تابعنا على

جور نار

رسالة إلى جنين في بطن أمه…

نشرت

في

Lettre De Dessin Animé En Poste Clip Art Libres De Droits Svg Vecteurs Et Illustration Image 32208637

كنت مارا أمام مقهى شعبي حين لفت نظري أحد الأصدقاء من الشباب العاطل جالسا في وضعية المهموم والمحبط…اقتربت من كرسيه وسألته “ما بك يا صديقي؟ ولم كل هذا الإحباط والتفكير؟ لم كل هذا اليأس الذي توحي به جلستك هذه واصفرار وجهك…وكأنك تعاني كل أوجاع الأمة والعالم وأنت في هذه السنّ؟”…

محمد الأطرش
<strong>محمد الأطرش<strong>

 نظر إلي وقال بصوت خافت يؤكّد الوجع الذي يعانيه “امرأتي حامل في شهرها الثاني بعد أكثر من خمس سنوات انتظارا، كنت أمني النفس بطفل يعيش سعيدا معي ويهنأ بهذه الحياة وفي هذه الدنيا وفي هذا البلد، لكن وأنت أدرى منّي بحال البلاد والعباد هل سأكون أبا صالحا لهذا الطفل الذي سيأتي بعد سبعة أشهر؟ هل سأنجح في اسعاده وفي توفير كل ضروريات الحياة الكريمة…لا أظنّ أنني سأكون كذلك ولا أظنّ أنني قادر على اسعاد ابني في هذا الذي تعيشه البلاد يا صديقي” نظرت إليه وقلت: وماذا عساك أن تفعل؟ لا شيء… هل أنت قادر على تغيير قدره والتحكّم في مسار حياته؟ لا أظنّ أنك قادر على ذلك… وهل ستضطرّ إلى إجهاض واسقاط من كنت تنتظره لسنوات خوفا عليه من مستقبل مجهول وخوفا من ألاّ تكون قادرا على اسعاده؟

استغرب قولي وعقب بصوت مرتفع “ومن قال إني أريد قتل ابني قبل ولادته…؟ لا أنا لن أفعل ذلك ابدا ولن أفكّر فيه حتى”…أجبته قائلا ” إذن ما الذي ستفعله لإبعاد كل هذا اليأس والإحباط عن نفسك وضمان حياة كريمة لابنك القادم يا صديقي؟” قال مبتسما “كتبت له رسالة اعلمه فيها بكل ما ينتظره”… “نعم! ماذا قلت رسالة وكيف أرسلتها؟ هل تمزح أم ماذا؟” قال بصوت خافت “لا، لا أمزح، فعلا كتبت رسالة وأوصيت زوجتي بأن تقرأها له كل ليلة قبل نومها؟” ضحكت وقلت “ومن أدراك انه سيستمع لأمه وهي تبلغه رسالتك يا هذا أجننت؟؟” قال مستغربا “ومن أدراك أنه لا يستمع وهو في بطن أمه؟”…

لم أصدّق ما قاله صديقي المحبط اليائس فأضفت “وباية لغة كتبت رسالتك وابنك لا يعرف القراءة ولا الكتابة ولن يفهم ما ستبلغه أمه مما كتبت في رسالتك؟” قال “كتبتها بلهجتنا وبلغتنا حتى يفهمها …أعلم أنه لم يقرا ولم يكتب ولم يسمع قبل رسالتي أية رسالة أخرى لذلك كتبتها بالدارجة “.

نظرت إلى صديقي وقلت “هل لي بنسخة من الرسالة إن سمحت طبعا؟” قال وهو يبحث في جيبه الايسر”طبعا عندي نسخة في جيبي أحتفظ بها ليوم آخر” … أخرج صديقي ورقة أنهكها وجودها في جيبه فتغيّر لونها وغلب عليها الاصفرار وأصبحت كأنها مخطوط من الدولة الفاطمية…أخذت الورقة وفتحتها لأجد عشرات الأسطر مبعثرة وغير منظّمة وكأنها رؤوس أقلام خطاب أحد ساسة هذه الأيام …وبدأت أقرأ ما جاء في رسالة صديقي إلى ابنه الذي لم يولد بعد:

” ولدي الغالي…استنيناك أنا وأمك عندنا سنوات…وتعبنا باش وصلنا للي انت فيه اليوم…مشينا للعزّامات…ومشينا للطُبّة…ودُرْنا بلاد كاملة باش من بعد كتب وحَبْلت بيك أمك طبعا بعد مجهود إضافي من باباك اللي هو أنا…وليدي الغالي…باش نجيك مللخر…راني بطّال مللّي تخرجت…جت هاك مكبوبة السعد الثورة وقفت معاها وخرجت نعيّط ونصيح مع أولاد الحومة ومشينا قدّام الولاية وعيطنا… شغل …حرية …كرامة وطنية…وفي الاخر طلعت كذبة وما صورنا شيء…مات جدّك وأنا بطّال ما عمري شريتله حتى كبوس…وماتت جداك وأنا بطّال ما لقيتش حتى دينار باش نفرحها بحاجة…وليدي باش نجيك مللخر…تو يقولولك انت في وطن غالي وباش يقولولك هاك الكلمة المشهورة حب الوطن من الايمان…ونسوا أن حب الشعب زادة من الايمان …وباش يقولولك انت في وطن حرّ وعندو سيادة وفي خدمة الشعب…ومستحيل تجوع …ومستحيل تحتاج…راهم يكذبوا عليك…ما عندهمش فلوس والازمة “مستفحلة”…كلمة “مستفحلة” تو تفسرهالك أمك وليدي…ما ثمّة شيء وليدي…لا باش يخدموك…لا باش يكبروك…لا باش يوكلوك…لا باش يداووك كي تمرض…هاك تشوف في باباك قريت …قريت …قريت وبعد هاني ملوح نطلب في سيڨارو من عمّك حسن ولد خالي التومي…عارفك ما تعرفهمش وليدي لكن تو تتولد وتعرفهم …

وليدي الغالي …مانيش باش نطوّل عليك …ونعرف أمك باش تقرالك الجواب هذا قبل ما ترقد كل ليلة…لكن هاهو الصحيح…راني بطّال …وما عندي حتى فرنك فوقي…والامراض الكل راكبتني…عندي الحجر في الكلاوي…وعندي شوية سكر…وعندي الدم طالعلي…وعندي دقة زايدة في القلب…وعندي المصرانة الخشينة… وساقي تكسرت وما جبستهاش برات معوجة…والحوانتي يسالني…والفحّام يسالني…والدخاخني يسالني…والطبيب يسالني…والفرملي اللي يدق في الزريقة لامك كي حبلت بيك يسالني…والصيدلية تسالني…والتاكسيسيت يسالني…والجزار يسالني عندو عامين…والحجام يسالني…وعمك سعيد يسالني…وعمك الكوني يسالني…وفتحي بوطحش يسالني…وعلي الأعور يسالني…وحمادي باتينده يسالني…وعمر كرفة يسالني…ومولى الدار يسالني كراء ثلاث سنين…وخالتك تسالني…وحتى صندوق النكد الدولي يسالني ما دام يسال الدولة…

الوحيد اللي ما يسالنيش مات أول امس، نهار اللي انا قررت باش نمشي نتسلف منه عشرة دينارات باش نخلص بيهم التاكسيست اللي هزّ أمك للسبيطار…وما نخبيش عليك انت ولدي وما عندي علاش نحشم منك…عندي سروال دجين نحُكْ فيه عندو خمس سنين…جابلي خالك سروال من إيطاليا بعته باش داويت أمك…وجابلي عمك الكوني صباط وتريكو من السعودية كي مشى عمل عمرة صرفتهم كي جداك ماتت…وكل ستة شهور نمشي انا وامك للفريب ساعات نروحوا بسروال بزوز دينارات وسورية بالفين… انت والبالة…المهمّ وليدي نحب نعلمك بالوضع اللي عايشوا أنا وأمك وانت دليلك ملك…تحب تجينا مرحبا نقسموا اللي نلقوه…وتحب تتراجع وليدي انت حرّ…

نزيد نعلمك…صعيب باش نخدم قبل عشرة والا عشرين عام اخرين…وقتها نولي معادش قادر باش نخدم…وليدي…نسيت ما قتلكش …راهو الخبز بالصف…والزيت والله لا ريته من عام التالي نقصد زيت الحاكم باقي زيت الزيتونة عندي اربع سنوات ما ذقتوش … اخر مرّة ذقت زيت زيتونة في صحفة بسيسة كليتها عند الحاج خليفة ولد عمي عمّار…أما الفرينة تحضر وتغيب كي الشمس في شتاء  الدانمارك…ما تعرفهاش الدانمارك تو تعرفها نهار آخر كان كتب… والأكيد في بالك بالحرب بين روسيا وأوكرانيا هي اللي خلت الفارينة موش متوفرة؟ …وهاهم قالوا اللي راسبوتين …لا…لا بوتين موش راس بوتين…وعد باش يعطينا برشة طرانط قمح وشعير صدقة…وان شاء الله صدقة بالغة ويلقاه في صغاره ان شاء الله…والسكر وليدي ساعات ندبّر كيلو نقسْطه على شهر وانا بطبيعتي عندي السكر نشرب القهوة مرة تولي حلوة في كرشي …

الحاصيلوا الأمور متأزمة…ما نتصورش اني نلقالك نهار آخر الحليب كان طلعت أمك ما عندهاش حليب…وليدي مللخر…كانك قابل باش تعيش معانا الازمة اللي عايشينها مرحبا بيك…وكانك وليدي تسخايلها جنة وباش تتفرهد نقلك الله غالب كذبوا عليك…ننصحك باش تقنع امك باش تحرق بيك وتولدك في فرانسا عندها زيتونتين وقطعة ارض مع اخواتها تنجم تبيعهم وتدبّر حرقة وبعد نخلط أنا…وغادي نتهنى عليك…وحقّ ربي كيف ما حكيتلك…وهوكه أمك اسألها نهار آخر اش نعاني وقداش تعبت…

نسيت وليدي راهو الانترنات ما عندناش في الدار…وما عندناش باش نشرولك بلاي ستايشن نهار آخر…وانت دليلك ملك يا غالي…ما تقولش نهار آخر بابا عداها عليّ وكذب عليّ كيف جماعة الثورة وكيف الحكومات الكل اللي جات بعد الثورة…نبوسك ولدي وسلملي على…تي لا ما تسلملي على حدّ …ايّا ربّي يوصلك بالسالم…وليدي”…

أوجعتني الرسالة …وخرجت مسرعا من المقهى …بعد أكثر من شهرين علمت أن زوجة صديقي سقطت من على ظهر حمار أحد اخوتها عند زيارتها له في أحد ارياف البلاد للحديث عن بيع قطعة الأرض والزيتونتين… ولم ينج الجنين فمات قبل أن يولد…ولا أحد يعلم هل بلغته رسالة والده أم لا…

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

جور نار

مؤتمر اتحاد الشغل: لخدمة العمّال… لا لمصلحة زيد أو عمرو

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.

وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان من الضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.

إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.

غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.

واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.

فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.

و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.

لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها

والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.

أكمل القراءة

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

صن نار