طالبت عديد المرّات بالتعامل ديمقراطيا مع نتائج الانتخابات…وتحميل من يفوز بأغلبية المقاعد مسؤولياتهم كاملة، دون أن نذهب إلى تحالف أو ائتلاف نشرّك فيه الجميع في توافق حاكم، كما نفعل ذلك منذ عشر سنوات ويزيد…فالنهضة لم تحكم إلى يومنا هذا بمفردها أو بالشراكة مع من يشبهها فقط، بل نجحت دائما وطيلة عشر سنوات في توريط من يشاركها الحكم في تحمّل تبعات الفشل، كما نجحت في الخروج بأخفّ الأضرار من كل محاسبة انتخابية بالتنصل من مسؤولياتها وتحميل كل من شاركوها الحكم مسؤولية “الفشل المستدام”…
محمد الأطرش
النهضة وإلى يومنا هذا وربما إلى مستقبل قريب قادم ستواصل تقمّص دور “الضحية” وهو الدور الذي أجادته بدقة متناهية لتنقضّ على المشهد السياسي مباشرة بعد 14 جانفي…فالنهضة ومن خلال خطابها “الإعلامي الدرامي” وبمساعدة من اليسار الغبي الذي تكلّف بمهمة ضرب كل خصوم النهضة نيابة عنها، نجحت في حلّ التجمّع دون أن تكون في واجهة الحملة بل تركت أمر القضية لليسار…ومن خلال خطاب اليسار الغبي الذي خرج علينا رافعا شعار “نصب المشانق والسحل وتطهير المؤسسات” نجحت في استقطاب جزء هام من أنصار التجمع وناخبيه،
ومن خلال كل ذلك نجحت في ابعاد اليسار عن المشهد نهائيا…فاليسار اصبح في نظر الجميع سنة 2011 مكونا استئصاليا يبحث عن اجتثاث جزء كبير من مكونات المشهد السياسي وخسر بذلك موقعه الذي كان يمكن أن يكون كبيرا لو لم يمارس “الخطاب الاستئصالي الفاشي” تجاه كل من انتمى للمنظومة السابقة…
واليوم يعيد التاريخ نفسه من خلال ساكن قرطاج فهذا الأخير يقوم صباحا ليتحدث عن النهضة… يلتقي ضيوفه ويتحدث لهم عن النهضة…يخرج في زيارة إلى أحد المقاهي ويروي لهم قصّة النهضة…يزور ليبيا ولا ينسى الحديث عن النهضة…يذهب إلى مصر ليتحدث عن النهضة…يستقبل وزير خارجية مصر ليجعل الحديث مقتصرا على النهضة، وانتصار العاشر من رمضان وكأني به يرمز إلى تاريخ بداية حربه المعلنة على النهضة ومن معها…هكذا يواصل بعضنا اليوم ويعيد نفس الخطأ القديم فالنهضة إلى يومنا هذا تقتات من غباء وحمق البقية، وتواصل لعب دور الضحية، الدور الذي أجادته سابقا ونجحت من خلاله في الاستحواذ على جميع مفاصل الدولة…
هكذا يتواصل المشهد اليوم…فلا تمر ساعة اليوم دون أن تقرأ هنا وهناك…وتسمع هنا وهناك…عن خطر النهضة …وتغوّل النهضة…والغريب أن لا أحد من الذين يصرخون ويرفعون شعارات ضدّ النهضة فكّر في حاله….جميعهم تركوا حالتهم الميؤوس منها…ونسُوا خلافاتهم الوهمية التي صنعوها من فرط حمقهم وجهلهم بحقيقة المشهد…ونسوا تشتتهم…ونسوا ضعف بنيتهم الجماهيرية…وتمسكوا فقط بالحديث يوميا عن النهضة وما تفعله…وما لا تفعله…حتى أصبحت فعلا قوّة تسيطر على كل مفاصل الحياة في البلاد فبقية مكونات المشهد هي التي تكفلت بخدمة النهضة إعلاميا…هؤلاء ومن فرط “خوفهم” من النهضة جعلوها شغلهم الشاغل فلا تمرّ لحظة واحدة دون أن يذكروها بسوء….فكبرت …وكسبت تعاطف كل من لا دور لهم في المشهد الذي نعيشه…يا لغباء بعضنا…ويا لغباء إعلامنا…صنعنا من النهضة غولا…فأكلتنا جميعا …
النهضة تعاملت بذكاء كبير مع حملات الشيطنة التي تستهدفها، واستدرجت الجميع وحوّلت وجهتهم من خلال تجاهلها لهذه الحملات إلى الاكتفاء بشن حروبهم عليها وعدم الاهتمام بمشاغلهم ومشاكلهم…وتطوير آليات عملهم الحزبي…فهؤلاء ومن فرط سذاجتهم السياسية جعلوا شعار “لا للنهضة والإخوان” إستراتيجية مستقبلهم السياسي …هؤلاء نسوا أن الحروب والمعارك السياسية لا تُكسب بالشعارات وبالعواطف وبالأمنيات…ونسوا الاستقطاب والانتشار والبحث عن معالجة مشاكل قواعدهم وأتباعهم…ونسوا وعودهم التنموية والتشغيلية والاقتصادية …ولم يلتفتوا لغير شعارات الشيطنة والهرسلة اليومية لخصم اكتفى بتجاهل ما يفعلون، والتفت إلى بناء قواعده وأتباعه ومستقبله السياسي بطريقة لا تخطر على بال الأغبياء والحمقى من مكونات المشهد…فتحوّل خوف هؤلاء الحمقى من النهضة إلى أسلوب حياة…وأصبحت “فوبيا” النهضة والإسلاميين أزمة حياتية تعانيها كل الأحزاب التي بنت استراتيجية وجودها على رفض النهضة وبعض مكونات المشهد المنافسة…فأصبحت في نظر العارفين بخفايا المشهد أزمة نفسية يقتات منها هؤلاء الحمقى ويتحيّلون بها على قواعدهم….وأصبح من يشتم النهضة ويروج عنها كل موبقات الدنيا مناضلا وجب رفعه على الأعناق…ومن لا يشتمها مناصرا لها ومندسا…يذكّرُني هؤلاء الحمقى بمدمني المخدّرات فهؤلاء يفقدون الشهية في الطعام والأكل، مقابل رغبتهم الجامحة في شمّ مخدّر أدمنوا عليه…فتراهم سعداء بتخريب أجسادهم وبيوتهم وحياتهم …
هكذا هم أحزاب الغباء عندنا اليوم يصنعون ربيع خصومهم من خلال ما يروجونه عنهم وإدمانهم على شيطنتهم …النهضة نجحت في الفوز بأغلب معاركها من خلال استغلال غباء خصومها…ونجحت كما نجحت إسرائيل في محاصرة العرب في زاوية خلافاتهم وحروبهم بين بعضهم البعض…وكما فعلت إسرائيل من خلال استراتيجية “اللامبالاة”…تفعل اليوم النهضة ببقية مكوّنات المشهد بنظرية “اللامبالاة”…وأحزاب البسكويت، أحزابنا المهزومة…وإعلام الصراخ، إعلامنا الموبوء…ونخبتنا الحمقاء والعرجاء فكرا لم تع إلى حدّ الساعة، أن كسب المعارك السياسية مع “العدو” أو المنافس أو الخصم تتطلب عملا عقلانيا ودراسة عميقة لمتطلبات المرحلة وقراءة منطقية للخصوم…وبناء حزبيا حديثا يجعل من حلّ مشاكل الشعب هدفه الأكبر…فالشيطنة لا ترعب الخصوم بل تكسبهم تعاطفا إن كان الخصم عقائديا…و التخويف والترهيب لا يكونان بالشيطنة، بل بالعمل القاعدي والبرامج الواقعية والعقلانية والاقتراب من الشعب…
كما أن كسب المعارك السياسية لا يكون بالأمنيات وبمجرّد رفع الشعارات…فإن لم تعدوا لهم “قوّة” ترهبونهم بها…وإن لم تنشروا “فكرة” تحاربونهم من خلالها…وإن لم تبتكروا “أسلوبا” تربكونهم به…وإن لم تستنبطوا “خديعة” تخادعونهم بها…فإنكم ستخسرون كل معارككم…فالحروب والمعارك السياسية هي معارك طويلة الأمد وقد تحصد معها أجيالا من الكفاءات والنخب …وقد تحصد معها مشاعر الأتباع والقواعد…وقد تسقط أحلام البعض…فنحن من نصنع خصومنا….وخصومنا هم من يصنعوننا …فلا تصنعوا خصوما…ليهزموكم…و يفرغوكم من محتواكم…
كما عرضنا في عددنا السابق من جريدة “جلنار” بعض المعطيات المتعلقة بالساحة الوطنية داخليا وخارجيا وكما أشرنا إلى انحرافات خطيرة لبعض وجوه المعارضة عبر نشر الأكاذيب والتظلل بالـ”غرف المظلمة” المعدة لضرب تونس، بالإضافة إلى حمى الدعوات لنشر الفتن وتحريك شعب ليس في حاجة لمعاناة أكثر ويحلم بالأمن والأمان والازدهار وليس بتحقيق أهداف نرجسية أو وصولية أو عميلة لجهات أثبتت سابقا وهاهي ذا تثبت لاحقا فراغ خزانها من أية مشاعر وطنية.
كما شرحنا أيضا الحاجة الماسة لدعم القدرة الشرائية للمواطن التي وصلت إلى حد لا يحسد عليه لأسباب موضوعية وربما أيضا عملية، منها أن السلطة الحالية تجد نفسها أمام إرث ثقيل من ديون الحكومات السابقة، ولعل أكبر دليل تقدمنا به هو دفع الحكومة التونسية لقسط كبير من ديون متراكمة تعود لسنوات 2015 أو قبلها أوبعدها، و الأهم هو أن هذه الديون خلال حكومات الترويكا والنهضة لم توجه إلى أي برنامج تنمية بل على العكس تماما تم تخصيص جزء من موارد البلاد لإسكات الإضرابات و خلق شركات بستنة دون وجود بساتين وضرب سوق الفوسفات مع الهند وغير الهند. وإحقاقا للحق فقد سعت السلطة الحالية إلى إعادة هذه الموارد ولو أنها قابلة لمزيد التطوير.
هذه بعض الإشارات دون أن نتعمق في الكثير من التفاصيل التي أنهكت الموارد الوطنية ليفهم الجميع أن أدنى الشروط والقواعد لأية ثورة تستوجب:
أولا وجود قيادة فرضتها الأحداث والقناعات الشعبية،
ثانيا، طرح برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني لدرء نقاط ضعف أو تجاوز المنظومة القديمة.
ثالثا، توفير المتطلبات من أمن ومعيشة طبيعية على الأقل للمواطنين عبر تحسين الطاقة الشرائية وشغل لا تعيقه نسبة كبيرة من البطالة، ثم فرض تطور مطرد للقطاعات العامة مثل الصحة والتعليم والنقل وضمان الاكتفاء الذاتي.
ودون هذه الشروط لا يمكن علميا أو حتى ديماغوجيا تحقيق تحولات صغرى أو كبرى بالثورة ونتائج جل هذه التحولات على بعض البلدان لم تأت إلا بمزيد من التخلف والانهيار الاقتصادي و الأمني مما أعاد حنين بعض الشعوب إلى ما فات والندم عليه ندامة الكسعي.
المقنترحات العاجلة:
ان الشعب التونسي يستحق الأفضل وهو شعب صعب المراس ولا يخضع لأية تاثيرات غير قناعاته بل إن أية محاولة لتوجيهه تعود بالوبال على الزمر التي قامت بها، لكنه أيضا شعب صبور على الشدائد وشظف العيش من أجل الإخلاص لاختباراته وقناعاته إلى حدود معينة، فلا مجال لتحريك من جهات خبر حكمها جيدا ولفظها ولا مجال لأي مستعين بالخارج، لكن شعبنا يعبر عن معاناته المتمثلة في معيشته وشغله ورفاهه، ولعل إحدى صفاته انه “موقوت فجئي” لا يسمح لأي طرف بتفكيك توقيت انتفاضاته أو غضبه، ذلك أنه إن عدنا قليلا إلى التاريخ نتذكر “ثورة الخبز” وقبلها 26 جانفي وبعدها الحوض المنجمي و17 ديسمبر وغيرها من الانتفاضات التي لم تكن في حسبان أي جهاز وطني أو خارجي.
واليوم لنتدرج إلى أهم المتطلبات الوطنية تالقائمة في أعلى هرم الأولويات:
أولا، لعل الضغط على الأسعار المتعلقة بقوت المواطن تعد أهم ضرورة، فمن المهازل أن يستمر. ارتفاع سعر اللحوم إلى هذا الحد و كذلك أسعار الخضر والغلال وبقية المواد المعيشية، وعلى السلطة أن تحدد وتفرض تطبيق اسعار اللحوم أقل من 25 دينارا للكيلوغرام، وعلى كل من يتأفف من ذلك أن يبحث عن مورد رزق آخر فالشعب لا يستحق التنكيل به إلى هذا الحد.
ثانيا، إن معضلة أفارقة جنوبي الصحراء تكتسي خطورة أمنية تمس حتى من كينونة بلادنا وتركيبة سكانها وتعد قنبلة موقوتة ضد تونس، وعليه فإن الجمع بين الإعادة الطوعية والإجلاء القسري يعد من أهم الضروريات.
ثالثا، ,على المستوى السياسي ورغم انزلاق البعض نحو الاحتماء بالخارج وهذا متوقع ويصنف قانونا كخيانة عظمى، فإن بعض فصائل المعارضة الوطنية تستحق انفتاحا من السلطة وربما تشريكا لصالح ضمان سير أي وطن، لكن على عكس ذلك فإن بعض الوجوه والجهات العدوانية التي تدعو إلى الفتنة والحلم بعودة حكم عرفت فترته الإرهاب والاغتيال والغنيمة والسحل والرش والتغول في كل قطاعات البلاد خدمة للمنظومة وليس للشعب، وجوه السوء هذه لن يكون لها أي دور جديد غير الرغبة الجامحة في دمار البلاد والانتقام من الشعب واختياراته.
رابعا، تنقية الأجواء السياسية وذلك ببعث محكمة دستورية يقودها رجال وطنيون لا يؤمنون الا بالعدل والمصلحة الوطنية.
خامسا، لايعد تدخلا في القضاء متى ما كان هدف العفو عن عدد من المساجين الذين لا علاقة لهم بالارهاب أو المؤامرات او الفساد المالي أو الحق العام. ونظن ان شريحة من المساجين قد تستحق العفو الذي يدخل دستوريا ضمن صلاحيات رئيس الدولة.
خامسا، إننا إذ ننوه بجهود السلطة القائمة في عديد الميادين (النقل، الأمن، مقاومة الفساد، الطرقات، إعادة موارد البلاد مثل الفوسفات الذي تم تجميده طيلة العشرية)، فإن عددا من القطاعات يتطلب مزيدا من العناية مثل القطاع الصحي والقطاع الفلاحي، وبالمناسبة فإنه من غير المقبول أن لا يستجيب هذا القطاع الهام إلى ضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي.
كذلك لابدّ من مراجعة شاملة لقطاع التعليم وإدراج مادة السلوك الحضاري ومفهوم الوطنية وقدسية العمل ضمن برامجه للإسراع بغرس المقومات الاخلاقية والوطنية في أجيال تونس القادمة انطلاقا من رياض الأطفال إلى حدود الجامعات، لخلق مجتمع ناضج وليس فقاقيع من البؤر والكسل والاستقالة من الشأن الوطني.
لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.
فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت علىمسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.
كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها
ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.
إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا
ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…
ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها
المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز
نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.
علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…
ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟
ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…
هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…
خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…
وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…
أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟