تابعنا على

جور نار

ورقات يتيم … الورقة 87

نشرت

في

عبد الكريم قطاطة:

قبل ان اودّع فترة نهاية الثمانينات واشرع في تدوين ما عشته وعايشته في التسعينات، لابدّ من العودة الى مهمتين كُلفت بهما في الصحافة المكتوبة، ومع جريدة الاعلان بالتحديد، وتتمثلان في تغطية حدثين في بلدين شقيقين (ليبيا ومصر) كان ذلك سنة 1988 …

عبد الكريم قطاطة

في ليبيا كان الحدث سياسيا بامتياز… العقيد معمّر القذافي رحمه الله قرّر في تلك السنة القيام بلقاء فكري مع الصحفيين غير المنتمين للصحافة الحكومية في الوطن العربي… والنظام الليبي هو المتكفّل بمصاريف تنقلهم وايوائهم في طرابلس ..وكنت انا موفد جريدة الاعلان صحبة زميل من جريدة البيان رغم انها شبه حكومية، واخر من جريدة الشروق … هنالك قضينا اسبوعا كاملا حيث حضرنا عديد الندوات الفكرية الخاصة بالحدث كل صباح… بينما خصصنا بقية النهار لمحاولة معرفة طبائع وسلوكيات الشعب الليبي الشقيق واختتمت الايام بلقاء صحفي مع العقيد …

انطباعات عديدة ارتسمت في ذهني بعد قضاء ذلك الاسبوع لعلّ اوّلها طيبة الشعب الليبي وحسن ضيافته وكرمه ..كنت انهض كلّ صباح لاجد عشرات باقات الورود والهدايا مهداة من مستمعيّ الاعزاء الذين علموا بوجودي في طرابلس …بل إن بعضهم انتقل الى الفندق لملاقاتي واخرين اصرّوا على دعوتي لمنزلهم (شكرا عائلة حشاد) ولكم ان تتصوروا الولائم والخرفان التي ذبحت ..الليبي الشقيق فيه كثير من خصال البداوة الأصيلة … وحتى عندما عدت الى تونس وتقدمت الى مصالح الديوانة لمعاينة ما لي وما عليّ حمدت الله ان جاءني صوت من بعيد مهلّلا “اهلا بكريّم” ..انه صديق عرفته في مبيت ميتوالفيل عندما كان طالبا وهاهو اطار عال في الديوانة ..وصل وكان العناق وحديث الذكريات ثم نظر الى الاعوان وقال لهم يخخي ما تعرفوش واحد اسمو عبدالكريم قطاطة في اذاعة صفاقس ؟؟ نظر الاعوان اليّ وكان سلاما من نوع اخر ..ولم يفتح ايّ واحد منهم حقائبي وحسنا فعلوا ..لم اكن مهرّبا لايّ شيء خارج عن منطق القانون ولكن عندما وصلت الى منزلي وفتحت الهدايا وجدت وفي العديد منها سلاسل واقراط وخواتم ذهبية ..يا فضيحتك يا عبدالكريم لو لم يات ولد بوشناق …اعني الاطار العالي في الجمارك ..وهنا اقسم لكم بشرفي اني لم افتح ايّ صندوق من الهدايا قبل الوصول الى منزلي …

الملاحظة الثانية التي سجلتها وصدقا بكلّ سعادة وفخر انّ الاذاعة المسموعة والمحبوبة رقم واحد من اخوتنا في طرابلس هي اذاعة صفاقس… بل هم يعتبرونها اذاعتهم ويسردون عليك وانت تحادثهم تفاصيل عنها ربما انت لا تعرفها … الملاحظة الثالثة وهي التي ادهشتني وارعبتني ايضا .. التقيت صدفة ذات يوم مع مجموعة من الشباب بعضهم لم يتجاوز عمره السابعة عشر ..المكان كان مقفرا الا من بعض المارة كانوا يحملون اسلحة خفيفة تحت ملابسهم… امرنا احدهم بالتوقف فامتثلنا… طلب منا هويتنا فامتثلنا وفجاة تهللت اساريره وهو يقول: الاخوة من تونس… (اي نعم) اجبنا ونحن لم نتوصل بعد الى اكتشاف هويتهم .. سألنا رئيسهم ..تحبوا ويسكي تحبوا زطلة ؟؟ شكرناه وعبرنا عن عدم رغبتنا في ايّ شيء ..ودون ايّ ازعاج تركونا في سبيل حالنا .. عندما سالت احد الاصدقاء التونسيين عمن هؤلاء ..اجابني (تسمع باللجان الشعبية ؟ هذوكا هوما) ..

لكن آتي الان الى اهم حدث واخطر حدث وقع لي في تلك الزيارة الى ليبيا… جاءنا احد المسؤولين في دائرة النظام الليبي لمقرّ اقامتنا وهو واحد من افخم النزل في طرابلس ان لم يكن افخمها… جاءنا ليذكرنا بموعد الندوة الصحفية في الغد يوم الاختتام مع العقيد، وبوجوب مدّه بثلاثة اسئلة مخوّل لنا طرحها غدا على العقيد حتى يراجعها الليلة ويدرسها قبل الاجابة عنها… لم نندهش من هذا الامر لانّه معمول به وفي عديد الدول .. سلمه كل واحد منا اسئلته الثلاثة وفي الغد كنا في الموعد للقاء القذافي… عندما ذكر اسمي اعاد طرح سؤالي على الجميع والذي كان: (حضرة العقيد وانت المعروف بحسك القومي والذي يتوق لوحدة عربية شاملة… الا ترون انّ الخطوة الاولى لتحقيق هذا الحلم يمكن ان تكون بوحدة اقتصادية بين مختلف الدول العربية، تليها خطوات اخرى تصبّ في الوحدة العربية الشاملة ؟؟)

نظر اليّ مليّا الاخ العقيد وقالي لي شوف يا اخ قطاطة انت تحدثت عن الدول العربية مافيش دول عربية فيه فقط ليبيا وشوية فلسطين والبقية (بقر)!!… اي نعم… هذا يعني انّي الان اصبحت كتونسي في نظر القذافي ثورا من قطيع البقر …لم ادعه يواصل قراءة السؤالين اللذين تبقّيا فقلت له شكرا يا سيادة العقيد اجابتك ضافية وشافية ولا ارى داعيا للاجابة عن السؤالين الآخرين .. نظر اليّ وطفّشني وراح الى صحفيين آخرين واسئلة اخرى .. للامانة لم استطع قراءة نظرته ولم يتملكني ايّ شعور بالخوف وقتها لكن كنت احسّ بمغص شديد وباهانة لي وخاصة لشعبي … وليلتها لم استطع النوم ..لاني وفي تلك الاجواء ومع ما نعرفه عن العقيد وعن ردود فعله لم استطع فعل ايّ شيء… انه الصمت القاهر وكم هو موجع ذلك الصمت القاهر ..

في الغد اعددت حقائبي استعدادا للتنقل الى المطار والعودة الى تونس ..وقفت امام مصالح النزل الادارية لاسلّم مفاتيح غرفتي ولاتسلّم جواز سفري …وماهي هنيهة حتى تقدّم مني موظف الاستقبال ليقدم لي (فاتورة) … فاتورة ؟ اي نعم فاتورة ..اخذتها منه متفحصا وبكل استغراب خاصة وانا الذي لم يتناول اي شيء باستثناء غذائي . وبعبارة أوضح: في النزل ما فماش اكسترا … وجدت فاتورة لكانّي من النازلين في الفندق على حسابي الخاص بينما انا كنت ضيفا اقامة وتنقلا على النظام الليبي … مالذي حدث ؟؟ اتصلت بصديق تونسي مقيم في طرابلس واعلمته بالامر قال كم المبلغ ؟ قلت له بضعة ملايين ..قال لي لا تناقش وسآتيك بالمبلغ .. شكرا حبيب … صديقي هذا يعرفني جيدا وهو في الاصل احد مستمعيّ ويعرفني عنيدا في حقوقي فخاف عليّ منهم ومما قد اتجرّأ على قوله تجاههم او تجاه النظام ..

قلت لصديقي انا في انتظارك فاعاد القول (خويا عبدالكريم نعاود نقلك بجاه ربي لا تقوللهم حتى كلمة)… طمانته ثمّ ذهبت الى الموظف في الاستقبال وقلت لهم اوكي سادفع المبلغ… ولكن وباعتباري اتعامل مع جريدة عليّ انا ايضا ان امدّها بفاتورة فيها كلّ مصاريفي في النزل اثناء اقامتي بليبيا حتى استرجع ما سادفعه لكم ..وبُهت الذي كفر ..تعرفوها (داخلة خارجة داخلة خارجة متاع عادل امام ؟) هاكي هي… أهم دخلو آهم خرجو ..قول عشرات المرات ..وفي الاخير جاءني موظّف كبير في النزل واعاد لي جواز سفري معتذرا عما حدث.. وهات من هاكي العبارات متاع وقع سوء تفاهم .. وانت قدرك عزيز .. واللي قاموا بالعملية متاع الفاتورة ما يعرفوكش ..بينما كنت اتحادث معهم يوميا و العديد منهم من مستمعيّ ايضا … قالك ما يعرفونيش !…

تحولت بعدها الى المطار ووجدت فريقا تلفزيا (ليبيّا) في انتظارنا لاخذ بعض الانطباعات حول ايامنا في ليبيا وحول اللقاء الفكري مع العقيد ..وطبعا راس الهم دادة عيشة .. ايّا نبداو بيك يا اخ عبدالكريم ..انت عندك مستمعين يحبوك هلبة ويسعدهم يسمعوك .. وضعت يدي امام الكاميرا وقلت لهم هذه المرة وبكلّ حزم ..انا اعتذر جدا ..ليس لي الحقّ بادلاء ايّ تصريح لايّة وسيلة اعلامية الا بموافقة جريدتي .. شكرا لكم وتحياتي الى كلّ مستمعيّ الاعزاء .. ويكسّر ساقين اللي ما يجريش ..حملت حقيبتي اليدوية واتجهت الى طائرتي التي ستقلّني الى تونس .. للامانة ومنذ ان اقلعت الطائرة عشت قلقا يتزايد كلّ مرة تمرّ فيها الطائرة بمنخفض جويّ ..نعم كنت اتوقع كلّ شيء بعد كلّ الذي حدث ..واوّل ما قمت به عند نزولي في مدرج مطار قرطاج سجدت حمدا لله وقبلت الارض التونسية ..

هنا لابدّ من الاشارة الى انّ كلّ ما حدث وحتى اكون شفافا ونزيها وصادقا لم يمسّ ولو شعرة من اهاليّ في ليبيا .. بل وهم يعرفون لحدّ الان مدى الروابط المتينة التي ربطتني بمستمعيّ في ايّ شبر من التراب الليبي ..

المهمة الصحفية الثانية التي كُلفت بها ومن جريدة الاعلان ايضا كانت هذه المرة ببلد الفراعنة .. بلد نجيب محفوظ وطه حسين والعقاد .. بلد الستّ والعندليب … بلد يوسف شاهين وصلاح ابو سيف . بلد سيدة الشاشة فاتن حمامة والكبير عمر الشريف… بلد ليالي الحلمية ورافت الهجان… بلد الفوازير وخاصة نيللي ..تتذكروها نيللي اكيد ..؟… تتذكروا كلمتها (شطّبنا) في نهاية الحلقة … استعيرها منها لانهاء هذه الورقة اذن شطّبنا …

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

جور نار

ورقات يتيم… الورقة 115

نشرت

في

عبد الكريم قطاطة:

في الفترة ما بين 2004 و 2010 لم تكن الاحداث التي عشتها كمّيا كثيرة وها انا امرّ على ابرزها لاخلص بعدها لقهرة الربيع العبري…

عبد الكريم قطاطة

عودة لسنة 2004… في اواسط تلك السنة بدأت رحلة تعاقدي مع جامعة صفاقس كخبير مدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا… صاحب المقترح هو مدير معهد الملتيميديا انذاك الزميل والصديق “عبدالحميد بن حمادو” الذي أعرفه منذ درسنا معا في تعليمنا الثانوي بمعهد الحيّ… سي عبدالمجيد فكّر في انشاء مادّة للعلوم السمعية البصرية ببرامج بعض شعب المعهد…تحادث في الموضوع مع زميلي الكاميرامان انذك مفيد الزواغي فأشار عليه بالاتصال بي وكان ذلك… وانطلقت مسيرتي كمدرّس لهذه المادة لمدة عشر سنوات بعد ان طلبت ترخيصا في الامر من رئاسة مؤسسة الاذاعة والتلفزة وتحصلت عليه، شرط ان لا يؤثّر ذلك على واجباتي المهنية… ومنين يا حسرة ؟

في وحدة الانتاج التلفزي كنا نعيش البطالة الدائمة ونتقاضى على ذلك رواتبنا ومنح الانتاج ايضا… وكان كلّما عُيّن مسؤول جهوي أو وطني جديد، قام بزيارة اذاعة صفاقس للتعرّف على احوالها وطبيعيّ جدا ان يزوروا وحدة الانتاج التلفزي… وكنت مطالبا كرئيس مصلحة الانتاج ان استقبلهم وان اقدّم لهم بسطة عن الوحدة وعن انتاجها… وكنت دائما اردّد نفس الاسطوانة التي كم اقلقت المديرين الذين تعاقبوا على رأس اذاعة صفاقس… كنت اقول لضيوفنا الاعزاء (اعني المسهولين): وحدة الانتاج التلفزي فيها كلّ شيء الا الانتاج، وبقية التفاصيل تأتيكم من مديري!…

مقابل ذلك كانت علاقاتي مع منظوريّ في مصلحة الانتاج التلفزي على غاية من الودّ والاحترام … بل ذهب بي الامر الى إعلامهم انه بامكان ايّ منهم ان يتغيّب لكن عليه يكتب لي مطلبا مُسبقا لرخصة غياب دون ذكر التاريخ، احتفظ به عندي حتى يكون وثيقة استظهر بها اداريّا كلّما اقتضى الامر وذلك لحمايتهم وحماية نفسي… وفلسفتي في ذلك تتمثّل في الآتي: مالفائدة في حضور موظفين لا شغل لهم ؟ خاصة انّ بعضهم يقطن عشرات الكيلومترات بعيدا عن صفاقس المدينة… ثمّ اليس واردا للموظّف الذي لا شغل له أن يصبح شغله الشاغل احداث المشاكل مع زملائه ؟ اذن مخزن مغلوق ولا كرية مشومة… لكن في المقابل واذا اقتضت مصلحة الوحدة ان يعملوا 16 و 18 ساعة ما يقولوش (احّيت)…

تلك العلاقة التي وضعت اسسها بيننا كرئيس ومرؤوسين رأيت عمقها يوم مغادرة الوحدة للتقاعد… يومها أحاط بي زملائي ورفضوا رفضا قاطعا ان اكون انا من يحمل بنفسه وثائقه وكلّ ماهو ملكه الخاص الى منزله… وحملوها عني جميعا وبكلّ سعادة مخضّبة بدموع العشرة… والله يشهد اني وطيلة حياتي كمسؤول سواء اذاعيا او تلفزيا لم اقم يوما باستجواب كتابي لايّ كان… ولم اخصم لايّ كان من اعدادهم في منحة الانتاج وفي الاعداد المهنيّة…

اذن وعودة الى علاقتي بجامعة صفاقس كمدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا ثم بعده بسنتين بمدرسة الفنون والحرف، حاولت ان اعطي دون كلل لطلبتي… كنت قاسيا معهم نعم… ولكن كان ذلك بحبّ لا يوصف… وبادلوني نفس الحب ان لم تكن دوزته اكبر … كنت الاستاذ والاب والاخ والصديق و كنت ايضا صدرا اتّسع حتى لاسرارهم الخاصة… رغم اني كنت ايضا بوليسا في امور الانضباط وتقديس العلم… وطلبتي الذين هم في جلّهم اصبحوا اصدقاء بفضل الفيسبوك شاهدون عليّ… ولعلّ من الاوسمة التي افتخر بها ما حصل في نهاية السنة الجامعية سنة 2012…

إذ ككلّ نهاية سنة جامعية يقع توزيع شهائد وجوائز للطلبة المتفوقين في جميع السنوات… وفي اخر القائمة سمعت من منشط الحفل يذقول: (الان الجائزة الاخيرة في هذا الحفل وادعو الاستاذ عبدالكريم قطاطة لتسلّمها)… فوجئت حقا بالاعلان… وكانت لوحة رُسمت عليها زيتونة وكُتب فيها (شهادة تكريم للاستاذ عبدالكريم قطاطة نظرا إلى عطائه الغزير لطلبة المعهد)… واعذروني على اعادة جملة تُريحني كلما ذكرتها وهي… “وبعد يجي واحد مقربع ويقلك شكونو هو عبدالكريم اش يحسايب روحو ؟؟” … بل تصوروا انّ زميلة من اذاعة صفاقس بعد حادثة ذلك الفيديو المنحوس حول من هم اعلام العار في نظري سنة 2012 (رغم انّي صححت فيما بعد ماجاء فيه ووضحت انّي لم اعمم وختمت بالاعتذار .. لكن وقت البعض يبدا يستناك في الدورة مهما وضحت وكتبت واعتذرت يكون موقفه”قاتلك قاتلك”)… تلك الزميلة ذهبت الى ادارة مدرسة الفنون الجميلة وطلبت منها فسخ عقدي معهم لاني لا اشرّفهم… وضحكوا منها وقالوا لها فيما قالوا: هاكة موش فقط استاذ الطلبة، سي عبدالكريم استاذنا وشرف لنا ان نكون تلاميذه… ورجعت المسكينة الى منزلها خائبة مذهولة مهمومة وغبينتها غبينة، المغبونة… وانا مسامحها…

قضيت 10 سنوات بمعهديْ الملتيميديا ومدرسة الفنون الجميلة وحتما ساعود الى اشياء عديدة حدثت فيها خاصة بعد قهرة جانفي 2011…

الحدث الاخير سنة 2004 كان دون جدال كُرويّا… تتذكّرو نوفمبر 2004 ..؟؟ وبالتحديد يوم 20 منه ؟؟ تتذكّروا هاكي التشكليطة السافيّة ؟ تتذكّرو زوبا وهو يمشكي في ملاعبية المكشّخة واحد بعد واحد ؟ تتذكّروا كيفاش علّق تيزييه في سقف الملعب ؟؟ انّه نهائي الكأس الشهير… وانه يوم سقوط امبراطورية فرعون الكرة ولد شيبيوب… وانا نعرف انو بعض المكشخّين ماشين عاد يسرسطو ماجاء من سور في كتابهم .. عن بطولاتهم .. عن القابهم وتونس بكلّها تعرف عن محصولهم في الشمبيونزليغ وطبعا ماشين يذكروني بهدف بوتريكة ويختمو بـ (ما تكلموناش احنا ماشين لكاس العالم في امريكا).. لاصدقائي المكشّخين الباهين فيهم وهم قلّة لانّ اغلبهم لا يورّيك ولا يفاجيك .. فقط لاصدقائي نحب نسألكم سؤال وحيد ..توة هدف زبير السافي في هاكي الفينال موش سميّح موش شيء يعمل 5555 كيف؟

موش تقول الواحد صيفا يبدا في يدو مشموم ياسمين وطاولة معبّية بالبطيخ والدلاع والهندي وما ننساوش الفقوس .. وهي تصير كورة من غير فقوس ؟…ويعاود يتفرّج عليه ويعشق العزف متاع زوبا ورقصتو كيف انتوني كوين في زوربا اليوناني ؟ وفي الشتاء يبدا قاعد تحت كوسالة وكاس تاي منعنع ويعاود يتفرّج على زوبا وهو يعزف اشي الحبّ كلّو واشي انت عمري .. واشي انساك ده كلام ويختمها ب ميا موري … نعرف اصدقائي المكشخين الباهيين يعرفوني بليد وماسط وخايب وقت نحكي على مكشختهم ..اما يدبّرو روسهم قلتلهم حبّوني؟… واذا حبوك ارتاح والله… دعوني الان اسرّ لكم بما لا يعرفه اغلب محبّي الفريقين حول ذلك النهائي… واصدقائي ومهما كانت الوان فرقهم يعرفون جيّدا انّي صادق في ما اقول والله شاهد على صدقي…

قبل خوض النهائي كان لنا لاعب معاقب (وسام العابدي)… ولد شيبوب كلّم هاتفيا انذاك احد مسؤولي النادي وقللو نقترح عليك اقتراح لفائدة الزوز جمعيات… قللو نسمع فيك هات… قللو تهبّط وسام يلعب الطرح وانا نقول للملاعبية يسيّبوا الطرح… تربح انت وتعمل شيخة انت وجمهورك وانا نعمل احتراز عليكم وناخذ الكاس… طبعا المسؤول رفض وبشدّة… ولد شيبوب قللو راك ماشي تهبط من غير قلب دفاعك وسام… تعرف اش معناها ؟ معناها ماشي انييييييييييي………… بزوز .. المسؤول ظهر حتى هو قبيّح وقللو .. انا منيش مهبّط وسام واحنا اللي ماشي انننننننننني ……… بزوز … وكلمة عليها ملك وكلمة عليها شيطان ..ولكم ان تعمّروا الفراغ وتربطوا بسهم … لكم حرية التعليق مهما كانت الوان فرقكم لكن مع ضوابط الاحترام …السبّ والشتم والكلام البذيء لا مكان لها في صفحتي! …

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة

جور نار

لا تخرّبوا سور وسقف الوطن… فنحن غدا من سيدفع الثمن!

نشرت

في

محمد الأطرش:

كنتُ بصدد وضع اللمسات الأخيرة على مقالي الأسبوعي في جلنار، حين بلغ مسامعي صراخ وألم ووجع عائلات من قضَوْا تحت أكوام حجارة سور معهد المزونة، رحمهم الله.

تمرّد القلم بين أصابعي، ورفض إتمام ما بدأه والانصياع لأوامري، وما أكتب، معلنًا الحداد على من ماتوا، ووُئدت أحلامهم تحت حجارة سور جريح ينزف دم سنوات الإهمال والتخلي.

سور أصابته لعنة “باركينسون” تشريعاتنا المهترئة، فارتعش وجعًا. سور لم يرأف بحاله أحد من القائمين على شؤون ترميمه، وترميم ما يحيط به. سور سال دم جراحه، وأسال دم من مرّوا بجانبه وأمّنوه على أرواحهم. سور توجّع وتألم طويلًا، وبكى… ولم يسمع بكاءه أحد، حتى أبكى أمهات بعض من اعتادوا المرور بجانبه… سور تآكل، وبانت عورته، فغضب وانهار على من كانوا يمرّون بجانبه، يتكئون عليه، ويستظلون به من غضب الشمس وثورة الأحوال الجوية، وهم في طريقهم لطلب العلم.

الغريب ما قرأته بعد الفاجعة، وما سمعته من صراخ من خرجوا يهددون بالويل والثبور وعظائم الأمور. أغلب من خرجوا علينا يولولون، يطالبون بمحاسبة من تسبب في الفاجعة، ويطالبون بتحميل المسؤولية لكل من قصّر في أداء واجبه أو غفل عنه.

هكذا نقفز على كل وجع ومأساة، لنواصل الدعوة إلى الانتقام من كل ما سبق، ومن كل من سبقونا في تحمّل مسؤولية خدمة هذا الشعب… هل يجب أن ننتقم ونثأر بعد كل فاجعة أو فشل ممن سبقونا في تسيير شؤون مؤسسات البلاد؟ هل يجب أن نشيْطن كل من سبقونا في خدمة الوطن بعد كل وجع يشعر به جسد هذه الأمة؟ ألا يجدر بنا أن نعتبر مما حدث، ونبدأ بإصلاح حالنا وأحوالنا؟

أتساءل: ألا يتساءل أحدكم لماذا كل هذا العزوف عن تحمّل المسؤولية؟ أليس للفصل السادس والتسعين من المجلة الجزائية دور كبير في هذا العزوف، الذي أفرغ مؤسساتنا من كفاءات كنّا نفاخر بها، ونطمئن بوجودها على حالنا وحال مؤسساتنا وحال البلاد؟ ثم، أليس للفصل الرابع والعشرين من المرسوم عدد 54 نصيب مما نحن فيه، ومما عشناه ونعيشه؟ فمن كان يرى في السور عيبًا وخطرًا، لن يكتب عن الأمر، ولن يُنبّه لخطورته، خوفًا من أن يُتهم بنشر أخبار زائفة وإشاعات كاذبة…

ألم نغرق اليوم في وحل الفصل السادس والتسعين، ورعب المرسوم الرابع والخمسين؟ لماذا تنشر تشريعاتنا وبعض قوانيننا الخوف والرعب في نفوس كفاءاتنا، ومن يملكون القدرة على تحسين أوضاعنا؟ أيمكن للأمم أن ترتقي وهي تعيش تحت وطأة الخوف والرعب من قوانينها؟ كيف نطلب من بعضنا خدمة الوطن وهم يعيشون رعب القانون، ورعب الحقد، ودعوات الإقصاء والثأر والانتقام من كل قديم، وكل مخالف في الرأي، وكل من لا يعلن لنا البيعة، ولا يقف صارخًا “مزغردًا”، مصفقًا لأخطائنا، ملمّعًا لفشلنا، داعيًا لنا بطول العمر وجزيل الثواب؟

يا من تستمتعون بوجع خصومكم، ومن لا تتفقون معهم، ومن تركوا أثرًا طيبًا وانتصروا عليكم بما حققوه وأنجزوه…الوطن أمانة بين أيادينا جميعًا، فجنّبوه الفتنة، وجنّبوه الأحقاد، وحافظوا على سور الوطن…ولا تخربوا سقفه، فإن انهار سقف الوطن، فنحن، نحن الشعب، من سيدفع الثمن… نعم… نحن الشعب من سيدفع الثمن.

أكمل القراءة

صن نار