تابعنا على

جور نار

سيدي الرئيس … أنا لا أحبّك حتى إشعـــــار آخر !

نشرت

في

سألتني حفيدتي “لماذا لا يضحك الرئيس ولماذا هو دائم الصراخ…أنا أخافه حين يخطب…أنا لا أحبه” قلت أنا أيضا لا أحب الرئيس وأخافه…وأخاف على تونس منه…هكذا كانت بداية حواري مع حفيدتي التي واصلت لتقول: “هل يجب أن أحب الرئيس جدّي؟” قلت لا بُنيتي الدستور لا ينصّ على حبّ الرئيس أو كرهه…الدستور ينصّ فقط على حبّ الوطن…والوطن ليس الرئيس…الوطن ثابت خالد إلى الأبد…والرئيس متحوّل…

محمد الأطرش Mohamed Alatrash
محمد الأطرش

أي نعم…أنا لا أحب الرئيس…سيسألني بعضكم لماذا؟ سأقول…لا أحب الرئيس لأنه ومن خلال ما يأتيه لا أرى أنه يحبني…فماذا سأقول غدا لو سألني أحفادي حين يكبرون ويعرفون الحقيقة، لماذا ساندت رئيسا انقلب على شركائه…وانفرد بالحكم؟ ماذا سأقول لهم لو سألوني كيف رضيت بأن يحكم البلاد شخص انقلب على شركائه، فقط، لأنه يريد تعديل الدستور قصد توسيع قائمة صلاحياته…؟ ماذا سأقول؟

كيف لي أن أحب رئيسا لم ينجز وعدا واحدا من وعوده؟ كيف لي أن أحب رئيسا لم يسلم من لسانه خصم واحد من خصومه؟ كيف لي أن أحب رئيسا لا برنامج له غير ضرب خصومه ورفع الشعارات التي لا أحد يصدقها، ولا أحد يصفّق لها غير من لا يفقهون في الدولة وشؤون الدولة ومن كلفوا بمهمّة التصفيق؟ كيف لي أن أحب رئيسا لا برنامج له غير الخطب النارية الناسفة للخصوم؟ كيف لي أن أحبّ رئيسا لم يأت إلى ساعتنا هذه بما يفيد البلاد والعباد؟ كيف لي أن أحب رئيسا أفسد علاقاته مع كل مكونات المشهد السياسي التونسي؟ كيف لي أن أحب رئيسا ما يأتيه يوحي بأنه سيقلب النظام إلى شبه نظام ملكي لا أحد يشاركه فيه الحكم؟ كيف لي أن أحب رئيسا يحارب المحاصصة السياسية في خطبه ويمارسها في تعييناته الجهوية والوطنية؟ كيف لي أن أحب رئيسا لا يعترف بكل من سبقوه في الحكم، وكأن كل شيء بدأ يوم وصوله إلى الحكم؟ كيف لي أن أحبّ رئيسا اختار أن ينقلب على شركائه لينقذ نفسه ويستحوذ على كل السلطات التي لم يمكّنه منها الدستور، الذي به أصبح رئيسا، وبأحد فصوله انقلب على شركائه، ومنه يريد اليوم التخلّص؟

كيف لي أن أحب رئيسا أضاع الوقت على البلاد والعباد ولم يفعل أمرا واحدا يخرجها مما هي فيه؟ كيف لي أن أحب رئيسا لا يعرف أين يبدأ الحق وأين ينتهي، فكل ما يأتيه هو الحق…وكل ما يأتيه خصومه باطل وعلى غير حق؟ كيف لي أن أحب رئيسا يرى أن سعادة وازدهار البلاد في أن تكون كل سلطاتها في يد شخص واحد؟ كيف لي أن أحب رئيسا يريد أن يكون المتحدّث الوحيد باسم الشعب، والناطق الوحيد بما يريده هذا الشعب؟ كيف لي أن أحب رئيسا يكره الأغنياء ويرى أن جميعهم نهبوا البلاد، وأن عليهم إعادة الأموال المنهوبة إلى الشعب، أي شعب هذا الذي سرقه الأغنياء…كل الأغنياء؟ كيف لي أن أحب رئيسا يتصرّف وكأنه الملك أو السلطان، لا يقبل من يتحدّث معه ولا من يناقشه، فهو الوحيد الذي يتكلّم وعلى الجميع الاستماع لما يقول؟ كيف لي أن أحب رئيسا أصبح ضحية لأشخاص أحاط نفسه بهم، ووثق بهم، فاستطاعوا أن يعزلوه دون أن يدري عن الشعب، وعمن يمكن لهم إفادته ومساعدته عن كيف تدار شؤون الدولة؟

كيف لي أن أحب رئيسا صدّق بعض من قدموا له معلومات واستشارات كاذبة وملغومة كانت السبب في أخذ بعض القرارات الخاطئة، التي قد تضرّ لاحقا بشعب مطحون لم يجد من يشعر بمعاناته؟ كيف لي أن أحب رئيسا يعرف جيدا معاناة الشعب، ويكشف عن ذلك في كل دروسه الوزارية عفوا في كل مجالسه الوزارية، ويقبل بأن يستمر هذا الوضع على ما هو عليه بما يروّج عن قانون مالية سيزيد من أوجاع الشعب وآلامه؟ كيف لي أن أحب رئيسا يريد تمويل ميزانية الدولة بما في جيوب الشعب وبما ادّخرُوه في أرصدتهم البنكية؟  كيف لي أن أحب رئيسا صدّق من أوهموه بأن للدولة أموالا بالمليارات نهبها رجال الأعمال، وأخرى مهرّبة هرّبها هؤلاء أيضا؟ كيف لي أن أحب رئيسا صدّق كل ما يقال له عن أحوال البلاد الاقتصادية وعن أوضاعها المالية، إلى درجة أنه لا يزال يصرّ أن البلاد غنية ولا تخشى من الفقر؟ كيف لي أن أحبّ رئيسا كثر في عهده الذي لم يتجاوز الستّة أشهر التخوين والتهويل والأحداث المفبركة، والروايات الخيالية وسياسات الإلهاء، وتحويل وجهة الشعب بالإعلام والقوادين والأتباع والمصفقين؟

كيف لي أن أحبّ رئيسا لم يلتفت إلى يومنا هذا لمشاكل الشعب الحقيقية، في الصحّة… والتعليم …والتشغيل… والعيش الكريم… والكرامة والعدالة ورفع المظالم… وغلاء الأسعار والمحسوبية في الانتدابات… والتوريث في الشغل والحرقة والتهميش؟ كيف لي أن أحبّ رئيسا لم يع إلى يومنا هذا أن هذا الشعب هو وحده من يدفع ولا يزال ضريبة عشر سنوات من الحكم غير المسؤول؟ كيف لي أن أحب رئيسا لا يحرّك ساكنا أمام رغبة أتباعه في الانتقام والثأر وإقصاء كل من حكموا البلاد منذ موت السكّير وقبله؟ كيف لي أن أحبّ رئيسا ملأ بعضهم صدره حقدا على كل من سبقوه في الحكم، فحوّلوا وجهته من التفكير في انقاذ البلاد من أزمتها، إلى كيف يتخلّص من خصومه ويبعدهم عن طريقه قبل الانتخابات القادمة؟ كيف لي أن أحبّ رئيسا أوهمه بعض من هم حوله أن كل ما يـأتيه عقلاني ومنطقي وحكيم، وكل من يعارضونه فيه هم على باطل؟ كيف لي أن أحبّ رئيسا لم يع إلى يومنا هذا أن المناخ الاجتماعي على فوهة بركان، وأن الانفجار قادم لا محالة، وأن ظهر الشعب المطحون لامس الحائط ولا مفرّ من المواجهة في قادم الأيام والاشهر، إن لم يدرك الرئيس خطورة المرحلة؟

كيف لي أن أحبّ رئيسا لم يقرأ دروس الماضي جيّدا، ولم يدرك أن تأخر خروج الشعب على حاكمه ليس جبنا ولا خنوعا ولا حنينا لحكم الرجل الواحد وسلطة “الماتراك” ولا كرها في خصومه، بل حكمة وخوفا على تونس من فوضى قد يستفيد منها من يقتاتون من الفوضى والخراب؟ كيف لي أن أحبّ رئيسا لم يعرف خطورة أن يجوع شعبه، عليه وعلى الدولة وعلى مستقبل الوطن والأمّة؟ كيف لي أن أحبّ رئيسا يعتبر كل من يعارضه “إخوانيا” من أبناء الغنوشي وفاسدا وانتهازيا وخائنا ومتآمرا وله أجندات خارجية ومدفوع الأجر، ويعتبره ناكرا للجميل وجحودا لا يفاخر بما أنجزه رئيس البلاد منذ استحواذه على حكم البلاد ورقاب العباد؟ كيف لي أن أحبّ رئيسا يعتبر نفسه أقدر وأعلم من الجميع بما يجب أن يقوم به من أجل البلاد؟ كيف لي أن أحبّ رئيسا لا يعترف بقامات البلاد ولم يفكّر في تشكيل هيئة من حكماء البلاد ينصحونه ويفيدونه بما لهم من تجربة، وخبرة، وتاريخ، ويستشيرهم في كل ما يفيد العباد والبلاد؟ كيف لي أن أحبّ رئيسا يرى أنه أكبر من الدولة ومن قامات الدولة، ومن تاريخ الدولة، ويريد إعادة كتابة التاريخ لنفسه على مقاسه؟

كيف لي أن أحب رئيسا يعتبره البعض رسولا بقولهم “لا ينطق عن الهوى” وهو إنسان يصيب ويخطئ؟ كيف لي أن أحب رئيسا يفاخر ويعتبر تغيير يوم الاحتفال بذكرى انقلاب 14 جانفي إنجازا يحسب له ولعهده؟ كيف لي أن أحب رئيسا يعتبر إقصاء خصومه انجازا يعطيه الشرعية الكبرى ويجلسه ملكا على البلاد والعباد؟ كيف لي أن أحب رئيسا قد تشعل كل خطبه نار الفتنة بين أفراد هذا الشعب؟ كيف لي أن أحب رئيسا لا يحب أحدا من مكونات المشهد السياسي، وهو الذي كان شريكا لهم؟ كيف لي أن أحب رئيسا لم يظهر الحب لأي مواطن تونسي من شمال البلاد إلى جنوبها من غير أتباعه، فمن يكره حزبا يكره أتباعه، ومن يحقد على حركة يحقد على أتباعها؟ كيف لي أن أحب رئيسا لا يريد استخلاص تجربة المغفور لها “عشرية الخراب” بأخطائها وبفوائدها حتى لا نكرر هذه الأخطاء ونستفيد من الفوائد؟ كيف لي أن أحب رئيسا لم يأخذ العبرة من الذين سبقوه من الرؤساء السابقين فهل سينتظر أن يمر بنفس التجربة بتبعاتها واسقاطاتها؟

كيف لي أن أحبّ رئيسا أقام بينه وبين الجزء الأكبر من شعبه الذي لا ينتمي لتنسيقياته حائطا من الفولاذ الذي لا يمكن اختراقه؟ كيف لي أن أحبّ رئيسا أحاط نفسه بمجموعة من المنتفعين ممن ينقلون للحاكم صورة مخالفة للواقع الذي يغلي خلف الجدار الفاصل بين الحاكم والمحكوم؟ كيف لي أن أحب رئيسا يرى في حجم من انتخبوه شرعية تسمح له بحكم البلاد والعباد كما يريد، وكيف يريد، وبالصيغة الذي يريد، وللمدّة التي يريد؟ كيف لي أن أحب رئيسا يصدّق من أتباعه من يوهمه بأن الشعب يأكل حتى التخمة…وسعيد بسعيّد ولا ينقصه شيء في ظلّ حكمه العادل، ولا يرغب في سماع من يقول له إن المجاعة على الأبواب والإفلاس يدق الباب؟ كيف لي أن أحب رئيسا لا يرغب في سماع أي صوت سوى صوت الوصوليين، ومن لا ينقلون له سوى ما يرغب هو في سماعه؟ كيف لي أن أحب رئيسا يصدّق من يقول له ومن يهتف باسمه قائلا إن الله اصطفاه وفضله على غيره من البشر تفضيلا…وأن حكمه سيدوم بإذن الله طويلا؟

كيف لي أن أحبّ رئيسا لا يدرك أن الشعوب حين تجوع وتُظلم وتُحرم من أبسط حقوقها تحمل في طياتها طاقة هائلة قابلة للانفجار في أية لحظة؟ كيف لي أن أحبّ رئيسا لا يؤمن بأن الملك لا يدوم لأحد وأنه لو دامت لغيره لما آلت إليه؟ كيف لي أن أحب رئيسا انقطع عن الاتصال بمن يخالفه الرأي وبمن لا ينتمي لتنسيقياته واكتفى بملاقاة من هم معه ومن بايعوه فقط؟ كيف لي أن أحبّ رئيسا نسي محاسبة التاريخ ونسي أنّ من لم يترك إرثا ديمقراطيا عظيما لن كيف لي أن أحب رئيسا تخافه حفيدتي وهو يخطب…فكيف لا أخافه وهو يحكم…؟ كيف لي أن أحب رئيسا لم يعلن حبّه لهذا الشعب كل الشعب… بخصومه… بأعدائه… بمن لا يحبونه …وبمن يكرهون حتى مجرّد ذكر اسمه…؟تخلّده كتب التاريخ، ولن يُذكر اسمه في محافل التاريخ؟

في الأخير أقول هذا رأيي قد يتفق معي فيه عدد ممن انتخبوا الرئيس، وقد يختلف معي فيه عدد ممن انتخبوا الرئيس أيضا، هو استغلال شرعي لمساحة من الحرية مكنني منها دستور البلاد…قد يغضب مني الرئيس ويسجنني وحينها يكون لعدم حبي للرئيس ولخوفي مبررا ودليلا…وقد لا يغضب منّي الرئيس وحينها سأروي لحفيدتي أن الرئيس يضحك مثلنا…ويبتسم مثلنا…ولا موجب للخوف منه…

ولأنني لا أحبّ الرئيس أقول له، إن الحقد والكره والفتنة والانتقام والثأر والإقصاء كلها كلمات وجب حذفها من قاموسنا يوم نجلس على كرسي الحكم…وعليه أن يعلم ويشعر بما عاناه أغلب من انتمَوْا لمنظومة الاستقلال والتحديث منظومة بورقيبة وبن علي رحمهما الله بسبب الرغبة الجامحة في الانتقام…والحقد الذي امتلأت به بعض الصدور…عليه أن يعلم أن هؤلاء خسروا كل شيء…وخسرتهم البلاد بما لهم من تجربة…خسروا أنفسهم…وماضيهم وحاضرهم…ومستقبل أبنائهم….وأملاكهم…وما ملكت ايمانهم…وسُحلوا وأُطردوا من مراكز عملهم…وسُلبوا حقوقهم…وحُرموا من خططهم الوظيفية…وعاشوا الرعب تحت رحمة المحاكم الشعبية (رابطات حماية الثورة) فقط لأنهم كانوا يحكمون وينتمون لمنظومة حاكمة لم تكن بالسوء الذي روّجوه عنها…والأسوأ، والأغرب، والأكثر وجعا أنهم حُرموا من مآثرهم وما أنجزوه من أجل هذا الشعب وهذا الوطن…وأعاد التتار والوندال والمغول ومن معهم كتابة التاريخ على مقاسهم…فهل تريد أنت أيضا أن تفعل ما فعله التتار والوندال والمغول والبعض الآخر لمن سبقوهم في الحكم مع من سبقوك في الحكم ومن شاركوك فيه لفترة…هل تريد أنت أن تستحوذ على التاريخ كما استحوذت على الحكم بالانقلاب على من كنت تشاركهم الحكم؟

لا أظنّ أنك ستفعل…وأظنّ أن العقل سينتصر على المزاج…وأنك ستستمع إلى روح العقل…وتحب شعبك بكل من فيه…بمن لم ينتخبوك…ومن لا ينتمون إلى حزبك القادم سرا على أطراف قدميه…ومن يكرهون مجرّد الحديث عنك…ومن سيحاربونك في قادم الأيام على كسب ودّ الناخبين…لأنك ستدرك أنك بالحبّ وبالحبّ وحده…وبالحبّ فقط ستُبْقى اسمك راسخا في أذهان هذا الشعب…وبالحبّ فقط ستكتب اسمك في كتب التاريخ…وبالحبّ فقط سيتحدث عنك الشعب يوم تترك الكرسي…فالإنسانية حبّ…والديمقراطية حبّ….وحكم الشعوب حبّ…فارفع لواء الحبّ لتُجنّب البلاد تبعات الحقد والانقسام….وحّد الشعب بالحبّ…وعلى الحبّ…وكن رئيسا لمن تحبّ…سيحبك من تحب…فمن يصفقون اليوم لغضبك….وتشنجك…وتهديدك…ووعيدك…إنما يصفقون لأنك ستخلصهم ممن يختلفون معهم…فلا تكنْ خصما لأحد…كُن رئيسا وصديقا وأخا…لكل الشعب…

أتريد ان يكتب من سيحكمون بعدك التاريخ على مقاسهم…ويحذفوا كل مآثرك إن تركت…وكل إنجازاتك إن أنجزت؟ وإلى ذلك اليوم…ولأنك إلى يومنا هذا خارج التغطية أمام مشاكل البلاد والعباد وأوجاع الشعب ومعاناته الحقيقية…فأنا لا أحبّك ولن أحبّك…حتى اشعار آخر…أتمناه قريبا…إن أردت…فأعلن حبّك للجميع يحبّك الجميع…

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

الوضع الحالي (ج 2): الساحة الوطنية… مقترحات لدرء الخطر

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

كما عرضنا في عددنا السابق من جريدة “جلنار” بعض المعطيات المتعلقة بالساحة الوطنية داخليا وخارجيا وكما أشرنا إلى انحرافات خطيرة لبعض وجوه المعارضة عبر نشر الأكاذيب والتظلل بالـ”غرف المظلمة” المعدة لضرب تونس، بالإضافة إلى حمى الدعوات لنشر الفتن وتحريك شعب ليس في حاجة لمعاناة أكثر ويحلم بالأمن والأمان والازدهار وليس بتحقيق أهداف نرجسية أو وصولية أو عميلة لجهات أثبتت سابقا وهاهي ذا تثبت لاحقا فراغ خزانها من أية مشاعر وطنية.

كما شرحنا أيضا الحاجة الماسة لدعم القدرة الشرائية للمواطن التي وصلت إلى حد لا يحسد عليه لأسباب موضوعية وربما أيضا عملية، منها أن السلطة الحالية تجد نفسها أمام إرث ثقيل من ديون الحكومات السابقة، ولعل أكبر دليل تقدمنا به هو دفع الحكومة التونسية لقسط كبير من ديون متراكمة تعود لسنوات 2015 أو قبلها أو بعدها، و الأهم هو أن هذه الديون خلال حكومات الترويكا والنهضة لم توجه إلى أي برنامج تنمية بل على العكس تماما تم تخصيص جزء من موارد البلاد لإسكات الإضرابات و خلق شركات بستنة دون وجود بساتين وضرب سوق الفوسفات مع الهند وغير الهند. وإحقاقا للحق فقد سعت السلطة الحالية إلى إعادة هذه الموارد ولو أنها قابلة لمزيد التطوير.

هذه بعض الإشارات دون أن نتعمق في الكثير من التفاصيل التي أنهكت الموارد الوطنية ليفهم الجميع أن أدنى الشروط والقواعد لأية ثورة تستوجب:

أولا وجود قيادة فرضتها الأحداث والقناعات الشعبية،

ثانيا، طرح برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني لدرء نقاط ضعف أو تجاوز المنظومة القديمة.

ثالثا، توفير المتطلبات من أمن ومعيشة طبيعية على الأقل للمواطنين عبر تحسين الطاقة الشرائية وشغل لا تعيقه نسبة كبيرة من البطالة، ثم فرض تطور مطرد للقطاعات العامة مثل الصحة والتعليم والنقل وضمان الاكتفاء الذاتي.

ودون هذه الشروط لا يمكن علميا أو حتى ديماغوجيا تحقيق تحولات صغرى أو كبرى بالثورة ونتائج جل هذه التحولات على بعض البلدان لم تأت إلا بمزيد من التخلف والانهيار الاقتصادي و الأمني مما أعاد حنين بعض الشعوب إلى ما فات والندم عليه ندامة الكسعي.

المقنترحات العاجلة:

ان الشعب التونسي يستحق الأفضل وهو شعب صعب المراس ولا يخضع لأية تاثيرات غير قناعاته بل إن أية محاولة لتوجيهه تعود بالوبال على الزمر التي قامت بها، لكنه أيضا شعب صبور على الشدائد وشظف العيش من أجل الإخلاص لاختباراته وقناعاته إلى حدود معينة، فلا مجال لتحريك من جهات خبر حكمها جيدا ولفظها ولا مجال لأي مستعين بالخارج، لكن شعبنا يعبر عن معاناته المتمثلة في معيشته وشغله ورفاهه، ولعل إحدى صفاته انه “موقوت فجئي” لا يسمح لأي طرف بتفكيك توقيت انتفاضاته أو غضبه، ذلك أنه إن عدنا قليلا إلى التاريخ نتذكر “ثورة الخبز” وقبلها 26 جانفي وبعدها الحوض المنجمي و17 ديسمبر وغيرها من الانتفاضات التي لم تكن في حسبان أي جهاز وطني أو خارجي.

واليوم لنتدرج إلى أهم المتطلبات الوطنية تالقائمة في أعلى هرم الأولويات:

أولا، لعل الضغط على الأسعار المتعلقة بقوت المواطن تعد أهم ضرورة، فمن المهازل أن يستمر. ارتفاع سعر اللحوم إلى هذا الحد و كذلك أسعار الخضر والغلال وبقية المواد المعيشية، وعلى السلطة أن تحدد وتفرض تطبيق اسعار اللحوم أقل من 25 دينارا للكيلوغرام، وعلى كل من يتأفف من ذلك أن يبحث عن مورد رزق آخر فالشعب لا يستحق التنكيل به إلى هذا الحد.

ثانيا، إن معضلة أفارقة جنوبي الصحراء تكتسي خطورة أمنية تمس حتى من كينونة بلادنا وتركيبة سكانها وتعد قنبلة موقوتة ضد تونس، وعليه فإن الجمع بين الإعادة الطوعية والإجلاء القسري يعد من أهم الضروريات.

ثالثا، ,على المستوى السياسي ورغم انزلاق البعض نحو الاحتماء بالخارج وهذا متوقع ويصنف قانونا كخيانة عظمى، فإن بعض فصائل المعارضة الوطنية تستحق انفتاحا من السلطة وربما تشريكا لصالح ضمان سير أي وطن، لكن على عكس ذلك فإن بعض الوجوه والجهات العدوانية التي تدعو إلى الفتنة والحلم بعودة حكم عرفت فترته الإرهاب والاغتيال والغنيمة والسحل والرش والتغول في كل قطاعات البلاد خدمة للمنظومة وليس للشعب، وجوه السوء هذه لن يكون لها أي دور جديد غير الرغبة الجامحة في دمار البلاد والانتقام من الشعب واختياراته.

رابعا، تنقية الأجواء السياسية وذلك ببعث محكمة دستورية يقودها رجال وطنيون لا يؤمنون الا بالعدل والمصلحة الوطنية.

خامسا، لايعد تدخلا في القضاء متى ما كان هدف العفو عن عدد من المساجين الذين لا علاقة لهم بالارهاب أو المؤامرات او الفساد المالي أو الحق العام. ونظن ان شريحة من المساجين قد تستحق العفو الذي يدخل دستوريا ضمن صلاحيات رئيس الدولة.

خامسا، إننا إذ ننوه بجهود السلطة القائمة في عديد الميادين (النقل، الأمن، مقاومة الفساد، الطرقات، إعادة موارد البلاد مثل الفوسفات الذي تم تجميده طيلة العشرية)، فإن عددا من القطاعات يتطلب مزيدا من العناية مثل القطاع الصحي والقطاع الفلاحي، وبالمناسبة فإنه من غير المقبول أن لا يستجيب هذا القطاع الهام إلى ضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي.

كذلك لابدّ من مراجعة شاملة لقطاع التعليم وإدراج مادة السلوك الحضاري ومفهوم الوطنية وقدسية العمل ضمن برامجه للإسراع بغرس المقومات الاخلاقية والوطنية في أجيال تونس القادمة انطلاقا من رياض الأطفال إلى حدود الجامعات، لخلق مجتمع ناضج وليس فقاقيع من البؤر والكسل والاستقالة من الشأن الوطني.

أكمل القراءة

جور نار

من الشبّاك

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.

فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت على مسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.

كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها

ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.

إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا

ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…

ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها

المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز

نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.

أكمل القراءة

جور نار

وقت مستقطع… للحبّ!

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…

ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟

ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…

هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…

خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…

وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…

أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار