في الحياة تعترضك أفكار و مواقف و قرارات متّفق عليها من المجتمع الدولي في ظاهرها ارتقاء بالإنسانية و سموّ يرجو سلاسة التواصل بين مكوّناتها رغم الاختلاف … فتشعر بالفخر بالانتماء لهذه الفصيلة الحيوانية الناطقة المفكّرة الذكيّة الضّاحكة.
رضا عزيّز
عندما تقرأ و تسمع و تدرس أن السخرية من السود عنصرية، تعتزّ … و عندما تشاهد شريطا يلحّ بأن السخرية من اليهود هي معاداة للسامية، تفتخر … و عندماتعلم أن السخرية من النساء تزمّت، ترتاح … و عندما تستفيق على أن السخرية من المثليين رجعيّة، تتقبّل الأمر … و عندما تعلم أن السخرية من بقية الأديان بما فيها عبادة النار و البقر و الحجر تعصّب، تحترم الإنسانية … أما عندما تصل إلى ذيل القائمة لتجد أن السخرية من الإسلام و من رسوله الأعظم حريّة تعبير، فلا يمكن أن تمنع نفسك من التعبير و تسأل: لماذا؟
لماذا هذا الكمّ من الاحتقار؟ لماذا هذه النظرة الدونيّة؟ هل للإنسانية مواصفات لا نمتلكها؟ هل لها شروط دقيقة لا نستجيب لها دون غيرنا من البشر؟ لماذا؟ لماذا يعيش المسلم و خاصّة العربي مطأطأ الرأس أينما حلّ؟ حتّى قال أحد الحداثيّين الغربيين ممّن فاضت إنسانيتهم على الكون كلّه: “المسلم الطيب هو المسلم الذي لم يعد مسلما”.
لماذا ينظر إلينا العالم بهذه النظرة الدونيّة و بهذا الصلف و التعالي و الاحتقار؟
يبدو أن سكان الكرة الأرضية باختلاف الحضارات واللغات والعادات ربطوا ربطا نهائيّا بين العرب والمسلمين فهذا يشير إلى ذاك وذاك يحيلهم إلى هذا … وسيطرة العرب على الساحة الجغرافية و العقائدية للعالم الإسلامي جعلت من الكيانين واحدا يتحمّل أحد جزئيه تبعات سلوكيات الآخر …و بما أن الغرب قسّم العرب إلى ثلاثة أصناف لا رابع لها فمن الطبيعي أن تكون أحكامه منطلقها هذا التصنيف …
و لكن علينا أن نعترف أن تصنيف الغرب لنا هو تصنيف منطقي واقعي حفرناه في ذاكرته بأموالنا وأفكارنا وأفعالنا.
الشطر الأول الذي ينتمي إليه أغلبنا هو العربي المسلم الفقير المدقع الذي هجر أراضيه مضطرّا بحثا عن رغيف خبز و سقف يحمي رأسه و ذويه من تسلّط حاكم و جبروته … و هذا النوع هو سهل التأقلم مع وضع رغم حيفه و مرارته يعتبر جنّة مقارنة بماضي عيشه في بلده الأصلي و مسقط رأسه … فينخرط في المنظومة ليصبح خادما مطيعا يمتهن في أغلب الأحيان المهن التي يرفضها المواطن الأصلي تعفّفا وتعاليا.
أما الشطر الثاني فهو العربي المسلم فاحش الثراء السكّير العربيد المقامر زير النساء و هو الشطر المرغوب اللّين المطيع القابل للفرمطة (formatage) ومنه يأخذون احتقار الشطر الأول وازدراءه … و ينتمي إلى هذا الجزء الساسة و القادة و الملوك و الأمراء الذين يشتركون في التشبّث بكرسي مريح و لو كان على جثث الأهل و العشيرة والقيم والمبادئ.
و يبقى الشطر الثالث وهو الأخطر والأكثر تهديدا للأرض والدين والعرض هو ذلك الذي نطلق عليه المثقّف … ذلك الذي تعلّم بلغة الغرب وتبنّى فكر الغرب دون أن يتسلّح بجذوره ليتمكّن من تناول الموروث الجديد نقدا وتشكيكا ومراجعة … فأضحى خادما كالصّنف الأوّل ومطيعا كالصّنف الثاني ومدافعا شرسا عن أفكار الغرب حتى تلك التي تجاوزها الغرب بعد أن اكتشف سذاجتها وتجاوز الزمن لها…
و أخيرا، لماذا؟
لماذا تبقى قائمة و لكن محتواها يتغيّر فعوض أن نسأل لماذا يعاملنا الغرب بهذا الشكل، فلْنسألْ لماذا نحن هكذا؟
بعد قطع الماء والكهرباء وبعض المواد والتهديدات المتلاحقة بالإضرابات العامة والمهنية، جاء دور النقل العمومي ومعاناة سكان الأحواز الجنوبية الأمرّين من تأخر سفرات القطار الرابط بين تونس والرياض (برج السدرية)، والمعروف تاريخيا باسم قطار حمام الأنف.
فمنذ يومين بدأت المشكلة بتأخر مواعيد نقل المسافرين إمعانا في خلق فوضى وإنهاك الدورة الاجتماعية (من شغل ودروس وقضاء حاجات المواطن وعلاجه ومواعيده) لتتولى إنزال كل مسافري الضاحية الجنوبية في محطة جبل الجلود ويصل الوقت الأدنى الذي استنزفه التأخر فضلا عن ساعات انتظار قطار أخر، إلى أكثر من ثلاث ساعات بين انتظار وصول هذا القطار والمرور من محطة جبل الجلود إلى محطة تونس الرئيسية بساحة برشلونة…
لقد حاولت بداية الأمر عدم إيلاء هذا الموضوع أكثر مما يستوجبه الأمر، لكن أمام طول العبث بأوقات الناس ومتاعبهم جراء الوقوف لساعات وتذمراتهم المتعددة، التقطت صورا عن الوضعية المؤسفة ولا شيء في نظري يبرر تعطيل مصالح المواطنين منذ صباح يوم الاثنين إلى يوم الثلاثاء، حيث وصل التذمر والهرج حتى محطة برشلونة، وكأن الأمر جاء تكملة لما عاناه الشعب من انقطاع الماء والكهرباء في عز الصيف…
حالما أنهيت أخذ بعض الصور بادرني شاب في الأربعين تقريبا ليذكرني بأن “التصوير ممنوع” ولما سألته عن صفته أعلمني بأنه ينتمي لسلك الأمن، فشككت في ذلك وطلبت منه الاستظهار ببطاقته فأجابني بأنه ينتمي إلى مصلحة تمنعه من كشف البطاقة، وفيما نحن هكذا تقدم نحوي أخر في حالة هستيرية بائنة، وهنا تجمع المسافرون حوله من نساء ورجال. وأعلمتني إحدى النساء لاحقا بأنها سجلت فيديو يوثّق تدخل الشخص الذي يبدو أنه من شركة النقل الحديدي.
ويوم الأربعاء تواصلت المعضلة وتجرّع المسافرون نفس عذابات التأخير في كل محطات الأحواز الجنوبية ذهابا وإيابا.
إن المطلوب في قطاع حساس مثل قطاع النقل وكل قطاعاتىا الاخرى إيلاء مزيد من المراقبة ومتابعة كل الإخلالات بسرعةن وهذه المهام مناطة بمسؤولية شركة السكك الحديدية ابتداء من الرئيس المدير العام إلى المنظف أو العامل أدنى صنف، إذ كفانا استنزافا لأوقات المواطنين بسبب أي عطب فني أو حادث. إنه لمن المهازل أن يدفع المواطنون من أوقاتهم ومصالحهم وحتى صحتهم، ثمن أي إهمال او تباطؤ لمدة يومين لحد الأن (الثلاثاء و الأربعاء) ولا ندري إن ستتواصل هذه المأساة أكثر.
المطلوب من السلطات العليا إجراء تدقيق في أسباب هذه الإخلالات المتكررة ومن يقف وراءها عن حسن أو سوء نية أو إهمال، ثم لماذا لا تقوم السلطات بالتحقيق في انتدابات الشركة سنوات 2012/ 2013، زمن حشرها بالانتدابات الحزبية للإخوان، إذ تحوم الشكوك حول قانونية التشغيل وقيمة التكوين ومستوى الأعوان والكوادر المنتدبة. نقول هذا بعد أن عاينّا حوادث عديدة وإخلالات متعددة بعيدة عن مستوى خدمات شركة النقل الحديدي ومصلحة المواطنين وسلامتهم.
لن نعود لمناقشة الوضع الذي انقلب إلى مواجهة حامية بين سلطة تمر بصعوبات متولدة أو موروثة وبين عصابات تغوّلت سابقا واكتسحت البلاد وإذا بها اليوم تجد نفسها أمام سياسات تهدد مصالحها بجدية.
في هذا الخضمّ تعيش بلادنا تعسّرا ماليا واضحا، حيث أن الحكومة إلى حدود شهر جويلية الماضي ظلت تقوم بخلاص ديون حكومات سابقة قبل سنة 2016 طبقا لمبدأ استمرارية الدولة، إذ مهما خضعت لمتغيرات فإن على الدولة التي تحترم نفسها خلاص ديون كافة حكوماتها صالحة كانت أم طالحة، وإن كان هذا الخلاص على حساب الميزانية العامة. اي كان بالإمكان توجيه الأموال نحو التنمية أو تأهيل قطاعات حساسة،
وقد أشرنا بجريدة جلنار خلال الأسبوع الماضي إلى الصراع بين المافيا المالية والسياسية من جهة وبين الشعب الذي يدفع الثمن من جهة أخرى، من خلال التنكيل به عن طريق حرق الغابات أو المزارع حتى تهديد المساكن وأيضا وخاصة عبر قطع ماء الحنفيات والماء المعدني لأيام لعل أقلها يومين أو ثلاثة وقد تستمر إلى حدود كتابة هذه السطور وهو عار في وجه تونس وابتزاز واستنزاف للسلطة عبر الانتقام من الشعب المسكين واختياراته.
نقول هذا ولم نجد أي شرح مقنع لجر الشعب تحت طائلة هذه المعاناة في أشد أيام الصيف حرارة و قيظا وشواظا كما يقال والآن إذ نرجو أن يقع الحد من المأساة وإنهاء هذه الازمة الخطيرة بكل ذرائعها وخلفياتها وتحاليل أسبابها وربطها مع زمر العملاء بالداخل والخارج، فإن الواجب الصحفي يدفعنا إلى عدد من الاستنتاجات والدعوات لعدم إعادة هذه المأساة التي مرّ ـ ويمر ّـ بها شعبنا وكأننا في حالة حرب ولم ينقص “موسوعتهم الحربية” إلا الاختباء في الخنادق والكهوف.
إن المشاكل برمتها من قطع اماء والكهرباء تعود إلى مسؤولية المتصرفين في سير هذه المرافق من وزراء إلى مدراء عامين إلى مصالح الصيانة وحتى إلى السلطة العلياـ إذ كان بالإمكان تغليب الوطنية والقواعد المهنية وحتى الإنسانية قبل دخول فصل الصيف كل سنة وابتداء من شهر افريل للقيام بكل المتطلبات والخدمات والتحضيرات والاحتياطات لضمان الكهرباء والماء حتى لا نجد أنفسنا في مطب التاويلات والتحقيقات والاستنتاجات صحيحة كانت أو قريبة من الصحةـ فالمسؤولية مناطة أساسا بقادة المؤسسات الحساسة.
هذا أولا دون أي إهمال او ارتخاء أو عدم تقييم او استشراف للحاجيات وطاقة توفيرها وكذلك لارتفاع الاستهلاك خلال فصل الصيف خاصة، أما المسؤولية الثانية فتقع حتما على الدولة التي لم توفق في ضمان مخزون مياه معدنية لتلبية حاجيات المواطنين وترك هؤلاء المسؤلين يرتكابون اغلاطا استراتيجية خطيرة تمس أمن البلاد دون عقاب على فشلهم الفادح وعدم قدرتهم على تسيير أهم القطاعات حساسية بعد الأمن والجيش.
ثم إن هذه الانقطاعات قد عادت بعد الضغوط السياسية سنة 2023 و2024 عندما تم إفراغ كل المحلات التجارية من المواد الغذائية وكان من الضروري مراجعة مواقع هذه البؤر و الخلايا المتحركة ضد الشعب المسكين و أول هذه التحقيقات والتدقيقات تكون عن قائمة “الكوادر” التي تمت صناعتها خلال العشرية الماضية وأصبحت تتحرك من مراتب عالية رغم عقليتها السفلى.
ان مراجعة كاملة للإدارة والمؤسسات الوطنية وتنقينها من هذه البؤر أصبح أولوية إذا كنا نرغب فعلا في تأهيل إدارة أصابها الوهن والفساد وزادتها السنوات العجاف المعروفة فسادا ووهنا أكثر واستقالة وخلوّا فاحشا من الروح الوطنية عند إسداء الخدمات لعموم المواطنين… وتحيا تونس على كل حال.
لا شك أن المافيات المالية التي تواجهها سلطة قائمة انتخبها الشعب بأغلبية ساحقة طبقا لاختياراته، ستشحذ كل جهودها وإمكانياتها لضرب هذا الشعب في قوته ورفاهه وحتى مائه.
تلك هي الإمكانيات التي تلتجئ إليها المافيا المالية المتركبة عادة من البورجوازية الصغيرة والمتوسطة التي تتحكم فيها بعض الأطراف السياسية التي تعترضها مصاعب جمة في كسب قواعد شعبية أو توسيع قواعدها، ومن الطبيعي أن تضاعف جهودها ضمن الأطر الوطنية الطبيعية القانونية غير أن الأمر لم يكن طبقا لذلك بل تجاوز الاخلاقيات السياسية وقواعد الصراعات إلى مستويات ضحلة شكلا ومضمونا.
أما على مستوى الشكل فقد كان الخطاب بل العناوين التي رفعت خلال المسيرات والمظاهرات لا تحمل بين صيغها وكلماتها ومعارضتها للنظام إلا صورا عما آلت اليه المعارضة أو على الأقل شريحة منها، ونخص بالذكر بعض تابعي الجهة الإخوانية التي اندمجت معها بعض زمر الدستوريين الذين تربوا وساهموا في فترة الحزب الواحد والإعلام الواحد والرئيس مدى الحياة و باركوا العصي البوليسية التي ترتفع إلى الأعلى لتنزل على رؤوس المتظاهرين حينها أو القنابل وسجون برج الرومي والنفي لرجيم معتوق في قلب الصحراء.
أما عن مرحلة مابعد انتفاضة 2011 فلا لزوم لتذكيرهم بالرش والتهديدات بالسحل ضد المتظاهرين واعتداءات بؤر “حماية الثورة”. ويبدو أن هذه المرحلة قد كشفت عن تحركات ممنهجة من المافيا المالية ومليشياتها. وحربها في واقع الأمر لا اسم لها سوى إرهاق شعب مرهق أصلا واستعمال أسباب معيشته للضغط كآليات حرب ضد السلطة، وقد عادوا في هذه الفترة إلى موجة 2023 حين قطعوا المواد الغذائية الأساسية والزيت والقهوة والسكر وبقية المواد التي تمس المواطن في حياته اليومية، بهدف دفعه إلى الشارع ضد النظام. ففشلت تلك المحاولة رغم تأثيرها الحاد وتم كشف مخازن لم يتم إدماجها عنوة للهدف المذكور
يبدو خلال هذه المرحلة التي اتسمت بمزيد محاولات التطاول على السلطة و الاحتماء بـ”الغرف المظلمة” وبجهات أجنبية لم تر منها تونس إلا التفرقة والإرهاب والتدخل السافر وقد تبين أن بعض بؤر البورجوازية والمافيات المالية المتوجسة من المحاسبة قد لعبت هذه المرة دورا خسيسا ضد الشعب الذي تمسك بخياراته، فمن الإضراب العشوائي لشل الحركة الاقتصادية الوطنية إلى تقليص أو قطع تزويد السوق بمياه الشرب وقطع ترويج بعض المواد الأخرى مثل السكر أو غيره في حين كانت عشرات الشركات المتمعشة من مياه الشعب تحاول ضخ كميات يومية، هل هي صدفة موازية للتحركات المعارضة للسلطة؟؟ ولماذا تقع خلال هذا الصيف بالذات؟ فالذرائع تختلف بين من يؤكد نقص القوارير البلاستيكية وآخر يشير إلى عجز معمل أغطية القوارير هكذا وفجأة..
ولكن عوض أن تضرب السلطة على بعض هذه الأيدي الوسخة التي تتلاعب بضروريات الشعب الأساسية الحياتية نرى زيادة أسعار الماء المعدني، وكان المنتظر و المطلوب تأميم هذا القطاع الحيوي أو غلق أي شركة مياه معدنية تتلاعب بمصلحة الشعب، أو على الاقل الترفيع في الأداء الرمزي على اللتر من الماء ضد هذه الشركات و النظر بجدية لكسر الـ monopole المتمثل في صناعة القوارير و الأغطية.
ن الصراع مع المافيا المالية التي تتاجر بقوت الشعب انتقاما من اختيارته وبعض شرائح المعارضة التي انزلقت إلى مستنقع التطاول والخطاب المنحط لن يزيد السلطة القائمة إلا شعبية وتمسكا بها مادامت تلك المعارضة قد نجحت فقط في الكشف عن وجهها البائس.