يحلّ بيننا هذه الأيام الكاتب الجزائري ياسمينة خضرا في إطار جولة ثقافية وأدبية تقودُة من العاصمة إلى سوسة وبعد ذلك إلى جربة قبل الهُبوط بساحة كليّة الآداب بمنوبة غدا الثلاثاء.
<strong>منصف الخميري<strong>
اختار الرّوائي الجزائري محمّد مولسّهول ابن ولاية بشّار اعتماد اسم قلم جديدا “ياسمينة خضرا” (مستلّ من اسم زوجته الذي كان يوقّع به كتاباته في الفترة الأولى) للإفلات من قبضة الرقابة العسكرية لأن والده (الممرض والمقاوم القديم) وضعه بالقوة، وكان عمره آنذاك لا يتجاوز التسع سنوات، في المدرسة الحربية لطلاّبالثورة بتلمسان المختصة باستقبال أيتام الحرب الفرنسية الجزائرية. يقول ياسمينة خضرا بهذا الخصوص: “توقّفت عن أن أكون طفلا في اللحظة التي تخطّيت فيها أبواب هذه الثكنة… وفي أعين العسكريّين لم أكن محمد مولسّهول بل كنت مجرد رقم تسجيل 561”.
قاد بصفته ضابطا في الجيش الجزائري الذي عمل ضمنه لمدة 25 عاما، عديد العمليات العسكرية ضد الجماعات الاسلامية المسلّحة في الجزائر خلال العشرية السوداء (1990- 2000) وأفلت عديد المرات من كمائن نصبها له الإرهابيون.
في المدرسة الحربية لطلاب الثورة بتلمسان، كان الجندي الصغير يحلم بأن يصبح شاعرا في اللغة العربية وبها، ولم يكن أبدا ميّالا إلى الكتابة باللغة الفرنسية التي كانت أعداده فيها سيّئة. لكن يعتبر خضرا أن اللحظة المُوقدة لنباهته الروائية في اللغة الفرنسية حلّت عندما التقى بأستاذه الذي حفّزه ودفعه للكتابة بهذه اللغة.
تُرجمت كتبه إلى حوالي 40 لغة ونُقل العديد منها إلى السينما (مثل “سُنونوّات كابول” و “الصدمة” و “ما يدين به النهار للّيل”…)
لماذا قرّرت الاحتفاء على طريقتي بهذا الكاتب المتفرّد ؟
أعتقد أنه من حقّ الكتّاب المتميزين علينا أن نُسهم في التعريف بهم ونشر أثرهم خاصة في صفوف الأطفال واليافعين، لجعلهم يُدمنون تدريجيا منذ طراوة أنسجتهم الدماغيّة عبق النصوص المُذهلة وشذى المعاني الفاتنة، وذلك لكوني من المؤمنين بأن الكتب الأولى التي نقترحها على الطفل هي بمثابة الطُّعم الذي لا بدّ أن يكون آسرا وأخّاذا حتى يستمر في القراءة بحثا عمّا هو أكثر متعة وإقدارا على التحليق، ومن ناحية أخرى فإن جيلا تونسيا كاملا كبُر مع أدب ياسمينة خضرا المُستساغ لغةً والعميق في معانيه والمتأصّل في البيئة التي يُعمل معاويله فيها… وبالتالي فهو جدير بهذا الاحتفاء ترحيبا به في بلادنا وتثمينا لأدب نوعيّ مُقاوم كم عربُنا بحاجة إلى صعقاته اليوم.
أعتبر أن مسيرة هذا الرجل غير اعتياديّة بالمرة، إذ كيف لطفل غضّ في التاسعة من عمره أن يلتحق بمؤسسة عسكرية بقوانينها وجوْرها وعُتوّها ثمّ يصمد ويتأقلم ولا ينهار… وأن يستمرّ باصرار واستبسال نادريْن حتى التخرّج من شرشال في تيبازة برتبة ملازم… وخاصة أن يكتب ويتمرّن على الكتابة في أجواء كهذه (من بين كل كتبه، هناك مؤلّف “الكاتب” الذي يمكن اعتباره مؤثث بعديد العناصر من السيرة الذاتية التي تأتي على هذه الفترة من حياته)… لذلك أيضا وجب الاحتفاء.
بعضٌ من ياسمينة خضرا …
وفي سياق هذا الترحيب، ترجمتُ لكم بعضًا بسيطا ممّا كتبه هذا العسكري الذي وظّف بشكل ماهر جدا سجلّ الإمداد والإنزال والذخيرة والشيفرة السرية والاستطلاع والإبهار… في كتابة مؤلفات مدنية وإنسانية تنضح حرية وتحررا ومقاومة للانغلاق والتخلّف :
سأله أحد قرّائه ومتابعيه يوما على صفحته الخاصة :
المُتابع : السيد ياسمينة، أنا قارئ شغوف بكتبك، وكم وددت دائما أن أطرح عليك السؤال التالي: أنت تكتب ثلاث روايات في السنة، ما يدفعني للتساؤل كيف تتوصّل الى تخيّل كل هذه الروايات وكتابة كل هذه النصوص الجميلة، بينما يعجز كثير من الناس عن كتابة جملة واحدة ؟ هل هناك ملاكٌ يأتيك ليلا أو عند الفجر ليُنزل عليك هذه النصوص كما يحصل مع الأنبياء ؟ أم أن ذلك هِبة من الله … أو أنك تقول في نفسك ذلك نابع من كوني ذكيّ وهو ثمرة من ثمار نباهتي وليس هناك أي شخص وراء كل ذلك ؟ شكرا
ردّ ياسمينة خضرا : (لاحظوا تواضع الرجل وحدّة ردوده دون صلف وتكليف نفسه عناء الرد على أغلب من يعلّقون على صفحته الذين يُعدّون بالآلاف )
لِنقُل أنني أفضّل العيش مع شخصياتي بدلا من الأشخاص غير الجديرين دائما بالعطف وخاصة بالثقة الذي نُعبّر عنها تُجاههم. أنا أكتب لأن ذلك عشقي وولعي، وهو قُوّتي وألقي. أكتب لأن الخيال يثأر لي من بؤس الواقع وكآبته. أكتب لأنه يوجد عبر العالم أناس يتابعونني ويشُدّون أزري. من ناحية أخرى لا علاقة للحجم أو للوقت الذي نُقضّيه في الكتابة بعظمة أو جدية أثر أدبي مَا. قضّيتُ أربع سنوات في كتابة “نصيب المتوفّي” دون نجاح كبير. ولكن شهران فقط كانا كافيان لكتابة “الصّدمة” (الصّدمة هي ترجمة نهلة بيضون من لبنان لرواية l’attentat ) وهو الكتاب الذي مكّنني من الوصول الى ملايين القُرّاء اليوم.
ليس ثمة وصفة قاطعة ومقنعة. هناك 80 بالمائة من الموهبة و20 بالمائة من الحظ. أما بخصوص سؤال هل هناك ملاك يُمليني ما أكتب؟ يتعيّن عليك أن تسأله هو إن كان قد كتب روايات في السابق. ربّما الله، لأن كل ما نملكه هو مصدر له. أما عن إمكانية وجود شخص ما خلف هذه المعجزة، فلا أرى من هو جدير بذلك أكثر منّي أنا بالذّات. لأنني أنا من يتكبّد أرق الليالي ومَوْجات الصُّداع جرّاء التفكير وذُعر الأيام اللاحقة.
رسالة ياسمينة خضرا إلى أمّه في أفريل 2020 (النص الكامل على موقع فرانس أنتير، زاوية الثقافة)
عزيزتي أمّي الحبيبة،
أحاول منذ أيام، بحكم الحجر المفروض عليّ بسبب فيروس الكورونا، إنهاء الرواية الوحيدة التي كم تمنّيت أن تقرئيها، أنت التي لم يتيسّر لك أبدا لا القراءة و لا الكتابة، هي رواية تشبهُك ولا ترويك، لكنّها تحمل في طياتها القدر الذي كان قدرك. أدرك كم كنت تتشبّثين بمنطقة “الحْمادة” حيث كنتِ تتعقّبين اليرابيع وتتنمّرين على شجيرات السّدر من أجل بعض غلال العنّاب البائسة.
حاولتُ طيّ هذا الكتاب استدعاء الأماكن التي لها رمزية خاصة بالنسبة إليك، الكثبان الرملية هلالية الشكل وأثر أبطال حكاياتك. فأنت التي وهبتِني الشجاعة كي أواجه في النهاية هذه الملحمة التي تطاردني منذ سنوات.
قولي لي كيف هي أحوالك الآن هناك ؟ لا تودّين الرد عليّ ؟ بالتأكيد، لأنك تُفضّلين أن تبتسمي إزاء هذه الكتابة على حاسوبي التي لا تعرفين معاني لرموزها.
أعرف كم تحبّين الحكايات. كنتِ كل ليلة تسرُدين عليّ قصصا وحكايا، بينما كنت أنا أغالب نُعاسي رغبة في إطالة أمد التلذّذ بعذوبة صوتك. وكم كنت أتمنّى أن لا يتوقّف هديل صوتك أبدا عن مداعبة أنسجة روحي. كان يبدو لي أننا نشكل أنا وأنت العالم بأسره… أنت التي علّمتني كيف نصنع من الكلام سحرا ومن الكلمة ساحرا وكيف نُحوّل الجملة الى معزوفة وكيف يستحيل مجرد فصل من حكاية إلى ملحمة.
من أجلك أيضا أنا أكتب. من أجل أن يظل صوتك يسكن أحشائي. أنت التي تتصنّعين السّكينة عندما تصعدين فوق كثبان الرّمل وتمدّين يداك نحو الصحراء من أجل قطف كل أنواع السراب، أنت التي لا تُميّزين بين حصان يركض بعيدا في الخلاء وبين وحي ربّاني.
ستسعدين بوجودك في كتابي هذا وستُحوّلين علامات التعجّب فيه الى علامات خاصة بك.
عندما يحدث أن أعود إلى وهران، غالبا ما أجلس في مكاننا المعتاد واستدعي أحاديثنا وحواراتنا التي تسترسل حتى تنامي كطفلة. كان زمنا جميلا بالرغم من أنه لم يمرّ عليه سوى سنتين : سنتين لا تنتهيان كأنهما الأبد. كنّا نحتسي بعض الأشياء الطازجة في الشّرفة، أنت مستلقية على المقعد المُبطّن وأنا على إحدى درجات مدخل بيتنا ألتقم سيجارتي… وكنّا نتحاكى ونتبادل الطرائف والنوادر ضاحكين من براءتنا.
إلهي ! ما السبيل لاسترجاع لحظات النّعمة هذه؟ أيّ صلوات قادرة على إعادتها إليّ؟ بالرغم من اعتقادنا أحيانا أن الوقت مِلكٌ لنا، فيتضح أنه متعهّد بمهمة مُروّعة متمثلة في الفصل النهائي بين كائنين يتبادلان عشقا لا ينتهي. ولا تبقى إلا الذّكرى وفسح المجال لتداعبك الأوهام.
أمي الحبيبة، مذ رحلتِ، أراك في كل الجدّات، الشقراوات منهنّ والسمراوات والسوداوات، ثمة شيء ما منك في كل واحدة منهن. إذا لم تكن عيناك، يكون فمك، وإذا لم يكن صوتك تكون مشيتك، واذا لم يكن شيء من كل هذا، تكون جموع الانفعالات الشعورية التي تحدثينها فيّ دائما. أنت نيزك في سماء تكفهرُّ فجأة وأحيانا أخرى جزيرة وسط محيط من الحنان.
أنت أعجوبتي أنا.
إذا كان عليّ أن ألحق بك يوما يا أمي، أودّ أن يظلّ من بعدنا جزء منا نحن الاثنين لأن الحب وحده يقدر أن يحكينا إلى الذين يعرفون الإصغاء إليه.
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.
في الفترة ما بين 2004 و 2010 لم تكن الاحداث التي عشتها كمّيا كثيرة وها انا امرّ على ابرزها لاخلص بعدها لقهرة الربيع العبري…
عودة لسنة 2004… في اواسط تلك السنة بدأت رحلة تعاقدي مع جامعة صفاقس كخبير مدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا… صاحب المقترح هو مدير معهد الملتيميديا انذاك الزميل والصديق “عبدالحميد بن حمادو” الذي أعرفه منذ درسنا معا في تعليمنا الثانوي بمعهد الحيّ… سي عبدالمجيد فكّر في انشاء مادّة للعلوم السمعية البصرية ببرامج بعض شعب المعهد…تحادث في الموضوع مع زميلي الكاميرامان انذك مفيد الزواغي فأشار عليه بالاتصال بي وكان ذلك… وانطلقت مسيرتي كمدرّس لهذه المادة لمدة عشر سنوات بعد ان طلبت ترخيصا في الامر من رئاسة مؤسسة الاذاعة والتلفزة وتحصلت عليه، شرط ان لا يؤثّر ذلك على واجباتي المهنية… ومنين يا حسرة ؟
في وحدة الانتاج التلفزي كنا نعيش البطالة الدائمة ونتقاضى على ذلك رواتبنا ومنح الانتاج ايضا… وكان كلّما عُيّن مسؤول جهوي أو وطني جديد، قام بزيارة اذاعة صفاقس للتعرّف على احوالها وطبيعيّ جدا ان يزوروا وحدة الانتاج التلفزي… وكنت مطالبا كرئيس مصلحة الانتاج ان استقبلهم وان اقدّم لهم بسطة عن الوحدة وعن انتاجها… وكنت دائما اردّد نفس الاسطوانة التي كم اقلقت المديرين الذين تعاقبوا على رأس اذاعة صفاقس… كنت اقول لضيوفنا الاعزاء (اعني المسهولين): وحدة الانتاج التلفزي فيها كلّ شيء الا الانتاج، وبقية التفاصيل تأتيكم من مديري!…
مقابل ذلك كانت علاقاتي مع منظوريّ في مصلحة الانتاج التلفزي على غاية من الودّ والاحترام … بل ذهب بي الامر الى إعلامهم انه بامكان ايّ منهم ان يتغيّب لكن عليه يكتب لي مطلبا مُسبقا لرخصة غياب دون ذكر التاريخ، احتفظ به عندي حتى يكون وثيقة استظهر بها اداريّا كلّما اقتضى الامر وذلك لحمايتهم وحماية نفسي… وفلسفتي في ذلك تتمثّل في الآتي: مالفائدة في حضور موظفين لا شغل لهم ؟ خاصة انّ بعضهم يقطن عشرات الكيلومترات بعيدا عن صفاقس المدينة… ثمّ اليس واردا للموظّف الذي لا شغل له أن يصبح شغله الشاغل احداث المشاكل مع زملائه ؟ اذن مخزن مغلوق ولا كرية مشومة… لكن في المقابل واذا اقتضت مصلحة الوحدة ان يعملوا 16 و 18 ساعة ما يقولوش (احّيت)…
تلك العلاقة التي وضعت اسسها بيننا كرئيس ومرؤوسين رأيت عمقها يوم مغادرة الوحدة للتقاعد… يومها أحاط بي زملائي ورفضوا رفضا قاطعا ان اكون انا من يحمل بنفسه وثائقه وكلّ ماهو ملكه الخاص الى منزله… وحملوها عني جميعا وبكلّ سعادة مخضّبة بدموع العشرة… والله يشهد اني وطيلة حياتي كمسؤول سواء اذاعيا او تلفزيا لم اقم يوما باستجواب كتابي لايّ كان… ولم اخصم لايّ كان من اعدادهم في منحة الانتاج وفي الاعداد المهنيّة…
اذن وعودة الى علاقتي بجامعة صفاقس كمدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا ثم بعده بسنتين بمدرسة الفنون والحرف، حاولت ان اعطي دون كلل لطلبتي… كنت قاسيا معهم نعم… ولكن كان ذلك بحبّ لا يوصف… وبادلوني نفس الحب ان لم تكن دوزته اكبر … كنت الاستاذ والاب والاخ والصديق و كنت ايضا صدرا اتّسع حتى لاسرارهم الخاصة… رغم اني كنت ايضا بوليسا في امور الانضباط وتقديس العلم… وطلبتي الذين هم في جلّهم اصبحوا اصدقاء بفضل الفيسبوك شاهدون عليّ… ولعلّ من الاوسمة التي افتخر بها ما حصل في نهاية السنة الجامعية سنة 2012…
إذ ككلّ نهاية سنة جامعية يقع توزيع شهائد وجوائز للطلبة المتفوقين في جميع السنوات… وفي اخر القائمة سمعت من منشط الحفل يذقول: (الان الجائزة الاخيرة في هذا الحفل وادعو الاستاذ عبدالكريم قطاطة لتسلّمها)… فوجئت حقا بالاعلان… وكانت لوحة رُسمت عليها زيتونة وكُتب فيها (شهادة تكريم للاستاذ عبدالكريم قطاطة نظرا إلى عطائه الغزير لطلبة المعهد)… واعذروني على اعادة جملة تُريحني كلما ذكرتها وهي… “وبعد يجي واحد مقربع ويقلك شكونو هو عبدالكريم اش يحسايب روحو ؟؟” … بل تصوروا انّ زميلة من اذاعة صفاقس بعد حادثة ذلك الفيديو المنحوس حول من هم اعلام العار في نظري سنة 2012 (رغم انّي صححت فيما بعد ماجاء فيه ووضحت انّي لم اعمم وختمت بالاعتذار .. لكن وقت البعض يبدا يستناك في الدورة مهما وضحت وكتبت واعتذرت يكون موقفه”قاتلك قاتلك”)… تلك الزميلة ذهبت الى ادارة مدرسة الفنون الجميلة وطلبت منها فسخ عقدي معهم لاني لا اشرّفهم… وضحكوا منها وقالوا لها فيما قالوا: هاكة موش فقط استاذ الطلبة، سي عبدالكريم استاذنا وشرف لنا ان نكون تلاميذه… ورجعت المسكينة الى منزلها خائبة مذهولة مهمومة وغبينتها غبينة، المغبونة… وانا مسامحها…
قضيت 10 سنوات بمعهديْ الملتيميديا ومدرسة الفنون الجميلة وحتما ساعود الى اشياء عديدة حدثت فيها خاصة بعد قهرة جانفي 2011…
الحدث الاخير سنة 2004 كان دون جدال كُرويّا… تتذكّرو نوفمبر 2004 ..؟؟ وبالتحديد يوم 20 منه ؟؟ تتذكّروا هاكي التشكليطة السافيّة ؟ تتذكّرو زوبا وهو يمشكي في ملاعبية المكشّخة واحد بعد واحد ؟ تتذكّروا كيفاش علّق تيزييه في سقف الملعب ؟؟ انّه نهائي الكأس الشهير… وانه يوم سقوط امبراطورية فرعون الكرة ولد شيبيوب… وانا نعرف انو بعض المكشخّين ماشين عاد يسرسطو ماجاء من سور في كتابهم .. عن بطولاتهم .. عن القابهم وتونس بكلّها تعرف عن محصولهم في الشمبيونزليغ وطبعا ماشين يذكروني بهدف بوتريكة ويختمو بـ (ما تكلموناش احنا ماشين لكاس العالم في امريكا).. لاصدقائي المكشّخين الباهين فيهم وهم قلّة لانّ اغلبهم لا يورّيك ولا يفاجيك .. فقط لاصدقائي نحب نسألكم سؤال وحيد ..توة هدف زبير السافي في هاكي الفينال موش سميّح موش شيء يعمل 5555 كيف؟
موش تقول الواحد صيفا يبدا في يدو مشموم ياسمين وطاولة معبّية بالبطيخ والدلاع والهندي وما ننساوش الفقوس .. وهي تصير كورة من غير فقوس ؟…ويعاود يتفرّج عليه ويعشق العزف متاع زوبا ورقصتو كيف انتوني كوين في زوربا اليوناني ؟ وفي الشتاء يبدا قاعد تحت كوسالة وكاس تاي منعنع ويعاود يتفرّج على زوبا وهو يعزف اشي الحبّ كلّو واشي انت عمري .. واشي انساك ده كلام ويختمها ب ميا موري … نعرف اصدقائي المكشخين الباهيين يعرفوني بليد وماسط وخايب وقت نحكي على مكشختهم ..اما يدبّرو روسهم قلتلهم حبّوني؟… واذا حبوك ارتاح والله… دعوني الان اسرّ لكم بما لا يعرفه اغلب محبّي الفريقين حول ذلك النهائي… واصدقائي ومهما كانت الوان فرقهم يعرفون جيّدا انّي صادق في ما اقول والله شاهد على صدقي…
قبل خوض النهائي كان لنا لاعب معاقب (وسام العابدي)… ولد شيبوب كلّم هاتفيا انذاك احد مسؤولي النادي وقللو نقترح عليك اقتراح لفائدة الزوز جمعيات… قللو نسمع فيك هات… قللو تهبّط وسام يلعب الطرح وانا نقول للملاعبية يسيّبوا الطرح… تربح انت وتعمل شيخة انت وجمهورك وانا نعمل احتراز عليكم وناخذ الكاس… طبعا المسؤول رفض وبشدّة… ولد شيبوب قللو راك ماشي تهبط من غير قلب دفاعك وسام… تعرف اش معناها ؟ معناها ماشي انييييييييييي………… بزوز .. المسؤول ظهر حتى هو قبيّح وقللو .. انا منيش مهبّط وسام واحنا اللي ماشي انننننننننني ……… بزوز … وكلمة عليها ملك وكلمة عليها شيطان ..ولكم ان تعمّروا الفراغ وتربطوا بسهم … لكم حرية التعليق مهما كانت الوان فرقكم لكن مع ضوابط الاحترام …السبّ والشتم والكلام البذيء لا مكان لها في صفحتي! …
كنتُ بصدد وضع اللمسات الأخيرة على مقالي الأسبوعي في جلنار، حين بلغ مسامعي صراخ وألم ووجع عائلات من قضَوْا تحت أكوام حجارة سور معهد المزونة، رحمهم الله.
تمرّد القلم بين أصابعي، ورفض إتمام ما بدأه والانصياع لأوامري، وما أكتب، معلنًا الحداد على من ماتوا، ووُئدت أحلامهم تحت حجارة سور جريح ينزف دم سنوات الإهمال والتخلي.
سور أصابته لعنة “باركينسون” تشريعاتنا المهترئة، فارتعش وجعًا. سور لم يرأف بحاله أحد من القائمين على شؤون ترميمه، وترميم ما يحيط به. سور سال دم جراحه، وأسال دم من مرّوا بجانبه وأمّنوه على أرواحهم. سور توجّع وتألم طويلًا، وبكى… ولم يسمع بكاءه أحد، حتى أبكى أمهات بعض من اعتادوا المرور بجانبه… سور تآكل، وبانت عورته، فغضب وانهار على من كانوا يمرّون بجانبه، يتكئون عليه، ويستظلون به من غضب الشمس وثورة الأحوال الجوية، وهم في طريقهم لطلب العلم.
الغريب ما قرأته بعد الفاجعة، وما سمعته من صراخ من خرجوا يهددون بالويل والثبور وعظائم الأمور. أغلب من خرجوا علينا يولولون، يطالبون بمحاسبة من تسبب في الفاجعة، ويطالبون بتحميل المسؤولية لكل من قصّر في أداء واجبه أو غفل عنه.
هكذا نقفز على كل وجع ومأساة، لنواصل الدعوة إلى الانتقام من كل ما سبق، ومن كل من سبقونا في تحمّل مسؤولية خدمة هذا الشعب… هل يجب أن ننتقم ونثأر بعد كل فاجعة أو فشل ممن سبقونا في تسيير شؤون مؤسسات البلاد؟ هل يجب أن نشيْطن كل من سبقونا في خدمة الوطن بعد كل وجع يشعر به جسد هذه الأمة؟ ألا يجدر بنا أن نعتبر مما حدث، ونبدأ بإصلاح حالنا وأحوالنا؟
أتساءل: ألا يتساءل أحدكم لماذا كل هذا العزوف عن تحمّل المسؤولية؟ أليس للفصل السادس والتسعين من المجلة الجزائية دور كبير في هذا العزوف، الذي أفرغ مؤسساتنا من كفاءات كنّا نفاخر بها، ونطمئن بوجودها على حالنا وحال مؤسساتنا وحال البلاد؟ ثم، أليس للفصل الرابع والعشرين من المرسوم عدد 54 نصيب مما نحن فيه، ومما عشناه ونعيشه؟ فمن كان يرى في السور عيبًا وخطرًا، لن يكتب عن الأمر، ولن يُنبّه لخطورته، خوفًا من أن يُتهم بنشر أخبار زائفة وإشاعات كاذبة…
ألم نغرق اليوم في وحل الفصل السادس والتسعين، ورعب المرسوم الرابع والخمسين؟ لماذا تنشر تشريعاتنا وبعض قوانيننا الخوف والرعب في نفوس كفاءاتنا، ومن يملكون القدرة على تحسين أوضاعنا؟ أيمكن للأمم أن ترتقي وهي تعيش تحت وطأة الخوف والرعب من قوانينها؟ كيف نطلب من بعضنا خدمة الوطن وهم يعيشون رعب القانون، ورعب الحقد، ودعوات الإقصاء والثأر والانتقام من كل قديم، وكل مخالف في الرأي، وكل من لا يعلن لنا البيعة، ولا يقف صارخًا “مزغردًا”، مصفقًا لأخطائنا، ملمّعًا لفشلنا، داعيًا لنا بطول العمر وجزيل الثواب؟
يا من تستمتعون بوجع خصومكم، ومن لا تتفقون معهم، ومن تركوا أثرًا طيبًا وانتصروا عليكم بما حققوه وأنجزوه…الوطن أمانة بين أيادينا جميعًا، فجنّبوه الفتنة، وجنّبوه الأحقاد، وحافظوا على سور الوطن…ولا تخربوا سقفه، فإن انهار سقف الوطن، فنحن، نحن الشعب، من سيدفع الثمن… نعم… نحن الشعب من سيدفع الثمن.