تابعنا على

جور نار

ماذا يُعلّمنا عالم الفلك ومُبسّط العلوم… هوبرت ريفز ؟

نشرت

في

رحل عن هذا العالم في صمت يوم 13 أكتوبر 2023 الماضي باحث كبير في علم الفلك نذر حياته لسبر أغوار الكون وتبسيط أكثر العلوم تعقيدا لعامّة الناس، وجعلهم يتصالحون مع الطبيعة ومع المحيط الواسع الذي يُقيمون فيه. هو هوبرت ريفز الكندي-الفرنسي الذي كان رئيسا لجمعية “الإنسانية والتنوع البيولوجي”، وكان مناضلا ميدانيا من أجل المحافظة على شروط الحياة فوق الأرض وإشاعة ثقافة الفُضول والسؤال.

منصف الخميري Moncef Khemiri
منصف الخميري

يُعلّمنا هوبرت ريفز، الرجل الذي نذر حياته لمراقبة النجوم والشّهب في السماء لكن ظلت ساقاه ملتصقتان بالأرض يذود عنها ويُدافع عن استدامة الحياة فوقها، يُعلّمنا أن القامات العلمية الشاهقة لا تُغترّ بمكانة أسمائها في سماء النجوم “الأرضية” وتتحوّل إراديّا إلى رُواةٍ يجوبون المدارس والمنابر (مثلما فعل عالم الفيزياء جورج شارباك والفيلسوف ميشال أونفري وعالم الاجتماع إدغار موران…) ليُفسّروا بشغف شديد الحقائق النسبية التي توصّلوا إلى بنائها خلال مسيرتهم البحثية والدراسية. هؤلاء لا يتقاعدون ولا ينتهي عطاؤهم بانتهاء عملهم المؤجّر في المؤسسات والهياكل الرسمية… وما إدانة موران في سن 100 وسنتيْن يوم 14 فيفري الماضي للمذبحة الجارية في غزة ضد شعبنا الفلسطيني، إلا دليل على أن هؤلاء لا تهدأ ضمائرهم إلا يوم ينطفئون.  

ويعلّمنا هوبرت ريفز أصول التواضع في الدفاع عن القناعات التي توصّل إليها بحيث لا يُحرجه بالمرة أن يردّ على أحد المُعقّبين على محاضراته بكونه لا يستطيع الإجابة عن سؤاله، وأنه لا يملك أجوبة نهائية وباتّة. وتتواتر في إجاباته كل التعابير التي تفيد الشكّ والتحفّظ وعدم اليقين من جنس “أعتقد” و “يبدو لي” و “أنا غير متأكد تماما أن…” و “ربما نتعلّم ذلك في المستقبل”، إلخ…

ويُعلّمنا ريفز كذلك أنه يتعيّن إخضاع كل شيء لمصفاة التنسيب، فلا شيء مُطلق ولا شيء ثابت ولا شيء محدّد ببداية ونهاية أو كبير وصغير، لأن الكون لا متناهٍ تؤثثه ملايين المجرّات والكواكب والنجوم ولا أحد باستطاعته توقّع ما يكتنزه حقيقة هذا الكون العظيم. من أجل ذلك ربما يقول ريفز: “مثلما تجهل المرأة الحامل ملامح ما يعتمل داخل بطنها فإننا نجهل تماما أي العجائب يمكن أن تطفو من نمو التعقيد الكوني”  (لاحظوا أنه يتحدث في لحظة نسبية مازالت فيها مُنجزات العلم غير قادرة على تصوير ملامح الجنين بدقّة أو رصد مكوّنات الكواكب البعيدة التي لم تبُح بكل أسرارها بعدُ). ومقابل ذلك، تتجلى النسبية أيضا في ما يسميه علماء الفيزياء بـ “عالم الغرف الصغيرة جدا في الأسفل” أي عالم النانو متناهي الصغر، وهو عالم لا محدود هو الآخر مازال العلم لم يكتشف كل تفاصيله وجميع عناصره المجهرية. ويكفي أن نُذكّر في هذا السياق بالصراع الدائرة رحاه في الوقت الحالي بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية وتايوان، حول الدور الحاسم التي تلعبه الرقائق الإلكترونية (المستعملة في الهواتف الذكية والآلات الطبية والسيارات وحتى الصواريخ والطائرات…) بما جعل المتابعين يُطلقون عليها “النفط الثمين الجديد”.

كما يُعلّمنا ريفز أن “العلوم الحديثة تُعتبر صرحا بديعا ومشرقا يُشرّف الجنس البشري ويُعوّض ولو قليلا عن هوْل الغباء الحربي السائد” كما يقول: “كأن يكون الإنسان اليوم في حرب ضد الطبيعة، إذا انتصر فيها هُزم شرّ هزيمة”. وهي رسالة متفائلة تُبرز أهمية فُرص التحرر والتقدم التي يُتيحها تطوّر العلوم بالرغم من توحّش الأطراف المقابلة في توظيف الاكتشافات العلمية لغايات هيمنية وتدميرية… ضد الشعوب وضد شروط الحياة نفسها فوق هذه الأرض. 

من ناحية أخرى، يُعتبر ريفز من المؤمنين جدا بنظرية الكوليبري (التي يرويها في إحدى محاضراته) في علاقة بضرورة أن يقوم كل فرد بواجبه – ولو كان ضئيلا- بعدم إلحاق الضرر بالوسط الطبيعي الذي يعيش ضمنه. يُفضّل – بدلا من استدعاء معاني التفاؤل و التشاؤم- استعمال معنى الإقدام والتصميم والإيمان بعدالة القضايا التي نُدافع عنها، حيث يجب ألاّ نقول أبدا “لقد انتهى كل شيء” أو “لقد حُسم الأمر نهائيا” لأن الصراع مازال قائما على أشدّه بين القوى والسلوكات الجشعة والبشعة، وبين قوى وسلوكات أخرى تناضل وتسعى جاهدة إلى إعادة التوازن وتغليب الأنسنة على الحيْونة.

وللإقناع بذلك يستحضر ريفز مقولة الشاعر الألماني هولدرلين “حيث تنمو مخاطر الزوال والهلاك، ينمو أيضا ما يُمكن أن يُنقذ في نفس الوقت”.

وهذه بعض الأفكار الواردة في محاضرة ألقاها هوبرت ريفز  يوم 04 ديسمبر 2014 وعنوانها “مستقبل الحياة فوق الأرض” يقول فيها تقريبا :

يجب ألاّ نُخفي الحقيقة ونغرس رؤوسنا في الرمل ولا بد من الإقرار بأن هنالك مخاطر حقيقية تهدّد بصفة جدية وجود الانسان على الأرض، ولكن لا بد من التشبث بالحلم في نفس الوقت من أنه ثمة دائما طريق للخلاص.

في إطار المهارة البيداغوجية في التبليغ التي يُجيدها كثيرا، يروي ريفز حكايتين أساسيتين ميّزتا المسار الطويل الذي شهده تاريخ الكون : حكاية جميلة ومُغرية وأخرى أقل إبهارا. “الحكاية الجميلة” ابتدأت منذ قُرابة 14 مليار سنة…وتهمّ النجوم والمجرّات والجزيئات لكن معرفتنا بهذه الحكاية لم تتشكل إلا حديثا منذ حوالي قرن لا أكثر  وخاصة منذ اكتشاف المناظير الكبيرة التي سمحت بملاحظة تحرك المجرات والكواكب والنجوم…(إذن ليس هذا تاريخ بداية الكون بل تاريخ بداية معرفتنا بالكون).

هذا المسار التطوّري الضارب في التاريخ أعطى الإنسان جسما يتكوّن من “واحد متبوع بـ 29 صفرا” من “الكوارك والإلكترون” ليكون قادرا على الوعي بذاته وتمثّل إقامته في الكون، كأن يُغمض عينيه لبُرهة وجيزة ويقول لنفسه “أنا موجود” …وهي إحدى عجائب الطبيعة التي تبدو عادية وشكلية ولكنها ذات قيمة كبيرة إذا ما أمعنّا النظر في ما جعلها ممكنة الحدوث، على عكس ما يقوله عديد الفلاسفة القدامى من أن الجسم البشري لا قيمة كبيرة له. وبالتالي فإن جسم الإنسان وتركيبته المعقّدة هو أعجوبة في حدّ ذاته. وهنا أفتح فاصلا شخصيا بأن هذا التأكيد لا يتعارض في شيء مع من يقول جسم الانسان هو أعجوبة منّ بها الله على الإنسان…لأن المعنى النهائي واحد.

أما الحكاية المزعجة فقد حدثت منذ 7 ملايين سنة فقط وتتمثل في حصول أجداد الانسان الأول على شكل أرقى من الذكاء تمكّن بواسطته من مواجهة مخاطر متعددة تهدد وجوده في بيئة معادية، خاصة أنه كان دون أجنحة وليس سريعا بشكل كاف وليست له قدرات دفاعية كبيرة، فوظّف ذكاءه لصنع أسلحة امتدّت من الحجارة المصقولة إلى أدوات الرمي إلى القوس إلى البنادق… وصولا إلى الأسلحة النووية المُدمّرة.   

إن نفس هذا الذكاء الذي أنقذ البشرية تاريخيا هو الذي يُهدّد الوجود البشري بالفناء. وهو ذكاء يُوظف اليوم بصورة أساسية في خدمة الربح المباشر.

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

جور نار

مؤتمر اتحاد الشغل: لخدمة العمّال… لا لمصلحة زيد أو عمرو

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.

وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان من الضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.

إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.

غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.

واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.

فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.

و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.

لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها

والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.

أكمل القراءة

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار