أصبح من المؤكّد أنه لم يبق جهاز واحد تابع للدولة أو مؤسسة واحدة في تونس، صمدت في وجه أمواج الاختراق العاتية التي مارسها الإسلام السياسي عندما أمسك بالسلطة بعد 2011 وكانت له اليد الطّولى في التعيين والتجميد والتمديد والتعويض والدّمج والعزل والانتداب والعفو التشريعي وتمرير قوانين وتعطيل أخرى، فزُجّ بآلاف المتطرفين والدمويّين صلب الإدارة العمومية والمؤسسات المختلفة وأُعيد الاعتبار للملطّخة أياديهم بدم الأمنيين والعسكريين والمدنيين الأبرياء ولُمّعت صورة مجرمين ومتحرّشين ومُغتصِبين وسرّاق ومتحيّلين ومرضى نفسانيين سابقين… تحت يافطة ضحايا الاستبداد والاضطهاد.
منصف الخميري
هذا التّفخيخ المدروس يجعلني شخصيا لا أستغرب مطلقا من وجود “عقول” منظِّرة للتفجير ونفوس توّاقة إلى التّلغيم، في كل الزوايا والمنعطفات بما فيها المواقع التي نحسبها بمنأى عن الأدلجة وأقرب إلى الحياد والولاء اللامشروط لتونس ذات الهويّة الخالصة والخالية من السّموم الهوويّة الطارئة مهما كانت … وإلا لما رأينامعلّمة تُفتّش في عقول الناشئة بحثا عن وليّ لا يصوم رمضان، أو أمنيا يذبح زميله ويسطو على ذخيرته، أو إداريا يُسرّب وثائق المرفق الذي يعمل ضمنه إلى جهات عميلة مكلفة بأدوار مشبوهة … (وهؤلاء جميعا لا يمثلون من حيث كثافتهم العددية نسبة عالية لكنهم يشكّلون خطرا داهما، لأنه تبيّن ميدانيا أن جبانا واحدا من ضمنهم له من القدرة على ضرب صورة بلد قضى رجال آخرون عهودا وأجيالا وقرونا لبنائها وتشييدها… ونقولها للمرة الألف إن السطو على سلاح وإطلاق النار في كل الاتجاهات ليس عملا بطوليا بالمرة، بل هو عمل دنيء وجبان أقدمت عليه بعض القِردة عندما استولت صدفة على أسلحة رشّاشة).
قراءة في بعض ردود الفعل إزاء ما حصل في جربة :
أولا : تنديد بطعم الشماتة والتشفّي
أعتقد بشكل راسخ أن كل من صفّق للنّاتو وطائراته الحربية تدكّ المدن والقرى الليبيّة، وكل من استعمل ظهر تونس لتمرير الأسلحة القطريّة والتركيّة نحو الجارة عبر جرجيس، وكل من دعا إلى سفر أكباد تونس الغضّة نحو بؤر الموت والذبح في سوريا، وكل من سارع إلى طرابلس ليُداعب صواريخ الإرهاب وكأنه طفل يلامس لعبَهُ المحبّبة يوم العيد، وكل من قال “دموع الأمهات التونسيات المشويّات على سفر أبنائهن إلى مواقع القتال في الشام أهون من ألم أمهات سوريا اللواتي هن بحاجة إلى من يساندهن ويشدّ أزرهنّ ضد نظام بشّار القاتل”، وكل من ترك عملية الغريبة الارهابية الأخيرة جانبا وراح يبحث عن “مواطن تقصير الدولة التونسية” ليندّد بالتباطؤ في التفاعل الاتصالي أكثر ألف مرة من تنديده بالغدر والخيانة اللذين مارسهما أمنيّ بائس، وكل من قال “وداعا موسم السياحة الذي راهن عليه قيس سعيّد” في خلط يبعث على الغثيان بين “الحاكم اليوم” وبين “تونس الأبدية” … كل هؤلاء حسب اعتقادي لا يحقّ لهم الخوض بالموضوع أصلا أو التظاهر بالتباكي على تداعيات ما حدث لأنهم تماسيح سياسة، سينتهون من هذه الكبوة الزائلة ليفتحوا مغارس أسنانهم انتظارا لكبوات أو أزمات أخرى هم أعرف الناس بتوظيفها في البكاء والنحيب على “بلاد داخلة في حيط” و”اقتصاد مهدّد بالانهيار” إلخ…
ثانيا : من لا يقدر على التمييز بين الصهيوني واليهودي يُضرّ بتونس وتخسره فلسطين
يكفي أن تطّلعوا على تعليقات تونسيين وعرب إزاء الاعتداء الإرهابي في جربة، حتى تتيقّنوا أن خلطا جهنّميّا متعمّدا مصبوبا بشكل إسمنتي مسلّح في عقول أبنائنا للإيهام بأنه لا فرق بين يهودي وصهيوني إلا يموقع التواجد في ساحة العالم اعتمادا على أفكار نبتت في سياق غير السياق مثل “لتجدنّ أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشرَكُوا” أو “لا تقومُ السَاعةُ حتَّى تُقاتِلوا اليهودَ، حتَّى يقول الحجَرُ وراءَهُ اليهودِيُّ: يا مسلِمُ، هذا يَهودِيٌّ وَرائي فاقْتُلْهُ”. وحتى نتيقّن أيضا من أن حركة فكرية وثقافية ودينية طويلة المدى لا مناص منها من أجل تطويق كل هذه الفوضى “الشرعية والتشريعية المتلبّسة بالدّين والمقدّس” وتخليص الفكر السائد من كمّ كبير من العدوانيّة والخلط بين العصور والأزمان وبين السياسة والأديان. (انتبهوا في هذا السياق إلى مبادرة الدولة السعودية اليوم إلى مراجعة المدوّنة الحديثية الضخمة والاكتفاء بمائة حديث ثابت والأكثر تواترا فقط من جملة آلاف الأحاديث، بهدف إلجام رجال الدين والمؤسسات الدينية الرسمية عن تكفير كل مخالف لها.)
فكيف نفسّر مثل ردود الفعل التالية على صفحات الفايسبوك من تونسيين تُستباح بلادهم ويُقتل إخوانهم ويُضرب اقتصادهم ؟
“هذه بدعة أخرى : أول مرة نسمع بالحج في تونس”
أو “من مساوئ السياحة والاحتكاك مع الاجانب يفقد اهل البلد تقاليدهم وقيمهم”
أو “إن الدين عند الله الاسلام”
أو “لأنه ليس لهم قبلة ولا حج فاخترعوا مكانا للحج”
أو “أين المشكل، هذا هو التطبيع الحلال”
أو “الحج هو حج بيت الله في مكه ولا حجّ سواه”
أو “فقط للتذكير…انو هناك عشرات الشهداء في غزة…و برشا ناس ماتنجمش تتحكم في تصرفاتها وما تفرقش”.
أو كذلك “هذا من تدبير مخابرات تونس..حتى يقنعو العالم بأنهم يحاربون الإرهاب . بمعنى الإسلاميين”
إلخ…
أليس هذا تعاطفا صريحا وضمنيا أحيانا مع الإرهاب ؟ أليس هذا إنكارا جاهلا وقميئا لواقع تاريخي لا علاقة له بفلسطين والنضال ضد الكيان الغاصب، وهو أن التونسيين لهم إخوة لا يدينون بالإسلام تواجدوا على هذه الأرض وبنوْا معبدا عمره أكثر من 2500 سنة أي قبل مجيء الإسلام بقرون طويلة ؟ ولماذا يتعامون عن كون المتأسلمين المؤيّدين لاستراتيجيات الاحتلال أكثر عددا من اليهود التونسيين المساندين لدولة التشريد والقتل والمذابح التاريخية ؟ ألم يستقبلوا ماك كاين وأولبرايت بمشروعهما الاحتلالي والتوسعي المبين بالأحضان ؟ ألم تحتضن المستشفيات الاسرائيلية جرحى جبهة النصرة وأنصار الشام الإسلامية أثناء المواجهات مع الجيش السوري ؟ ليعلموا أن فلسطين استشهد من أجلها آلاف المناضلين الصادقين من كل أنحاء العالم وكيان الاحتلال أيّده صهاينة من زوايا الأرض الأربعة.
ثالثا : ناتنياهو والفرنسيس والأمريكان والألمان، تعاطفكم الكاذب وتعازيكم الماكرة نحن في غِنًى عنها !
قال ناتنياهو إبّان العملية “حزنت لسماع نبأ مقتل اثنين من أبناء شعبنا في هجوم على مدخل كنيس في جربة بتونس … بالنيابة عني وعن حكومة إسرائيل أتقدم بأحر التعازي لعائلات القتلى”
وأكد المتحدث باسم الخارجية الأمريكية “نستنكر الهجوم الذي وقع في جربة ونُعرب عن تعازينا للشعب التونسي ونُثني على التحرك السريع لقوات الأمن”.
أما الموقف الألماني، فاعتبر “غدرة” جربة الأخيرة “عملية تملؤنا بالفزع والحزن العميق وملتزمون بحماية الحياة اليهودية في تونس ومكافحة معاداة السامية وأي شكل من أشكال التمييز في جميع أنحاء العالم…”
لهؤلاء نقول تِباعًا إن المواطنين اليهود التونسيين ليسوا مواطنيكم يا من تشكّل “شعبكم” من شتات هجين قدِم من كل أصقاع العالم ووطّنتموه بقوة الدبابات والجرّافات فوق أرض ليست أرضكم، وأن الثّناء على التحرك السريع لقوات أمننا لا يمكن أن يُنسينا تحرّك قوات أمنكم وجيشكم في كل العهود لقهر الشعوب وإسقاط الأنظمة الوطنية وتدعيم العملاء والخونة، وأن حماية الحياة اليهودية في تونس هي من أنظار الدولة الوطنية التونسية دون سواها… كما نقول لهم في النهاية إن الهولوكوست ليست كلمة عربية وأن العرب ليسوا من أسّس مراكز شلمنو وأوشفيتز ولوبلن للتنكيل بملايين اليهود عبر التاريخ.
كما عرضنا في عددنا السابق من جريدة “جلنار” بعض المعطيات المتعلقة بالساحة الوطنية داخليا وخارجيا وكما أشرنا إلى انحرافات خطيرة لبعض وجوه المعارضة عبر نشر الأكاذيب والتظلل بالـ”غرف المظلمة” المعدة لضرب تونس، بالإضافة إلى حمى الدعوات لنشر الفتن وتحريك شعب ليس في حاجة لمعاناة أكثر ويحلم بالأمن والأمان والازدهار وليس بتحقيق أهداف نرجسية أو وصولية أو عميلة لجهات أثبتت سابقا وهاهي ذا تثبت لاحقا فراغ خزانها من أية مشاعر وطنية.
كما شرحنا أيضا الحاجة الماسة لدعم القدرة الشرائية للمواطن التي وصلت إلى حد لا يحسد عليه لأسباب موضوعية وربما أيضا عملية، منها أن السلطة الحالية تجد نفسها أمام إرث ثقيل من ديون الحكومات السابقة، ولعل أكبر دليل تقدمنا به هو دفع الحكومة التونسية لقسط كبير من ديون متراكمة تعود لسنوات 2015 أو قبلها أوبعدها، و الأهم هو أن هذه الديون خلال حكومات الترويكا والنهضة لم توجه إلى أي برنامج تنمية بل على العكس تماما تم تخصيص جزء من موارد البلاد لإسكات الإضرابات و خلق شركات بستنة دون وجود بساتين وضرب سوق الفوسفات مع الهند وغير الهند. وإحقاقا للحق فقد سعت السلطة الحالية إلى إعادة هذه الموارد ولو أنها قابلة لمزيد التطوير.
هذه بعض الإشارات دون أن نتعمق في الكثير من التفاصيل التي أنهكت الموارد الوطنية ليفهم الجميع أن أدنى الشروط والقواعد لأية ثورة تستوجب:
أولا وجود قيادة فرضتها الأحداث والقناعات الشعبية،
ثانيا، طرح برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني لدرء نقاط ضعف أو تجاوز المنظومة القديمة.
ثالثا، توفير المتطلبات من أمن ومعيشة طبيعية على الأقل للمواطنين عبر تحسين الطاقة الشرائية وشغل لا تعيقه نسبة كبيرة من البطالة، ثم فرض تطور مطرد للقطاعات العامة مثل الصحة والتعليم والنقل وضمان الاكتفاء الذاتي.
ودون هذه الشروط لا يمكن علميا أو حتى ديماغوجيا تحقيق تحولات صغرى أو كبرى بالثورة ونتائج جل هذه التحولات على بعض البلدان لم تأت إلا بمزيد من التخلف والانهيار الاقتصادي و الأمني مما أعاد حنين بعض الشعوب إلى ما فات والندم عليه ندامة الكسعي.
المقنترحات العاجلة:
ان الشعب التونسي يستحق الأفضل وهو شعب صعب المراس ولا يخضع لأية تاثيرات غير قناعاته بل إن أية محاولة لتوجيهه تعود بالوبال على الزمر التي قامت بها، لكنه أيضا شعب صبور على الشدائد وشظف العيش من أجل الإخلاص لاختباراته وقناعاته إلى حدود معينة، فلا مجال لتحريك من جهات خبر حكمها جيدا ولفظها ولا مجال لأي مستعين بالخارج، لكن شعبنا يعبر عن معاناته المتمثلة في معيشته وشغله ورفاهه، ولعل إحدى صفاته انه “موقوت فجئي” لا يسمح لأي طرف بتفكيك توقيت انتفاضاته أو غضبه، ذلك أنه إن عدنا قليلا إلى التاريخ نتذكر “ثورة الخبز” وقبلها 26 جانفي وبعدها الحوض المنجمي و17 ديسمبر وغيرها من الانتفاضات التي لم تكن في حسبان أي جهاز وطني أو خارجي.
واليوم لنتدرج إلى أهم المتطلبات الوطنية تالقائمة في أعلى هرم الأولويات:
أولا، لعل الضغط على الأسعار المتعلقة بقوت المواطن تعد أهم ضرورة، فمن المهازل أن يستمر. ارتفاع سعر اللحوم إلى هذا الحد و كذلك أسعار الخضر والغلال وبقية المواد المعيشية، وعلى السلطة أن تحدد وتفرض تطبيق اسعار اللحوم أقل من 25 دينارا للكيلوغرام، وعلى كل من يتأفف من ذلك أن يبحث عن مورد رزق آخر فالشعب لا يستحق التنكيل به إلى هذا الحد.
ثانيا، إن معضلة أفارقة جنوبي الصحراء تكتسي خطورة أمنية تمس حتى من كينونة بلادنا وتركيبة سكانها وتعد قنبلة موقوتة ضد تونس، وعليه فإن الجمع بين الإعادة الطوعية والإجلاء القسري يعد من أهم الضروريات.
ثالثا، ,على المستوى السياسي ورغم انزلاق البعض نحو الاحتماء بالخارج وهذا متوقع ويصنف قانونا كخيانة عظمى، فإن بعض فصائل المعارضة الوطنية تستحق انفتاحا من السلطة وربما تشريكا لصالح ضمان سير أي وطن، لكن على عكس ذلك فإن بعض الوجوه والجهات العدوانية التي تدعو إلى الفتنة والحلم بعودة حكم عرفت فترته الإرهاب والاغتيال والغنيمة والسحل والرش والتغول في كل قطاعات البلاد خدمة للمنظومة وليس للشعب، وجوه السوء هذه لن يكون لها أي دور جديد غير الرغبة الجامحة في دمار البلاد والانتقام من الشعب واختياراته.
رابعا، تنقية الأجواء السياسية وذلك ببعث محكمة دستورية يقودها رجال وطنيون لا يؤمنون الا بالعدل والمصلحة الوطنية.
خامسا، لايعد تدخلا في القضاء متى ما كان هدف العفو عن عدد من المساجين الذين لا علاقة لهم بالارهاب أو المؤامرات او الفساد المالي أو الحق العام. ونظن ان شريحة من المساجين قد تستحق العفو الذي يدخل دستوريا ضمن صلاحيات رئيس الدولة.
خامسا، إننا إذ ننوه بجهود السلطة القائمة في عديد الميادين (النقل، الأمن، مقاومة الفساد، الطرقات، إعادة موارد البلاد مثل الفوسفات الذي تم تجميده طيلة العشرية)، فإن عددا من القطاعات يتطلب مزيدا من العناية مثل القطاع الصحي والقطاع الفلاحي، وبالمناسبة فإنه من غير المقبول أن لا يستجيب هذا القطاع الهام إلى ضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي.
كذلك لابدّ من مراجعة شاملة لقطاع التعليم وإدراج مادة السلوك الحضاري ومفهوم الوطنية وقدسية العمل ضمن برامجه للإسراع بغرس المقومات الاخلاقية والوطنية في أجيال تونس القادمة انطلاقا من رياض الأطفال إلى حدود الجامعات، لخلق مجتمع ناضج وليس فقاقيع من البؤر والكسل والاستقالة من الشأن الوطني.
لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.
فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت علىمسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.
كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها
ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.
إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا
ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…
ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها
المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز
نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.
علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…
ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟
ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…
هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…
خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…
وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…
أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟