تابعنا على

جور نار

ورقات يتيم… الورقة 77

نشرت

في

عبد الكريم قطاطة:

سنة 1986 كانت سنة التحدّيات والتحوّلات… تذكرون جيّدا سنة 82 والزوبعة التي حدثت بعد ايقاف الكوكتيل… زوبعة 85 كانت اعمق واكثر توهجا

عبد الكريم قطاطة

لأبدأ اوّلا بالمستمع… منذ غيابي عن المصدح ماي 85 والمستمع لم يهدأ له بال وهذه المرّة بشكل عملي …لم تنقطع رسائل استنكاره وتنديده بالقرار سواء كان ذلك عبر الصحف او برسائل مباشرة للادارة… مما جعل جلسات الادارة الاسبوعية تُخصّص في جلّها للتباحث في كيفية معالجة ابواب النار التي فُتحت عليها… وللامانة فانّ العناوين الصحفيّة استغلّت الإشكال لتجعل منه خبزها الاسبوعي… مادام الامر يضمن لها مزيدا من المبيعات، او ما يعبّر عنه اليوم بالبوز …رغم ايماني ايضا بأنّ بعض الزملاء تعاطفوا مع الامر بفكر واع ودفاعا عن مسار اقتنعوا به، بعيدا عن الجانب التجاري…

في هذا الباب انا فخور جدا بهدف ادرجته ضمن قناعاتي والمتمثل في أنني آمنت ومازلت بانّ المنشّط الاذاعي هو صوت لكلّ الناس… وأعني هنا مهما اختلفت مستوياتهم التعليمية والسنّية… لا شروط لديّ في الترحيب بأيّ كان باستثناء اولئك الذين لا يحترمون الوطن والانسان… هؤلاء كانوا ومازالوا خارج حظيرة برامجي… اذ لا حياد معهم… زد على ذلك وفي ما يقولون عنه حيادا، فانا كرّرت آلاف المرّات انّ الحياد في العمل الاعلامي اكبر كذبة تُدرّس في معهد الصحافة وجلّ اصدقائي من اساتذة هذا المعهد يعرفون موقفي هذا… اذ الانسان بطبيعة خلقه هو مزيج من القلب والفكر ودون أي منهما لن يكون انسانا… واجب الاعلامي فقط ان لا يغلّب احدهما على الاخر وان يتوق للموضوعية في طرحه للمسائل …

كنت دوما اُعطي مثالا بسيطا لذلك واقول تتذكرون انّه في مباراة كرة قدم جرت بين الافريقي والترجي ذات ماي 85 وانتصر فيها الافريقي انذاك يوم 5 _ 5 _ 85 _ بخماسية …ماذا عن العناوين التي تتصدّر غدا الصحف حول المباراة ؟…دعونا نأخذ ابسطها …عنوان يقول الافريقي انتصر بـ5 اهداف مقابل هدف … وعنوان ثان يقول الترجّي انهزم بـ 5 اهداف مقابل هدف …ظاهريا يبدو الامر عاديا ولكن ان نستعمل كلمة انتصر لا يمكن ان تكون بنفس حجم وثقل ووجع كلمة انهزم …اين الحيادية اذن ؟؟ انا هنا تكلمت فقط عن صدر تلك القاعدة الشهيرة (وهي اكذوبة) والتي تقول الخبر مقدّس والتعليق حر …ما صدر كعنوانين في الجريدتين وهو الخبر المقدّس، هل يؤكّد انّ الخبر مفدّس اي محايد ؟ …الم اقل لكم انّها اكذوبة …

هذا الامر يُحيلني الى موقف لا مفرّ منه وانا اتفاعل مع ما يكتبه المستمع… هنالك كتابات تزلزلني جمالا ورونقا… اصحابها وهبهم الله نعمة (النقشان) وعبر مسيرتي حظيت بشرف وسعادة اكتشاف العديدين منهم… وعبداللطيف الحداد هو أحدهم… تابعته منذ كان تلميذا في جربة ثم طالبا في سوسة ثم مربّيا واتابعه لحدّ هذا اليوم محبّا متيّما بالافريقي… ومرّة اخرى وبكلّ امانة ايضا انا لي عشق يبدو انّه جيني للجنوب… الجنوب حقا وأعني هنا غمراسن وقبلّي ودوز ومدنين وجربة وتطاوين وتوزر وقفصة… قد اكون غير محايد في تقديري ولكن كانت لي قناعة ومازالت بانهم في جلّهم الاذكى والالطف والاصدق…

من ضمن ما كتب عبداللطيف الحداد في اواخر 85 حول الكوكتيل هذه النقشة “حتّى يكون الحبّ في بلدي بمرتبة الهواء” (جريدة السور بتاريخ 21 نوفمبر 85): “الى كلّ من يهمّه امر كوكتيلنا وامرنا .. اليكم جميعا ولا استثني احدا …1. الذين اقصوا عبدالكريم قطاطة لم ينفذوا قرارهم في قطاطة فحسب … بل نفّذوا ذلك في الآلاف من مستمعيهم ومؤتمنيهم على مصدح ورسالة وتراث … فالكوكتيل كان ملكا لاحبائه قبل ان يكون لقطاطة … 2 احيلوني على تجربة مصدحية واحدة في عمق وتوهّج تجربة الكوكتيل ولكم بعد ذلك ان تشنقوا كلماتي ..3 اية اخلاق اعلامية كانت تسمح بجزاء سنمّاري لكلّ من يجتهد ويتعب ويبذل عرقه ووقته لأجل سعادة المستمع ؟؟ وايّ عرف اعلامي كان يُبيح هذه النهاية الجنائزية لمن نفخ في المصدح بصدق وعمق وجنون؟ الا تخجلون من جحودهم ؟؟… 4 انّ ارتحال تقدير ضنى عبدالكريم ومتاعبه الجمة هو في النهاية ارتحال لنا …لمستمعي الكوكتيل اينما كانوا فأن يهون الكوكتيل هو أن يهون المستمع الذي يطلبه بعنف هل تفهمون هذا؟… 5 اذا كان الغرور عند بعضهم يعني التشبّث بالمبدإ والكرامة فنعم الغرور غرورنا لأنّ المساومة ما كانت يوما منّا وما كنّا منها…

6 هذا الوجه الجاحد الذي يواجهون به عبدالكريم قطاطة ليس جديدا عليه و لا علينا ولا على الجمهور طالما ان الحزن والاغتصاب هو قدر المبدعين والموهوبين دوما… 7 ان نكن قد خسرنا وبايدينا كانت الخسارة، فاننا تعلمنا انّ الذي يعرف كيف يخسر يعرف ايضا كيف يربح على حدّ قول نجيب محفوظ .. احتفظوا بهذه المعلومة في كنّشاتكم فلعلّها تكون ذات بال في يوم من الايام…8 غدا نعود ونستعيد مصدحنا واشياءنا وتاريخنا تاريخ الجمال والحب والجنون … امّا اذا لم نعد فانّ عزاءنا انّه ما من صادق الاّ وسيقول بأنّه كان حبّ هنا وكانت ارادة صميمة وكان امل… وانّه كان صوت نشاز اسمه عبدالكريم قطاطة وليس عبدالكريم فتيات كما يردّد المعقّدون… شنقوا انفاسه وصلبوه على عتبة قرار بذات قرار 21 ماي…تاريخ ايقاف الكوكتيل” …

عبداللطيف يقول دائما عنّي اشياء كثيرة فيها وفاء وامتنان …ولو تدري يا صديقي كما انا سعيد بانّك تجاوز جدولي الصّغيّر لتصبح محيطا عميقا من الجمال والابداع … عبد اللطيف والآخرون لم يهدأ لهم بال وكان الاستفتاء السنوي الذي تنظمه جريدة “البيان” فرصة ليعبّروا بشكل آخر عن تشبثهم بالكوكتيل وبمنشّطه … وهنا لم يكن التتويج بالمرتبة الاولى الذي اعنيه بل خاصة بالفارق الكبير بين المرتبة الاولى والثانية في عدد الاصوات… المرتبة الأولى تجاوز المصوّتون لها المائة والثانية لم تتجاوز العشرة اصوات… وهذا يعني انّ الحملة كانت كبيرة و الضربة القاصمة كانت موجّهة للادارة اساسا وليست لزملائي …

ما حدث في اواخر 86 كان توقّف جريدة الايام عن الصدور …كنّا ننتظر مثل هذا الامر ولكن ليس بتلك السرعة …كنّا نشتمّ رائحة الحريق …لأنّنا وبكلّ غرور مرّة اخرى كنّا مختلفين عن السائد …كنّا كفريق رياضي يبدا التعاقد لأوّل مرّة في تاريخه مع جامعة كرة قدم (طبعا موش مع الجريء لأنّو وقتها مازال يلعب في الزرابط مع اقرانو ويهرتكو عليه وهاكة علاش توة يردّ في الفعل ويحبّ يهرتك على برشة … اما يا مهرتك يجي نهار وتتهرتك)… اذن فريق في بداية خطواته الكروية فاذا به في المنصّة لتسلّم الكأس والبطولة معا … الايام انذاك كانت الجريدة الاقرب الى عقول وقلوب القرّاء …لذلك حتما سيشتعل الحريق …وما لبثت ان عادت في جانفي 86 وكُلّفت وقتها بادارة مكتبها بالجنوب حرصا منّا على الاقتراب من قرّائنا بالجنوب عامة …

من الاشياء التي عملنا كذلك على سنّها في تعامل الجريدة مع قرائها اجتماعات دورية في مكتبها بتونس مع مجموعة من القراء الاصدقاء للتدارس معهم وبشكل مباشر في ما للجريدة وما عليها… وكانت تجربة رائدة ومثمرة جدا في الاستماع اليهم وخاصّة في التاكيد الفعلي انّ للقارئ نصيبا في دنيا الجريدة اي شراكة فعلية مع الحريف ان صحّت العبارة …

من الذكريات التي لم انسها ايضا في شهر جانفي 86 موقف الجمهور الرياضي في قاعة محمد علي عقيد والنادي الصفاقسي منظم للبطولة الافريقية للكرة الطائرة والتي فاز بها مع اروع جيل للكرة الطائرة انذاك (غازي المهيري، مصدق الأحمر، عبد العزيز بن عبدالله، حشيشة، صرصار، كرّاي كسكاس وبقيّة الفيلق)… لم انس استقبال الجمهورالحاضر لي وانا انشّط التظاهرة … اقسم لكم بكلّ المقدسات كنت خجِلا لحدّ انهمار الدموع والقاعة تهتف بصوت واحد عبدالكريم عبدالكريم .. انّه الحبّ الغامر الرهيب ….لكن ما حدث من قبل المستمعين بعد صمت الادارة وعدم الاستجابة لرغبتهم في عودة الكوكتيل لم يكن في الحسبان بتاتا… قام المستمعون بتشكيل لجان في كافة مناطق الجمهورية مهمتها تجميع امضاءات للمطالبة بعودة الكوكتيل …وتكفّل منسق كل لجنة بعد التجميع بارسال نسخة لي وثانية لرئيس المؤسسة وثالثة لوزير الاعلام ونسخا اخرى لبعض الجرائد …

وما لم يكن في الحسبان الذي اعنيه انّه ولاوّل مرّة في تاريخ الاعلام يصل عدد الممضين على عريضة للمستمعين الى 20 الف و247 امضاء (جريدة الرأي 16 ماي 86) ….من ناحية اخرى وبعد عودة جريدة الايام اصبحت قناعتنا تتشكّل يوما بعد يوم بأنّ الايام لم تعد تلك التي اردناها وعشقناها وانّ ضغوطا سُلّطت على مديرها كي يوجّه بوصلتها الى حيث يريدون …وكان الاتفاق على تقديم الاستقالة الجماعية لمديرها وكنت انا من كتبت نصّ الاستقالة… وانتهت تجربتنا مع الايام وبكلّ اسف وحرقة نعم ولكن بكلّ فخر وشموخ واعتزاز لم نخضع لايّ ابتزاز ولم نلبس جلباب ايّ حزب …

من احداث سنة 86 ايضا انّ فريق اذاعة صفاقس نظّم دورة في كرة القدم وفاز ببطولتها… وعند زيارة وزير الإعلام (عبدالرزاق الكافي) لاذاعة صفاقس حيث سيُسلّم الكأس لقائد الفريق، اصرّ زملائي وانا الغائب عن اذاعة صفاقس انذاك بأن يكون عبدالكريم هو من سيتسلّم الكأس كقائد فريق سابق لهم … هم اتّفقوا سرّا حتى لا تعترض الادارة على قرارهم وتعتبره تحدّيا لها … وبُهت الذي كفر… دُعيت الى الحدث وعندما همّ الوزير بتسليم الكأس جاء زملائي في الفريق وحملوني الى المنصّة وتسلّمت الكأس… سلّمها لي السيّد عبدالرزاق الكافي وهمس في أذني: انت هو سي عبدالكريم ؟؟ ايجاني نهار الاثنين مع الساعة الخامسة مساء في مكتبي بالوزارة… عندي ما نحكي معاك…

في الورقة القادمة انا زادة عندي ما نحكي معاكم…

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

جور نار

ورقات يتيم… الورقة 115

نشرت

في

عبد الكريم قطاطة:

في الفترة ما بين 2004 و 2010 لم تكن الاحداث التي عشتها كمّيا كثيرة وها انا امرّ على ابرزها لاخلص بعدها لقهرة الربيع العبري…

عبد الكريم قطاطة

عودة لسنة 2004… في اواسط تلك السنة بدأت رحلة تعاقدي مع جامعة صفاقس كخبير مدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا… صاحب المقترح هو مدير معهد الملتيميديا انذاك الزميل والصديق “عبدالحميد بن حمادو” الذي أعرفه منذ درسنا معا في تعليمنا الثانوي بمعهد الحيّ… سي عبدالمجيد فكّر في انشاء مادّة للعلوم السمعية البصرية ببرامج بعض شعب المعهد…تحادث في الموضوع مع زميلي الكاميرامان انذك مفيد الزواغي فأشار عليه بالاتصال بي وكان ذلك… وانطلقت مسيرتي كمدرّس لهذه المادة لمدة عشر سنوات بعد ان طلبت ترخيصا في الامر من رئاسة مؤسسة الاذاعة والتلفزة وتحصلت عليه، شرط ان لا يؤثّر ذلك على واجباتي المهنية… ومنين يا حسرة ؟

في وحدة الانتاج التلفزي كنا نعيش البطالة الدائمة ونتقاضى على ذلك رواتبنا ومنح الانتاج ايضا… وكان كلّما عُيّن مسؤول جهوي أو وطني جديد، قام بزيارة اذاعة صفاقس للتعرّف على احوالها وطبيعيّ جدا ان يزوروا وحدة الانتاج التلفزي… وكنت مطالبا كرئيس مصلحة الانتاج ان استقبلهم وان اقدّم لهم بسطة عن الوحدة وعن انتاجها… وكنت دائما اردّد نفس الاسطوانة التي كم اقلقت المديرين الذين تعاقبوا على رأس اذاعة صفاقس… كنت اقول لضيوفنا الاعزاء (اعني المسهولين): وحدة الانتاج التلفزي فيها كلّ شيء الا الانتاج، وبقية التفاصيل تأتيكم من مديري!…

مقابل ذلك كانت علاقاتي مع منظوريّ في مصلحة الانتاج التلفزي على غاية من الودّ والاحترام … بل ذهب بي الامر الى إعلامهم انه بامكان ايّ منهم ان يتغيّب لكن عليه يكتب لي مطلبا مُسبقا لرخصة غياب دون ذكر التاريخ، احتفظ به عندي حتى يكون وثيقة استظهر بها اداريّا كلّما اقتضى الامر وذلك لحمايتهم وحماية نفسي… وفلسفتي في ذلك تتمثّل في الآتي: مالفائدة في حضور موظفين لا شغل لهم ؟ خاصة انّ بعضهم يقطن عشرات الكيلومترات بعيدا عن صفاقس المدينة… ثمّ اليس واردا للموظّف الذي لا شغل له أن يصبح شغله الشاغل احداث المشاكل مع زملائه ؟ اذن مخزن مغلوق ولا كرية مشومة… لكن في المقابل واذا اقتضت مصلحة الوحدة ان يعملوا 16 و 18 ساعة ما يقولوش (احّيت)…

تلك العلاقة التي وضعت اسسها بيننا كرئيس ومرؤوسين رأيت عمقها يوم مغادرة الوحدة للتقاعد… يومها أحاط بي زملائي ورفضوا رفضا قاطعا ان اكون انا من يحمل بنفسه وثائقه وكلّ ماهو ملكه الخاص الى منزله… وحملوها عني جميعا وبكلّ سعادة مخضّبة بدموع العشرة… والله يشهد اني وطيلة حياتي كمسؤول سواء اذاعيا او تلفزيا لم اقم يوما باستجواب كتابي لايّ كان… ولم اخصم لايّ كان من اعدادهم في منحة الانتاج وفي الاعداد المهنيّة…

اذن وعودة الى علاقتي بجامعة صفاقس كمدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا ثم بعده بسنتين بمدرسة الفنون والحرف، حاولت ان اعطي دون كلل لطلبتي… كنت قاسيا معهم نعم… ولكن كان ذلك بحبّ لا يوصف… وبادلوني نفس الحب ان لم تكن دوزته اكبر … كنت الاستاذ والاب والاخ والصديق و كنت ايضا صدرا اتّسع حتى لاسرارهم الخاصة… رغم اني كنت ايضا بوليسا في امور الانضباط وتقديس العلم… وطلبتي الذين هم في جلّهم اصبحوا اصدقاء بفضل الفيسبوك شاهدون عليّ… ولعلّ من الاوسمة التي افتخر بها ما حصل في نهاية السنة الجامعية سنة 2012…

إذ ككلّ نهاية سنة جامعية يقع توزيع شهائد وجوائز للطلبة المتفوقين في جميع السنوات… وفي اخر القائمة سمعت من منشط الحفل يذقول: (الان الجائزة الاخيرة في هذا الحفل وادعو الاستاذ عبدالكريم قطاطة لتسلّمها)… فوجئت حقا بالاعلان… وكانت لوحة رُسمت عليها زيتونة وكُتب فيها (شهادة تكريم للاستاذ عبدالكريم قطاطة نظرا إلى عطائه الغزير لطلبة المعهد)… واعذروني على اعادة جملة تُريحني كلما ذكرتها وهي… “وبعد يجي واحد مقربع ويقلك شكونو هو عبدالكريم اش يحسايب روحو ؟؟” … بل تصوروا انّ زميلة من اذاعة صفاقس بعد حادثة ذلك الفيديو المنحوس حول من هم اعلام العار في نظري سنة 2012 (رغم انّي صححت فيما بعد ماجاء فيه ووضحت انّي لم اعمم وختمت بالاعتذار .. لكن وقت البعض يبدا يستناك في الدورة مهما وضحت وكتبت واعتذرت يكون موقفه”قاتلك قاتلك”)… تلك الزميلة ذهبت الى ادارة مدرسة الفنون الجميلة وطلبت منها فسخ عقدي معهم لاني لا اشرّفهم… وضحكوا منها وقالوا لها فيما قالوا: هاكة موش فقط استاذ الطلبة، سي عبدالكريم استاذنا وشرف لنا ان نكون تلاميذه… ورجعت المسكينة الى منزلها خائبة مذهولة مهمومة وغبينتها غبينة، المغبونة… وانا مسامحها…

قضيت 10 سنوات بمعهديْ الملتيميديا ومدرسة الفنون الجميلة وحتما ساعود الى اشياء عديدة حدثت فيها خاصة بعد قهرة جانفي 2011…

الحدث الاخير سنة 2004 كان دون جدال كُرويّا… تتذكّرو نوفمبر 2004 ..؟؟ وبالتحديد يوم 20 منه ؟؟ تتذكّروا هاكي التشكليطة السافيّة ؟ تتذكّرو زوبا وهو يمشكي في ملاعبية المكشّخة واحد بعد واحد ؟ تتذكّروا كيفاش علّق تيزييه في سقف الملعب ؟؟ انّه نهائي الكأس الشهير… وانه يوم سقوط امبراطورية فرعون الكرة ولد شيبيوب… وانا نعرف انو بعض المكشخّين ماشين عاد يسرسطو ماجاء من سور في كتابهم .. عن بطولاتهم .. عن القابهم وتونس بكلّها تعرف عن محصولهم في الشمبيونزليغ وطبعا ماشين يذكروني بهدف بوتريكة ويختمو بـ (ما تكلموناش احنا ماشين لكاس العالم في امريكا).. لاصدقائي المكشّخين الباهين فيهم وهم قلّة لانّ اغلبهم لا يورّيك ولا يفاجيك .. فقط لاصدقائي نحب نسألكم سؤال وحيد ..توة هدف زبير السافي في هاكي الفينال موش سميّح موش شيء يعمل 5555 كيف؟

موش تقول الواحد صيفا يبدا في يدو مشموم ياسمين وطاولة معبّية بالبطيخ والدلاع والهندي وما ننساوش الفقوس .. وهي تصير كورة من غير فقوس ؟…ويعاود يتفرّج عليه ويعشق العزف متاع زوبا ورقصتو كيف انتوني كوين في زوربا اليوناني ؟ وفي الشتاء يبدا قاعد تحت كوسالة وكاس تاي منعنع ويعاود يتفرّج على زوبا وهو يعزف اشي الحبّ كلّو واشي انت عمري .. واشي انساك ده كلام ويختمها ب ميا موري … نعرف اصدقائي المكشخين الباهيين يعرفوني بليد وماسط وخايب وقت نحكي على مكشختهم ..اما يدبّرو روسهم قلتلهم حبّوني؟… واذا حبوك ارتاح والله… دعوني الان اسرّ لكم بما لا يعرفه اغلب محبّي الفريقين حول ذلك النهائي… واصدقائي ومهما كانت الوان فرقهم يعرفون جيّدا انّي صادق في ما اقول والله شاهد على صدقي…

قبل خوض النهائي كان لنا لاعب معاقب (وسام العابدي)… ولد شيبوب كلّم هاتفيا انذاك احد مسؤولي النادي وقللو نقترح عليك اقتراح لفائدة الزوز جمعيات… قللو نسمع فيك هات… قللو تهبّط وسام يلعب الطرح وانا نقول للملاعبية يسيّبوا الطرح… تربح انت وتعمل شيخة انت وجمهورك وانا نعمل احتراز عليكم وناخذ الكاس… طبعا المسؤول رفض وبشدّة… ولد شيبوب قللو راك ماشي تهبط من غير قلب دفاعك وسام… تعرف اش معناها ؟ معناها ماشي انييييييييييي………… بزوز .. المسؤول ظهر حتى هو قبيّح وقللو .. انا منيش مهبّط وسام واحنا اللي ماشي انننننننننني ……… بزوز … وكلمة عليها ملك وكلمة عليها شيطان ..ولكم ان تعمّروا الفراغ وتربطوا بسهم … لكم حرية التعليق مهما كانت الوان فرقكم لكن مع ضوابط الاحترام …السبّ والشتم والكلام البذيء لا مكان لها في صفحتي! …

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة

جور نار

لا تخرّبوا سور وسقف الوطن… فنحن غدا من سيدفع الثمن!

نشرت

في

محمد الأطرش:

كنتُ بصدد وضع اللمسات الأخيرة على مقالي الأسبوعي في جلنار، حين بلغ مسامعي صراخ وألم ووجع عائلات من قضَوْا تحت أكوام حجارة سور معهد المزونة، رحمهم الله.

تمرّد القلم بين أصابعي، ورفض إتمام ما بدأه والانصياع لأوامري، وما أكتب، معلنًا الحداد على من ماتوا، ووُئدت أحلامهم تحت حجارة سور جريح ينزف دم سنوات الإهمال والتخلي.

سور أصابته لعنة “باركينسون” تشريعاتنا المهترئة، فارتعش وجعًا. سور لم يرأف بحاله أحد من القائمين على شؤون ترميمه، وترميم ما يحيط به. سور سال دم جراحه، وأسال دم من مرّوا بجانبه وأمّنوه على أرواحهم. سور توجّع وتألم طويلًا، وبكى… ولم يسمع بكاءه أحد، حتى أبكى أمهات بعض من اعتادوا المرور بجانبه… سور تآكل، وبانت عورته، فغضب وانهار على من كانوا يمرّون بجانبه، يتكئون عليه، ويستظلون به من غضب الشمس وثورة الأحوال الجوية، وهم في طريقهم لطلب العلم.

الغريب ما قرأته بعد الفاجعة، وما سمعته من صراخ من خرجوا يهددون بالويل والثبور وعظائم الأمور. أغلب من خرجوا علينا يولولون، يطالبون بمحاسبة من تسبب في الفاجعة، ويطالبون بتحميل المسؤولية لكل من قصّر في أداء واجبه أو غفل عنه.

هكذا نقفز على كل وجع ومأساة، لنواصل الدعوة إلى الانتقام من كل ما سبق، ومن كل من سبقونا في تحمّل مسؤولية خدمة هذا الشعب… هل يجب أن ننتقم ونثأر بعد كل فاجعة أو فشل ممن سبقونا في تسيير شؤون مؤسسات البلاد؟ هل يجب أن نشيْطن كل من سبقونا في خدمة الوطن بعد كل وجع يشعر به جسد هذه الأمة؟ ألا يجدر بنا أن نعتبر مما حدث، ونبدأ بإصلاح حالنا وأحوالنا؟

أتساءل: ألا يتساءل أحدكم لماذا كل هذا العزوف عن تحمّل المسؤولية؟ أليس للفصل السادس والتسعين من المجلة الجزائية دور كبير في هذا العزوف، الذي أفرغ مؤسساتنا من كفاءات كنّا نفاخر بها، ونطمئن بوجودها على حالنا وحال مؤسساتنا وحال البلاد؟ ثم، أليس للفصل الرابع والعشرين من المرسوم عدد 54 نصيب مما نحن فيه، ومما عشناه ونعيشه؟ فمن كان يرى في السور عيبًا وخطرًا، لن يكتب عن الأمر، ولن يُنبّه لخطورته، خوفًا من أن يُتهم بنشر أخبار زائفة وإشاعات كاذبة…

ألم نغرق اليوم في وحل الفصل السادس والتسعين، ورعب المرسوم الرابع والخمسين؟ لماذا تنشر تشريعاتنا وبعض قوانيننا الخوف والرعب في نفوس كفاءاتنا، ومن يملكون القدرة على تحسين أوضاعنا؟ أيمكن للأمم أن ترتقي وهي تعيش تحت وطأة الخوف والرعب من قوانينها؟ كيف نطلب من بعضنا خدمة الوطن وهم يعيشون رعب القانون، ورعب الحقد، ودعوات الإقصاء والثأر والانتقام من كل قديم، وكل مخالف في الرأي، وكل من لا يعلن لنا البيعة، ولا يقف صارخًا “مزغردًا”، مصفقًا لأخطائنا، ملمّعًا لفشلنا، داعيًا لنا بطول العمر وجزيل الثواب؟

يا من تستمتعون بوجع خصومكم، ومن لا تتفقون معهم، ومن تركوا أثرًا طيبًا وانتصروا عليكم بما حققوه وأنجزوه…الوطن أمانة بين أيادينا جميعًا، فجنّبوه الفتنة، وجنّبوه الأحقاد، وحافظوا على سور الوطن…ولا تخربوا سقفه، فإن انهار سقف الوطن، فنحن، نحن الشعب، من سيدفع الثمن… نعم… نحن الشعب من سيدفع الثمن.

أكمل القراءة

صن نار