تقدِمة: في مطلع هذا العام الشبيه بكل مطلع و كل عام من حياتنا العاصفة، هممت بالكتابة عن حالنا وحال حكّامنا معنا، و حالهم أيضا مع رياضتهم المفضلة و هي اللعب بالكراسي و فوق الكراسي و الطاولات، تاركيننا تحت الأرجل كقطط المطاعم أو بعوض السباخ، نلتمس الرزق أو نُركل أن نُنشّ أو نموت لا يهمّ … غير أن أحد الأصدقاء القرّاء عنّ له أن ينشر مقالا لي سبق أن نُشر ضمن صفحة قديمة من “عيدان الكبريت” … أعدت القراءة على مضض ففي اعتقادي أنه ما فات فات … و لكنني وجدت أنني لن أكون اليوم أصدق من البارحة، و أنّ أولياء أمرنا يخرجون لنا بنفس الوجه، و لا يستحقون منّا سوى نفس المرآة … لهذا، ها أنا أستسمح من بقي وفيّا رحب الصدر من القارئين، و أعيد نشر هذا الكلام الذي قلته منذ ثلاث سنوات يوما بيوم تقريبا، و بالحرف …
ياااااااااااااااااااااا حسرة !
منذ يومين، مرت ثلاث و ثلاثون سنة على انتفاضة الخبز … و هي للتذكير كانت ردة فعل منطقية على زيادة سعر مشتقات الحبوب … و خاصة الخبز الذي قفز سعره فجأة في أواخر 1983 من 80 إلى 170 مليما … رقم يبدو زهيدا اليوم و لكنه كان لكمة عنيفة إلى وجوهنا في ذلك الوقت، و الأجر الأدنى كان لا يتجاوز الستين دينارا في حين أنه الآن في حدود 340 دينارا … يعني كأنْ يصبح سعر الخبزة اليوم 1400 مليم مثلا، مع ما يرافق ذلك على مستوى الدقيق و العجين الغذائي إلخ … و بالتبعية كل المواد الاستهلاكية الأخرى، غذائية كانت أم غير غذائية، عملا بقاعدة تداعي الأسعار … و هذا ما كانت ترمي إليه نصيحة صندوق النقد الدولي التي أذعنت لها حكومتنا، و هذا أيضا ما فهمه المواطن التونسي في طرفة عين … و انطلقت شرارة الأحداث في أقصى الجنوب التونسي (دوز تحديدا) لتشمل فيما بعد كل ولايات البلاد وصولا إلى العاصمة ...
عندما كانت الانتفاضات … كلمة حق يُراد بها حقّ
عبد القادر المقري
و بعد واحد و عشرين يوما من لحظتنا هذه، ستعود بنا الذاكرة قرابة الأربعة عقود إلى اندلاع أدْمَى مواجهة رأيناها بين مطالب شعبنا و سلطة النظام المسلحة … انتفاضة الخميس الأسود أو الأحمر، 26 جانفي الأليم العظيم، معركة استقلال اتحاد الشغل عن الحزب الحاكم و كل الأحزاب الحاكمة التي جثمت وتجثم على بلادنا … كانت أقرب إلى معركة تحرير وطني منها إلى مواجهة اجتماعية قِوامها أجور و أسعار و ظروف عمل … هكذا ظهرت الحقيقة بعد أن تطور نزاع الاتحاد وحكومة نويرة، و هكذا تعاملت عصا الحكم مع المحتجين بكل ما تملك من حديد ونار و آلة دعائية و حزبية … بل تجاوزت رغبة الاستقلال اتحاد الشغل لتشمل كل بلادنا التي أحست أنها كانت تعيش تحت وطأة استعمار من نوع آخر … استعمار محلي متضـامن مع الاستعمار الخارجي، استعمار وكلاء و سماسرة و عملاء، استعمار جديد …
و بين هذين التاريخين، أي يوم السبت القادم، تمرّ 6 سنوات على ما اصطلح على تسميته بالثورة التونسية … حدث هائل زلزل كامل المنطقة و وصلت موجاته إلى أبعد نقطة في الأرض … كنا ـ و لا نخفي ذلك ـ من المبتهجين لهذا الحدث و كان الأمل كبيرا … سقط نظام كقصر من ورق و لكننا تشبثنا بالدولة ومرافقها ومؤسساتها … و كان الاعتقاد أن تونس ستصبح أنقى و أصحّ و أقدر على دخول القرن الجديد … و نسينا أن لنا بالخارج رصيدا من أعداء الاحتياط سيحطّون الرحال بدل الذي سافر … و أننا تخلّصنا من قطرة ظلم لنقع تحت مزراب إبادة … و أن آمالنا و أحلامنا و عواطفنا الرقيقة لم تكن في قوة هذه الجحافل الجرّارة و عيونها الحانقة و عضلاتها المدججة … فضُرِّسْنا بأنياب و وُطِئْنا بمَنْسم، و تعاون على تشريحنا جلاّدون من كل الجنسيات، و استبيحت حدودنا و ضاع الفُـتات من أمننا و انتُهكت سوقنا و زدنا فقرا على فقر … و تكاثر بيننا الآسفون و النادمون حتى على الطاغية الذي سقط في بداية 2011 …
عندما يطلع النهار
جانفي، يناير، كانون الثاني و باقي التسميات … شهر تونسي عصبيّ فوّار بامتيـــاز، و موعد فصلي تستيقظ فيه جوارح بني شعبك يوم تكون كل الكائنات في حالة بَيات شتوي … الشعوب الأخرى تثور في الربيع أو في الصيف أو في خريف الغضب، و الأمثلة تتراوح من ثورة 14 جويلية الفرنسية إلى ثورة 25 أكتوبر الروسية وبينهما ثورات ربيع الشعوب … أما في تونس، فلا يكاد النوم يعانق سكان قصريْ قرطاج و القصبة منذ نصف قرن و كلما اقترب هذا الشهر العاصف … و ليس للمسألة من تفسير بيولوجي أو حتى ثقافي، بل كل الحكاية أن حياتنا مرهونة بجيوبنا، و أن جيوبنا عطاؤها و شحّها مرتبط بصلاح أو فساد ميزانية الدولة … وميزانية بلادنا يبدأ تنفيذها في أول جانفي من كل سنة، و هناك بالضبط تُكرم حكوماتنا أو تهان … صحيح أن النخب تكون مطّلعة على أطوار إعداد الميزانية و مناقشتها منذ أشهر … و هي عليمة بما يُحاك في الأروقة وجولات الذهاب و الإياب مع الصناديق الدولية، و ما يميل إليه نظام الحكم من سياسات و توزيع للثروة بين أهل غنائم و أهل ضرائب و ضرب … و لكن لا أحد تقريبا يسمعهم، و لا يفيق مواطنك الغافل إلا حين تقع الواقعة … و الواقعة طبعا هي إجراءات يبدأ تنفيذها القاسي مع أول السنة …
و هكذا توالت إجراءات التعسف سنة بعد سنة، و جانفي بعد جانفي، و انتفاضة بعد انتفاضة … و لكن نظامنا السيـــاسي بدل أن يتغير بالشكل الذي لا يصطدم فيه مع الشعب، و بدرجة تجعل منه خادما مؤتمنا على مصير ملايين الرقاب … بدل كل هذا، كان نظامنا ضليعا في التأقلم مع الأحداث و مداورة المصاعب دون حلها، و مراوغة أصحاب الحق بعد أن يكون استنفد كل حلول القوة و البطش التي يبادر إليها كلما ثار الناس عليه … و هكذا تفرّجنا طول عمرنا على ما يشبه مسرحية الممثل الواحد بمائة شخصية … و تلعب أكسسوارات التمثيل دورها كما لم يسبق لها أن لعبت … فمن هنا أكداس من الفريب، و من هنا أضواء بكل ألوان الطيف، و من هنا أقنعة بجميع صنوف الحيوان و الطير، و من هناك أصوات تتراوح من القرار إلى الجواب، و من تلك الجهة آلاف من حركات اليد و تعابير الوجه و حتى دمعات العين و الحنجرة المتهدجة حين تقتضي الحال …
يرتدي نظامنا في الأول ملابس المناضل محرر البلاد القائد الظافر القاهر الطارد للمحتل الأجنبي … تنطلي اللعبة بضع سنوات يغرف خلالها لنفسه و لقوى الاستعمار المنسحبة ما تم الاتفاق عليه بعيدا عن العيون و الآذان … يعاني الناس من فقرهم الجديد و تبدأ أولى مشاعر الخيبة، فيخرج النظام ورقة الجلاء العسكري ويتخلص في الأثناء من بعض أصوات النشاز … تهدأ الحال سنتين أو ثلاثا ثم يلحّ الفقر و يعود التململ، فتخرج للعامة ورقة الجلاء الزراعي و إيهامهم بأن الثروة ستتوزع بالعدل على الجميع مواكبة لموضة الاشتراكية … و بالمناسبة، يتغير اسم الحزب الحاكم ليأخذ من أنظمة أوروبا الشرقية شعاراتها و منظومتها الشمولية البوليسية … حزب واحد، قائد واحد، شعب واحد … و لا بأس في الأثناء من حشر العشرات داخل معتقلات موروثة عن زمن الاستعمار و يرتع فيها الظلام الدامس و رفيقته الرطوبة الخانقة، تحت موسيقى من صليل السلاسل و قرع السيــــاط …
نظام واحد … بمائة قناع
و عندما تنفد هذه الجعبة بعد سنوات أخرى، و يتبيّن الحمل الكاذب و الاشتراكية المزوّرة … وقتها، يتمارض الزعيم أو يتماوت و يصيح أنصاره مشفقين لقد خانوا ثقتك يا قائد … و تخرج في الحال ورقة الزعيم الطاهر المطعون من خلّف، و يُقاد إلى الخشبة أول كباش الفداء … قد يكون من ممثلي الصف الثاني، أو من الكومبارس، أو حتى من دهماء الجمهور … المهمّ أنه يتمّ تلبيس هذا الممثل قناع التيس المرسل، بالاستعارة من كتب التوراة، و تحميله أوزار كل المرحلة، و تخريج نظامنا في ديكور المعبد الذي تخلّص من مدنّسيه … و هكذا، راحت اشتراكية البلّوط في خبر كان، و جيء بمنقذ آخر (من الكومبارس هو الآخر) ليلعب دور التحرر الاقتصادي و صنع الثروة و تشجيع صــــانعيها و زارعيها الخواص … محليين و أجانب … و نسيت العامة أناشيد العدالة الاجتمـــــــاعية و المساواة بين الجهات، و بين العامل و العامل، و بين المنتج و المنتج، و بين المتعاضد و المتعاضد … و باقي القاموس السائد في الستينــــــــات و الذي ألقى به الزعيم و الحزب و الهادي نويرة والإعلام الرسمي، في أقرب مصب بلدي …
و لن نكرر الكلام عن تكرار تجربة المناورة و ربح الوقت ثم الفشل المحتوم في النهاية … فتلك كانت ضريبتها 26 جانفي، و كانت أيضا ضريبتها انتفاضة أخرى و لكن مسلحة في جانفي آخر و لكن سنة 1980، ولعب الجماعة وقتها لعبة التفتح و التعددية و جاؤوا برئيس اتحاد الكتّاب لكي يلبس دور تيّاس الثمانينات … ولم يطل حبل الكذبة، فوقعوا في مطبّ جانفي 84 و قصة رفع الدعم، و بعدها بسنة غزوْا دار الاتحاد، و بعد ذلك بـثلاثة عقود (4 ديسمبر 2013) أعادوا الغزوة نفسها … و في أثناء كل هذا العمر، لعبوا و غيّروا و تغيّروا و مرّت على المسرح أطنان من الملابس و أكيــــــاس من الأقنعة المستوردة … و لكننا لو دققنا النظر واخترقنا كل هذه الحُجب و لعبات الشخصيات، و انتقال النص من الاشتراكية إلى الليبيرالية إلى التعددية إلى الديمقراطية إلى الخطاب الديني … و تداول الآليات بين التحوير الوزاري، و تغيير رؤساء الحكومات، و تبديل حتى رؤســـــاء الدولة، و الوصول بالانقلاب، و الوصول بصناديق الاقتراع …
لو أمعنّا النظر بعيدا عن أخاديع حواة السلطة التونسية و عرّابيهم في الخارج، لرأينا أننا لم نبارح موقعنا الذي نحن فيه منذ 61 سنة … أي نظام أكول سمين مسترسل الأجيـــــال، و شعب مأكول هزيل مبعثر الصفوف تقوده نُخب من التجّار و الشطّار … و معارضة هي في المحصلة جيش احتياط منتظر في غرفة مجاورة، و جاهز عند كل مناداة و في مطلع كل مرحلة … لا أكثر و لا أقلّ …
عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…
احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…
بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…
المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.
ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة.
فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…
ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.
وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.
“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…
فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.
لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …
دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.
وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان منالضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.
إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.
غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.
واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.
فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.
و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.
لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها
والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.