تابعنا على

جور نار

“البيت دَه طاهر وحيفْضَلْ طُولْ عُمْرُو طاهر…”

نشرت

في

والآن وبعد أكثر من عشرة أيام على تعليق العمل بالدستور …عفوا على تعليق نشاط مجلس نواب الشعب، ماذا حققنا وماذا كسبنا؟ وهل خرجنا مما نحن فيه؟ أم لا نزال نراوح مكاننا، حتى غرقنا في حفرة حفرناها بأرجلنا من فرط المراوحة بنفس المكان…؟؟

محمد الأطرش Mohamed Alatrash
محمد الأطرش

 ماذا حققنا فعلا خلال هذه الأيام الأولى؟ هل يكفي أن نُخرج النهضة من الحكم وهو الأمر الذي أسعدها رغم ما أبدته في أول الأمر من ممانعة، أو نجبرها على الصعود إلى ربوة المعارضة، لنقضي على الفقر… والتهميش والبطالة…ولنصلح وضع الخزينة العامة …ونخفّض من نسبة العجز ونسبة التضخم؟ أو أن كل ما جرى ويجري هو من أجل أن يهتف جميعنا باسم مولانا ساكن قرطاج “يحيا الرئيس” و”الشعب معاك يا قيس”؟

 يذكرني ما يقع اليوم في تونس بما وقع في فرنسا أيام ماكسيمليان دي روبسبيير ألم يكن روبيسبيير نصيرا للإصلاح الديمقراطي، ألم يشرف خلال “عهد الرعب” على اعتقال وإعدام عددا كبيرا من الخصوم السياسيين، من الذين اعتبرهم هو وحلفاؤه معارضين للثورة…ألم يشرف على قمع الجيرونديين من اليمين، والهيبرتيين من اليسار، والدانتونيين من الوسط…لا أظنّ أننا في تونس سنصل ما وصله ماكسيميليان في فرنسا…لكن ألا ترون معي أن التشابه في الأحداث كبير بين ما يقع اليوم في تونس، وما وقع في فرنسا أيام روبسبيير مع فارق بسيط هو أننا إلى يومنا هذا لم نصل إلى مرحلة الإعدام ونصب المشانق ومن يجزم أننا لن نصل إليها يوما؟…ألا يشبه ما يقع اليوم بما وقع سنة 2011 فماذا حققنا بعد 14 جانفي…ألم يخرج علينا أناس لا نعرفهم…يشوّهون هذا ويشوّهون الآخر…يتهمون هذا ويحاكمون الآخر…يسحلون هذا ويطردون الآخر…فماذا حققنا بما أتوه وفعلوه…؟؟ طبعا لا يمكن أن نشبّه الرئيس قيس سعيد بماكسيميليان روبسبيير، لكن يمكننا أن نشبّه أتباعه ومناصريه بماكسيميليان المسكين، فداخل الكثير من عقول مناصري ساكن قرطاج، يعيش ماكسيميليان بحقده وجبروته ونهمه الكبير للانتقام، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا …لماذا الانتقام وممن يريد أنصار سعيد الانتقام؟ ممن يكبرونهم سنا بعنوان أن هذه المرحلة هي مرحلة الشباب أم ماذا؟ وهل كان ابعاد النهضة مجرّد ذر الرماد على الأعين، وتحويل وجهة هذا الشعب المسكين عن حقيقة اهداف ما وقع يوم 25 جويلية؟

 هؤلاء اليوم وبما يأتونه من خطاب استئصالي حاقد على الجميع لا يبشرون بخير …وهم بما ينشرونه لا يخدمون مصلحة البلاد ومصلحة “معبودهم” ساكن قرطاج…بل هم يغرقونه في دائرة ضيّقة قد تسيء إليه كثيرا…ألا يمكن أن يجلس ساكن قرطاج لنفسه يخاطبها…يناقشها ويسألها ما تريده منه وعنه وبه…وما تنتظره… ينقد ذاته… ويراجع بعض أقواله وأفعاله، أم أنه وكمعظم رجال السلطة والنفوذ وأصحاب الأمر والنهي، لا يقبلون بممارسة النقد الذاتي والقبول ببعض المؤاخذات والمراجعات؟ لسنا ضدّ كل ما وقع….لكننا نخاف مما يمكن أن يقع…

لنسأل كل العارفين والمتابعين للشأن التونسي، ماذا سينفعنا وينفع هذا الشعب أن نجلس يوميا لبعض إطارات الدولة وعلى مرأى ومسمع متابعي شريط أنباء الوطنية، وصفحة رئاسة الجمهورية، نجلدهم بخطاب نقدي غير مبرّر…هل نأمل من أن هؤلاء سيقبلون بما قلناه فيهم وعنهم…وهل نحن قضاة حتى نشتبه في أمر الجميع… وهل وجب أن يكون الجميع محلّ شبهة حتى نخاطبه بخطاب نصفه اتهام، ونصفه الثاني تهديد ووعيد…فمن سيقبل بالعمل في مؤسسات الدولة، حين يستمع إلى خطاب كهذا من أعلى سلطة في الدولة، رئيسها…؟ ألا يمكن أن نغيّر خطابنا ليصبح خطاب استمالة وتهدئة وطمأنة واستقطاب لكفاءات أصبحت رافضة لكل منصب أو خطّة وظيفية في مؤسسات الدولة؟

والسؤال الأخطر ماذا ينتظر الشعب من ساكن قرطاج بعد أن أبعد الأحزاب من المشهد العام للحكم…هل سيكتفي هذا الشعب بالتصفيق والصراخ والغناء ليلا نهارا احتفالا بــ”الزعيم”…؟ هل هذا فقط ما يبحث عنه الشعب؟ وهل هذا ما يريده حقّا ساكن قرطاج؟ وغدا….حين يستفيق الشعب من سكرته…ماذا سيقول له ساكن قرطاج…هل سيكتفي بأن يقول ” لقد اتفقت مع تجار الجملة والتفصيل على بيعكم بضاعتهم بأرخص الاثمان…واتفقت مع الصوناد على أن توفر لكم الماء الصالح للاستحمام عفوا للشراب دون انقطاع…وسأتفق مع شركات بقية المنتجات الغذائية واللحوم لنوفر لكم الغذاء واللحم بأرخص الأسعار …كما أن اتحاد الصناعة والتجارة وافق على مراجعة بعض الأسعار خدمة للمواطن ضعيف الحال وسيقع التخفيض في سعر “الشوكوطوم” ليكون في متناول كل الشعب”…أهذا حقّا ما يريده المواطن اليوم؟ لا أظنّ فالمواطن يبحث عن تحقيق ما وعدوه به في كل محطّة انتخابية…ويبحث ما يعيد له كرامته التي سلبت منذ عشر سنوات ويزيد…كرامته بكل تفاصيلها…

هل ستعيد هذه الإجراءات البسيطة التي يلهث وراء تحقيقها ساكن قرطاج “زعيم” حركة تصحيح المسار كما يسميها البعض الهدوء إلى الشارع التونسي، والأمن في نفوس أبناء هذا الشعب، والأمل لشبابه الذي أحبطه ساسة ما بعد 14 جانفي؟ وهل تعيد إجراءات ضمان “شكشوكة تونسية” الحياة للطبقة الوسطى بعد اندثارها تماما؟ فانخرام توازن الحياة الاجتماعية سببه الرئيسي هو اندثار الطبقة الوسطى…ولن يعود إليها توازنها دون إعادة الحياة إلى هذه الطبقة التي تمّ القضاء عليها عمدا من حكام ما بعد 14 جانفي…فالطبقة الوسطى هي من يضمن بقاء بقية طبقات المجتمع على قيد الحياة، فهي التي تضمن انتعاش وتوازن المشهد الاقتصادي عموما…

والسؤال الذي يطرح نفسه دائما، هل ثمة من يدفع بالبلاد على طريق الانهيار فالبلاد تواجه أزمات لا سابق لها في تاريخها؟ أم أن حكام هذه البلاد فقدوا الرؤية والبصيرة بسبب أنانيهم، وضعف خبرتهم في إدارة الشأن العام، فتونس تعاني ومنذ دخول الليالي السود سنة 2011 نوعا من “الكساد المتعمد” والتفقير الممنهج…وغلق متعمد لكل مواقع الإنتاج الاستراتيجية…فهل يمكن اعتبار ما يحدث للبلاد اليوم طبيعيا؟ وهل يمكن تحميل كل الطبقة السياسية التي حكمت البلاد بعد 14 جانفي مسؤولية هذا الانهيار؟ فتونس ومنذ استقلالها لم تعش مثل هذا التقاعس المتعمّد في إدارة الشأن العام…فهل دبّ الوهن في عظام ساستنا…أم ترهلت وشاخت الطبقة السياسية لتصبح ديارها فارغة خِرَبًا لا حياة فيها…؟؟

جميل أن نقاوم الفاسد والمفسدين…وجميل أن نقتلع الفساد من جذوره…وجميل أن نحمي الدولة ونعيد إليها الاعتبار، بعد أن عانت من الإذلال طويلا من جماعات “اللاّدولة”…فهذا الشعب يعيش ومنذ أكثر من عشر سنوات حالات من الإحباط والشعور بالعجز التام… فجميل أن نعيش اليوم عهدة مقاومة هذا الفساد، مع من لا يخشى في الله لومة لائم من رجالات المؤسسة الأمنية والعسكرية والقضائية…فالفساد أصبح عقلية…وثقافة عامة …منذ غاب الرادع…وضعفت الدولة…ومرغنا بهيبتها الأرض…فالفساد عند البعض أصبح منهجا…لكن هل سنكتفي بمقاومة الفساد دون أن نواصل البناء، وننقذ ما يمكن إنقاذه بعد الخراب الذي حلّ بالبلاد…فالتصفيق لوضع أحدهم تحت الإقامة الجبرية لن يفيدنا في شيء….والصراخ لخطاب تأديبي لسيادته أمام أحد المسؤولين لن يفيدنا في شيء…والوابل من التهم والصواريخ العابرة من الشتائم والتهديد والوعيد لن يعيد للبلاد شيئا مما ننتظر…واتهام الجميع بالفساد لن يذهب بنا بعيدا…وعمليات إنزال في مقهى شعبي بحي شعبي لن تخرجنا مما نحن فيه…وفتح المجال لأنصارنا لابتزاز رجال الأعمال والمسؤولين ستكون عواقبه أخطر…فهل يمكن أن نقاوم الفساد ونحمي الدولة بالأحقاد وزرع الفتن…هل يمكن أن نعدل بين الناس بخلق الأعداء يوميا من خلال ما نقول ونفعل…فماذا سنقول لأبناء من أتهم ظلما وعدوانا….وماذا سنقول لأم من نُعت ابنها بالفساد وهو بعيد عنه كل البعد….وماذا يمكن أن نقول لمن وضعناه في السجن ظلما وبسبب وشاية انتقامية…وماذا سنقول لوالد أحد المسؤولين بعد أن أقلنا ابنه حقدا وانتقاما…علينا أن نهدأ في معالجتنا لأوضاع البلاد ..وأن نُغلّب العقل والمنطق في كل خطوة في هذا الاتجاه…فالدولة تترنّح ونحن نصرخ طربا لشتيمة ولسجن مظلوم…ونطرب للانتقام…

دَعُونا نخرج البلاد من أزمتها دون أحقاد…فالظلم والحقد…وعقلية الانتقام تقتل الأوطان في قلوب بعضنا…ولن ننجح في انقاذ البلاد دون أن يكون هذا الوطن جزءا منّا…حيّا فينا…فالأوطان تقتلها الأحقاد والفتن…فحين يموت الوطن فينا …تصبح كل الأوطان الأخرى أوطاننا…وتصبح “الحرقة” وطنا…والغربة وطنا…والمنفى وطنا…والخيانة وطنا…والسجن وطنا…وحضن عاهرة وطنا….وحين يصبح الإذلال والظلم والتهميش والخيانة والتفرقة و”الحقرة” شعار المرحلة …يموت الوطن فينا…فنبحث عن وطن آخر نحميه ويحمينا…ففي تونس اليوم ومنذ عشر سنوات يُغْتَالُ الوطن فينا كل يوم…وكل ساعة …وكل دقيقة…ولا يزال البعض يصرّ ويسرد على مسامعنا كل يوم ما قالته تلك الراقصة في شريط “عسكر في المعسكر” ” البيت ده طاهر وحيفْضل طول عمرو طاهر…”….

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

وقت مستقطع… للحبّ!

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…

ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟

ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…

هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…

خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…

وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…

أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟

أكمل القراءة

جور نار

الدنيا ليست بخير كما يزعمون…

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

سؤال يقلق راحتي: لماذا يحنّ أغلبنا إلى الماضي…؟؟ لماذا حاضرنا أصبح ثقيلا لا يطاق…؟؟ ولماذا نخاف المستقبل أيضا؟؟ والإجابة في غاية البساطة…

هل نحن اليوم ما كنّا عليه وفيه سابقا؟؟ لا…هل قبلنا ببعضنا البعض رغم اختلافنا؟؟ لا… هل اعترفنا بما أتيناه من أخطاء في حقّ بعضنا البعض؟؟ لا… هل قمنا بمراجعات في ما أخطأنا فيه وطلبنا الاعتذار ممن أخطأنا في حقّهم؟؟ لا…هل أصبحنا اليوم نقبل بأن يكون بعضنا أفضل منّا وأرفع درجة؟؟ لا… هل أصبحنا كما كنّا نسبيا سابقا نسعد لسعادة بعضنا؟؟ لا… هل نحزن لوجع بعضنا أو خصومنا إن نزلت بساحتهم مصيبة؟؟ لا…هل نتضامن مع المظلوم وأن كان خصمنا ونختلف معه؟؟ لا…هل نتمنى السلامة لمن نختلف معهم وننافسهم في شأن من شؤون الحياة؟؟ لا…إذن نحن لسنا نحن … ولا يمكن أن نكون نحن؟؟ فهل الدنيا اليوم بخير كما يزعم بعضهم ويفاخرون؟؟ لا ليست بخير أبدا…

فكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يُظلم ونحن لا نحرّك ساكنا وحتى السنتنا أصابها شلل الجبن والخوف من أن يقع معنا ما وقع معهم…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير والعاطل لا يزال عاطلا والفقير لا يزال يئن تحت ثقل معاناة الفقر…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير ونحن فرّطنا في ثقافة العمل ولا عاد يهمّنا أي شأن من شؤون البلاد…؟؟وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعض مرضانا لا يجدون في صيدلياتنا الدواء…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وكفاءاتنا تغادر البلاد بالآلاف؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير ولا يزال بعضنا يكذب على بعضنا؟؟

وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يهتك عرض بعضنا ظلما وعدوانا؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يكره بعضنا دون سبب فقط لأنه ليس من القطيع؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يتّهم بعضنا فقط لأنه يختلف عنه ؟؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يضمر لبعضنا شرا فقط لأنه لا يتفق معه في بعض شؤون الوطن؟؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يختلق الأكاذيب على بعضنا فقط لأنه كان أجدر منه بالمقام والمكانة؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير والنفاق أصبح جزءا من الهواءالذي نتنفس؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا لا همّ له غير الانتقام ممن سبقوه ؟؟؟ وكيف يمكن ان تكون الدنيا بخير وأغلبنا ممن لم يحترفوا التصفيق والهتاف يعيشون القلق والخوف والاحباط والياس؟؟

فهل أصبح شعبنا غير قادر على النسيان…غير قادر على المصالحة…غير قادر على تغليب خطاب التسامح…غير قادر على العيش مختلفا…وغير قادر على الحب…هل أصبح التسامح والحبّ للجبناء …وأصبح الحقد والانتقام للشجعان؟؟؟

هل يعلم بعض هذا الشعب أن الدنيا ليست بخير كما يزعمون…فإن كانوا يعلمون ويتظاهرون بأنهم لا يعلمون فهذه كارثة…وإن كانوا يعلمون ولا يهمّهم ما يعلمون فتلك مصيبة المصائب…

أكمل القراءة

جور نار

ملاّ ليلة كلبة!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

عشت البارحة خصومة طويلة مع النوم، ولم أنجح في مراودته للبقاء معي حتى سويعات الفجر الأولى… خرجت أمام المنزل بحثا عن نسمات صيفية تُصالح بيني وبين النوم فلم أجدها…

سمعت حشرجة قرب السور الخارجي للمنزل لم أعهدها سابقا، فاقتربت من مصدرها لأعرف مَن هناك، وكأني بقطة وكلب يتهامسان ويتحاوران في مشهد لم أعشه سابقا أبدا، فبين القطط والكلاب معارك دامية عشتها في منزلي السابق وكنت شاهدا على العديد من الأحداث بينها ونجحت في الكثير من الأحيان في رأب الصدع بين الفصيلين، وأجبرتهما على الهدنة والمصالحة الشاملة وتقاسم الموارد من سكن وغذاء، لكن أن يصل الأمر أن أجدهما في جلسة ودية أو ما شابه خلف السور الخارجي للمنزل فهذا أمر أول مرّة أعيشه، يذكرني هذا المشهد بالتوافق الذي عاشته تونس أيام الباجي رحمه الله والنهضة وقياداتها…

جلست غير بعيد عنهما لأستمع إلى ما يدور بينهما من حديث… فالقطّة الرقطاء هي قطة الكوني ابن عمتي أما الكلب فهو من الكلاب الضالة والسائبة  ولم أعرف أن بين قطة الكوني وهذا الكلب علاقة وديّة كالتي أعيش بعض أحداثها “هل أذنبنا في حقّهم يا صديقتي …لم كل هذا الحقد علينا…؟؟؟” هكذا قال الكلب مخاطبا القطّة…”هذا ويحاولون ايهامنا بأنهم سيعاملوننا حسب تعاليم الإسلام وما تركته السنّة…أي دين هذا الذي يأمرهم بمنع الغذاء عنّا؟ أيريدون قتلنا وابادتنا؟؟ هل تآمرنا عليهم؟؟ هل أضربنا عن القيام بواجباتنا؟؟ هل زاحمناهم في المناصب والمكاسب والوظائف العليا؟؟ هل أفسدنا في الأرض؟؟ نحن لم نسرق ولم ننهب ولم نظلم أحدا في حياتنا من البشر فلم كل هذا الحقد علينا؟؟؟” هكذا أجابت قطّة الكوني…

نظر إليها الكلب وقال “أتذكرين مواقفنا قبل 14 جانفي؟ ألم نبق على الحياد وحاولنا مساعدة الجميع على التعامل بهدوء مع ما وقع من أحداث؟ ألم نحرس ديارهم لأشهر طويلة حين كان الانفلات عنوان المرحلة؟؟ ألم تنقذ الكلاب الآلاف من المنازل من السرقة ؟؟ لماذا يعاملوننا هكذا ونحن الذين مات منّا الآلاف ولم نخرج حتى لنندّد بالأمر كما هم فعلوا ويفعلون، ألم يسجلوا بعض قتلاهم ضمن قائمة الشهداء وكأنّ الله لا يعلم شيئا عن الشهداء الحقّ وشهداء الفضاءات التجارية الكبرى؟؟ أمَسَكوا قطا او كلبا وهو يقنص من أعلى عمارات السكن؟؟؟”

ضحكت القطّة وقالت “نحن مختلفون عنهم يا صديقي… هم يحقدون على بعضهم البعض… هم يبحثون عن السلطة… جميعهم يريدون حكم البلاد فتراهم كأحزاب يخطبون ودّ الشعب بوعود وبرامج سياسية لا يحققون منها شيئا… ويوهمون الشعب بنجاحات وانجازات لم يحققوها… أنحن مثلهم؟؟ لا… نحن لم نبحث يوما عن سلطة أو جاه أو حكم… نحن لا أحد منا يخون الآخر… ولا أحد منّا يحقد على الآخر… ولا أحد منّا يعتدي على أملاك الآخر… هل سمعت يوما في صحفهم عن اتهام قطّ أو كلب بالفساد وتبييض الأموال ؟؟؟ لا أبدا ولن تسمع بالأمر أبدا…وهل سمعت يوما في نشرة أخبارهم التلفزية عن اغتصاب كلب لقطّة؟؟ لا لن تقرأ ذلك في صحفهم… فأخلاقنا ليست كأخلاق بعضهم… وعاداتنا ليست كعادات بعضهم… هم يشربون الخمر ويعودون إلى ديارهم يتمايلون ونحن لا نتمايل إلا حين يسممون أكلنا ظلما وعدوانا للتخلّص منّا”

نظر إليها الكلب ونبح صارخا في وجه كلب آخر اقترب منهما (كأنه يقول له روح لداركم ما الذي أتى بك هنا ؟؟؟) ونهره وأبعده عنهما ثم قال ملتفتا إلى القطّة الرقطاء: “أولا نحن لم يقبلوا بنا بينهم فكيف تريد منّا أن نطمح لسلطة أو حكم أو حتى للمشاركة في انتخابات ديمقراطية نزيهة وشفافة…” هنا قاطعته قطّة الكوني ابن عمّتي وقالت “نزيهة؟… أتقصد نزيهة صاحبة منزلنا سابقا محلاااااها تعطيني في السردينة كل يوم؟؟” نظر إليها الكلب غاضبا وقال ” أنت كصاحبك الكوني ساذجة وغبية… نزيهة من النزاهة أقصد وماذا تعرفين انت عن النزاهة؟؟” وأضاف قائلا “أتركيني أكمل كلامي ثم قولي ما تريدين يا حمقاء!!!… نحن لم نطلب يوما أن نكون ضمن الناخبين ولا ضمن المترشحين… أنا مثلا يا عزيزتي (هنا همست القطة قائلة: عزيزتي  منذ متى أنا عزيزتك يا كلب يا زوفري؟!…) لم أرغب يوما في شيء منهم غير مساعدتنا على تأمين الغذاء والسكن وهي اتفاقية قديمة بيننا منذ آلاف السنين…فأنا لست مثل بعضهم أبدا ولن أكون… أنا كلب طيب ومواطن صالح وشريف لم أسرق أو أنهب ولم أعضّ أو أظلم أحدا في حياتي… وأنا كلب ملتزم ومنضبط في شغلي وأعرف ربنا… فلمَ يخرج علينا أئمّتهم يهددوننا بالويل والثبور ويفتون بمنعنا من الأكل والماء؟ أهذا من الحقّ بشيء يا قطّتي العزيزة؟…”

هنا نظرت إليه القطّة وهي في حالة هستيرية وقالت صارخة: “أولا لست قطّتك و(يكب سعدك)… ثانيا أنت تكذب، أنت أكبر عضّاض في الحيّ… لكن أنا متعلمة ومثقّفة وأعشق بلادي وأحب أهلها ولا ولن أخون وطني اأدا ولن أكون من الوشاة لأخبر عنك وعن أفعالك يا (بوناب) وتقصد ان للكلب نابا طويلا خارجا عن الصفّ…” ثم ضحكت ونظرت في اتجاهي وقالت “كيف حالك عمّي…؟؟؟” نظرت إليها ضاحكا وقلت “عمّك … منين يا كبدي ؟؟؟” ضحكت ونظرت إلي وقالت “أتعرف يا ابن خال الكوني أني أنا القطّة الرقطاء ورغم أنى لست مشهورة أو شخصية عامة لكني والحمد لله وطنية وواعِية بكل ما يدور حولي. ولم أكن سلبية أو عميلة أو خائنة أبدا في حياتي… شاركت في العديد من المظاهرات في عهد المغفور له بن علي وحتى في عهد الترويكا وتوافق الباجي مع الغنوشي… وتظاهرت ضد التعذيب والتزوير والفساد والتوريث والتمديد… لكن ذلك الكلب الضال لم يفعل ذلك أبدا… كان دائم البحث عن الأكل والنباح والصعلكة بين الأزقة ومراودة كلبة عمّ الصادق الحوانتي وكلبة جارنا الذي يعمل بأوروبا، تصوّر أن له من كلبة سائح إيطالي سبعة جراء تركها دون تأمين الغذاء في الخلاء فماتت من الجوع والبرد…أتعلم أيضا انه أكل من كل الصحون منذ عهد الأمين باي أصدقني القول وقد قلت ذلك للكوني ابن عمتك”

نظرت إليها وضحكت وقلت “لم أتحدث عنك مع الكوني أبدا”… اقترب الكلب منّي وقال “لا تصدقها يا صديقي أتعلم أني بعد نجاح الثورة اجتمعت أنا وبقية كلاب المدينة بعد أن عرفنا أن الأمور قد تتغيّر وأن الأمل قائم في دولة ديمقراطية يكون فيها للكلاب والقطط موطأ قدم، وقررنا أن نساعدكم أنتم البشر في دمقرطة البلاد والخروج بها مما كانت عليه… وقررنا أن نكون لكم عبرة وأسوة من خلال تنظيم حياتنا السياسية والاجتماعية ومشاركتكم صنع مجد هذه البلاد… وشخصيا استشرت اهلي وناسي وأصحابي من الكلاب طبعا، فنصحوني بترشيح نفسي في انتخابات مجلس حي للكلاب يكون نواة لحياة سياسية منظمة للكلاب والقطط بجميع أصنافها وطوائفها وعائلاتهم نجمع فيه شمل بعضنا البعض… ويكون لنا ممثلنا الرسمي لدى البشر لنطالب بحقوقنا كمخلوقات ذات كبد رطبة وأمم مثلكم، فأنا أحب الجميع قططا وكلابا وبشرا وحتى ثعابين لم لا؟ وأنا على يقين انهم أيضا يحبونني فأنا واحد منهم ومولود هنا بينهم، مشاكلهم هي مشاكلي وهمومهم هي همومي… أما عن مشاكل هذا الوطن فهي أيضا مشاكلي فأنا كلب ابن كلب وهنا ولدت وهنا أعيش وهنا أبقى لأموت، ولعلمك سيدي أنا أتابع اوضاع البلاد منذ أطردني جدي الكلب الأكبر ولي برامجي وأفكاري واضحة، وقادر على إيجاد الحلول الممكنة والواقعية لأغلب مشاكلنا جميعا…”

همست لي قطّة الكوني وقالت: “لا تصدقه صديقي فقد طالبناهم منذ أكثر من عشر سنوات نحن معشر القطط بأن ننظّم مؤتمرا وطنيا للمصالحة الشاملة خدمة للمصالح العليا للبلاد، فرفض وحاول فرض إرادته من خلال ميليشيات فايسبوكية تشتم وتهتك أعراضنا وأعراض عائلاتنا ونحن الليلة هنا لنتفق في أولويات المرحلة… فالمرحلة التي نعيشها وتهديدات المنع من الغذاء والإبادة التي تتهددنا والحملة التي تشنها بعض وسائل التواصل أرهقتنا وأجبرت العديد منّا للهروب إلى بعض المناطق المجاورة التي يطيب فيها العيش وتكثر فيها الفضلات المنزلية…

نظرت إلى القطة والكلب وقلت لهما: “من الأفضل أن تتصالحا فالتعايش هو الأمر الوحيد الذي سيخرجكما مما آلت إليه الأمور وقد تتعقّد أكثر لو اتفق عليكما الجميع ومنعوكم من الغذاء والماء وقد يمنعونكم إن واصلتم تعنتكم من الهبهبة للكلاب والمواء للقطط …” نظر إلي الكلب وقال بصوت عال” صاحبك كلب ابن كلب…سألتزم بما تريدون…” ونظرت إليّ القطة وأقصد قطّة الكوني ابن عمتي وقالت وهي تبكي “حسبي الله…حسبي الله…”….

شعرت باصطدام على جمجمتي كأنه مطرقة وسمعت صوت زوجتي وهي تقول : “تي قوم اشبيك راقد قدام الحوش… يخي ما تخافش مالهوش وشبيك تهبهب من بكري؟؟؟” وعرفت أني لم أكن كسليمان لأتحدث مع كلب وقطة ولم أجتمع أصلا بها … ولم أذكر مما دار بيني وبينهما إلا “كلب ابن كلب…وهب هب”…

ملا ليلة كلبة…

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار