قد يتصوّر البعض أن الخروج إلى الشارع للاحتجاج أو للتنديد أو للمناصرة هو نوع من استعراض العضلات الحزبية أو الجمعياتية لفرض اختيار معيّن، ويبقى مقبولا إن كان من يقف وراءه دعما وتنظيما هو حزب معارض يسعى إلى تعديل أوتار السلطة …أما أن يكون المنظّم هو حزب من الحزام الحكومي فهو أمر محيّر ويجعلنا نبحث عن الهدف الحقيقي من تنظيم هكذا مسيرة وعمّا تبحث النهضة من وراء ذلك.
رضا عزيز
الواقع أن حركة النهضة تُعامل من لدن بقية الأحزاب حتى من بين حلفائها في السلطة ومن بعض المعارضين وحتى من وسائل الاعلام كشرّ لابدّ منه، وما ملأ مسامعنا منذ مدّة هو أنّ الحركة في تراجع كبير حسب وكالات سبر الآراء المتعدّدة … ونحن نعتقد أن الحركة انتهزت هذه الفرصة لمعرفة حجم شعبيّتها والردّ على كلّ خصومها ومنافسيها، وذكاء النهضة يكمن في حسن اختيار عنوان المسيرة وهو الدفاع عن مؤسّسات الدولة والمسار الديمقراطي واحترام الدستور لتأمين المسار الثوري.
في المقابل وغير بعيد عن النهضة تجمّعت مسيرة حزبية أخرى لحزب العمال بقيادة زعيمه حمّة الهمامي ترفع شعارات ثورجية مختلفة عن شعارات الخصم الأيديولوجي. مسيرتان مختلفتان شكلا وحجما ومضمونا جاءتا في نفس التوقيت وهنالك من تساءل عن سبب توافق التوقيت وتقريبا المكان وعبّر عن تخوّفه من الانفلات والتصادم ولكن والحمد لله أن سارت الأمور تنظيميا على ما يرام وهو مكسب أخر يحسب لتونس الثورة التي أصبح من الممكن أن يلتقي فيها الضدّان في نفس المكان والزمان دون اصطدام أو عنف وهي صورة جميلة لثورة فتيّة …
ولكن إذا نظرنا إلى الأمر بأكثر عمقا نجد فيه بذور تفرقة وتشتّت وعدم الرغبة في السير في نفس الاتجاه بنفس الإرادة والرغبة وبنفس الرؤية ولو في خطوطها العريضة أي أن يؤجّل الاختلاف إلى ما بعد الخروج من عنق الزجاجة نحو برّ الأمان. بالإضافة إلى هذا التنافس الحزبي نجد أن السيد رئيس الجمهورية قام بزيارة فجئية إلى إحدى المناطق ليلقي كلمة يعيد فيها تقريبا نفس ما تعوّد على ذكره في كلّ لقاءاته السابقة ..
هي زيارة لم تجلب معها جديدا سوى التّأكيد على أن قيس سعيد أصبح طرفا أساسيا في الصراع السياسي القائم في البلاد، وله دور غير خفيّ في اشعال نار الفتنة والحرص على ديمومتها … وهو ما يعطي صورة قاتمة وغير مريحة ويؤجّل حركة الإقلاع ويعطي صورة غير مطمئنة لشركائنا الأجانب من أشقّاء وأصدقاء، وخاصّة المستثمرين الذين لا أحد فيهم يرغب في القاء أمواله داخل حفرة من الرمال المتحرّكة… للتذكير، الرمال المتحرّكة تبتلع كل من يطؤها !.
عمّ الغناء والتصفيق والفرح أعضاء “القائمة المشتركة” مباشرة إثر إزاحة بنيامين نتنياهو ونتائج الانتخابات التي تمت يوم 27 من هذا الشهر. ومن الضروري الإسراع بالإشارة إلى أن قائمة “الأعضاء العرب” كما يسميهم الصهاينة، هي من أحدثت الفارق بين طرفي النزاع الانتخابي.
حريّ أيضا التذكير بوقائع التاريخ منذ نكبة 1948 التي علمتنا وعلمت حتى الاغبياء منا، أن كل حكومات الكيان لا فرق بينها حول استراتيجية الإبادة والتشريد وإخلاء الأرض من أهلها، الآن غزة وبالأمس جنين وكفر قاسم ودير ياسين وغدا الضفة الغربية وحتى عرب 48. لذلك لا موجب على محمود عباس أو غيره لكي يطمئن إلى أي رئيس حكومة جديد، إذ كان بالإمكان أن يفوز نتنياهو المدعوم شعبيا رغم بعض مظاهرات اليسار أو الفرق الدينية التي لها رأي مخالف في الخدمة العسكرية.
الحقيقة أنه صار لزاما على العقلية الصهيونية. خلال هذه المرحلة، أن تقوم بتغيير سياسي كبير لكبح أهوال ونتائج الحرب مع إيران بطريقة تتفادى الهزيمة شكلا ومحتوى، فرغم صلابة المنظومة الحربية الصهيونية ودعم الولايات المتحدة وحتى فرنسا والبلدان الأوروبية بأكثر سرية، تلقت الكيان ضربات موجعة من الإيرانيين وإن كابر وأنكر قادته ذلك.
الخسائر البشرية والاقتصادية خاصة، وفشل الخطة المشتركة الحالية بين واشنطن والكيان والرامية إلى تركيع الغول الإيراني الذي تعتبره كل حكومات الكيان العدو الأكبر الذي يهدد دولتهم بالفناء، واستطالة هذه الحرب بشكل يستنزف الصهاينة المتعودين بالحروب الخاطفة، كل هذا أنهك مقدرات الكيان وخلق حالة تبرم وبوادر انتفاض لدى القيادات العسكرية.
زيادة على هذا، فإن متغيرات متواصلة طرأت لدى إدارة الرئيس ترامب حول الاستمرار في المساندة المالية والتسليحية للكيان التي كانت تتم على حساب الشعب الأمريكي، عوامل دفعت إلى “صناعة” حكومة جديدة قد نستمع خلال بداية حكمها إلى خطاب السلام المشروط وإيقاف الحرب مع إيران، وهو كله خطاب للاستهلاك و تبييض الصورة السوداء للصهيونية الملطخة بمجازر غزة والاعتداء على لبنان والحرب على إيران واليمن ومناوشة تركيا، في مناورة أخرى لحفظ ماء الوحه، وخاصة لحفظ بقاء اسرائيل الذي أصبح مهددا أكثر من أي وقت مضى.
تشهد البلدان الأوروبية عددا متزايدا من الاحتجاجات وأعمال العنف سواء من الجماهير أو من أعوان الأمن، وقد كانت التحركات الاجتماعية من حين لآخر تعد في القارة العجوز أمرا معتادا ومحتملا، وأيضا خاضعا لمربعات من القوانين وحماية الأمن الذي يتدخل لدى أي انفلات أو انحراف عن بروتوكول هذا الشكل من التعبير.
لكن مظاهرات هذه المرة تجاوزت كل حدود الانضباط المعهود وتجاوزت أيضا عصا البوليس وقنابله المسيلة للدموع، لتخترقها العمليات الهمجية والاعتداءات إلى حدود غير عادية بالمرة تذكرنا بعنف مظاهرات ماي 68، إذن ماذا تغيّر ولماذا هذه العدوى التي طالت جل الفضاء الأوروبي من ألبانيا إلى فرنسا خاصة وإلى بلجيكا وإسبانيا و إيطاليا وربما ألمانيا اعتمادا على بعض التسريبات؟.
هذا من جهة أما من جهة أخرى فإن توسع المظاهرات كالنار في الهشيم وخروجها عن السيطرة بما في ذلك من تخريب ونهب واعتداءات جسدية وانتقام من عصا البوليس التي تكسرت أمام المد الكبير. وقد كانت مظاهرات ألبانيا أعلنت عن مناداة أصحابها بإبعاد نظام لم يوفق في تحقيق الرفاه لسكان ذلك البلد الذي كان في سنوات سابقة رائدا من رواد الفكر الشيوعي، ثم تراجع عن ذلك وانحرط في موجة الترحيب بالمنظومة الرأسمالية عسى أن يجد فيها الجنة الموعودة، غير أنه اليوم وبعد ما يقرب من أربعة عقود ها أننا نرى الشعب الألباني يقلب الطاولة على سلطة لم تفلح إلا في دعم جرائم الصهيونية.
إن الشعب الالباني الذي عايش المد اليساري و تربى على ثقافة سياسية ملتزمة كجل اليساريين في العالم لم يحتمل سلطة داعمة للصهيونية نازية اليوم والأمس، وطبيعي أن لا يكون هذا السبب الوحيد لثورة الألبانيين بل أحد الأسباب التي أوقدت نار الثورة الحالية، فهناك أيضا وخاصة غلاء المعيشة مقارنة مع الدخل الفردي وعدم توفر الحاجات الأساسية للمواطنين. أما على المستوى السياسي فإن روتين الحكم الذي تداول على تيرانا زاد في دفع هذه الثورة المشتعلة التي لا يمكن تحديد مدى نجاحها أو تراجعها.
هذا عن ألبانيا أما بخصوص فرنسا فقد سبق أن وقع اشتكاء من غلاء المعيشة منذ أكثر من سنة وشهدت البلاد مظاهرات رعاة الأبقار وسواق العربات وإضراب القطارات والمطارات، كما شاهد الشعب الفرنسي في ظل اقتراب الانتخابات الرئاسية تسخينا متواصلا من جانب اليسار واليمين على حد سواء وانزلق الرئيس ماكرون في ورطة “زعامة” فرنسية لمواقف البلدان الاوروبية خاصة عبر دعمه الكبير لأوكرانيا ومشاكسته الخطرة والمتهورة للدب الأبيض “بوتين”.
الشعب البلجيكي لحق بالحراك الفرنسي فيما تظاهر الإيطاليون أيضا ضد غلاء المعيشة المحسوسة وكذلك الإسبان بشكل أخف حاليا.
.كل هذه التحركات لاسيما بفرنسا قد تدفع ماكرون إلى مناوشة الروس قبل أن ينهي عهدته الرئاسية مع الانتخابات القادمة في 2027.
. قد يبدو لبعض المحللين أو العامة أن المشكلة بين مصر والسودان من جهة، وإثيوبيا من جهة أخرى، تتمثل في فرض سد النهضة رغم معارضة مصرية حادة تراوحت بين الأمل في إيجاد حلول عادلة مع إثيوبيا والتلويح بمواجهة الاعتداء السافر على أحد أركان وجود مصر.
القضية بين مصر و إثيوبيا تتجاوز الخلافات “الجزئية” المتعلقة بهذا السد رغم أهميتها، إلى مسائل أخرى لاتقل أهمية استراتيجية ومخاطر لا على مصر فقط بل يشمل منطقة كاملة، إذ بدأت بتقارب ملحوظ بين سلطة “ابي احمد” و الكيان الصهيوني منذ اعتلائه الحكم في إثيوبيا، وتحول إلى دعم متواصل ليس حبا في الشعب الإثيوبي بل خدمة لخطط عسكرية واقتصادية واستخباراتية من مظاهرها دفع أديس أبابا إلى بعث سد النهضة لتحقيق هدفين صهيونيين:
الأول محاصرة مصر مائيا وضرب شريان حياتها ومصدر رئيسي من مصادر اقتصادها التاريخي الأبدي في ظل معاناة الشعب المصري من الفقر و تدهور قدرته الشرائية وأمنه الغذائي، دون نسيان الإجهاز على السودان أيضا الذي نجحت القوى المعادية في تفكيكه وتقسيمه إلى دولتين تتواتر في علاقتهما النزاعات المسلحة والتقاربات الظرفية. وها هي نفس القوى تفرض على الجزء الباقي (أي الشمالي) من السودان حربا داخلية لعل أهم محرض عليها وداعم لأحد طرفيها دولة الإمارات كيد منفذة للمخططات الصهيونية.
أما الجزء الذي لايقل خطرا فهو تصعيد الخلاف حول سد النهضة إلى مستوى الحرب والمواجهة الدامية بين مصر و إثيوبيا، لتفتح الأخيرة باب استنزاف بالوكالة ضد الجيش المصري الذي يعتبره الكيان أكبر خطر داهم لوجود اسرائيل اذا ما أعادت القاهرة يوما النظر في اتفاقاتها الموروثة مع اسرائيل.
لقد عزز “أبي احمد” تعاونه مع العدو عبر إرسال آلاف الفلاشا اليهود لدعم استيطان الأراضي الفلسطينية، كما برز ذلك خلال حرب الإبادة على غزة، و هناك أخبار مؤكدة عن إرسال آلاف من الجنود للاندماج مع الجيش الصهيوني انحرطوا في عمليات تقتيل الأطفال وضرب المستشفيات.
وقد فككت السلطات المصرية بؤرة الأهداف الصهيونية عبر سد النهضة وقامت مصر بمحاولة الوصول إلى حلول بالطرق العقلانية و الصبر رغم تصميم الطرف الإثيوبي على رفض أية مقترحات عادلة تقي الطرفين من المواجهات وذلك تنفيذا لأجندا إسرائيلية.
أما المسألة التي لا تقل خطرا عن ضرب جزء من مياه النيل فهي مشكلة ميناء “عصب” بإريتريا. ولا يمكننا أن نمر قبل تقديم لمحة عن التاريخ المتعلق بين إثيوبيا و إريتيريا قبل السبعينات حيث كانت أطماع إثيوبيا تمتد لاحتلال ارتيريا غير أنها لاقت صدا مستميتا من الشعب الإريتري رغم دعم الكيان لوجستيا وعسكريا واقتصاديا لاثيوبيا. وانتهت الحرب بفرض استقلال ارتيريا بفضل نضالاتها المستمرة لكن إثيوبيا لم تتخلّ عن أهداف تراها مصيرية وهي ضرورة فتح ممرات و الاستحواذ على ميناء “عصب” الاستراتيجي وقد تحول هذا الميناء اليوم إلى هدف صهيوني إماراتي استراتيجيا وعسكريا واستخباراتيا واقتصاديا للكيان.
و الأكيد أن دور مصر اليوم هو قطع الطريق على أطماع إثيوبيا في هذا الميناء ودعم سلطة إيريتريا عسكريا و لوجستيا و استخباراتيا للدفاع عن أرضها ومينائها الذي يسيل لعاب اسرائيل وعضوها المتحرك الإمارات، ولا يمكن التكهن بمآل الحرب الحالية في إثيوبيا بالذات بين سلطة ابي احمد و الثوار الذين نجحوا هذه المرة في تجميع فصائلهم وسلوك حرب مختلفة عن سابقتها التي انتهت باتفاقيات أمام نقص الأسلحة وقواعد التنظيم العسكري و اللوجستي وتدخل الإمارات لكبح جماح الثوار.
أما اليوم فإن الفصائل قد وصلت إلى اكتساح نقاط ومدن استراتيجية وتهديد سلطة “ابي احمد” ركيزة الكيان الصهيوني ومنفذ خططها. ومن الضروري اليوم أن تسعى مصر و حتى السودان (رغم وضعها الصعب) إلى دعم الثوار لاسقاط حكومة “ابي احمد” استخباراتيا و لوجستيكا وربما عسكريا، ثم إن دعم السلطة الإريترية ينتصب في هرم الأولويات أمام مصر خاصة لضرب أحلام الكيان الهادفة إلى الاستيلاء على إحدى اهم النقاط الاستراتيجية بمداخل الخليج.
لاشك أن المخابرات المصرية قد أبلت البلاء الحسن في مساعدة ثوار “تيغري” وكذلك تحريك بعض البؤر الإضافية لاستنزاف إثيوبيا لكن تبقى ضرورة الوقوف مع الشعب الاريتري مطلوبة واحتضان أية سلطة مفترضة بعد سقوط “ابي احمد” لفتح علاقات جديدة تحتضنها مصر وليس الكيان الغاصب المتآمر.