…تلك كانت رحلة الاكتشاف الاولى لمدينتي العتيقة من باب الجبلي حتى الباب الشرقي وبالتحديد نهج الجم حيث ماخور البغاء العلني والذي لم ادخله الا في السنة الرابعة ثانوي وللحكاية بقية عندما ابلغ تلك المرحلة …
عبد الكريم قطاطة
سنتي الاولى في “الحي الزيتوني” شهدت هي ايضا مجموعة من احداث طفولية بحتة …لنبدأ بطريق المهدية (بالتحديد بساقية الدائر) حيث اقطن في غابة من غاباتها …في تعليمي الابتدائي لم اكن اعرف ساقيتي عميقا … دراستي الابتدائية كانت بساقية الزيت ويوم انتقلت لدراستي الثانوية كان الذهاب الى معهدي ايسر عبر ساقية الدائر …نعم انا كنت اسكن بين الساقيتين الا ان الخروج الى ساقية الدائر كان ايسر نظرا لعبوري اجنّة الجيران (دار غربال) بورك فيهم جميعا ورحم امواتهم ..كان قابض البريد بساقية الدائر (المرحوم علي غربال) من ضمن الجيران الذين اعبر جنانه … كان كثيرا ما يعبر عن تضايقه من عمله باعتبار سوء الظروف المهنية انذاك واستعماله للهاتف الاسود الذي كان يدير يده الجانبية طويلا حتى يحصل على الخط لطلب اي رقم .. وليعبر عن غضبه من عدم استجابة الهاتف له، كان يعيد دوما نفس العبارة: “ملا شكشوكة” مما جعل جل حرفائه يلصقون به لقب شكشوكة … وكان ينتظرني في المساء وانا عائد من المعهد ليرافقني حتى منزلنا اذا لم تستطع عيادة رحمها الله ان تاخذ لحافها (السفساري) وتنتظرني في محطة الحافلة (الشرطة) خوفا على ولدها الذي يخاف الظلام جدا …
سي علي هذا اكتشفت بعد سنوات انه هو ايضا يخاف ظلمة الليل وينتظرني حتى نترافق في الدخول الي سكنانا …وكنت كثيرا ما اتأخر في العودة بعد انتهاء الدروس لسببين ..اولهما اننا كنا نختار بعض السوّاق الذين نفضلهم على آخرين وخاصة “الغروبي” و”الحصايري” لا لشيء الا لبشاشتهما معنا ولسرعتهما في السياقة …وكنا ابدا مثلا ان نركب مع سائق نلقبه “الداڨرة” لانه كان عبوسا جدا وكان كلما تاخر احد في النزول اغلق الباب بنرفزة متمتما: ملاّ داڨرة …اما السبب الثاني الذي يجعلني (“ني” وليس “نا”) اتأخر عن اخذ اية حافلة فهو انتظار الحبيبة … نعم تصوروا طفلا عمره 12 سنة يحكي لكم عن حبيبة ….؟؟؟؟… هي تقطن بالساقية، بقلب الساقية، تشابكت عينانا مرة صدفة فابتسمت لي ……يااااااااااااااااااااه …. انذاك حضر على شاشتي البصرية كل ابطال الغرام في مجموعة جرجي زيدان وارتسمت على شاشتي السمعية كل اغاني الغرام وفي مقدمتها ودون منازع العندليب ‘بحلم بيك’ و’بتلوموني ليه’ اساسا …
اذن كريّم محب وعاشق وولهان ..لذلك كنت انتظر امّا خروجها من منزلهم لاخذ الحافلة التي تمتطيها فتاتي ..او انتظرها في المساء للعودة معا على نفس الحافلة حتى ولو كان سائقها الداڨرة… لست ادري اين اضع ذلك الحب او اصفه فقط لم يحصل اطلاقا ان سمعت صوتها او تحادثت معها او التقينا خارج جغرافية الحافلة ..فقط كنا نتخطّف احيانا نظرة اوابتسامة ويوفى الحديث (الذي لم يبدأ مطلقا) …من اجلها دخلت عالم الكشافة اذ انه بعد “تنسنيس” كريّم الطفل عرفت ان ابن عمها كشّاف …يا للكنز الذي عثرت عليه …عالم الكشافة عالم ثري جدا بالنسبة لي في ذلك الزمن خاصة وانا المعروف عني نشاطي وحيويتي ..رحّب بي القادة واقترحت عليهم مجلة حائطية اسبوعية لبعض الخواطر نتدرب على كتابتها جميعا …وصدر العدد الاول وكنت الوحيد الذي كتب فيها وكان العدد الاول والاخير لانني رسمت عليها حكاية عشقي لحبيبتي ..فكانت كتابتي فاضحة وموجّهة “عيني عينك” للحبيبة … فهم القائد (المنجّة انذاك) اطال الله عمره، فهم سرّي خاصة وهو يتابعني دون ان ادري في ترحالي معها في الحافلة ..
دعاني للقاء ثنائي وقال لي: “انا خوك الكبير ونحب ننصحك راني نعرف حكايتك انت وفلانة ..قريبها معنا في الفوج وسيذبحك لو كشف سرّكما …. انصحك بوضع حد للحكاية” … كانت صدمة مهولة بالنسبة لي ..لا خوفا من ابن عمها وسكينه بل كيف لسي المنجّة ان يتجرّأ ويتدخّل في شؤوني. ..؟؟؟ .. و”كبرت في دماغي” وقلت له: “مانيش عيّل ونعرف اش نعمل …انت قائدي فقط في الكشافة دون ذلك لا دخل لك في حياتي الخاصّة” … تصوروا كريّم وهو في الثانية عشرة من عمره له حياة خاصة، يعطيني للذبّان عمى! اوقفت الجريدة الحائطية التي كتب لها ان تكون عددا يتيما تماما مثل اغنية ثريا عبيد “عودتني ع الودّ”، وقررت ان اوطّد علاقتي بابن عمها وفعلا توطدت العلاقة وصرت من زائري منزل ابن العم طمعا في رؤية ابنة العم .. وما حبّ الديار سكنّ قلبي .. ولكن حبّ من سكن الديارا …
والغريب الذي لم افهمه لحد الان اني لم احظ ولو مرة واحدة برؤيتها خارج الاطار القانوني (الحافلة)!…فالكهوف التي تغلق فيها الابواب على الحريم وبنات الحريم امر معقول في ذلك الزمن.. حسرتي على كهوف تغلق على الادمغة والقلوب في زمننا الرديء هذا …ولم تتوقف الكتابة عندي … اصبحت اؤلف القصص الغرامية التي هي في جلها اقتباس لابطال الغرام لجرجي زيدان في مجموعته “فتاة القيروان”.”فتاة غسان” ..”شجرة الدر” ..17″ رمضان” ..”احمد بن طولون” ..”جهاد المحبين” وغيرها … والانكى اني كنت دوما اقدّم محاولاتي الكتابية للشيخ الاستاذ محمد قطاطة ابن عم الوالد رحمهما الله للاطلاع عليها وابداء رأيه فيها …وكان باسلوبه الهاديء الجميل يشجعني على الاسلوب ويضيف: “تبقّينا اكتب في مواضيع اخرى زادة” … يقولها ويمضي دون حتى مجرد النظر اليّ…
باختصار كانت تجربة طفولية بريئة جدا جدا جدا انتهت مع انتهاء السنة الدراسية …كيف لماذا …؟؟؟ صدقا لا ادري …
سنتي “الاولى ثانوي” شهدت ايضا حدثا لا ادري ما اسميه ..دعوني اختزله مرة اخرى في عبارة “اقدار” وستكتشفون ذلك ..الحدث في بداية سنتي الاولى في تعليمي الثانوي وبالتحديد في ديسمبر 1961 وفي الثامن منه، كان مولد اذاعة جهوية سمّيت على بركة الله ا ….ذ ….ا …ع ….ة …. ص…ف ….ا ….ق …س …آسف على تقطيع الكلمة …ولكن هو اسلوب للتعبير عن الألم من اناس قطّعوا اوصالها وعبثوا بها ..وهم لم يدركوا يوما انهم قطّعوا شرايين العديد من ابنائها ومن مستمعيها …سامحهم الله ….اذاعة صفاقس كانت بالنسبة لنا نحن في صفاقس مفخرة … نشأتها مفخرة .. لا فقط للجهة بل وللجنوب عامة ..عندما استمعنا للكبير الزميل احمد العموري يوم 8ديسمبر من دار البريد بطريق تونس وهو يعلن مباشرة عن افتتاحها ….كان عرسا بالنسبة لنا ..لم اكن ادرك كثيرا مغزى فرحة جل اهالي صفاقس بها انذاك لأن ابرتي كانت موشومة بالاذاعة التونسية وبالسيدة علياء اولا وبالبقية ثانيا …كنت احفظ من الاذاعة الأم عديد الاغاني _البوز انذاك في الاذاعة الوطنية (اش علينا لنعمة، لأ لأ ما نحبكشي لصفية شامية، أه يا خليلة لصليحة، والله ىالو ما نخاف من الله لنبيلة التركي، نصبر نصبر والصبر اولالي لاحمد حمزة، وريحة البلاد للجموسي طبعا… و كذلك بعض الاغاني الوطنية وفي مقدمتها انذاك “يا حبيب تونس يا عزيز علينا” و “ياسيد الاسياد” …
عندما استمعت لاذاعة صفاقس اول مرة اكتشفت الوانا جديدة لحمزة: “ارجع يا عمي يهديك” و”شدوها الخنابة”، ولصفوة “رد بالك رد”، ومبروك التريكي “يطول عمرك يا اميمة” …ولكن الاكتشاف الاهم كان الشيخ بودية في الفولكلور او في النوبات وخاصة سيدي منصور .. اذاعة صفاقس.في بدايتها لم ترق لي برامجها …وجدتها معلّبة جدا وجدّية اكثر من اللزوم ..ولعل اول برنامج استرعى انتباهي هو “الحان وطرائف” لعلي المكي رحمه الله … استرعى انتباهي لانه كان بلغة عامية بسيطة على عكس جل البرامج الاخرى التي انتهجت انذاك الفصحى فبقيت حكرا على النخبة …استمعت الى الحان وطرائف وهو برنامج اسبوعي خفيف يختتمه سيدي علي بلغز وهو عبارة عن احجية تنطلق من امثالنا الشعبية …يومها كان المقصود من احجيته “الهندي” … سارعت باخذ القلم لكتابة رسالة للبرنامج ذاكرا حلّ اللغز …وانتظرت موعده في الاسبوع الموالي وبدأ سيدي علي بذكر اسماء المستمعين الذين راسلوه …وفجأة …هاهو عبدالكريم قطاطة !…
فرحتي لم تسعني انذاك رغم انها كانت الرسالة الوحيدة التي ارسلتها لاذاعة ما في حياتي …هل تفهمون الان لماذا طيلة حياتي الاذاعية لم اهمل يوما رسالة واحدة وصلتني من اي مستمع كان ..؟؟؟ سعادتي التي احسست بها وسيدي علي يذكر اسمي اذاعيا هي التي كانت دائما حاضرة وبعمق كلما افتح الرسائل وهي بمئات الالاف طيلة مسيرتي … الرسائل في السنة الاولى من عملي باذاعة صفاقس كانت بمعدل 3 الاف رسالة اسبوعيا واقسم لكم بكل المقدسات اني لم اهمل طيلة حياتي رسالة واحدة لاني عشت تجربة ان يكون المرسل سعيدا حتى عند ذكر اسمه فقط … صدقا كان اهتمامي باذاعة صفاقس مقتصرا على جانب الاغنية فيها …وكنت اثناء راحة الغداء اذهب احيانا الى منزل اختي الكبرى بزنقة بن سعيد لاتغدى عندها و”اشويها”حسب تعبيرها لاني لا آكل من الخبز اللفيف الا “قرقوشه” الفوقي واترك لها البقية … كنت في منزلها افتح الراديو (راديولا) واستمع الى اغاني اذاعة صفاقس …ولا شيء غيرها …
وحدث ان ذهبت مرة الى منزلها فوجدت عمة زوجها ضيفة عندها وهي كبيرة في السن عزباء يخاف منها الجميع “عيشة راجل” شكلا ومضمونا … وكانت على بعد امتار من المنزل صالة تقام فيها الافراح وكانت “كسودية” عازفة البيانو الشهيرة “تشرڨع” بصوتها المبحوح دخانا ومشروبات لا علاقة لها بالبراءة ..وعمة رجل اختي تمتّع سمعها وتشنّفه بكسودية …ونظرا إلى ان مضخم الصوت كان يقلقني جدا كنت من جهتي استمع الى المذياع وهو “يشرڨع” بدوره حتى اخفي صوت كسودية …وعبثا حاولت العمة اثنائي عن صنيعي حتى اخفض من صوت الراديو ..عنايدي الله غالب… فكان ان دعت على كريّم دعوة قالت عنها امي عندما سمعتها: “اللطف على ولدي بعيد الشر عليه” … هل تدرون ماذا دعت العمة ..؟؟؟ نظرت اليّ عميقا وانطلقت كقطار سريع تتمتم وتهدر دون ان تحلّ رموز التمتمة او الهدير … نظرت اليّ شزرا وختمت اطروحتها بغضب شديد وهي تدعي: “برة يجعلك تطلع تخدم في الاذاعة” …
عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…
احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…
بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…
المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.
ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة.
فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…
ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.
وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.
“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…
فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.
لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …
دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.
وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان منالضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.
إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.
غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.
واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.
فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.
و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.
لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها
والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.