تابعنا على

جور نار

ورقات يتيم … الورقة رقم 13

نشرت

في

Une Enveloppe En Papier Ouverte Avec Une Lettre. Correspondance Postale,  Message. . Illustration Vectorielle Dessinés à La Main | Vecteur Premium

تلك كانت رحلة الاكتشاف الاولى لمدينتي العتيقة من باب الجبلي حتى الباب الشرقي وبالتحديد نهج الجم حيث ماخور البغاء العلني والذي لم ادخله الا في السنة الرابعة ثانوي وللحكاية بقية عندما ابلغ تلك المرحلة …

عبد الكريم قطاطة
عبد الكريم قطاطة

سنتي الاولى في “الحي الزيتوني” شهدت هي ايضا مجموعة من احداث طفولية بحتة …لنبدأ بطريق المهدية (بالتحديد بساقية الدائر) حيث اقطن في غابة من غاباتها …في تعليمي الابتدائي لم اكن اعرف ساقيتي عميقا … دراستي الابتدائية كانت بساقية الزيت ويوم انتقلت لدراستي الثانوية كان الذهاب الى معهدي ايسر عبر ساقية الدائر …نعم انا كنت اسكن بين الساقيتين الا ان الخروج الى ساقية الدائر كان ايسر نظرا لعبوري اجنّة الجيران (دار غربال) بورك فيهم جميعا ورحم امواتهم ..كان قابض البريد بساقية الدائر (المرحوم علي غربال) من ضمن الجيران الذين اعبر جنانه … كان كثيرا ما يعبر عن تضايقه من عمله باعتبار سوء الظروف المهنية انذاك واستعماله للهاتف الاسود الذي كان يدير يده الجانبية طويلا حتى يحصل على الخط لطلب اي رقم .. وليعبر عن غضبه من عدم استجابة الهاتف له، كان يعيد دوما نفس العبارة: “ملا شكشوكة” مما جعل جل حرفائه يلصقون به لقب شكشوكة … وكان ينتظرني في المساء وانا عائد من المعهد ليرافقني حتى منزلنا اذا لم تستطع عيادة رحمها الله ان تاخذ لحافها (السفساري) وتنتظرني في محطة الحافلة (الشرطة) خوفا على ولدها الذي يخاف الظلام جدا …

سي علي هذا اكتشفت بعد سنوات انه هو ايضا يخاف ظلمة الليل وينتظرني حتى نترافق في الدخول الي سكنانا …وكنت كثيرا ما اتأخر في العودة بعد انتهاء الدروس لسببين ..اولهما اننا كنا نختار بعض السوّاق الذين نفضلهم على آخرين وخاصة “الغروبي” و”الحصايري” لا لشيء الا لبشاشتهما معنا ولسرعتهما في السياقة …وكنا ابدا مثلا ان نركب مع سائق نلقبه “الداڨرة” لانه كان عبوسا جدا وكان كلما تاخر احد في النزول اغلق الباب بنرفزة متمتما: ملاّ داڨرة …اما السبب الثاني الذي يجعلني (“ني” وليس “نا”) اتأخر عن اخذ اية حافلة فهو انتظار الحبيبة … نعم تصوروا طفلا عمره 12 سنة يحكي لكم عن حبيبة ….؟؟؟؟… هي تقطن بالساقية، بقلب الساقية، تشابكت عينانا مرة صدفة فابتسمت لي ……يااااااااااااااااااااه …. انذاك حضر على شاشتي البصرية كل ابطال الغرام في مجموعة جرجي زيدان وارتسمت على شاشتي السمعية كل اغاني الغرام وفي مقدمتها ودون منازع العندليب ‘بحلم بيك’ و’بتلوموني ليه’ اساسا …

اذن كريّم محب وعاشق وولهان ..لذلك كنت انتظر امّا خروجها من منزلهم لاخذ الحافلة التي تمتطيها فتاتي ..او انتظرها في المساء للعودة معا على نفس الحافلة حتى ولو كان سائقها الداڨرة… لست ادري اين اضع ذلك الحب او اصفه فقط لم يحصل اطلاقا ان سمعت صوتها او تحادثت معها او التقينا خارج جغرافية الحافلة ..فقط كنا نتخطّف احيانا نظرة اوابتسامة ويوفى الحديث (الذي لم يبدأ مطلقا) …من اجلها دخلت عالم الكشافة اذ انه بعد “تنسنيس” كريّم الطفل عرفت ان ابن عمها كشّاف …يا للكنز الذي عثرت عليه …عالم الكشافة عالم ثري جدا بالنسبة لي في ذلك الزمن خاصة وانا المعروف عني نشاطي وحيويتي ..رحّب بي القادة واقترحت عليهم مجلة حائطية اسبوعية لبعض الخواطر نتدرب على كتابتها جميعا …وصدر العدد الاول وكنت الوحيد الذي كتب فيها وكان العدد الاول والاخير لانني رسمت عليها حكاية عشقي لحبيبتي ..فكانت كتابتي فاضحة وموجّهة “عيني عينك” للحبيبة … فهم القائد (المنجّة انذاك) اطال الله عمره، فهم سرّي خاصة وهو يتابعني دون ان ادري في ترحالي معها في الحافلة ..

دعاني للقاء ثنائي وقال لي: “انا خوك الكبير ونحب ننصحك راني نعرف حكايتك انت وفلانة ..قريبها معنا في الفوج وسيذبحك لو كشف سرّكما …. انصحك بوضع حد للحكاية” … كانت صدمة مهولة بالنسبة لي ..لا خوفا من ابن عمها وسكينه بل كيف لسي المنجّة ان يتجرّأ ويتدخّل في شؤوني. ..؟؟؟ .. و”كبرت في دماغي” وقلت له: “مانيش عيّل ونعرف اش نعمل …انت قائدي فقط في الكشافة دون ذلك لا دخل لك في حياتي الخاصّة” … تصوروا كريّم وهو في الثانية عشرة من عمره له حياة خاصة، يعطيني للذبّان عمى! اوقفت الجريدة الحائطية التي كتب لها ان تكون عددا يتيما تماما مثل اغنية ثريا عبيد “عودتني ع الودّ”، وقررت ان اوطّد علاقتي بابن عمها وفعلا توطدت العلاقة وصرت من زائري منزل ابن العم طمعا في رؤية ابنة العم .. وما حبّ الديار سكنّ قلبي .. ولكن حبّ من سكن الديارا …

والغريب الذي لم افهمه لحد الان اني لم احظ ولو مرة واحدة برؤيتها خارج الاطار القانوني (الحافلة)!…فالكهوف التي تغلق فيها الابواب على الحريم وبنات الحريم امر معقول في ذلك الزمن.. حسرتي على كهوف تغلق على الادمغة والقلوب في زمننا الرديء هذا …ولم تتوقف الكتابة عندي … اصبحت اؤلف القصص الغرامية التي هي في جلها اقتباس لابطال الغرام لجرجي زيدان في مجموعته “فتاة القيروان”.”فتاة غسان” ..”شجرة الدر” ..17″ رمضان” ..”احمد بن طولون” ..”جهاد المحبين” وغيرها … والانكى اني كنت دوما اقدّم محاولاتي الكتابية للشيخ الاستاذ محمد قطاطة ابن عم الوالد رحمهما الله للاطلاع عليها وابداء رأيه فيها …وكان باسلوبه الهاديء الجميل يشجعني على الاسلوب ويضيف: “تبقّينا اكتب في مواضيع اخرى زادة” … يقولها ويمضي دون حتى مجرد النظر اليّ…

باختصار كانت تجربة طفولية بريئة جدا جدا جدا انتهت مع انتهاء السنة الدراسية …كيف لماذا …؟؟؟ صدقا لا ادري …

سنتي “الاولى ثانوي” شهدت ايضا حدثا لا ادري ما اسميه ..دعوني اختزله مرة اخرى في عبارة “اقدار” وستكتشفون ذلك ..الحدث في بداية سنتي الاولى في تعليمي الثانوي وبالتحديد في ديسمبر 1961 وفي الثامن منه، كان مولد اذاعة جهوية سمّيت على بركة الله ا ….ذ ….ا …ع ….ة …. ص…ف ….ا ….ق …س …آسف على تقطيع الكلمة …ولكن هو اسلوب للتعبير عن الألم من اناس قطّعوا اوصالها وعبثوا بها ..وهم لم يدركوا يوما انهم قطّعوا شرايين العديد من ابنائها ومن مستمعيها …سامحهم الله ….اذاعة صفاقس كانت بالنسبة لنا نحن في صفاقس مفخرة … نشأتها مفخرة .. لا فقط للجهة بل وللجنوب عامة ..عندما استمعنا للكبير الزميل احمد العموري يوم 8ديسمبر من دار البريد بطريق تونس وهو يعلن مباشرة عن افتتاحها ….كان عرسا بالنسبة لنا ..لم اكن ادرك كثيرا مغزى فرحة جل اهالي صفاقس بها انذاك لأن ابرتي كانت موشومة بالاذاعة التونسية وبالسيدة علياء اولا وبالبقية ثانيا …كنت احفظ من الاذاعة الأم عديد الاغاني _البوز انذاك في الاذاعة الوطنية (اش علينا لنعمة، لأ لأ ما نحبكشي لصفية شامية، أه يا خليلة لصليحة، والله ىالو ما نخاف من الله لنبيلة التركي، نصبر نصبر والصبر اولالي لاحمد حمزة، وريحة البلاد للجموسي طبعا… و كذلك بعض الاغاني الوطنية وفي مقدمتها انذاك “يا حبيب تونس يا عزيز علينا” و “ياسيد الاسياد” …

عندما استمعت لاذاعة صفاقس اول مرة اكتشفت الوانا جديدة لحمزة: “ارجع يا عمي يهديك” و”شدوها الخنابة”، ولصفوة “رد بالك رد”، ومبروك التريكي “يطول عمرك يا اميمة” …ولكن الاكتشاف الاهم كان الشيخ بودية في الفولكلور او في النوبات وخاصة سيدي منصور .. اذاعة صفاقس.في بدايتها لم ترق لي برامجها …وجدتها معلّبة جدا وجدّية اكثر من اللزوم ..ولعل اول برنامج استرعى انتباهي هو “الحان وطرائف” لعلي المكي رحمه الله … استرعى انتباهي لانه كان بلغة عامية بسيطة على عكس جل البرامج الاخرى التي انتهجت انذاك الفصحى فبقيت حكرا على النخبة …استمعت الى الحان وطرائف وهو برنامج اسبوعي خفيف يختتمه سيدي علي بلغز وهو عبارة عن احجية تنطلق من امثالنا الشعبية …يومها كان المقصود من احجيته “الهندي” … سارعت باخذ القلم لكتابة رسالة للبرنامج ذاكرا حلّ اللغز …وانتظرت موعده في الاسبوع الموالي وبدأ سيدي علي بذكر اسماء المستمعين الذين راسلوه …وفجأة …هاهو عبدالكريم قطاطة !…

فرحتي لم تسعني انذاك رغم انها كانت الرسالة الوحيدة التي ارسلتها لاذاعة ما في حياتي …هل تفهمون الان لماذا طيلة حياتي الاذاعية لم اهمل يوما رسالة واحدة وصلتني من اي مستمع كان ..؟؟؟ سعادتي التي احسست بها وسيدي علي يذكر اسمي اذاعيا هي التي كانت دائما حاضرة وبعمق كلما افتح الرسائل وهي بمئات الالاف طيلة مسيرتي … الرسائل في السنة الاولى من عملي باذاعة صفاقس كانت بمعدل 3 الاف رسالة اسبوعيا واقسم لكم بكل المقدسات اني لم اهمل طيلة حياتي رسالة واحدة لاني عشت تجربة ان يكون المرسل سعيدا حتى عند ذكر اسمه فقط … صدقا كان اهتمامي باذاعة صفاقس مقتصرا على جانب الاغنية فيها …وكنت اثناء راحة الغداء اذهب احيانا الى منزل اختي الكبرى بزنقة بن سعيد لاتغدى عندها و”اشويها”حسب تعبيرها لاني لا آكل من الخبز اللفيف الا “قرقوشه” الفوقي واترك لها البقية … كنت في منزلها افتح الراديو (راديولا) واستمع الى اغاني اذاعة صفاقس …ولا شيء غيرها …

وحدث ان ذهبت مرة الى منزلها فوجدت عمة زوجها ضيفة عندها وهي كبيرة في السن عزباء يخاف منها الجميع “عيشة راجل” شكلا ومضمونا … وكانت على بعد امتار من المنزل صالة تقام فيها الافراح وكانت “كسودية” عازفة البيانو الشهيرة “تشرڨع” بصوتها المبحوح دخانا ومشروبات لا علاقة لها بالبراءة ..وعمة رجل اختي تمتّع سمعها وتشنّفه بكسودية …ونظرا إلى ان مضخم الصوت كان يقلقني جدا كنت من جهتي استمع الى المذياع وهو “يشرڨع” بدوره حتى اخفي صوت كسودية …وعبثا حاولت العمة اثنائي عن صنيعي حتى اخفض من صوت الراديو ..عنايدي الله غالب… فكان ان دعت على كريّم دعوة قالت عنها امي عندما سمعتها: “اللطف على ولدي بعيد الشر عليه” … هل تدرون ماذا دعت العمة ..؟؟؟ نظرت اليّ عميقا وانطلقت كقطار سريع تتمتم وتهدر دون ان تحلّ رموز التمتمة او الهدير … نظرت اليّ شزرا وختمت اطروحتها بغضب شديد وهي تدعي: “برة يجعلك تطلع تخدم في الاذاعة” …

ياااااااااااااااااااااااااااااااااااه الم اقل لكم اقدار …

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

من الشبّاك

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.

فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت على مسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.

كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها

ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.

إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا

ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…

ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها

المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز

نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.

أكمل القراءة

جور نار

وقت مستقطع… للحبّ!

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…

ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟

ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…

هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…

خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…

وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…

أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟

أكمل القراءة

جور نار

الدنيا ليست بخير كما يزعمون…

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

سؤال يقلق راحتي: لماذا يحنّ أغلبنا إلى الماضي…؟؟ لماذا حاضرنا أصبح ثقيلا لا يطاق…؟؟ ولماذا نخاف المستقبل أيضا؟؟ والإجابة في غاية البساطة…

هل نحن اليوم ما كنّا عليه وفيه سابقا؟؟ لا…هل قبلنا ببعضنا البعض رغم اختلافنا؟؟ لا… هل اعترفنا بما أتيناه من أخطاء في حقّ بعضنا البعض؟؟ لا… هل قمنا بمراجعات في ما أخطأنا فيه وطلبنا الاعتذار ممن أخطأنا في حقّهم؟؟ لا…هل أصبحنا اليوم نقبل بأن يكون بعضنا أفضل منّا وأرفع درجة؟؟ لا… هل أصبحنا كما كنّا نسبيا سابقا نسعد لسعادة بعضنا؟؟ لا… هل نحزن لوجع بعضنا أو خصومنا إن نزلت بساحتهم مصيبة؟؟ لا…هل نتضامن مع المظلوم وأن كان خصمنا ونختلف معه؟؟ لا…هل نتمنى السلامة لمن نختلف معهم وننافسهم في شأن من شؤون الحياة؟؟ لا…إذن نحن لسنا نحن … ولا يمكن أن نكون نحن؟؟ فهل الدنيا اليوم بخير كما يزعم بعضهم ويفاخرون؟؟ لا ليست بخير أبدا…

فكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يُظلم ونحن لا نحرّك ساكنا وحتى السنتنا أصابها شلل الجبن والخوف من أن يقع معنا ما وقع معهم…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير والعاطل لا يزال عاطلا والفقير لا يزال يئن تحت ثقل معاناة الفقر…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير ونحن فرّطنا في ثقافة العمل ولا عاد يهمّنا أي شأن من شؤون البلاد…؟؟وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعض مرضانا لا يجدون في صيدلياتنا الدواء…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وكفاءاتنا تغادر البلاد بالآلاف؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير ولا يزال بعضنا يكذب على بعضنا؟؟

وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يهتك عرض بعضنا ظلما وعدوانا؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يكره بعضنا دون سبب فقط لأنه ليس من القطيع؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يتّهم بعضنا فقط لأنه يختلف عنه ؟؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يضمر لبعضنا شرا فقط لأنه لا يتفق معه في بعض شؤون الوطن؟؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يختلق الأكاذيب على بعضنا فقط لأنه كان أجدر منه بالمقام والمكانة؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير والنفاق أصبح جزءا من الهواءالذي نتنفس؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا لا همّ له غير الانتقام ممن سبقوه ؟؟؟ وكيف يمكن ان تكون الدنيا بخير وأغلبنا ممن لم يحترفوا التصفيق والهتاف يعيشون القلق والخوف والاحباط والياس؟؟

فهل أصبح شعبنا غير قادر على النسيان…غير قادر على المصالحة…غير قادر على تغليب خطاب التسامح…غير قادر على العيش مختلفا…وغير قادر على الحب…هل أصبح التسامح والحبّ للجبناء …وأصبح الحقد والانتقام للشجعان؟؟؟

هل يعلم بعض هذا الشعب أن الدنيا ليست بخير كما يزعمون…فإن كانوا يعلمون ويتظاهرون بأنهم لا يعلمون فهذه كارثة…وإن كانوا يعلمون ولا يهمّهم ما يعلمون فتلك مصيبة المصائب…

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار