تابعنا على

جور نار

في اليوم العالمي للإذاعة

نشرت

في

في السنوات الخمسين كانت تجتمع كل العائلة لمشاهدة الرّاديو، أمّا اليوم فقد ترذّلت الصّورة إلى درجة أصبح معها الناس يستمعون إلى التلفزة.  الإذاعي الفرنسي بيار  بوتييّي.

صادقت الجلسة العامة للأمم المتحدة سنة 2012 على اعتبار يوم 13 فيفري من كل عام يوما عالميا للإذاعة باعتبارها “أداة قوية للاحتفاء بالإنسانية في كامل تنوّعها ومنصّة للخطاب الديمقراطي،.. تُسمع فيها كل الأصوات  وتتعدّد فيها البرامج ووجهات النظر.”

منصف الخميري Moncef Khemiri
<strong>منصف الخميري<strong>

وتحتفل شعوب الأرض هذه السنة باليوم العالمي للإذاعة تحت شعار “الإذاعة والثقة”، ويمكن أن تُعاد صياغة هذا الشعار على معنى “هل يجب أن نثق بالإذاعة والإذاعيّين” أو “أي ثقة للمواطن في الإذاعات التي يستمع إليها ؟” أو كذلك “هل ما يزال ما تُذيعه المحطات الهرتزيّة محلّ ثقة في زمن مُعوْلم تتنافس فيه المواقع والمنابر الرقميّة والمنصّات على كسب رهان الأوديمات”؟ (بالمناسبة، بإمكانكم الاستماع بشكل مباشر  إلى أية إذاعة من إذاعات العالم على منصّة radio garden  القابلة للتّحميل المجاني على الهواتف والحواسيب).

كان جيل النصف الثاني من القرن الماضي يتعامل مع المذياع باعتباره “صندوق عجب” شكّل واحدة من أغرب باكورات الثورة التكنولوجية مع التلفاز والتصوير بالأشعة وحبوب منع الحمل والاسطوانة الموسيقية والثلاجة والهاتف والأبواب الآلية والجيل الأول من الحواسيب والكهرباء المنزلية… فكان الشباب يأخذ لنفسه صورا و”التيساف” (تليغراف لاسلكي TSF) على كتفيه مثلما يُسلفي جيل آخر من الشباب اليوم أمام برج إيفيل في باريس أو سور الـ 20 ألف كيلومتر الصيني. وفي السياق التونسي، كان المزاج الوطني العام يتشكّل على نسق المدائح والأذكار في الصباح الباكر ووجبات متقاربة من توجيهات الزعيم ونشرات إخبارية تُمعن في إذاعة هزائمنا على كل الجبهات وانتصارات الشعوب الأخرى في العلم والتصنيع وجودة الحياة و… برنامج أسبوعي (أعتبره شخصيا برنامجا ينبع من فكرة بَلْديّة بائسة تتأسّس على ضرورة تخصيص مساحة ما لهذا الريف الشاسع الحزين والغارق في أهازيجه البدويّة) هو “قافلة تسير” فهمنا بعد عقود أنها قوافل تائهة تسير نحو الخلاء والبيداء…

ولكن كانت ثمّة وجوه أخرى في تجربتنا البِكر مع الإذاعة التونسية يجدر التنويه بها لأنها ظلت أرفع مستوى – رغم حداثة التجربة ونقص الموارد وضعف التكوين التقني المتخصص- من موجات القصف الإذاعي العشوائي الذي نتعرض له يوميا خلال السنوات الأخيرة.

ما هي أسماء إذاعاتنا اليوم ؟

يبدو أن إسناد أسماء إضافية تجميلية لمحطاتنا الإذاعية في القطاعين العام والخاص هو تقليد تونسي صِرف، فنسمّي الإذاعة الوطنية أم الإذاعات، وموازاييك الإذاعة الأولى في تونس، وإي اف أم أحلى راديو، وإذاعة تونس الثقافية صوت إرادة الحياة، وإذاعة المنستير عروس البحر، وإذاعة جوهرة الدنيا وما فيها، الخ… وهو تقليد لا نجد مثيلا له في كبرى الإذاعات العالمية مثل سكايروك وفرانس أنتار و أرتي آل وأوروب 1 وفيرجين وفرنسا الثقافية… ربما لأن تقليد مُضاعفة مكانة المنعوت من خلال اجتراح نعوت يعتقد صاحبها أنها تضيف معاني وأوصافا وبيانات حتى وإن كانت لا تتوفر تلقائيا في الشيء أو الشخص الموصوف، ضارب في تاريخنا الحضاري والسياسي والفني.  (مثل المجاهد الأكبر و رجل التغيير و شحرور الخضراء وكروان الإذاعة وكوكب الشرق…).

في أصناف المذيعين والمذيعات:

بالرغم من وجود فئة من الإذاعيين الذين يحرصون على تعهّد أصواتهم وتدريبها وتدليكها وتجويدها (تماما كما يعتني رياضيو النخبة بأرجلهم وعضلاتهم) وينتبهون إلى تفاصيل اللغة وإتقان فنون البلاغة مثل حسن التعبير والتلطّف في الكلام واستبدال تعبير غير سار بآخر أكثر مقبولية منه ويطّلعون على كل ما يحدث في الوطن وخارجه… تُلاحقنا أثيريّا فئة أخرى من المذياعيين الشّامتين في اللغة العربية (أو قل العربية المائلة إلى العامية التونسية بمقدار، ولكن تكون لطيفة ومستحبّة وفي غير تنافر مع ما يتكلّمه أغلب التونسيين) والمُعتقدين أنه ليس من الضروري العمل بعناء لمدة ساعات قبل الحصة المبرمجة لإجراء محاورة ناجحة مع فنان أو أديب أو خبير في مجال ما، وأنه تكفي ثلاثة أو أربعة أسئلة “عوّامة” من نوع “ماذا تقول للمستمعين؟” أو “كيف ولدت لديك فكرة إنجاز هذا العمل” أو “ما هي وجهتك- عملك- محطتك … القادمة ؟” للإيهام بأن العمل أُنجز … ولكن دون فرادة أو تميّز أو تفوّق يذكر.  

وهناك أيضا فئة :

  • من البارعين جدا في استعمال التعابير الكسولة الجاهزة مثل “التفكك الأسري” و”التسرب المدرسي” و”التمسك بتعاليم ديننا الحنيف” و”مساهمة المجتمع المدني في مؤازرة العائلات محدودة الدخل” و “الواجبات المحمولة على الدولة” و “الخبر مقدس والتعليق حرّ” و “التحكّم في مسالك التوزيع”، إلخ … والتي تشي بأن صاحبها يكتفي بالسباحة على سطح اللغة لا في أعماقها.
  • ممّن ليس لديهم كبير مشكل مع الخطاب الحوماني المؤثّث بتعابير مثل “حاجة واو خشينة برشة هاذي ” والترهدين والتسكبين ونريسكي ونبوجي ويكمبص ويكونسومي ومريقل ويتهيبل” الخ… تماهيا مع ما “يطلبه المستمعون” والانخراط في روح العصر.
  • من المذيعات اللواتي تحرصن على تحريك شفاههن وألسنتهنّ بطريقة تحاول الاقتراب من نطق الباريسيين لحرف الرّاء والسعي المحموم إلى إصدار أصوات قطنية ممشوقة وتكتفين بجمل فرنسية سائلة يتعلّمها أطفال التحضيري هناك.

الإذاعة التونسية : هل تأسّست الثقة بعد الثورة ؟

تحررت المصادح بعد الثورة بشكل كبير وانعتقت الحناجر المغلولة وتدفّقت موجات الكلام تلو الكلام عبر الأثير…ولكن سرعان ما أدرك الحُكّام الجدد أهمية الدور الذي تلعبه الإذاعات والتلفزات في توجيه الرأي العام فسعوا إلى إحكام قبضتهم على إدارة هذه المؤسسات وانتداب “المعلّقين” و “المدوّنين” و “الحاضرين في كل مندبة” (أو الكرونيكورات في لغة المحدثين) للإفتاء في كل كبيرة وصغيرة سواء تعلق الأمر بالكتاتيب أو ببرلمان الألاعيب وحتى السحر العجيب في جلب الحبيب.

حتى أن بعضهم بات من أصحاب النفوذ “الأثيري” يُلمّع هذا ويسوّد ذاك ويقرب هذا ويستبعد ذاك بحيث يتراجع الهدف الأسمى من العمل الإذاعي لفائدة أجندة خاصة تناقَش تفاصيلها في الزوايا القصيّة بكبرى النزل والصالونات.

أما البعض الآخر، فاختلط عليه الأمر وأصبح لا يفرق بين جُرأة الأداء وقلة الحياء فلا يمتنع مثلا عن مناداة رئيس الجمهورية بشكل سُوقي “يا سي قيس سعيد فيق على وضعك” ويسمح لنفسه بالتطاول على المربين والأطباء والوزراء والناس أجمعين… والحال أن مستواه في أسفل السّافلين.

وأختم هنا بمثال حيّ، حيث كنت أستمع إلى عشرات الإذاعات التي تبثّ عبر الويب للاستئناس بها في صياغة هذه الورقة، كانت الطّرفة التالية بتاريخ السبت 12 فيفري ليلا :

المذيع (ديوان أف أم) متوجها لشاب متسابق بعد سؤال حول أصل تعبير لغوي غريب شيئا ما، والإجابة الصحيحة كانت كمبوديا : هل تعرف أين تقع كمبوديا ؟ أجاب الشاب “لا والله ما عندي حتى فكرة”.

فكان تعقيب المذيع : ” كمبودجا ؟ والله كيفي كيفك لا نعرف عليها وين موجودة، برّة نتعدّاو للسؤال الموالي”.  

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

جور نار

مؤتمر اتحاد الشغل: لخدمة العمّال… لا لمصلحة زيد أو عمرو

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.

وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان من الضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.

إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.

غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.

واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.

فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.

و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.

لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها

والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.

أكمل القراءة

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

صن نار