كثر الحديث هذه الأيام عن محاولات النظام القائم تكميم أفواه الرافضين لسياساته وسياسات الرئيس قيس سعيد ومن معه…
محمد الأطرش
فهل يريد حقّا ساكن قرطاج تكميم أفواه كل الرافضين لسياساته ومن يطالبونه بالرحيل إن واصل فشله وخيّب ظنّ ناخبيه…أليس “الرحيل” آلية من آليات الديمقراطية، ألم يقم ساكن قرطاج بإسقاط جزء من منظومة الحكم التي فازت بانتخابات 2019 والانقلاب عليها دستوريا دون انتخابات؟ ألم يكونوا شركاء له في الحكم ولهم نفس شرعيته الانتخابية، وأقسموا على نفس الدستور الذي انقلب بما جاء في أحد فصوله عليهم؟ ألم يكونوا هم جزءا من المخزون الانتخابي الذي اختاره هو قطعا للطريق أمام خصمه؟ ألم يكونوا شركاءه في الحكم الذي كال له كل تهم الدنيا واتهمه بالفشل؟ ألا يعتبر هو أيضا جزءا من فشل ما قبل 25 جويلية؟ ألم تكن منظومة الحكم منظومته وهو الساكن على كرسي قصر قرطاج؟ ألم يرفض هذه المنظومة، وهو رئيسها وشريكها الأكبر، ألم يعرقلها ويضع كل المطبات والألغام الدستورية والسياسية في طريقها وهي التي كانت البلاد في ظلّها أفضل حالا مما هي عليه اليوم في ظلّ حكمه الفردي الرئاسوي؟
السؤال: هل حقّا يريد ساكن قرطاج أن يلجأ إلى تكميم الأفواه، كل الأفواه التي تنتقده وتنتقد ما يأتيه وتعتبره فاشلا؟ هل حقّا أنه يريد أن يجعل من التكميم سياسته للمرحلة القادمة حتى اشعار آخر…؟ أم أن بعض من هم حوله يقدّمون له هذه الخدمة ليغرقوه في وحل آخر ليس في حاجة إليه في ظلّ هذا الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي المتردّي والمأسوي؟
لنسأل: ألم يجعل من أسقطوا منظومة بن علي رحمه الله سنة 2011، من تعبيرة “اِرحل” شعارا للمرحلة وآلية قالوا إنها “ديمقراطية” لرفض الحاكم؟ فلمَ نرفضها اليوم ونصفّق لها سنة 2011؟ أم أن “ارحل” حين تستهدفنا تصبح فوضى وخروجا عن الأخلاق وشتيمة تدخل تحت طائلة المرسوم 54 وفصله سيء الذكر 24…وحين نستعملها نحن ونستهدف بها خصومنا ومعارضينا تصبح آلية ديمقراطية؟
ألم يؤسس من جاؤوا للحكم سنة 2011 لثقافة “ارحل” وأبادوا كل مؤسسات الدولة والحكم وأفرغوها من كفاءاتها وممن بنوها وصنعوا ربيعها؟ أسأل مرّة أخرى لماذا يرفض ساكن قرطاج ثقافة “ارحل” التي لولاها لما عرفه الشعب التونسي ولما سمع باسمه حتى؟ أليست “ارحل” كلمة مناسبة لكل من فشلوا في مواقعهم؟ أليست سياسات الإعفاء التي نفّذها ساكن قرطاج لكل من كانوا يمسكون بمفاصل الدولة، هي نفسها سياسة “ارحل” فلمَ نرفضها لأنفسنا ونقبل بها لغيرنا وخصومنا؟
أسأل هل نعت الشعب التونسي يوما ساكن قرطاج بالخيانة والعمالة واللاوطنية والفساد وهل قال فيه ما يعتبره القانون شتيمة أو سبّة أو غيرها من أنواع الشتائم؟ لا…ولا أظنّ أن أيا من هذا الشعب سيفعلها وسينطق بها، ليس خوفا من الحاكم الأوحد ساكن قرطاج لكن لأن هذا الأخير لا تنطبق عليه هذه النعوت والصفات أصلا…لكن وفي المقابل لماذا ينعت ساكن قرطاج في كل مناسبة ودون أية مناسبة ليلا نهارا وأيام الأعياد أغلب خصومه ومنافسيه ومعارضته حزبية كانت أو شخصية بهذه النعوت وهذه الأوصاف دون أي إثبات أو مبرر لذلك؟ لماذا لا يقبل ساكن قرطاج بالاختلاف؟ لماذا لا يقبل بأن يقال له “فشلت”…وعلى الفاشل أن يترك مكانه أو يستمع إلى معارضيه وخصومه ويقبل مقترحاتهم للخروج من منطقة الفشل التي غرق فيها؟ ألا يعلم ساكن قرطاج أنه فشل ومن معه فشلا ذريعا في تسيير دواليب الدولة والحكم؟ لماذا لا يقبل بالأمر ويجلس مع معارضته بحثا عن حلّ يخرج البلاد مما هي فيه، ومعارضته هي بالأساس الأحزاب، قبل أن تكون منظمات وجمعيات، فالمنظمات لا تحكم ولا تدير شؤون البلاد؟
ألم يكن يتحدث في كل خطبه عن فشل من كانوا شركاء له في الحكم؟ أنَجَحَ هو حيث أخفقوا هم؟ أتقدّم خطوة واحدة نحو الحل؟ لا…لم ينجح في أي أمر أتاه…ولم يتقدّم خطوة واحدة نحو حلّ ينقذ البلاد والعباد…هذا التوصيف منطقي وعقلاني ولا يجب أن يغضب منه ساكن قرطاج ولا يمكن مؤاخذة من يقوم به ومن يقوله بصوت مرتفع…فما قبل 25 جويلية أصبح عند أغلب فئات المجتمع ومكوناته أفضل مما بعد ذلك التاريخ…قد يعتبر بعض أتباع ساكن قرطاج قولي هذا كفرا وشتيمة وخروجا عن ديانتهم وقد يطالب بعضهم برجمي لكنه حقيقة لا أحد ممن اكتووا بنار فشل ما بعد 25 جويلية يمكنه إخفاءها…على الرئيس أن يعي انه لو طبقنا الفصل 24 من المرسوم 54 على من يتحاورون في المقاهي والفضاءات حول الوضع المزري للبلاد لوضع كل الشعب وبعض سكان الدول الصديقة والشقيقة في السجون…فما يقوله الشعب في المقاهي يدخل جميعه تحت طائلة الفصل 24 سيء الذكر من المرسوم 54…
على ساكن قرطاج أن يقبل بالاختلاف، وأن يقبل بأن يقال فيه وعنه وعن منظومته ما يقوله هو عن خصومه ومنافسيه…فالاختلاف ليس الغاء للآخر ولا يمكن اختزاله في الأشخاص…الاختلاف المنطقي والعقلاني والموضوعي هو في الأفكار والآراء، فهو المدخل الرئيسي والأفضل للتفاوض والنقاش حول مسائل الدولة والحكم…كما أن الاختلاف ليس صداما ومواجهة وتبادلا للتهم والشتائم…بل هو مساحة اتفاق وشراكة وحوار…وعلى ساكن قرطاج أن يرى خصومه ومنافسيه ومعارضيه، كما يريدون هم أن يروا أنفسهم وليس كما يريد هو أن يراهم ويصنفهم ويصفهم وينعتهم، ليروه هم أيضا بما يريد هو ان يرى نفسه …فالاختلاف مساحة توافق واحترام قبل أن تكون منطقة صدام وخصام…والاختلاف فضاء لإيجاد الحلول وليس حلبة لقذف الآخرين بما ليس فيهم…كما أن اختلافنا يفرض علينا الاحترام بيننا وبين من نختلف عنهم ومعهم…ويعطي كل طرف الحقّ في التعبير عن موقفه وآرائه…
الاختلاف من أسس الديمقراطية…فليس شرطا أن يحب الشعب حاكمه…كما ليس شرطا أن يصفّق الشعب لحاكمه…وليس جرما أن يرفض الشعب حاكمه…كما ليس جرما أن يقبل الشعب بكل ما يأتيه حاكمه أو يرفضه ويناقشه، وما جاء فيه…والشرط الوحيد هو أنه على الحاكم أن يحبّ شعبه كل شعبه…وأن يخدم شعبه كل شعبه…حتى وإن عارضه أو اختلف معه… فليس على الشعب إثم إن لم يحب حاكمه…ولم يقبل بما جاء به…والعكس لا يصح…فالحاكم الذي لا يحب ولا يخدم كل شعبه…لن يذكره التاريخ…وعلى ساكن قرطاج ان يعلم ان الله جل جلاله قبل بأن يكون له معارضا حتى يوم الحشر…فكيف لا تقبل بمن يعارضك ويعارض حكمك وينتقد ما تأتيه ليس كرها فيك بل نصحا…
سيدي الرئيس ما حكم من يتهم بعض شعبه بأبشع التهم وينعته بأبشع النعوت ليلا نهارا ويوم الاحد؟
عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…
احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…
بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…
المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.
ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة.
فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…
ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.
وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.
“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…
فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.
لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …
دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.
وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان منالضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.
إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.
غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.
واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.
فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.
و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.
لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها
والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.