السهام ويصير هو المذنب ؟؟

إنّ ما قاله حنبعل ليلتها ليس شتما أو استنقاصا من شأن البلاد أو إهانة لها بقدر ما هو صرخة من الداخل، من عمق الانتماء لا من خارجه ولحظة صدق مع الذات ومحاولة شُجاعة لفهم أسباب التعثّر، وتشخيص موجع لحالة تتجاوز المستطيل الأخضر إلى مربّعات الحياة كلّه …

حنبعل لم يقل إن تونس فاشلة، بل قال إنها متأخرة ، والفرق بين الكلمتين كبير.. الفرق بين الكلمتين مسافة فعل وأمل … التأخر يعني أنّ الطريق لم يغلق بعدُ، وأنّ الّلحاق ممكن، لكنّ ذلك يفترض شرطًا أساسيّا هو الاعتراف بالمشكلة والإسراع بالحلول الحقيقية لا الترقيعيّة … ومشاكل تونس بالجملة تحتاج منا فعلا وفعلا وفعلا … فليس بالأحلام و الأماني الطيّبة تُبنى الأوطان. المعضلة الحقيقية في تونس هي في العقلية التي تدير الرياضة والإدارة والتعليم والنقل والصحة وكلّ المؤسسات ..

المعضلة الحقيقية هي في طريقة التفكير وفي كيفية تبرير العجز إذ تُرفع شعارات الصبر، ويتحدث المسؤولون عن الظروف و المؤامرات و الإرث القديم و”حطّان العصا في العجلة ” .. ويُطلب من المواطن أن يتفهّم وينتظر، و“يزيد يصبر شوية” …

إنّنا في تونس لا نبحث عن حلول عملية وناجعة للفشل بل نغرق في التحاليل والخطب الرنانة ونعوّض الفعل بالجدل.. نحلّل أكثر مما نخطّط وننتقد أكثر مما ننجز .. تونس ليست متأخرة لأن أبناءها عاجزون، بل لأنها ما زالت أسيرة عقلية تُجيد الكلام وتخاف الفعل و تدمن التباهي والعيش على أمجاد الماضي دون أن تمرّ إلى تحمّل المسؤولية والاقتداء بالأسلاف

في تونس نحلم أكثر ممّا نعمل، ونتكلّم أكثر ممّا نحقّق و نُتقن التنظير في المقاهي ووسائل التواصل، ونفشل في أبسط أشكال التنظيم في الواقع. نطالب بالنتائج دون أن نتحمّل أثمانها، فلا نقبل بالانضباط ولا باحترام الوقت ولا بالجدية، ولا بالتكوين، ولا بالمحاسبة ..

نريد الوصول دون عناء الطريق، ونغضب حين لا يصل القطار … تكلّم حنبعل المجبري _كما تكلّم حنبعل برقة قبل قرون ، حين رأى الخطر قادمًا من الدّاخل قبل أن يأتي من الخارج _ فقال يوم المباراة إنّ الطريق صعب، وإن التأخّر ليس قدرًا بل نتيجة…. لكن قرطاج، الجديدة كما القديمة، لا تحبّ من يفسد عليها وهم الاطمئنان وتخشى ممّن يُذكّرها بأن الزمن لا ينتظر المتردّدين …

منذ قرون طويلة لم يسلك حنبعل القائد المحارب، الطريق الآمن و تجرّأ على عبور ما قيل إنّه غير قابل للعبور مرددا عبارته الشهيرة “إمّا أن نجد طريقًا… أو أن نصنعه”، في رفض تام لمنطق الانتظار والاستسلام والعجز … واليوم حنبعل اللاعب المحارب يفعل الشيء نفسه فيرفض الحسابات والبقاء الآمن و يكفر بعبارة “ليس بالإمكان أفضل ممّا كان”.

و إذا كان حنبعل برقة قد كشف لتونسيّي ذلك الزمان أن الخطر الحقيقي لا يأتي دائمًا من وهن القوّة المادية والجسدية بل من العقل الذي يقبل الخضوع، فإنّ حنبعل المجبري يذكّرنا بأن الخطر الحقيقي على تونس اليوم ليس في ضعف الإمكانيات، بل في ضعف الجرأة على تسمية الأشياء بأسمائها ..

لهذا أزعج كلام حنبعل الكثيرين لأنه كسر مرآة الوهم التي اعتدنا أن نُجمِّل فيها أنفسنا. لأنه _ بحرارة الروح _ قال ما لا يرغبون في قوله و ذكّرنا بأننا نُكافئ الصّامت ونُعاقب المتكلم وأنّنا نُمجّد الرداءة إذا لبست ثوب الوطن، و نُخوِّن النقد بدل أن نُصغي إليه..

كلام حنّبعل يوم الخسارة عرّى بعضا من حقيقتنا وأشار إلى مكامن الدّاء، ولن تتقدّم تونس وأهلها إلاّ يوم تواجه مشاكلها بصدق، وتمتلك شجاعة النظر في المرآة دون غضب، وتكفّ عن معاداة الصراحة، وتعتبر النقد فرصة لا خيانة.

أكمل القراءة

لمْسُ نار

مدن غارقة في الماء … و إعلام غارق في عركة على قرنيطة!

نشرت

في

عبير عميش:

بين فيضانات 2018 وفيضانات 2026، تغيّرت التواريخ وتبدّلت الحكومات، لكن المشهد بقي ذاته: أمطار غزيرة، طرقات غارقة، أحياء معزولة، ضحايا و مفقودون ، زيارات ميدانية و خطابات مطمئنة…

والإشكال أن هذه الكوارث ليست بلا إنذار. فالأرصاد الجوية تحذّر عادة قبل 24 ساعة أو أكثر، والمعطيات العلمية حول التغيرات المناخية باتت واضحة، ومع ذلك تواصل الدولة التعامل مع الفيضانات بمنطق ردّ الفعل لا بمنطق الاستباق. وكأن المطلوب دائماً أن تقع الكارثة أولاً، حتى يبدأ التحرك بعدها. بعد فيضانات نابل 2018 شاهدنا جميعا يوسف الشاهد رئيس الحكومة آنذاك في تنقل ميداني إلى المنطقة المنكوبة وجلسات عمل و تيليتون لجمع التبرعات .. وقرارات ووعود … وهاهي نابل وما جاورها تُنكَب من جديد.

وُعِد التونسيون حينها بمراجعة البنية التحتية و إصلاح الطرقات و بناء الجسور و تطوير شبكات تصريف مياه الأمطار وتنظيف الأودية وإرساء نظم إنذار مبكر… لكنّ تلك الوعود كانت في أغلبها شعارات مناسباتية. فالأودية ظلّت مهملة، والبناء الفوضوي تمدّد، وشبكات التصريف لم تكن ضمن أولويات السلط لا الجهوية ولا الوطنية… كما غابت التصورات الفعالة لإدارة المخاطر الطبيعية. ورغم التوقعات الجوية بالتغييرات المناخية وبتأثر السواحل التونسية بالمنخفض الجوي، فإن النشرات الجوية لم تتجاوز حدود الخبر ولم تتحول إلى إنذارات وقرارات وقائيّة، وكأن حماية الأرواح مسألة ثانوية مقارنة بالخوف من “التهويل” أو من تبعات القرارات غير الشعبية.

في مثل هذه الأوضاع، يصبح التصرف الأسلم هو ذاك الذي يقدّم الإنسان على كل اعتبار… ولذا نزل قرار تعليق الدراسة بردا وسلاما على المواطنين فالخسائر المادية يمكن تعويضها، أما الأرواح فلا… و لكنه رغم ذلك يبقى قرارا منقوصا إذ لم يراع وضع الموظفين و العملة، وكأنّ الأزمة لا تعنيهم أو لا تؤثر فيهم أو كأنّ قدرتهم على المجازفة مفترضة سلفًا. فالفيضانات، في الواقع، تكشف تمييزًا ضمنيّا بين فئات المجتمع. فالتلاميذ تُعلَّق دروسهم حمايةً لهم أمّا الموظفون والعمال فيطلب منهم الحضور والعمل مهما كانت حالة الطرقات، ومهما بلغ الخطر، ومهما كانت وسائل النقل مفقودة أو مهدِّدة للحياة.

و لئن كان المواطن يتحمّل جزءا من المسؤولية في ما يقع بعدم احترامه للتحذيرات والقوانين واستسهاله البناء في مجاري المياه وعلى ضفاف الأودية، وبمساهمته في انسداد قنوات تصريف مياه الأمطار بسلوكاته اليومية الملوّثة، إلاّ أنّ هذه المسؤولية لا يمكن أن تكون شمّاعة تعلّق عليها السلطة إخفاقها وتهاونها. فالمواطن هو انعكاس لصورتها و أعمالها وهي التي تتحمّل المسؤولية الرئيسية وذلك بالتخطيط والوقاية والإعلام الصادق والردع وتطبيق القانون على الجميع .. فلا يحق للدولة تحميل الضحايا وزر سياساتها المرتبكة وتقصيرها في التعامل مع مثل هذه الوضعيات… حيث أن التعامل مع الفيضانات بعقلية الأمس لم يعد مجدياً، فما كان يُعتبر “أمطاراً غير معهودة” صار واقعاً متكررا وخطيرا وهذا يقتضي الإسراع في إعادة تصميم شبكات التصريف، ودمج التغير المناخي في السياسات العمرانية، والاستثمار الجدي في الوقاية بدل الاكتفاء بالترقيع بعد كل كارثة.

وبهذا الفهم لا يمكن أن نعتبر هذه الفيضانات قضاء وقدراً ، بل نتيجة خيارات وتأجيلات وتراكمات. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس لماذا نزلت الأمطار، بل لماذا نفشل دائما في حماية الناس منها رغم علمنا مسبقا بنزولها ؟ وحتى متى يتواصل هذا الفشل؟ في هذا السياق، لا يمكن تجاهل الشعبوية التي ترافق كل كارثة طبيعية في تونس، والتي تحوّل المأساة إلى مشهد سياسي أكثر منها قضية إنقاذ وإصلاح. فيصير المسؤول هو الخبر وتطغى صورته وتحرّكاته وخطاباته على صور المنكوبين وأحوالهم وتحجبها ، فمع كل فيضان أو فاجعة، يتكرّر السيناريو نفسه: زيارات ميدانية متأخرة، جولات في الأحياء المنكوبة، صور وفييوهات، تربيت على الأكتاف، عبارات تعاطف جاهزة من قبيل “نحن معكم” و“الدولة لن تتخلى عن أبنائها” و”الكلنا نعانيو” … دون أن تتبعها حلول جذرية…

و يمكن اعتبار أنّ ذلك التعاطف يدخل في خانة ترسيخ فكرة قبول الفشل والرضى بالأمر الواقع بدل المحاسبة والإصلاح وتقديم حلول حقيقية وفعالة .. ينسى المسؤول أو يتناسى أنّ المنكوبين، لا يحتاجون إلى من يربّت على أكتافهم بقدر ما يحتاجون إلى دولة تمنع عنهم الكارثة قبل وقوعها…. وإذا كان الإعلام في مختلف دول العالم الديموقراطي يقوم بدوره الحقيقي زمن الكوارث، فإن الإعلام التونسي ما زال دون المطلوب، إذ يكتفي بملاحقة الكارثة بدل أن يسبقها، فيصبح ناقلا للمأساة وموثِّقا للفشل بصور الغرق وشهادات الضحايا ونداءات الاستغاثة ومشاهد الدمار في الطرقات و الأحياء والمباني… بدل أن يساهم في إنقاذ الأرواح عبر بث التحذيرات المرتكزة على تحاليل علمية دقيقة (بلا تهويل أو تهوين) و عبر استضافة خبراء حماية مدنية وأرصاد جوية وهندسة وبيئة، لإرشاد الناس إلى الأماكن الآمنة و كيفية التعامل مع ذروة التساقطات.

وللإعلام أيضا دور أساسيّ في مثل هذه الوضعيات يتمثل في مقاومة الشعبوية. فبدل تضخيم صور الزيارات الرسمية والتعاطف اللغوي ، عليه أن يطرح الأسئلة المهمّة حول مدى الاستعداد للتدخلات وطبيعة الآليات الموضوعة على ذمة المواطنين، وأن يبحث عمّا أُنجز منذ الكارثة السابقة، وأن يستقصي عن مدى تقدم المخططات والمشاريع وعن مدى تجسيد الوعود الفائتة، و أن يستفسر عمن يتحمّل المسؤولية، ويتساءل لماذا تتكرر الأخطاء نفسها؟ أي أن يقوم بدوره الاتصالي والتحسيسي الذي يساهم في رفع الوعي وحماية المجتمع خاصة زمن الأزمات.

لكن إعلامنا في تونس صارت غايته الإثارة و أخذ أصحابه _ إلا من رحم ربّك _ يتسابقون من أجل التشبه بالكروكوزات و جماعة الانستغرام، حتى صار خبر عركة على قرنيطة يتصدر صفحات وسائل الإعلام ” الكبرى”!

Motif étoiles

أكمل القراءة

صن نار