تابعنا على

جور نار

سلوكات ضالّة في هذا الفضاء الأزرق

نشرت

في

أرى أنه كما لطاولة الأكل آدابها، وللحديث أصوله، وللعلاقات البشرية نواميسها، وممارسة السياسة محاذيرها… فإن لهذا الفضاء التواصلي الجديد قواعد ضمنيّة أيضا نشرا وتعبيرا وتفاعلا تُحتّمُ علينا جميعا التقيّد بها واحترامها في سياق مدوّنة لا مرئيّة نستدلُّ بها ونُؤطّر وفقها سلوكاتنا وتهويماتنا درءًا للانتصاب الفوضوي وتسوّر حيطان الغير  وهتك ستر أعراض الناس.

منصف الخميري Moncef Khemiri
منصف الخميري

وقد أصبح الأمر ملحّا حسب اعتقـــادي خــاصة في ضوء اعتبــارين أســــــــاسيين هما :

أولا تحوّل فضاء الفايسبوك إلى “دار مْقام” يقضّي بعضنا بين صفحاته ونوافذه وفيديوهاته الوقت الطويل حتى يخيّل إليك أن المستعمل يُخيّم داخله ليلا نهارا حتى وهو يُعالج تخليص سمكته المشويّة من أشواكها أو يقود سيّارته أو يُلقي درسا واعظا، وثانيا لأنه غالبا ما تتحوّل هذه المساحة المنذورة أصلا للتقليص من حجم اتساع العالم والتبادل المثمر والتعبير المرح والجاد على حدّ سواء…تتحوّل إلى بؤرة للتوتّر  وشد الأعصاب وحطّ المعنويات والإساءة للناس وهتك الأعراض وتفريغ جميع أحمال النفايات والعقد النفسية. ونتيجة لذلك، كثيرا ما نعثر من حين لآخر على تدوينات لأشخاص محترمين وأصحاب مواقف مشرّفة ومؤسّسة يعبرون فيها عن ضجرهم وقرارهم بمغادرة هذا الفضاء دون رجعة.

أردت أن أتقاسم معكم هذه المرة بعض ما يُزعج ويُعكّر مزاجنا ونحن نتصفّح ما يكتبه أو يعلق به الناس على بعضهم البعض، مُكتفيا بما هو صارخ فيها ومُسيء ويتعارض مع أبسط قواعد العيش الافتراضي المشترك… مع الاعتذار سلفا لكل الذين سيعتبرون أنفسهم معنيّين بما سأقول لآنني معنيّ مثلهم ببعض الزلاّت وسوء التقدير ولأنني كذلك لا أقصد الإساءة المتعمّدة لأيّ كان ولا أستحضر أسماءً بعينها وأنا أؤثّث هذه الورقة.

  1. لا تُشهر سوى مظاهر السعادة المجانية غير المُكلفة

كثيرون هم الذين يحاولون جاهدين صباحا مساءً شدّ انتباه الناس إلى حجم الرفاه الذي يعيشونه وجودة الأكلات التي يطهونها أو يتناولونها في أفخر المطاعم وإلى منسوب سعادتهم الباذخة، متجاهلين أن الثراء موحشٌ والأموال بذيئةٌ ورغد العيش وقِحٌ أحيانا عندما يتم إشهارُ كل ذلك أمام أعين أغلبية شعبية تتحسّس جيوبها جيدا قبل الإقدام على شراء السّردين وبعض حبّات الماندرين. وإذا لم يكن لديك رصيد تستمدّ منه بعض القيمة الذاتية غير سجلّ الأطباق الغذائية باهظة الثمن من قبيل لحم الفيليه بالبهارات الهندية والكافيار والسّوشي … فاعلم أن أثرى أثرياء العالم لا يُفشي أطباقه ولا ينشر منابع سعادته الخاصة لأن المعنى الحقيقي بالنسبة إلى كثيرين منهم، يحاولون العثور عليه في أروقة الفنون والعروض الموسيقية الراقية والاستثمار في أعمال يعتبرونها ذات قيمة انسانية مضافة.

  • لا تصوّر نفسك وأنت تؤدّي واجبك الذي تتقاضى أجرا مقابله

تُلاحَظ هذه الظاهرة بصورة خاصة في عدّة مجالات مهنية (ربما لإحساس خفي لدى أصحابها بالضّيم وعدم الاعتراف المجتمعي بالمجهود الذي يبذلونه) وتتمثل في عرض صور إشهارية لدروس وورشات ومساحات تنشيطية وفعاليات مختلفة، تندرج كلها في صلب ما هم محمولون على أدائه إزاء تلاميذ أو طلبة ليس من حقّنا إيتيقيّا أن نعرّض ملامحهم ولباسهم وأنواع أحذيتهم وارتسامات وجوههم للعموم خاصة عندما لا نطلب منهم الموافقة الصريحة سلفا.  وفي هذا السياق، يجدر التنويه بمن يؤدّون مهامّ دقيقة جدا وذات نفع اجتماعي ووطني ثابت مثل الأطباء والممرضين الذين يهِبون الحياة كل يوم وأعوان الديوانة الذين يحبطون في كل لحظة عمليات تهريب الكابتاغون وأسلحة الإرهاب والاغتيال إلى حدود وقت غير بعيد والأمنيين الذين يطاردون فلول الإجرام ليلا نهارا … ولكنهم يمتنعون عن عرض كل ذلك مرئيا في الساحات العامّة.

  • للمرض والموت حُرمة لا يجوز انتهاكها

لا أحد يشكّ في أن بعض الناس يُقدمون على تصوير مرضاهم أو موتاهم (نعم حدث ذلك أكثر من مرّة للأسف) من منطلق إبداء الحبّ والتعلّق والتعبير عن الوجع إزاء وضع مقدّر لا نستطيع إزاءَهُ شيئا، ولكن بعضهم يفعل ذلك أيضا للقول “ها قد تحمّلتُ عبءَ أداء الزيارة وعدتُ فلان أو فلانة في المستشفى أو في المصحة”… وهو أمر لا يستقيم لأن الحزن يُعاش بشكل حميمي والألم الذاتي غير قابل للتقاسم والشخص الذي كان في يوم من الأيام قويّا ووسيما وفي كامل ألقه وعنفوانه لا يرضى أن نُظهره للناس وهو معتلّ وهزيل ومُنهك.

  • المطالبة بالمحاسبة والمساءلة شيءٌ، أما التشفّي وتلويث أعراض الناس فذلك شيءٌ آخر

مناخ الإيقافات المُهيمن على كل مظاهر الحياة الأخرى في ربوعنا أمرٌ لا يبعث على الابتهاج والارتياح لأنه يعكس خللا ما في سلوكنا كتونسيين وشُبهات إجرام وتواطؤ وضلوع في الإرهاب والتآمر على بلدنا ووحدته وهذا في حدّ ذاته – لو تأكّد- مؤشر خطير (لا يتواتر كثيرا مثله في باقي بلدان العالم) على أن التونسيين لا إسمنت يوحّدهم سوى ترصّد ما يمكن شفطه ولهفه في غفلة من أجهزة رقابة مُخترقة. وبالتالي فإن الوضع الطبيعي هو أن نتقاسم العيش في بلد يكون فيه الإجرام استثناءً والاعتداء على خزينة الدولة خيانة وطنية مُوجبة للتجريد من الجنسية. المتهمون لهم حرمة هم أيضا ولهم عائلات وأبناء وصداقات ومن ثبت تورّطه منهم أو تلطّخت يداه بدماء الأبرياء ما عليه إلا أن يدفع ثمن ذلك. (تحضرني في هذا السياق، قصّتان موجِعتان : قصّة بعض من أجواري “الأتقياء جدا” وزّعوا الحلويّات يوم اغتيال الشهيد شكري بلعيد في فيفري 2013، وقصّة صديق عزيز عليّ له على هذي البلاد أفضال كثيرة وعطاءات جزيلة نكّلت به الجريدة المشبوهة “الثورة نيوز” في 2011 ونسبت له قصورا وعقارات وحسابات بنكية خيالية… والحال أنه مازال إلى اليوم يُسدّد أقساط القرض الذي اشترى به شقة متوسّطة المستوى في حيّ للموظفين بالعاصمة).

  • في الخطاب المُستخدم من قِبل مستعملي الفضاء الأزرق

___لا تُنهي النقاش من جهة واحدة : عندما تُنهي تدوينتك بتعبير “قف انتهى“، ذلك يعني ببساطة أنك أصبحت نبيّا، وكلامك يشبه الوحي أو الحديث المقدّس الذي لا يقبلُ تعقيبا أو تنسيبا أو تشكيكا. وعليه، من الأفضل أن تختم فكرتك النسبيّة بالضرورة بالقول “هذا رأي يحتمل الخطأ وسوء التقدير طبعا“.

___هذا الفضاء الذي أفنى مئات المهندسين أعمارهم في تطويره ليس ساحة لتصفية حساباتك مع الحْمَاوات والسّلايف !   تدوينات كثيرة تملأ الفضاء الأررق تبدأ بــ “قالوا ناس بكري” مصحوبة بمثل شعبي مُلغّم بالمعاني الحافّة وتنتهي بكلمة “مقصودة” أو “أقولها وأمضي“… بنيّة التعبير عن ردّة فعل ظلت مكتومة لم تعرف طريقها لمغادرة حلق صاحبتها لحجم الإحراج الذي قد تسبّبه أو مراعاة لابن عزيز إذا كان المستهدف كنّة مشاكسة.

___لا تقل “أنا لست مسؤولا عن فهمك لما قلتُ” ! لأن أصول التواصل المتّزن والسّوي تجعل المتكلّم مسؤولا عمّا يقول صياغة وفهما وتأويلا… تماما كما تقولُكَ ملامح وجهك دون وعي منك أحيانا. ألم يقل كبير الاتصاليّين واتسلافيك “جُعِل الكلام للتستّر على الواقع… لكن التعبير يكشفُه ويُعرّيه“.

  • اجعلوا منشوراتكم منسجمة مع عناوين الصفحات “المتخصّصة” وصوركم متناغمة مع طبيعة الظرف الذي أملى ظهوركم.

كثيرا ما تعترضنا صفحات لها مجال اهتمام مخصوص مثل “صفحة محبّي غارسيا ماركيز” على سبيل المثال ولكن لا يتردّد من يُديرها في تأثيثها بخبر تسعير الموز أو تهريب الأبقار نحو الجزائر، أو نشر خبر “حلّ المجالس البلدية” في صفحة متخصصة في التعريف بالأغاني التونسية القديمة ! أو تلك الفتاة التي كتبت “فلسطين دم في الشرايين رحمك الله يا شيرين” ولكن عوض أن تضع صورة الصحفية الفلسطينية الشهيدة وضعت صورتها الخاصة مُبرزة تقليعة شعرها وأحمر شفاهها.

ملاحظة أخيرة في شكل تضرّع ورجاء : لا تُكثروا من صورة النبتة أو الشجرة التي تنبثق من بين شقوق الصخور الكلسية وترفقونها بمقولة نيتشة  “إن الإنسان مثله مثل الشجرة، كلما رنا إلى الأعالي وإلى النور إلا ونحت جذوره في الأرض“، وكذلك صورة البنت الفقيرة التي تبيع زهورا بريّة على قارعة الطريق مرفوقة بعبارة “كان جات راقصة ملاهي أو فنانة راهو عندها آلاف من اللايكات” ! أو كذلك إرفاق صفة الشراسة بالنقابيين المتوفّين رحمهم الله جميعا لأن الشراسة والضّراوة مكانها الطبيعي هو الغابات والبراري.

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

الوضع الحالي (ج 2): الساحة الوطنية… مقترحات لدرء الخطر

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

كما عرضنا في عددنا السابق من جريدة “جلنار” بعض المعطيات المتعلقة بالساحة الوطنية داخليا وخارجيا وكما أشرنا إلى انحرافات خطيرة لبعض وجوه المعارضة عبر نشر الأكاذيب والتظلل بالـ”غرف المظلمة” المعدة لضرب تونس، بالإضافة إلى حمى الدعوات لنشر الفتن وتحريك شعب ليس في حاجة لمعاناة أكثر ويحلم بالأمن والأمان والازدهار وليس بتحقيق أهداف نرجسية أو وصولية أو عميلة لجهات أثبتت سابقا وهاهي ذا تثبت لاحقا فراغ خزانها من أية مشاعر وطنية.

كما شرحنا أيضا الحاجة الماسة لدعم القدرة الشرائية للمواطن التي وصلت إلى حد لا يحسد عليه لأسباب موضوعية وربما أيضا عملية، منها أن السلطة الحالية تجد نفسها أمام إرث ثقيل من ديون الحكومات السابقة، ولعل أكبر دليل تقدمنا به هو دفع الحكومة التونسية لقسط كبير من ديون متراكمة تعود لسنوات 2015 أو قبلها أو بعدها، و الأهم هو أن هذه الديون خلال حكومات الترويكا والنهضة لم توجه إلى أي برنامج تنمية بل على العكس تماما تم تخصيص جزء من موارد البلاد لإسكات الإضرابات و خلق شركات بستنة دون وجود بساتين وضرب سوق الفوسفات مع الهند وغير الهند. وإحقاقا للحق فقد سعت السلطة الحالية إلى إعادة هذه الموارد ولو أنها قابلة لمزيد التطوير.

هذه بعض الإشارات دون أن نتعمق في الكثير من التفاصيل التي أنهكت الموارد الوطنية ليفهم الجميع أن أدنى الشروط والقواعد لأية ثورة تستوجب:

أولا وجود قيادة فرضتها الأحداث والقناعات الشعبية،

ثانيا، طرح برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني لدرء نقاط ضعف أو تجاوز المنظومة القديمة.

ثالثا، توفير المتطلبات من أمن ومعيشة طبيعية على الأقل للمواطنين عبر تحسين الطاقة الشرائية وشغل لا تعيقه نسبة كبيرة من البطالة، ثم فرض تطور مطرد للقطاعات العامة مثل الصحة والتعليم والنقل وضمان الاكتفاء الذاتي.

ودون هذه الشروط لا يمكن علميا أو حتى ديماغوجيا تحقيق تحولات صغرى أو كبرى بالثورة ونتائج جل هذه التحولات على بعض البلدان لم تأت إلا بمزيد من التخلف والانهيار الاقتصادي و الأمني مما أعاد حنين بعض الشعوب إلى ما فات والندم عليه ندامة الكسعي.

المقنترحات العاجلة:

ان الشعب التونسي يستحق الأفضل وهو شعب صعب المراس ولا يخضع لأية تاثيرات غير قناعاته بل إن أية محاولة لتوجيهه تعود بالوبال على الزمر التي قامت بها، لكنه أيضا شعب صبور على الشدائد وشظف العيش من أجل الإخلاص لاختباراته وقناعاته إلى حدود معينة، فلا مجال لتحريك من جهات خبر حكمها جيدا ولفظها ولا مجال لأي مستعين بالخارج، لكن شعبنا يعبر عن معاناته المتمثلة في معيشته وشغله ورفاهه، ولعل إحدى صفاته انه “موقوت فجئي” لا يسمح لأي طرف بتفكيك توقيت انتفاضاته أو غضبه، ذلك أنه إن عدنا قليلا إلى التاريخ نتذكر “ثورة الخبز” وقبلها 26 جانفي وبعدها الحوض المنجمي و17 ديسمبر وغيرها من الانتفاضات التي لم تكن في حسبان أي جهاز وطني أو خارجي.

واليوم لنتدرج إلى أهم المتطلبات الوطنية تالقائمة في أعلى هرم الأولويات:

أولا، لعل الضغط على الأسعار المتعلقة بقوت المواطن تعد أهم ضرورة، فمن المهازل أن يستمر. ارتفاع سعر اللحوم إلى هذا الحد و كذلك أسعار الخضر والغلال وبقية المواد المعيشية، وعلى السلطة أن تحدد وتفرض تطبيق اسعار اللحوم أقل من 25 دينارا للكيلوغرام، وعلى كل من يتأفف من ذلك أن يبحث عن مورد رزق آخر فالشعب لا يستحق التنكيل به إلى هذا الحد.

ثانيا، إن معضلة أفارقة جنوبي الصحراء تكتسي خطورة أمنية تمس حتى من كينونة بلادنا وتركيبة سكانها وتعد قنبلة موقوتة ضد تونس، وعليه فإن الجمع بين الإعادة الطوعية والإجلاء القسري يعد من أهم الضروريات.

ثالثا، ,على المستوى السياسي ورغم انزلاق البعض نحو الاحتماء بالخارج وهذا متوقع ويصنف قانونا كخيانة عظمى، فإن بعض فصائل المعارضة الوطنية تستحق انفتاحا من السلطة وربما تشريكا لصالح ضمان سير أي وطن، لكن على عكس ذلك فإن بعض الوجوه والجهات العدوانية التي تدعو إلى الفتنة والحلم بعودة حكم عرفت فترته الإرهاب والاغتيال والغنيمة والسحل والرش والتغول في كل قطاعات البلاد خدمة للمنظومة وليس للشعب، وجوه السوء هذه لن يكون لها أي دور جديد غير الرغبة الجامحة في دمار البلاد والانتقام من الشعب واختياراته.

رابعا، تنقية الأجواء السياسية وذلك ببعث محكمة دستورية يقودها رجال وطنيون لا يؤمنون الا بالعدل والمصلحة الوطنية.

خامسا، لايعد تدخلا في القضاء متى ما كان هدف العفو عن عدد من المساجين الذين لا علاقة لهم بالارهاب أو المؤامرات او الفساد المالي أو الحق العام. ونظن ان شريحة من المساجين قد تستحق العفو الذي يدخل دستوريا ضمن صلاحيات رئيس الدولة.

خامسا، إننا إذ ننوه بجهود السلطة القائمة في عديد الميادين (النقل، الأمن، مقاومة الفساد، الطرقات، إعادة موارد البلاد مثل الفوسفات الذي تم تجميده طيلة العشرية)، فإن عددا من القطاعات يتطلب مزيدا من العناية مثل القطاع الصحي والقطاع الفلاحي، وبالمناسبة فإنه من غير المقبول أن لا يستجيب هذا القطاع الهام إلى ضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي.

كذلك لابدّ من مراجعة شاملة لقطاع التعليم وإدراج مادة السلوك الحضاري ومفهوم الوطنية وقدسية العمل ضمن برامجه للإسراع بغرس المقومات الاخلاقية والوطنية في أجيال تونس القادمة انطلاقا من رياض الأطفال إلى حدود الجامعات، لخلق مجتمع ناضج وليس فقاقيع من البؤر والكسل والاستقالة من الشأن الوطني.

أكمل القراءة

جور نار

من الشبّاك

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.

فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت على مسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.

كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها

ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.

إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا

ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…

ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها

المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز

نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.

أكمل القراءة

جور نار

وقت مستقطع… للحبّ!

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…

ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟

ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…

هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…

خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…

وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…

أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار